ذيل الثعبان – عبد السميع بنصابر

25/02/2021 عند 13:15 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: ذيل الثعبان

لمؤلفها: عبد السميع بنصابر

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2019

.

=====

* مقدمةمفارقة الروائي والرواية:

كان انطباعي حول هذه الرواية ليكون مختلفاً تماماً لولا معرفتي الفيسبوكية القديمة بمؤلفها، والتي ترجع إلى سنوات عديدة خلت كان المؤلف فيها ضمن قائمة أصدقائي، بحسابٍ قديمٍ كان له.

عبد السميع قاصٌّ مغربيٌّ موهوب، ومن أبرز ما يتميَّز به حسُّه الفكاهي المتطور المنعكس على حضوره الفيسبوكي الخفيف الظل، وعلى ما ينشره من أكتوبات وقصص قصيرة تعبِّر عن ذكاء لغوي وقَّاد وقدرة كبيرة على استخلاص الجوانب الكوميدية من الأشياء ثم التلاعب بالألفاظ لصياغتها بطريقة تنتزع منك الابتسامة، بل والضحكة، رغماً عنك مهما يكن مزاجك.

ذلك “التهيؤ للضحك” هو أول شعور يُستدعى إلى النفس كلما وقعت العين على منشور جديد لعبد السميع، وما كان لهذا الشعور الأولي إلا أن يفرض نفسه بإزاء عمله الروائي الكامل قبل الشروع في قراءته، وهنا تتملكنا الدهشة حين نقرأ النبذات المختصرة عن العمل، ومراجعات من سبقونا لقراءته، إذ نجدها تعبِّر عن عمل “جاد” يناقض تماماً ما تعودنا عليه من الكاتب في حضوره الفيسبوكي، ومن ثمَّ تشحننا بفضول الاطلاع على “الوجه الآخر” للكاتب الذي لم تستقرَّ صورته في الذهن إلا ضاحكاً تتوِّج رأسَه كُبَّةُ شَعر هائلة، ساخراً من “الستاتي” ومترجماً إلى العربية الفصحى أغاني الشاب بلال!

كان ذلك الفضول الجميل واحداً من أقوى دوافع قراءتي للرواية، ولا أخفي أن فصولها الأولى أوقعتني في حالة من الانفصام العجيب بين جدية ما أقرأ وتصوُّري المسبق لشخصية الكاتب المقترنة دائماً بالضحك، لأجد نفسي أمام واحدة من أشد حالات “التقمص الروائي” التي قرأتها إتقاناً، وهو تقمصٌ اتخذ أشكالاً عديدة إضافة إلى جدية العمل؛ إذ نجد الراوي الذي وُضعت الرواية على لسانه كهلاً يكبر الكاتب بعقود، ثم إنه أمريكي الجنسية وليس مغربياً، وذو تخصص يخالف فيما أعلم تخصص الكاتب، بل إن أحداث الرواية تدور في أماكن بعيدة عن محلِّ إقامته، لذلك وجدتُني إذا اندمجتُ في القراءة أنسى الكاتب تماماً كأني أقرأ لشخص آخر، ثم قد تلوح مني نظرة عفوية إلى الغلاف فأتذكر اسم الكاتب فأتعجب مما أقرأ! وسواء أكنتُ مؤيداً لمحاولات التملص التام من ذات الروائي أو معارضاً لها، إلا أني لا أملك، من وجهة نظر موضوعية، إلا الإشادة بجودة ذلك التملص، وبما يشي به من جهد مبذول واشتغال عميق، هذا دون أن نُغفل أن استعمال لفظة “تملص” هو على سبيل التجوُّز فقط؛ إذ إن خروج الكاتب من ذاته أمر مستحيل، وإذا أدهشنا شيء مما قد نظنه خروجاً عن الذات فلا يجب أن ننسى أنه في حقيقة الأمر ليس خروجاً، بل كشف -إرادي أو غير إرادي- عن مستويات مختلفة من تلك الذات نفسها، تدل على ثراء الشخصية واتساع طيفها.

* انطباعات حول الرواية:

