مفارقات (2) – العلمانيون والمعتزلة وأصحاب الكبائر ~

06/12/2014 عند 19:59 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

mofarakat 02

.

لقد سبق منذ أيامٍ قليلةٍ الحديثُ عن مفارقةٍ تخص أصحاب ما يسمى بـ (الإسلام لايت) أو (الإسلام الأمريكي)، وكيف يظهر تهافتهم الشديد واتباعهم للهوى والشهوات، وكان المثال المضروب على ذلك تناقضهم في الإمام ابن حزمٍ رحمه الله، وكيف تورَّطوا في تلك المفارقة الطريفة بين (إباحة المعازف) وبين (الشدة على المخالف).

وقد طافت بي بعض التأملات في مفارقةٍ مشابهة، تكشف تناقض كل من يترك الدليل ويتبع الهوى، والمقصود بذلك هذه المرة طائفة (العلمانيين) وعلاقتهم بتراث فرقة (المعتزلة)، وموطن المفارقة هنا هو مسألة (التكفير وأصحاب الكبائر).

وكل ما سأذكره الآن في هذا المقال هو مصداقٌ لقول القائل: “كل من خالف السنَّة تناقض.”

من المعروف لدى الجميع أن العلمانيين في عالمنا الإسلامي متيَّمون بتراث المعتزلة، بل نستطيع القول بأن العلمانية لم تنتشر بين المسلمين إلا عن طريق أولئك الذين أحيوا أفكار الاعتزال بعد مواتها، فكانوا أشبه بـ (حصان طروادة) نُقلت في داخله العلمانية الغربية إلى المجتمعات المسلمة، بحيث كان الاعتزال هو الشبهة، وكان هو القناع الإسلامي الذي استطاعت العلمانية أن تخفي وراءه وجهها الكريه البشع، لكي تجد لها موطئ قدمٍ داخل المجتمع المسلم الغارق في شهواته، والغافل عن حقيقة دينه العظيم.

وما زال العلمانيون إلى اليوم يمجِّدون تراث الاعتزال، وينشرونه، ويدعون إليه بحماسةٍ بالغة، ويحتجُّون بأقوال علمائه، وربما ذرفوا دموع الحسرة والأسى على التفريط فيه وإهماله، وتنحيته عن واقع المسلمين في هذا الزمن العصيب!

والعلماني إذا تديَّن اعتزل، لأنه ما من مذهبٍ يمكن أن يوافق أهواءه المنحرفة إلا مذهب المعتزلة البائد. ثم إن هؤلاء القوم لم يفتؤوا يحاربون السنَّة وأهلها، والحديث النبوي وأهله، وإذا أراد أحدهم الحِجاج بالدين أخرج سيف الاعتزال الخشبي، وشرع يلوِّح به في وجه مخالفيه!

والطريف في هذا الأمر أن العلماني لا يكون في أبواب الإيمان إلا مرجئاً مغالياً، إلى درجة أن يلغي لفظة (الكفر) من قاموسه بتاتاً، فليس هناك كافرٌ على وجه الأرض! ثم إذا أراد مهاجمة أهل السنَّة رماهم بأنهم (تكفيريون)، وبأنهم (يكفِّرون الناس)، ويشنُّ العلماني عليهم حرباً شرسةً حقيرةً بسبب ذلك.

فهذا هو العلماني عندما يتدين؛ هو مرجئٌ من غلاتهم، ويدعو إلى الاعتزال وينتصر له في نفس الوقت!

فلهؤلاء نقول: اعلم أيها العلماني اللبيب – وأنت سيد العارفين! – أن مذهب المعتزلة الذي تحبه وتناصره وتدعو إليه، هو من أكثر المذاهب تطرفاً في التكفير، بل إن منشأه كان بسبب هذا الموضوع بالذات، فمن الأصول الخمسة لمذهب الاعتزال ما يسمى بـ (المنزلة بين المنزلتين)، ومنه كان منشأ المذهب، ومقتضى هذا الأصل أن المعتزلة ينفون الإيمان عن مرتكب الكبيرة، فهو عندهم ليس مؤمناً وليس كافراً، بل في منزلةٍ بين المنزلتين، بمعنى (بين الإيمان والكفر)، وإذا توفي مرتكب الكبيرة دون توبةٍ فإنه يموت كافراً، ويكون جزاؤه الأخروي أن يخلَّد في نار جهنم مع الكفار والمشركين أبد الآبدين.

