شرفة الفردوس – إبراهيم نصر الله

18/08/2021 عند 20:37 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: شرفة الفردوس (الجزء الخامس من سلسلة الشرفات)

لمؤلفها: إبراهيم نصر الله

البلد: فلسطين 🇵🇸

صدرت عام: 2015

.

=====

كانت تجربة قراءتي لـ “شرفة الفردوس” واحدةً من أغرب تجاربي القرائية؛ فبعد نهايتها المباغتة التي تثير الشك في أن صفحاتٍ بعدها قد حُذفت عن طريق الخطأ، لم أجد في نفسي غير انطباع سلبي بسيط على جانب من السذاجة، وذلك لتعلُّقه فقط بالسطح الخارجي للرواية، ولما بدا لي محاولةً غير موفقة للمزج بين الواقعية في شرفتي العار والهاوية والسريالية في شرفتي الهذيان ورجل الثلج.

تبدو القصة في ظاهرها قصة عادية لفتاة تكابد المناكفات المزعجة لمالك العمارة التي تقيم فيها، ثم يتضح أن العالم الذي بدا واقعياً هو في الحقيقة عالم سريالي سرعان ما تنتثر في جنباته العجائب، لتنتهي الرواية نهاية مباغتة كفيلم يُقطع في منتصفه.

أفرط الكاتب -كعادته- في التلاعب بعناصر الزمان والمكان والشخصية، صانعاً من مزيج ذلك كلِّه فوضى روائيةً بدت لي في البداية متخمة بالألفاظ الفخمة والتشبيهات الأكبر من لبِّ المضمون، كأنما هو هيكلٌ عظميٌّ أُلبس ثوباً فاخراً.

لكن لا بأس… قلتُ لنفسي: “ما هي إلا رواية لم تنل إعجابي، وسرعان ما سأنساها بعد أن أنهمك في غيرها”. لكن ذلك لم يحدث بالسهولة التي تصورتها، إذ ظل إحساس غامض مزعج تجاه الرواية يعتمل في ذهني، وبقيتُ مستحضراً بقوة أجواءها الغريبة التي توشك أن تكون كابوسية، واستشعرتُ على نحو غامض أن أحداث الرواية لا تتحرك فوق مسطرة الزمن المعتادة بل في فضاء تجريدي مطلق.

همساتٌ بعيدةٌ لم أتبين بسهولة كُنهها، وشكلٌ ملتبسٌ يتراءى لي خلف الضباب دون أن أعرف ماهيته.

ووجدتُ نفسي أعود إلى الرواية مدفوعاً بجاذبية غامضة، وراجعتُ بعض فقراتها فإذا صدمةٌ عنيفةٌ جعلتني أعيد النظر في انطباعي الأول كاملاً، وتبدَّت لي الرواية في صورة أخرى غير الصورة الأولى، وتكشَّفت لي عن أعماق جديدة وعلى أعلى درجات الخطورة…

هل عاد “الجبلاوي” من جديد في حُلَّة معاصرة؟ وهل “قاسم” هو التجسيد الروائي للذات الإلهية عند نصر الله كما كان “الجبلاوي” تجسيداً لها عند نجيب محفوظ؟

أدرك جيداً أن من الصعب وقوع إجماع على ذلك مهما تعددت القرائن الدالة عليه، وإن كانت رمزية “الجبلاوي” من الوضوح بحيث لا تدع مجالاً للشك ومع ذلك ارتيب فيها، فإن رمزية “قاسم” أكثر مدعاةً للشك لما تعمَّده الكاتب من الغموض والتدليس. لكني مع ذلك أعرض عليكم بعض القرائن التي أراها داعمة لهذا الإسقاط، تاركاً الحكم النهائي لكل واحد منكم بحسب ما يراه:

تبدأ الرواية باستئجار بطلتها “حياة” (تأمل رمزية الاسم) للطابق السابع والعلوي في عمارة كانت حديثة البناء آنذاك واسمها “عمارة الفردوس” (رمزية الاسم مجدداً)، وهو طابق فسيح واسع الأرجاء يطلُّ على مشهد مترامي الأطراف.

تقع حياة في الخطيئة مع الشاب الذي كانت تعتبره خطيبها، ليفاجئها الوكيل بأن مالك العمارة قد سحب منها الإقامة في الطابق السابع العلوي، وأجبرها على الإقامة في طابق أدنى، وفي شقة مظلمة كئيبة لا تكاد تكون لها نوافذ ولا شرفات.

نستطيع أن نستنتج هنا، بسهولة ربما، أن اسم “الفردوس” يدل على الجنة، وأن عدد طوابق العمارة سبعة بعدد السماوات السبع، وأن إنزال “حياة” من الطابق العلوي الفسيح إلى طابق ضيق مظلم أدنى هو تجسيد لإخراج آدم من الجنة بعد أن اقترف الخطيئة.

فمن يكون إذن “مالك العمارة” الذي أنزل حياة من الطابق السابع العلوي إلى طابق أدنى بسبب الخطيئة؟

مالك العمارة رجل غامض غريب اسمه “قاسم” (وللاسم دلالته القوية)، من أبرز ما تميز به أن وجهه لم يظهر قطُّ على طول الرواية، ورغم أن حياة حاولت مراراً رؤية وجهه إلا أن كل ما أتيح لها أن تراه من زوايا لا يظهر فيها وجهُه.

تعرف حياة أن قاسماً رجل مرهوب الجانب واسع الشهرة، وأنه يملك سلطة أعلى بكثير مما تتصور.

يقع قاسم في حب حياة، ولأنها اختارت أن تقول له “لا” بواسطة إصرارها على خطيبها أنس، قرر قاسم أن يكون انتقامه منها مريعاً، فبدأ بحرمانها من الطابق العلوي السابع، وانتقل لاحقاً إلى إرسال التهديدات المخيفة لها بقتلات لا تخطر لها على بال، بواسطة أوراق مكتوبة يرسل من يدسُّها لها تحت باب شقتها.

كانت حياة تسميه “ساكن الطابق العلوي”، لأنه بالفعل كان يقيم في نفس الطابق السابع الذي طردها منه، وتعرف لاحقاً أن جميع أصدقائها ومعارفها يعرفون قاسماً هذا ويخشونه، لأنهم يدركون إلى أي مدى يمكن أن ينبسط سلطانه وتمتدَّ قدرته.

تقرر حياة أن تتبع قاسماً بسيارتها وأن تراقبه، فيسمح لها أن تظلَّ قريبة منه بعض الشيء، لكن دون أن يمكِّنها من رؤية وجهه.

تلاحظ حياة أثناء مراقبتها لقاسم أنه يكتب أشياء في ورقة، ثم وكأن ما يكتبه يتحقق فوراً على أرض الواقع!

تعرف حياة -ويا لدهشتها- أن قدرة قاسم تصل إلى درجة التحكم بالأقدار نفسها! وعندما سيموت خطيبها في حادث انقلاب سيارة بسبب سيول مدينة جدة، فستعرف حياة أن قاسماً هو من قتله، وأن كل ما حدث كان بتدبير منه.

تعرف حياة أن قاسماً كاتب مشهور له عدة كتب منشورة تقرر قراءتها جميعاً. تبحث عن كتبه في “غوغل” فتُفاجَأ بأن شهرة الرجل فوق الوصف، وأن الإنترنت مليء بالمعلومات عن كتبه وترجماتها للغات الأجنبية وتواريخ إصداراتها، كل هذا دون أن توجد أي صورة شخصية لوجه قاسم على شبكة الإنترنت! وتستغرب حياة كثيراً من كون كاتب بمثل شهرته لا توجد له ولو صورة شخصية واحدة على الشبكة!