– تنتمي رواية (ذيل الثعبان) إلى نمط روايات التحقيق التاريخي، والذي يعتمد في الغالب على حبكة مطروقة تتمثل في العثور على مخطوطات أو آثار قديمة، ثم بتتبع خيوطها نتوصل إلى حقائق مفاجئة لها أصول في أعماق التاريخ وآثار وخيمة ممتدة إلى عصرنا هذا. هذا النمط الروائي صعب التنفيذ جداً، ومحفوف بالمخاطر الأدبية والنقدية، ويتطلب جهداً مضنياً في البحث والتنفيذ، دون أن يقدم لنا في النهاية حقائق تاريخية يُطمأنُّ إليها أو نتائج تسهم في خلق معرفة يقينية. أعتقد أن ازدهار هذا النوع من الروايات في الغرب عائد إلى ظروف مساعدة كثيرة توضع تحت تصرف الكاتب فيما يخص البحث والتنقل، وهي في الغالب غير متوفرة في عالمنا العربي رغم عمقه التاريخي وحفوله بالمواد الخام الصالحة لهذا النوع من الاشتغال الأدبي، لكننا مع ذلك نجد إقبالاً عليه من الكتاب الشباب حتى من غير المتخصصين في الأبحاث التاريخية، وهي ظاهرة وإن كانت في نظري غير صحية، إلا أن ذلك لن يمنعني من إبداء رأي صريح حول جودة الاشتغال في هذه الرواية، والتي سار الكاتب في مجاهلها بحذر واضح دلَّ على استشعاره أنه يخوض حقلاً مليئاً بالألغام، وأن عليه أن يكتب محافظاً على “مساحة أمان” معينة يعرفها بغريزته الأدبية، حتى وإن اضطرَّه ذلك إلى التضحية بتفاصيل كثيرة كان من شأنها أن تجعل الرواية أضخم حجماً وأشد كثافة لو أنه “تهوَّر” قليلاً.

– تقدم الرواية للقارئ معلومات كثيرة حول التاريخ القديم للفينيقيين والقرطاجيين، وحول رمزية الثعبان وظلاله المبهمة، معززاً ذلك كله بحبكة متخيَّلة تمازجها وتتخلل ثناياها بإتقان يموِّه في عين القارئ الحد الفاصل بين الواقع والخيال، ما يخلق للرواية عالمها المستقل المتمتع بانسجامه الخاص.

– كان واضحاً الجهد الذي بذله الكاتب على مستوى اللغة، ومحاولته تطويعها لأفضل وصف ممكن للشخوص والأمكنة، حتى خواطر البطل كُتبت بعناية وإتقان لافتين للنظر رغم أنها جاءت متناثرة على صفحات متباعدة ومستقلة بشكل حادٍّ عن الوصف والأحداث.

– لقد أجاد الكاتب تقمص شخصية البطل؛ الكهل الأمريكي ذي الأصول المغربية، وأعجبني استعماله الذكي في أحد المواضع لوحدة قياس أمريكية (البوصة أو القدم، لا أذكر تماماً)، لكني استشعرت أحياناً أن البطل أكثر “مثالية” من أن يكون أمريكياً كهلاً؛ بعض نوازع الخير التي تدفَّقت في نفسه متخذةً شكل الاحتجاج الغاضب على مشروعات صديقه الغامضة، وتأنيبُ الضمير الذي استبدَّ به وعذَّبه، كل ذلك بدا لي “غير أمريكي” إلى حد ما، وأقرب إلى الشباب العاطفي منه إلى الكهولة الناضجة التي تتسم غالباً بقدر من تبلُّد المشاعر أو “عقلنتها” بتعبير أخفَّ.

– رغم أن الكاتب تأسَّى في روايته بنمط غربي في الكتابة الروائية، ورغم المثالية التي اصطبغت بها شخصية البطل الأمريكي بشكل غير واقعي في نظري، إلا أننا لا نلمس فيه ذلك الانبهار الساذج الأعمى بالحضارة الغربية، بل لقد عبَّر بصراحة تامة عن عدد من الشرور الصميمة في بنية التفكير الغربي عموماً، والأمريكي على وجه الخصوص، في تحرر جميل من “عقدة الخواجة” الغبية، بل وحتى من هوس إنكار “نظرية المؤامرة” إنكاراً قطعياً لا يتعلق بتفنيد المعلومات المغلوطة بقدر ما يرتبط برغبة ساذجة في الاصطفاف الآيديولوجي مع الذين ينكرون وجود التآمر، ومبايَنة الذين يقرُّون بوجوده. في رواية (ذيل الثعبان) نجد خيوط الحبكة تنتهي إلى “نظرية مؤامرة” صريحة كاملة الأركان، أوردها الكاتب بشجاعة دلَّت على استقلال شخصيته، وعدم مبالاته بأولئك الذين يسارعون إلى شنِّ حرب نفسية شرسة على كل من أثبت وجود مؤامرة ما في مجال من المجالات، حتى ولو كان ذلك في حبكة روائية متخيَّلة.

– استشعر الكاتب بغريزته الأدبية، كما ذكرتُ آنفاً، أنه يطرق حقلاً مليئاً بالألغام، لذلك سار في روايته بحذر شديد وتوجُّس ملموس، مكتفياً من المجازفة بقدر معين حكيم لم يتجاوزه، وهو ما أثر -إن جاز التعبير- على “كثافة الرواية”، أعني بذلك أن الرواية انتهت وفي جسمها فراغات لم تُملأ، وشخصيات وُصفت جيداً لكنها لم تحظ بأدوار ومصائر مشبعة، وجيوب ظلت مفتوحة لم تُرتق، وجوانب غموض نثرها الكاتب في بداية سرده ليظل القارئ منتظراً كشفها، لكنها لم تُكشف وظلت غامضة كما هي. لو أن الكاتب عمل على ملء الفراغات ورتق الجيوب لازداد حجم الرواية كثيراً، ولازدحمت بالتفاصيل التي كانت ستتطلب منه مزيداً من الاشتغال ومن ثمَّ مزيداً من المجازفة، لذلك فضَّل الكاتب التوقف عند حد آمن معين مؤثراً السلامة على أن توقعه المغامرة في ورطة روائية ما، وهو في الواقع تصرف ذكي من الكاتب يُحسب له.

* خاتمة:

رواية (ذيل الثعبان) إضافة قيمة للرواية المغربية التي لا تزال تتلمَّس طريقها وتبحث عن هويتها الخاصة في عالم سريع التغير، استمتعت بقراءتها وأنهيتها في زمن قياسي رغم اختلافي مع توجهها الأدبي، كما أني شاكر لها، ولكاتبها، ما فتحاه أمامي من أبواب جديدة للبحث والسعي وراء ريِّ عطش المعرفة، وهو ما يخالف رأي الشاب بلال حين قال مستهيناً بكل شيء غير المال والصحة: “اللهم احفظ لي جيبي واحفظ لي الصحة، وأما البقية فمجرد روايات”.

#أنس_سعيد_محمد

25/02/2021

حين تغرب الشمس – فريد الخمال الحسني

16/02/2021 عند 12:19 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

المجموعة القصصية: حين تغرب الشمس

لمؤلفها: فريد الخمال الحسني

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2019

.

=====

هذه المجموعة القصصية هي باكورة الأعمال المستقلة لمؤلفها الشاب، بعد أن نُشرت له قصص سابقة في كتب مجمَّعة، وكانت المجموعة من مقتنياتي في معرض الكتاب السابق في طبعتها الثانية ذات الغلاف المختلف عن طبعتها الأولى.

أول ما يطالعنا في المجموعة غلافُها المميز المستوحى من لوحة (الصرخة) الشهيرة للفنان النرويجي (إدفارت مونك)، وهو غلاف ذكي يلائم عنوان المجموعة، ويحيلنا مباشرة إلى قصة اللوحة كما رواها صاحبها في مذكراته حيث قال: “كنتُ أسير في الطريق مع صديقين لي ثم غربت الشمس، فشعرتُ بمسحة من الكآبة، وفجأة أصبحت السماء حمراء بلون الدم، فتوقفتُ وانحنيتُ على سياج بجانب الطريق وقد غلبني إرهاق لا يوصف، ثم نظرتُ إلى السحب الملتهبة المعلقة مثل سيف دامٍ فوق جرف البحر الأزرق المائل إلى السواد في المدينة. استمرَّ صديقاي في سيرهما، لكنني توقفتُ هناك أرتعش من الخوف، ثم سمعتُ صرخة تتردد في الطبيعة بلا نهاية”.

لدينا إذن عناصر مرتبطة فيما بينها: “غروب الشمس” في عنوان المجموعة، ولوحة “الصرخة” في غلافها، ثم الإهداء الذي وجَّهه الكاتب إلى أحمد خالد توفيق رحمه الله، كل هذه أسهم تشير إلى نمط أدبي واحد هو “أدب الرعب”.

لقد كان لهذا الانتماء الأدبي المعلن للمجموعة، ولا سيما حين يكون صاحبها كاتباً شاباً، أن يثير قلقاً مشروعاً في نفس القارئ، إذ إن أدب الرعب الشبابي قد فقد مصداقيته تماماً لكثرة ما تطفَّل عليه المراهقون الذين أغرقوا المكتبات بعناوين لا أول لها ولا آخر، بل إن تعبير “أدب الرعب” ليكاد يصير مرادفاً لـ “الرداءة الأدبية”، فهل نحَت هذه المجموعة نفس المنحى؟ وهل هي مجرد “قصص رعب أخرى” من تلك التي أتخمت المكتبات ومعارض الكتاب؟