وقد كان المعتزلة إبان حكمهم أيام الدولة العباسية، قد بلغوا المنتهى في التطرف والتكفير للمسلمين دون حق، وفي فرض الأقوال الباطلة والعقائد الفاسدة عليهم بحد السيف، ولهم في ذلك تاريخٌ وحشيٌّ دمويٌّ معروف.

ثم إنك أيها العلماني الحصيف، ورغم اعتناقك لمذهب الاعتزال التكفيري المتطرف، نجدك من أشد الدعاة حماسةً لمبدأ (الحرية)، والحرية عندك تشمل كل شيءٍ تقريباً، بما في ذلك حرية الكفر والردة، وحرية ارتكاب المعاصي بأنواعها، وأيضاً ويا للتناقض، حرية ارتكاب الكبائر!

فهل تطاوعك نفسك ويسمح لك ضميرك إن كان عندك ضمير، وكنت واعياً بما تقوله وتدعو إليه، أن تعتنق مذهباً يكفِّر مرتكب الكبيرة إن مات دون توبة، ثم تدعو في الوقت عينه إلى حرية ارتكاب الكبائر، وتبذل الغالي والنفيس من أجل نشر ذلك بين المسلمين، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا؟

ألا ترى أنك بهذا، ووفقاً لمذهبك أنت، تغشُّ أتباعك غشاً فاضحاً، وتخونهم خيانةً علميةً وأخلاقيةً فجة، وتدعوهم إلى ما هو كفرٌ عندكم في عقيدتكم، وتقودهم بحسب مذهبكم الذي تتمذهبون به إلى الخلود في النار والعياذ بالله؟

ألستَ بهذا الذي تفعله جديراً بوصف (الداعي على أبواب جهنم)؟

إن مذهب أهل السنة والجماعة الذي تتهمه أنت بالتكفير، هو أرحب المذاهب في هذا الأمر وأوسعها فيه باباً، فلا تكفير إلا لمن كفَّره الله ورسوله بدليلٍ واضحٍ من الوحي المعصوم، واضحٍ وضوح الشمس في رائعة النهار، مع صرامةٍ شديدة في ذلك، ونهيٍ قاطعٍ عن تكفير المسلمين دون علم، وإخراجهم من الدين بالشبهات وإن قويت، فضلاً عن الذنوب والمعاصي صغيرةً كانت أو كبيرة.

وأما مرتكب الكبيرة من المسلمين عند أهل السنة والجماعة، فلا يُنفى عنه الإيمان مطلقاً، ولا يكفَّر بمجرد كبيرته، وإن مات دون توبةٍ فهو يموت مسلماً، وتجري عليه أحكام المسلمين في الميراث والغسل والكفن والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ويكون معرَّضاً لعقوبة الله التي توعَّد بها أهل معصيته، والتي قد تصيبه بقدر الله وقد ينجو منها بما ينجو به أهل الإسلام، ولا يخلَّد في النار أبداً، وتُرجى له مع ذلك مغفرةُ الله ورحمته، حتى وإن زنا كل يوم، وإن سرق، وقتل، وأكل الربا، وأسرف على نفسه في كل الذنوب والمعاصي، ومات عليها دون توبة، فهو مسلمٌ رغم كل ذلك، ما دام موحداً غير مشركٍ بالله إلهاً آخر، وما دام إتيانه لتلك الكبائر عن ضعفٍ وغلبة شهوة، وليس عن استحلالٍ لها وتكذيبٍ للوحي المعصوم.

فهذه هي عقيدة أهل السنة في أصحاب الكبائر، وهي عقيدة من يتبعون دليل الوحي، ويقولون الحق، ويرحمون الخلق، ويحكمون في المسائل كلها بعلمٍ وعدل، ودونك فقارنها بعقيدة الاعتزال هذه التي تدعو أنت إليها وتنتصر لها بكل قوتك، ثم انظر بنفسك أي الفريقين هو التكفيري المتطرف.

19/11/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: