المغالطات المنطقية – عادل مصطفى

18/07/2020 عند 12:05 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: المغالطات المنطقية

لمؤلفه: عادل مصطفى

صدر عام: 2007

.

=====

يُعدُّ كتاب (المغالطات المنطقية) أحد أهمِّ المراجع العربية التي تناولت أساليب التفكير العقلي وطرائق الاستدلال المنطقي، وكان الدافع إلى تأليفه -كما صرَّح بذلك الكاتب- ما يراه من الانتشار المهول للمغالطات المنطقية في أحاديثنا اليومية وأساليب تفكيرنا وتعاملاتنا الخاصة، وكذا في الإعلام والإعلان والسياسة وشتى مناحي الحياة، فكان هذا الكتاب إسهاماً منه في بيان أساليب الاستدلال السليمة وفرْقِ ما بينها وبين المغالطات المنطقية، وذلك نحو مزيد من صقل العقول وتجويد الأفكار وتحسين طرق التفكير والاستدلال بما يرتقي بالإنسان إلى آفاق أوسع من الوعي بالذات والواقع، ومن ثمَّ إلى مزيد من الاعتدال في الفكر والسلوك.

يضمُّ الكتاب أكثر من ثلاثين مغالطة منطقية تناولها الكاتب بالشرح والتفسير المرصَّع بالأمثلة الميسِّرة للفهم، ولقد كان إبحاري في صفحات هذا الكتاب واحدةً من أجمل التجارب القرائية التي مررتُ بها في حياتي، وذلك لأن الكاتب جمع إلى جمال الموضوع وأهميته سلاسة الشرح وتبسيط الطرح، إضافة إلى أسلوب لغوي شديد العذوبة يرقى إلى أن يكون أسلوباً أدبياً بالغ الإمتاع. فهو إذن كتاب فكري كُتب بأسلوب أدبي، واستطاع أن ينزل بموضوع معقد إلى مستوى يتيح فهمه لكل الأطياف الثقافية والفكرية.

وفيما يلي بعض الملاحظات والخواطر التي خرجتُ بها من الكتاب:

⁃ ينبغي على قارئ هذا الكاتب أن يكون واعياً بأنه لا يقدم الفرق بين صواب (الفكرة) وخطئها، وإنما الكتاب يُعنى بصواب (الاستدلال) من خطئه. بمعنى أن الفكرة قد تكون صحيحةً تماماً لكن الاستدلال عنها استدلالٌ مُغالِط، والاستدلال المُغالِط ثغرة تتيح للخصم إسقاط الفكرة وإظهارها بمظهر التهافت، ومن ثمَّ فالعناية بقوة الاستدلال وتبرئته من المغالطات المنطقية خير وسيلة للانتصار للفكرة وتجلية وجه الحق.

⁃ مهما أمعن الإنسان في دراسة المغالطات المنطقية، فإن نجاته منها أمر مستحيل قطعاً. وقوع الإنسان في التفكير المُغالط حتمية لا مفر منها، والهدف من دراسة المغالطات إنما هو فقط محاولة التقليل منها عبر زيادة الوعي بها، أما البراءة التامة منها فمعناها ارتقاء التفكير الإنساني إلى مستوى يفوق القدرة البشرية، إلى الحياد الكامل والموضوعية المطلقة، إلى مستوى يمكن أن نصفه بأنه (إلهي)، وذلك مستحيل بطبيعة الحال لأن الإنسان ليس إلهاً ولن يكون.

⁃ تنبع المغالطات المنطقية من الأهواء المتأصلة في صميم التكوين البشري، ولا يخلو إنسان من هوى أبداً، ومن ثمَّ فوقوعه في المغالطة المنطقية، لتبرير هواه أمام عقله وضميره، ولو بشكل غير واعٍ، حتمٌ لا مفرَّ منه.

⁃ انتقد بعضهم في الكتاب اشتمالَه على مغالطات منطقية شديدة التشابه، ما يجعل التمييز بينها أمراً عسيراً. وهذا الانتقاد في رأيي لا وجه له، لأن المغالطات المذكورة في الكتاب، مهما تشابهت، فإن بينها فروقاً دقيقة تجعل من كل واحدة منها مغالطة مستقلة بذاتها ولها اسم مختلف، وتطرُّقُ الكاتب إليها مع بيان الفروق الدقيقة بينها هو مما يُحسب له لا عليه.

⁃ انتُقد في الكتاب، أيضاً، خلوُّه مما يدعم (الهوية الإسلامية)، ومما يردُّ شبهات الملحدين، بل على العكس من ذلك، قيل بأن الكتاب قدَّم للملاحدة سلاحاً سهلاً لمهاجمة الإسلام، ورمي المسلمين بالوقوع في المغالطات المنطقية في استدلالاتهم على عقائدهم. وتعليقاً على هذه النقطة أقول بأن من الواضح في أسلوب الكاتب ميلُه نحو الحياد المطلق والتجرُّد التام من كل معتقَد إلا التفكير المنطقي وحده، فضلاً عن تبعيته الفكرية الواضحة للفلاسفة الغربيين، وهو ما جعل الكتاب في عرضه للمغالطات المنطقية كتاباً (محايداً)، بل تغلب عليه النزعة المادية، لا ينتصر للإسلام ولا للإلحاد ولا لأي شيء آخر إلا الاستدلال العقلي السليم، وبذلك فهو لا يقدم للملاحدة سلاحاً لمهاجمة الإسلام إلا بقدر ما يقدم للمسلمين سلاحاً لمهاجمة الإلحاد. بمعنى أنه كتابٌ يُعنى بـ (أدوات التفكير) أكثر مما يُعنى بالأفكار ذاتها.

⁃ كنت أتمنى لو أن الكاتب أبدى ارتباطاً أكثر بهويته الإسلامية، لا سيما وأن له أسلوباً أدبياً يدلُّ على سعة اطلاعه على الآداب العربية والتراث الإسلامي، لكن تعلُّقه بالنزعات الفلسفية المادية كان هو الغالب عليه مع الأسف، وستظهر تلك النزعة بشكل أكثر وضوحاً في كتابه القادم (الحنين إلى الخرافة).

وفي الختام أقول، بأن نواقص الكتاب وما انتُقد فيه، بالحق أو الباطل، لا ينفي كونه واحداً من أجمل الكتب التي يُمكن قراءتها، وأكثرها حفولاً بالفوائد العلمية والمنطقية المقدَّمة بطريقة ميسَّرة، وبأسلوب أدبي عذب جعل من تجربة قراءته متعة حقيقية لا تُنسى.

#أنس_سعيد_محمد

#المغالطات_المنطقية

18/07/2020

كافكا في طنجة – محمد سعيد احجيوج

13/07/2020 عند 09:22 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: كافكا في طنجة

لمؤلفها: محمد سعيد احجيوج

صدرت عام: 2020

.

=====

أول ما يلفت الانتباه في هذه الرواية عنوانُها الموحي، ووجه الإيحاء فيه اشتمالُه على لفظتين مثيرتين للاهتمام وربما للفضول: (كافكا) و(طنجة).

أول ما يتبادر إلى الذهن حين تُقرأ لفظة (كافكا)؛ العوالم الكابوسية المظلمة للكاتب التشيكي (فرانز كافكا)، وأول ما يرد على الخاطر حين تُقرأ لفظة (طنجة) مدينتنا المغربية التي تعوَّدنا أن نرى هيام الأدباء بها حباً. فهي إذن مشاعر من التوجُّس والتناقض تخطر لنا حين نقرأ عنوان الرواية (كافكا في طنجة)، وهو عنوانٌ منذرٌ بشيء غير مريح ما سيمسُّ -مساً أدبياً- مدينة طنجة، وستكون لذلك الشيء علاقة ما بـ (كافكا) ومفرداته المقبضة التي تُعدُّ (الحشرة الآدمية العملاقة) واحدةً من أشهرها.

أيضاً، من الظلال التي يلقي بها العنوان (المتناقض) على الذهن ما قد نتوقعه من رواية تنتمي إلى ما يمكن أن نسميه (الأدب الطنجي)، وإنه لمما يدعو للأسف الشديد أن مدينةً مثل طنجة بمكانتها العالمية المتميزة -تاريخياً وحضارياً وسياحياً- لم تحظ حتى الآن بمحاولات روائية جادة من أبنائها، ما يجعل الحضور الأدبي لطنجة في المشهد العربي باهتاً ضامراً بشدة، حتى إن كل ما نراه من حولنا -في الوقت الحالي- محاولاتٌ صبيانيةٌ موغلةٌ في الضحالة والسطحية، عاريةٌ عن أية قيمة أدبية تُذكر، ومكتفيةٌ اكتفاءً تاماً بالتغني بأمجاد الماضي (حقيقيةً كانت أم متوهَّمة)، والتغزُّل المفرط غير العقلاني بالمدينة، إضافةً إلى ما تتَّسم به من التقوقع الشديد على الذات والشوفينية المرَضية، والأسلوب الكسيح المفتقر لأبسط أبجديات البلاغة العربية. فهل تعزف رواية (كافكا في طنجة) على نفس هذه النغمة النشاز؟ وهل هي امتدادٌ رتيبٌ آخر لذلك اللحن الممل المكرور؟

لكأنَّ عنوان الرواية نفسه يهمس لنا مجيباً عن هذا السؤال بـ: لا. ولكأنَّه يعِدنا بنغمة أدبية جديدة ننظر من خلالها إلى طنجة نظرة مغايرة لما تعوَّدنا عليه في بقية المحاولات الأدبية الضحلة. ويأتي متن الرواية ليؤكد لنا ما وعدَنا به عنوانها، ولنكتشف عبر فصولها وبين سطورها زاوية أخرى للرؤية، ومعالجة أدبية جديدة على مستوى الشكل والمضمون، حيث يقف بنا المسخ الكافكوي الطنجي في أعلى سطح بناية في المدينة، ثم يهبنا -بحيلة سحرية ما- قدرة خارقة على الإبصار البانورامي الشامل المخترق للمسافات والجدران، ليعرِّي لنا واقعاً اجتماعياً أليماً لعله لا يقل إظلاماً وكابوسية على عوالم (كافكا) نفسه…

الرواية صغيرة الحجم، يمكن إنهاؤها في جلسة واحدة أو جلستين، وهي تستعير استعارةً صريحةً مباشِرةً حبكة الرواية الكافكوية الشهيرة (التحول)، مع تغيير غير جوهري في نوعية انمساخ البطل، ثم إنها تسلط لنا الضوء -بعد ذلك- على انعكاس ذلك (الانمساخ) على الأسرة الصغيرة التي يعيش البطل في كنفها، ثم ننتقل إلى زاوية أعرض للرؤية بحيث تتكشَّف لنا قبائح اجتماعية وأخلاقية كثيرة، ويماط اللثام عن ظواهر أليمة ما هي في الواقع إلا أعراضٌ لأمراض متأصلة في المجتمع كالفقر والظلم والاستغلال، وفي النفس البشرية كالطمع والأنانية والخيانة وغير ذلك…

ظلَّت الرواية محافظةً على غموضها، إذ لم نعرف قطُّ سبب انمساخ البطل، كما أن مصيره النهائي ظلَّ غامضاً رغم التطرق له بشكل عابر لا يشفي الفضول.

أسلوب الرواية يتميز بموضوعيته ودقَّته، وهو على جانب من رشاقة العبارة والقدرة على الاختصار وأداء الفكرة بكلمات قليلة كافية، لكنه يفتقر للصور الشاعرية والزخرفات البلاغية، وهو -في الحقيقة- افتقارٌ لم يضرَّ الرواية في شيء لأن أسلوبها الذي كُتبت به جاء ملائماً تماماً لمضمونها، مفصَّلاً على مقاس أجوائها وما تهدف إلى قوله ومصارحة القارئ به.

اختيار عناوين الفصول من أسماء الروايات الشهيرة كانت فكرة جميلة وموحية، وقد رأيتُ هذا الاختيار الفني الموفق في روايتين مغربيتين أخريين سيأتي الحديث عنهما قريباً إن شاء الله.

حاول الكاتب الخروج عن المألوف في شخصية الراوي، فرغم أن الضمير هو ضمير الغائب إلا أن ثمة جانباً ذاتياً للرواي تمت الإشارة إليه في بداية الرواية، إذ أوحى لنا الكاتب بأن روايته تُحكى على لسان كائن شيطاني غامض عابر للعصور، لكن هذه الإشارة ظلَّت مقتصرة على الصفحات الأولى فقط، وسرعان ما تُنسى مع توالي الأحداث، لذلك كان من الأفضل أن يعود الكاتب -بطريقة ما- للإشارة إلى الكيان الشيطاني الغامض للراوي المجهول، وذلك حتى يتذكره القارئ، ولا ينساق مع الأجواء الكلاسيكية المعتادة لـ (الراوي العليم) المجهول المحايد.

يُذكر أيضاً أن الفصول المعنونة بـ (الأيام)، رواية طه حسين الشهيرة، قد كُتبت بضمير المتكلم، في تنويعة موفقة أيضاً لأسلوب الراوي العليم.

وأما فيما يخص الانتقادات؛ فإن أول ما خطر ببالي منها ردود أفعال أفراد الأسرة بعد أن اكتشفوا كارثة (الانمساخ) التي حلَّت بالبطل، وهي ردود أفعال بدت باردة إلى حد كبير، ولا تليق بالحجم الكارثي الهائل للواقعة، حتى إن معظمهم عادوا يتصرفون وفقاً لما اعتادوا عليه في حيواتهم اليومية بسرعة فائقة، وحتى دون أن يُهرَعوا لإسعاف البطل ومعرفة ما حلَّ به. نعم كانت هناك تفسيراتٌ لما حدث بالسحر ومحاولاتٌ لعلاجه بالشعوذة، لكنها جاءت متأخرة وفي جو عام من الاستسلام السلبي المستحيل في الواقع. إن حدثاً كارثياً بذلك الحجم كان يستحق ضجيجاً أكبر وهستيريا نسائية -ورجالية أيضاً- أعظم بكثير مما تمَّ وصفه في الرواية.

وأيضاً، كان ثمة في الرواية من الأوصاف ما يهدف لإثارة اشمئزاز القارئ، وبعض تلك الأوصاف -مثل ما صار يشربه المسخ- لم يكن لها داعٍ على الإطلاق، إذ إن بوسع الكاتب أن يؤدي المعاني الكابوسية المظلمة دون مبالغة في إثارة اشمئزاز القارئ.

نلاحظ أيضاً حضور الرواية الأصل (التحول) في روايتنا هذه، وقد روى لنا الكاتب ملخَّصها بطريقة مباشرة (حرقتها) على من لم يقرؤوها بعد، لذلك كان من الأفضل برأيي الاكتفاء بالإشارة البعيدة إليها دون روايتها كاملة وكشف نهايتها للقارئ.

ومما انتقدته أيضاً في الرواية تحوُّلها عن موضوعها الأساسي إلى قصص جانبية لا تفيد حبكتها في شيء رغم أخذها مساحة كبيرة من صفحاتها، لا سيما وأن ذلك كان على حساب منعطفات جوهرية لم تأخذ حقها الكافي من الوصف، ما أوقع الرواية في خلل درامي (التطويل في قصص جانبية مع الاختصار في القصة الرئيسة). وأعني هنا تحديداً استرسال الكاتب في سرد قصة حياة والد البطل، مسلطاً عليه بذلك من الأضواء ما لم يحظى به البطل نفسه، لا سيما وأن نهاية البطل جاءت مختصرة وغامضة لا تروي فضول القارئ.

لستُ ضد القصص الجانبية والاسترسال في الوصف والسرد، لكن ينبغي أن يكون ذلك بحيث يُحفظ للرواية توازنُها، وبحيث تحظى كل شخصية (رئيسية أو ثانوية) بحضور يناسب حجمها وأهميتها في الرواية. ولقد كانت الرواية قصيرة من أساسها، قليلة عدد الصفحات، لذلك كان بوسع الكاتب أن يسترسل أكثر في توصيف مصير البطل، لأنه يظل في النهاية (البطل) ويجب أن يظل دائماً في مركز الضوء لا سيما في النهاية.

وفي الختام أعود إلى ما بدأتُ به هذه المراجعة، وأقول بأن رواية (كافكا في طنجة) تشكل (تحولاً) جوهرياً في نمطية الأدب الطنجي، وهو تحوُّلٌ صحيٌّ ومطلوبٌ جداً، لا سيما في زمن الانفتاح على العالم والتعامل مع دور النشر التي تضمن الانتشار الواسع في مكتبات العالم العربي. ولأنها أول رواية منشورة للكاتب فإني أعدُّها خطوةً أولى في طريق صحيح، وأؤكد كذلك على أني متفائلٌ بجديد الكاتب، ومراهنٌ على قدرته المساهمة في نقل الأدب الطنجي من التقوقع النوستالجي والشوفينية المرَضية إلى آفاق أرحب وأكثر نضجاً وانفتاحاً على الذات وعلى العالم…

#أنس_سعيد_محمد

#كافكا_في_طنجة

12/07/2020

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.