الجواب هنا، لحسن الحظ، هو لا. فرغم أن الكاتب قد وافق الموضة الأدبية الرائجة (أدب الرعب)، إلا أنه عمد إلى مخالفتها في نوعية الرعب المقدَّم في قصصه. لقد استشعر الكاتب، وهذه إشارة جيدة، أنه رغم تأثره الواضح بأدب الرعب المنتمي إلى أحمد خالد توفيق، إلا أن عليه أن يخالف القطيع، وأن تكون لعمله فرادته واستقلاليته الخاصة رغم انتمائه إلى النمط “الرديء” الشائع، ومن ثمَّ فقد وسم قصصه بسِمة مميزة هي “الرعب الاجتماعي والنفسي”، حيث لا يعتمد فيها، بالضرورة، على قوالب الرعب الشائعة المستقاة من الفانتازيا والأساطير، بل يحاول استجلاء بعض الجوانب المرعبة حتى في واقعنا المعيش وحياتنا الاجتماعية، موسعاً بذلك دائرة “الرعب” إلى أقصى حدودها الممكنة، لتشمل إلى جانب الفانتازيا والأساطير واقعنا الاجتماعي القريب وتفاصيلنا اليومية المألوفة.

لقد جرت العادة في المجموعات القصصية أن تعنوَن بأحد عناوين القصص التي تتضمنها، لكن الكاتب خالف هذه العادة إذ لا نجد أي قصة في المجموعة بعنوان “حين تغرب الشمس”، فهو إذن عنوان مستقل، وقد يبدو غير ذي علاقة بالمضمون، لكننا بالنظر في الأمر، وحين نربط العنوان بصورة “الصرخة” في الغلاف، فإننا نستشعر فيه علاقة إيحائية ما تُرخي بظلالها على قصص المجموعة، وتُدخل القارئ، بطريقة غير مباشرة، في أجواء “رعب الغروب”، فيظل مستحضراً أثناء قراءة القصص، ومهما كان موضوعها، ذلك المشهد المرعب في الغلاف؛ الصرخة اللانهائية مجهولة المصدر على الجسر وقت الغروب، والتي تصير أشبه ما تكون بخلفية موسيقية لكافة قصص المجموعة، السماء المصطبغة بلون الدم، وتلك القشعريرة المرعوبة المتوجسة من أن شيئاً مفزعاً يوشك أن يحلَّ مع الظلام الوشيك.

للكاتب أسلوب أدبي ثري وجميل، يشي بتنوع قراءاته الأدبية، لكن ذلك التنوع الواضح أثر عليه بحيث لم يستقر بعد على هوية ثابتة تضبط إيقاعه على مقام أسلوبي واحد، ما أحب أن أطلق عليه “تأثير المنفلوطي”. لذلك نجد بعض الامتزاج في التراكيب بين الأسلوب المعاصر مع عبارات ذات نبرة تراثية تبدو ناتئة بعض الشيء، وتدل على أنها حاضرة في ذاكرة الكاتب الذي تأثر بها أثناء قراءاته، فهو إذن يحرص على أن يصوغ مثلها دون عناية منه بتجانسها مع بقية النص. مثلُ هذا الاضطراب طبيعي تماماً في البدايات الأدبية والأعمال الأولى للكتَّاب، لا يعاب عليهم، ومن المعروف أنهم يتجاوزونه في أعمالهم اللاحقة بعد أن يتوصلوا إلى نبرتهم الأسلوبية الخاصة المتجانسة.

من الملاحظ أيضاً نقصٌ في العناية بعلامات الترقيم، إذ لم يكد الكاتب يضع النقاط إلا في نهايات الفقرات، ورغم أن النقاط كانت واجبة في كثير من المواضع وسط الفقرات إلا أنه كان يضع الفاصلة مكان النقطة، ما يضع القارئ في تناقض بين الجملة المنتهية والفاصلة التي توحي باستمرار الفكرة.

هذا الضعف في تدقيق التفاصيل الفنية يتجلى كذلك في عنوان المجموعة، والذي نقرؤه على الغلاف “حين تغرب الشمس”، لكن ما إن نفتح على الصفحة الأولى حتى نجد عنواناً مختلفاً هو “حينما تغرب الشمس”. قد لا يكون مثل هذا التفصيل ذا أهمية لا سيما وأن المعنى لا يختلف، لكن العناية بأمثال هذه التفاصيل التقنية والفنية الدقيقة لمما يرفع من قيمة العمل، ويعبِّر تعبيراً أفضل على جدية الكاتب والناشر معاً.

“حين تغرب الشمس” محاولة جميلة لكاتب واعد يستحق التشجيع، وأحبُّ من باب النصيحة أن ألفت انتباهه إلى ما يلي:

– المزيد من القراءة، والمزيد من الإحساس بالألفاظ العربية وأصولها واشتقاقاتها، سيعينه ذلك جداً ليس على تجويد الصياغة فحسب بل على إيجاد نبرته الأسلوبية الخاصة والاستقرار عليها، ومن ثمَّ القدرة على الاختيار بين الأساليب العتيقة والمعاصرة دون خلط غير متجانس بينهما.