تبدأ حياة في قراءة كتب قاسم، ويفاجئها ما تنطوي عليه من تناقضه وقسوته، وأنه حاضر فيها بذاته بشكل كامل، وأن جميع الشخصيات في كتبه تُقتل أو تتعذب كثيراً أو تموت ميتة بشعة، سواء أكان يحبهم أو يكرههم، وسواء أكانوا معه أو ضده.

ثم تكون صدمتها عنيفة عندما تجد نفسها في نهاية أحد كتبه، وأنه يتحدث عنها بشخصها، لكن الكتاب انتهى دون أن تعرف كيف كانت نهايتها ولا ما حصل لها…

تعرف حياة لاحقاً أنه كان يعمل على كتاب جديد لا بد أنه يتضمن الميتة التي اختارها لها، فإن قاسماً بالفعل قد عرَّضها للموت أكثر من مرة، وفي كل مرة كان يقول لها عبر ورقته المدسوسة تحت الباب: “أدَّخر لكِ ميتةً أفضل”.

نعرف أن فكرة الرواية تدور حول رغبة قاسم في الانتقام من حياة لأنها تجرأت على أن تحب غيره… حياة التي تجرأت على أن تقول لقاسم “لا”، وأن تجبره على تغيير مخططاته.

قاسم الذي يملك سلطة شبه كاملة، ويستطيع بأوراقه وأقلامه والكتب التي يؤلفها أن يتعامل مع الناس من حوله وكأنهم “شخصيات” يحركها كيف يشاء، ويختار لها الميتة التي يشاء، حتى لو كانت غرقاً عرَضياً في سيول جدة!

أعتقد أننا لا نستطيع بإزاء هذه القرائن إلا أن نجزم بأن شخصية “قاسم” ما هي إلا تجسيد لـ “الإله” في معناه المطلق، وإن كنا تعوَّدنا على أن تُفسَّر رموز نصر الله على أنها تستهدف “السلطة السياسية” فإننا هنا أمام سلطة من نوع آخر مختلف تماماً، فهل نتجرأ على القول بأن “شرفة الفردوس” رواية تهاجم السلطة الإلهية أو الدينية؟

بقي أن أشير إلى مفارقة دقيقة بين “الجبلاوي” و”قاسم”؛ فإذا كان موت “الجبلاوي” في رواية “أولاد حارتنا” قد فتح أبواباً من التأويل منها ما حُمل على الانتصار للدين وانتقاد بُعد الناس عن الله، فإن معالجة نصر الله لشخصية “قاسم” تضعه في موقف فكري محرج جداً، بحيث يصير اعتبار “شرفة الفردوس” رواية إلحادية رأياً وجيهاً بحق، لا بسبب تجسيد الذات الإلهية فحسب، بل بسبب طبيعة المعالجة نفسها، إذ لم يدَّخر نصر الله جهداً في تصوير “قاسم” بصورة الشخص السادي الغيور المتوحش، والذي لا تنطوي أفعاله القاسية على أية حكمة بل على السادية والشر المطلقين لا أكثر، وهذا ما يخالف كلياً شخصية “الجبلاوي” التي رغم وضوح رمزيتها إلا أن الأفعال المنسوبة إليها تفتح مزيداً من أبواب التأويل والجدل.

رمزية محفوظ كانت واضحة جداً في شكلها لكن الفكرة المتوارية خلفها غامضة وملتبسة، وأما رمزية نصر الله فعلى العكس تماماً، فهي غامضة ملتبسة في شكلها لكن الفكرة المتوارية خلفها واضحة جداً.

جدير بالذكر أيضاً أن “أولاد حارتنا” قد أثارت ضجة عظمى إبان صدورها، لكن “شرفة الفردوس” لم تكد تثير أي ضجة على الإطلاق، فهل بلغنا هذا الحد من اللامبالاة الأدبية بمضامين الروايات أم أن القرائن أعلاه لا تعدو أن تكون مجرد “بارانويا روائية” مبنية على الأوهام؟

ما رأيكم أنتم؟!

#أنس_سعيد_محمد

16/08/2015

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.