– عدم التسرع في الكتابة إلا بعد استواء المشهد في خياله بوضوح تام. من المعروف في الأدب أن الشكل لا ينفصل عن الموضوع، وأن الكاتب حين يكتب ما يتخيله بوضوح فإن ذلك الوضوح يصل إلى القارئ مهما كان الوصف موجزاً، ذلك لأن الكاتب ينتقي من الألفاظ، غريزياً، ما يعبِّر عن متخيَّله القصصي خير تعبير. وأما حين يكون المشهد مضطرباً في ذهن الكاتب، فسيصل بنفس الاضطراب إلى القارئ مهما أسهب الكاتب في وصفه. لاحظتُ في هذه المجموعة أن بعض القصص والمشاهد كانت سهلة التخيل، فيما لم أستطيع تخيل بعضها الآخر بشكل صحيح رغم تدقيقي في الألفاظ المختارة. هذا درسٌ تعلمته من كتاب (الذوق الأدبي) وهو مفيد جداً لكل كاتب: لا تصف مشهداً إلا إن كان شديد الوضوح في خيالك بأدقِّ تفاصيله، تكاد تدركه بحواسك كلها. ليس بالضرورة أن تصف كل التفاصيل، لكنها ستصل إلى القارئ حتماً، كما سيدرك لا شعورياً أنك متمكن من مادتك المتخيَّلة وتعرف تحديداً ما تقول.

– الابتعاد عن أدب الرعب! نعم قد لا يبدو سليماً أن أوجِّه الكاتب مثل هذا التوجيه، لكن أعتقد أن الوقت قد حان لنقول “كفى من أدب الرعب”! لقد صار لدينا ركام هائل من الأعمال الشبابية في هذا المجال، وفي مصر خصوصاً، أفقدته مصداقيته تماماً. وما كنتُ لأنصح الكاتب هذه النصيحة لولا ما لمستُ فيه من استقلالية شخصية؛ إذ رغم انجرافه مع “موجة الرعب” في قصصه الأولى، إلا أنه يقاوم تيار القطيع بشكل واضح في مجموعته المستقلة هذه، والتي حاول فيها أن يتميز عن أقرانه بأن تكون لديه لمسة خاصة أسماها “الرعب الاجتماعي والنفسي”. هذه النزعة الاستقلالية كما ذكرتُ آنفاً إشارة جيدة جداً، وتدلُّ على شخصية تسعى إلى التفرُّد وتأبى أن تماثل أفراد القطيع، لذلك أنصح الكاتب بأن يعتبر “الرعب” مرحلة أدبية منتهية، تنتمي إلى البدايات، وأن ينتقل في أعماله القادمة إلى أنواع أدبية أخرى، اجتماعية خالصة ربما، أظنها أكثر ملاءمة له، وأظنه أكثر ملاءمة لها…

#أنس_سعيد_محمد

16/02/2021

سقف الكفاية – محمد حسن علوان

11/02/2021 عند 16:10 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: سقف الكفاية
لمؤلفها: محمد حسن علوان
البلد: المملكة العربية السعودية 🇸🇦
صدرت عام: 2002

.

=====

لا يستطيع أي قارئ، أثناء كتابته مراجعةً لعملٍ قرأه، أن يكون في معزلٍ عن تجربته الخاصة مع العمل؛ متى قرأه، وظروف قراءته، ونوعية انفعاله به ومدى تأثرها بسنِّه وثقافته وتغيراته المزاجية والنفسية… إلخ. نعم قد يكون هذا قادحاً في موضوعية المراجعة النقدية، لكن يجب أن نتذكر دائماً أن الموضوعية التامة متعذرة ومستحيلة، لأن ميداننا، في نهاية الأمر، هو الأدب وليس العلوم الدقيقة.

لذلك قد تكون مراجعتي لهذه الرواية، على خلاف المتوقع ربما، عاطفية بعض الشيء، لأنها تشكل بالنسبة لي منعطفاً حرجاً في مسيرتي القرائية، ومهما تكن انتقاداتي لها إلا أني لن أنسى أبداً ما كان لها من فضل علي، وأنها شحنتني، إبان قراءتي لها، بطاقة أدبية هائلة، ورغبة متقدة في مزيد من التبحُّر الروائي، بل وحتى في القيام بمحاولات كتابية.

لا أذكر أي صدفة بحثٍ قادتني إليها، لكني أذكر جيداً أني حين قرأتُها، عام 2010، كنتُ لتوِّي خارجاً من المنفلوطي، وبالكاد أتلمَّس طريقي بصعوبة في كتب جبران، فهي إذن تنتمي إلى “البدايات” الجميلة التي أنظر إليها بعين الحنين إلى أيام السذاجة الأولى، أيام الانبهار السهل والسريع بأي تيار أدبي جديد أو يبدو جديداً، حين كنا نسرع، بكل ما في “المراهقة الأدبية” من رعونة وطيش، إلى تقسيم الأدب إلى قديم وجديد، ومن ثم إلى نبذ القديم لمجرد أنه قديم، ورفع الجديد لمجرد أنه جديد.

لقد تلقيتُ من هذه الرواية “صدمة حداثية” أصابتني بدوار أدبي طويل، وأفسدت عليَّ قراءة بعض الروائع الكلاسيكية التي لم يستسغها ذوقي الملتاث آنذاك بأضواء الحداثة وظلالها، كأنما وقر في نفسي أن أي أسلوب مباشر هو أسلوب ضعيف بالضرورة، وأن الإبداع الأدبي مشروط بالمجاز والاستعارة والتشبيه والزخارف اللفظية الوهَّاجة، قبل أن أعيد اكتشاف تلك الروائع بعد ذلك بسنوات، لأنتبه أخيراً إلى أني قمتُ برحلة عكسية فريدة من الحداثة إلى الكلاسيكية وليس العكس.

ربما تأخرت مراجعتي لهذه الرواية كثيراً، لكني ما زلت محتفظاً بأبرز انطباعاتي حولها لعمق أثرها فيَّ، وهو ما سأحاول تلخيصه في النقاط التالية:

  • أحيطت هذه الرواية منذ صدورها بهالة كبيرة وجدل مُثار حولها، بسبب موضوعها الغريب عن الأدب السعودي آنذاك، وبسبب ما طالها من المنع في السعودية، وأيضاً بسبب حداثة سن الكاتب زمن كتابتها، حتى إن هنالك من أثار شكوكاً بأن علوان لم يكتبها كاملةً بل هناك من ساعده على كتابتها، إذ لا يُعقل أن يأتي شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره برواية بذلك الطول والنضج والثراء الباذخ في اللغة والمعاني. كانت (سقف الكفاية) أشبه بقنبلة أدبية انفجرت في الأدب العربي الحديث، وما زالت شظايا آثارها متناثرة في الأدب الشبابي، الخليجي منه على وجه الخصوص، إلى يومنا هذا.
  • قصة الرواية شديدة البساطة، بل لا نبالغ إن قلنا بأنها رواية بلا حبكة على الإطلاق، بحيث لو جرَّدناها من الخواطر الذاتية للبطل، واللوحات الوصفية للأمكنة وتفاصيل حياة الأسرة بماضيها وحاضرها، لما بقي منها شيء سوى قصة حب فاشلة تقليدية جداً؛ شاب أحب فتاة وأقام معها علاقة عشق سرية داخل مجتمع محافظ، ثم تزوجت الفتاة زواجاً تقليدياً وسافرت مع زوجها إلى بلد آخر، يرتحل البطل إلى كندا / فانكوفر مغترباً عن أحزانه، وهنالك يكتب إلى حبيبته رسالة حب مطولة (بصيغة المخاطَب) على هيئة رواية من أربعمئة صفحة. هذه العناصر تبدو مألوفة جداً في الأدب الشبابي الخليجي، لكن يُذكر لـ (سقف الكفاية) أنها هي التي فتحت الباب لهذا التوجه في الكتابة، ولا أدري أهي أول رواية من هذا النوع أو أنها مسبوقة بأعمال أخرى، لكن الثابت أنها الأبرز والأشهر والأقوى أثراً على الإطلاق.
  • العنصر الأقوى في الرواية هو لغتها الشاعرية بإفراط شديد، والمعتمدة بشكل شبه كامل على المجازات والتشبيهات وأنسنة الأشياء فيما يسمى بـ (قصيدة النثر) أو (الرواية الشعرية). من المؤكد أن تمتُّع كاتب حدَث السن بتلك القدرات التشبيهية الهائلة، والنفَس الطويل الذي سافر به على امتداد 400 صفحة من الإبهار المتواصل، هو مما يدلُّ على شخصية شاعرة بالفطرة، ذات خيال متدفِّق خلَّاق، وذكاء لغوي مبكِّر أتاح له تطويع الألفاظ العربية لخياله الشاعري الجامح، وابتكار تراكيب وتشبيهات ذات جرْس موسيقي مُطرب بل قد يكون مُسكراً. إن الانغماس في (سقف الكفاية) لمن شأنه أن يُدخل القارئ في حالة فريدة من الشفافية الشاعرية قد تجعل منها شيئاً أقرب إلى “حبوب هلوسة أدبية”، فإذا به يحلِّق بأجنحة من الخيال في سماوات عليا منفصلة تماماً عن الواقع، وإذا به يتغلغل في أعماق ذاته منكفئاً على مشاعره القابعة في أعماق سريرته، فلا يصير العالم الواقعي بالنسبة إليه إلا مشاهد تمرُّ بحواسه ولا تكاد تعنيه، ولا ينظر إليها إلا بوصفها مواداً تصلح لتراكيب لغوية باذخة تعتمد على التشبيه والمجاز والأنسنة، أو لقطات من فيلم رومانسي ملتهب صُوِّرت بأعلى ما وصلت إليه تقنيات التصوير الشاعري الدافئ.
  • ذكر بعضهم أن الكاتب في روايته هذه كان بادي التأثر بأسلوب أحلام مستغانمي، لكننا بالنظر المتعمق نجد فروقاً جوهرية بين الأسلوبين رغم تشابههما الظاهري في كثرة الاعتماد على التشبيه والتلاعبات اللفظية الذكية؛ ذلك أن أسلوب مستغانمي مهما بدا مبهراً في الوهلة الأولى، إلا أنه سرعان ما يتكشَّف عن ركاكته المفرطة، وهي ركاكة مردُّها إلى أن الكاتبة غير عربية الثقافة والروح، مقطوعة الصلة تماماً بالتراث، بدأت من الحداثة وانتهت إليها وفيها، ولم تغتذ بغيرها، فلذلك علقت بها ركاكات الحداثة وأساليب الترجمات السطحية عن الأدب الغربي التي لم تستطع منها فكاكاً. أما علوان فرغم أنه كتب روايته بأسلوب حداثي تماماً، إلا أن ظلال المتانة اللغوية حاضرة في تراكيبه لمن دقَّق فيها النظر، ما يدلُّ على أن للكاتب قراءات تراثية، وأن لديه تكويناً لغوياً صلباً وأساساً متيناً عصمه من كثير من اللحون والركاكات، بل إن الجماليات اللغوية البديعة التي أتى بها في روايته هذه لمما يدل على عظمة اللغة العربية ومدى عمقها واتساعها، وأنها قادرة على احتمال الجمال في الأساليب الحداثية كما في الأساليب التراثية على السواء. ومن جهة أخرى، فإن أنوثة أحلام مستغانمي جعلت عباراتها خالية أو تكاد من المنطق العقلي، مبنية فقط على الأحاسيس والتهويمات التي لا تبالي بالتناقض، أما أسلوب علوان فمشحون رغم شاعريته المفرطة بالمنطق العقلي الذي يمكن استقراؤه بسهولة لو تأملنا عباراته، وهذا يحيلنا مباشرة إلى الفروق الطبيعية بين دماغ الرجل ودماغ المرأة، والتي تنعكس ولا بد، بطبيعة الحال، على الأسلوب الأدبي لكليهما.
  • وُصفت الرواية بأنها ملحمة رومانسية معاصرة، بل وتليق بأن تأخذ لها مكاناً بجانب الملاحم العشقية الكبرى في التاريخ، لكننا لا نجد فيها من عناصر الملحمة إلا ما دار في خلَد بطلها الضعيف من الهواجس التي دوَّنها باسترسال مرَضي، أما الأحداث الملحمية فلا وجود لها على الإطلاق، إذ لا نجد في بطل الرواية إلا شاباً ضعيفاً بكَّاءً، ذليل النفس ساقط الهمة، نرجسياً بإفراط، لم يبذل أدنى جهد للاحتفاظ بمحبوبته، بل تقبل فقدانها باستسلام تام بلغ به أن يساعدها في إعداد حقيبة زفافها، وذلك في تناقض تام مع طبيعة الشخصية الرومانسية الثائرة دائماً، المتطرفة أبداً، والتي لا تتردد في ارتكاب الحماقات المجنونة من أجل عواطفها الملتهبة.
  • إضافةً إلى طبيعة اللغة المستخدمة والتراكيب، استغل الكاتب كل التقنيات المتاحة لديه للتوكيد على النبرة البكائية الحزينة لروايته، بدءاً من علامات الترقيم وتقطيع الفواصل، وانتهاءً بتلك العبارات القصيرة التي يُكتب كل منها في سطر مستقل كأنها شهقات البكاء. ثمة أساليب تُشعرك بأن الكاتب يحاضر، وأساليب تُشعرك بأن الكاتب يصرخ غضباً، وأساليب تُشعرك بأن للكاتب فحيحاً كفحيح الأفعى، وأساليب تُشعرك بأن الكاتب يكتب وهو يبتسم ساخراً في غير اكتراث… وهنا في (سقف الكفاية) أسلوب يُشعرك بأن الكاتب يهمس وهو يبكي.
  • لا نستطيع أن نجازف بالقول بأن (سقف الكفاية) سيرة ذاتية مباشرة للكاتب، رغم أنها عمله الأول، إذ ليس ثمة ما يدل على وجود الشخصيات ووقوع الأحداث كما وُصفت في الرواية، لكن من جانب آخر، فإن المؤكد أن كل ما ورد في الرواية هو جزء من السيرة الذهنية للكاتب، من سيرة خياله الخاص الذي يظل جزءاً لا يتجزأ من ذاته، فهي إذن سيرة ذاتية بمعنى من المعاني، وتتضمن بالضرورة خصائص “العمل الأول” الذي يظل الأشد لصوقاً بذات المؤلف وحياته الخاصة. يمكن أن أسمي هذا النوع من الكتابة بـ “التعري النرجسي”، وهو تعرٍّ يراد منه استدرار التعاطف المغذي والشاحن للشخصية النرجسية. لا يتردد الكتَّاب الشباب في ارتكاب مثل هذا التعري في بداياتهم الأدبية، ثم ينتهي بهم المطاف إلى الندم عليه ومحاولة اجتثاثه من ذاكرتهم ومحو آثاره حيثما وُجدت. بإمكاننا أن نلاحظ أن علوان ظل منذ روايته الثانية (صوفيا)، وعلى امتداد مسيرته الأدبية حتى اليوم، يحاول جاهداً الهروب من (سقف الكفاية) دون أن يفلح في ذلك؛ لقد رد بانفعال على من قال بأن (سقف الكفاية) هزمته، وبأنه لم يكتب بعدها أفضل منها، بل بلغ به الأمر أن قيَّمها بنجمة واحدة في موقع goodreads، ما يشي بانقلاب الكاتب على روايته، وسعيه إلى صرف الأذهان عنها ومحو آثارها ما أمكنه ذلك، ما يدل على تحرج شديد منه وندم بالغ على ما بدر منه من ذلك “التعري النرجسي” الذي بات يبدو له مخجلاً بشدة، بل ومهيناً لكرامته ربما. وليس المقصود هنا أن الكاتب قد تجاوز نرجسيته حين انقلب على تعريه السابق، بل إن ما يحدث في الحقيقة هو تجلٍّ آخر لتلك النرجسية نفسها، يفرضه التطور النفسي المصاحب للتقدم في السن؛ في بدايات العمر تتغذى نرجسية الإنسان بالتعري، ثم يتطور نفسياً فتتغذى نرجسيته بالاستتار. جدير بالملاحظة أيضاً أن الإنسان في شيخوخة عمره، أو في قمة مجده الأدبي، يعود إلى التعري من جديد، لكنه في الغالب يكون تعرياً أنيقاً حصيفاً، محتشماً، محفوفاً بهالة الجلال التي تكلِّل الشيخوخة أو المجد الأدبي أو هما معاً.
  • خاتمة:

كانت رواية (سقف الكفاية)، رغم كل ما أثارته من جدل، ورغم انقلاب كاتبها عليها، علامة فارقة في الأدب الخليجي بل والعربي عموماً، ونقطة انطلاق لتيار أدبي كامل استمر سنوات بعدها، وليس من المبالغة القول بأنها العباءة التي خرج من تحتها عدد من الكتاب الخليجيين المرموقين في هذه الأيام، والذين نستطيع أن نكتشف بسهولة فائقة أن رواياتهم ما هي إلا محاولات تقليد كسيحة لـ (سقف الكفاية)؛ أثير النشمي، بثينة العيسى، سعود السنعوسي، وآخرون كثيرون… جميع هؤلاء وغيرهم تأثروا بشدة، تلميحاً أو تصريحاً، بهذه الرواية التي تكاثرت بعدها، فجأة، روايات تحاول كلها أن تتظاهر بأنها ملاحم رومانسية خالدة، جميعها تحاول ابتكار التشبيهات البلاغية الخارقة للعادة، جميعها تتخذ شكل رسائل روائية إلى الحبيب كُتبت بضمير المخاطَب، جميعها تبالغ بإفراط في وصف آلام نفسية يبدو جلياً أنها مصطنعة، لكن شتان بين روايات كلُّ ما فيها ينطق برداءة التقليد، ورواية تضخُّ فيك رغماً عنك، مهما خالفتْ ذوقك الأدبي، شحناتٍ هائلةً من الصور الجمالية الفاحشة الثراء، والتي تنتهي إلى أن تضيف إلى ذاكرتك الخاصة ذاكرة أخرى تخاطب فيك أعمق الأحاسيس، وتستثير كل كامنٍ فيك من مستشعرات الجمال القابع حتى في أفدح الآلام.

(سقف الكفاية) من الروايات النادرة التي قرأتُها كاملةً مرتين، والتي ما زلتُ إلى اليوم أعود إليها بين فينة أخرى، أقرأ سطوراً وفقرات عشوائية هنا وهناك، واجداً فيها، وفي كل مرة، لذة متجددة ومتعة لا تنضب…
 

أنس سعيد محمد

11/02/2021

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.