صائد اليرقات – أمير تاج السر

13/06/2020 عند 12:07 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: صائد اليرقات

لمؤلفها: أمير تاج السر

صدرت عام: 2010

.

=====

رواية (صائد اليرقات) لمؤلفها السوداني (أمير تاج السر)، ابن أخت عبقري الرواية العربية (الطيب صالح).

رواية صغيرة الحجم لا يتجاوز عدد صفحاتها 150 صفحة، تحكي قصة مخبر سابق أحيل على التقاعد بعد أن تعرَّض لحادث مهني أفقده ساقه، ما اضطره للاعتماد على ساق خشبية (بذيئة). يقرر المخبر السابق (عبد الله حرفش) أو (عبد الله فرفار) أن يكتب رواية! هكذا وقعت الفكرة على رأسه دون مقدمات فاستولت عليه، فاندفع إلى عالم الأدب -دون أي خبرة سابقة- باحثاً عن أفكار وشخصيات يكتبها، وتقرب من المحيط الخاص بأحد الروائيين ليدرس الأدب والأديب، وليقع على (الخلطة السحرية) التي يقوم بها الكتَّاب لتأليف رواياتهم. وهكذا تمضي الرواية في مجموعة من المنعطفات الدرامية والمواقف الطريفة والمفارقات المضحكة، لتنتهي نهاية ساخرة وإن كانت متوقعة ويسهل التنبؤ بها.

الرواية هي ضربٌ من (الكوميديا السوداء)، مفعمةٌ بالمشاهد الهزلية المضحكة، لكنها تنطوي رغم ذلك على انتقاد قاس لحالة (الاستسهال الأدبي) المتفشية، وأيضاً لعلاقة السلطة بالأدب ولأسلوب التفكير السلطوي بشكل عام.

اعتماد الكاتب في السرد على ضمير المتكلم كان موفقاً جداً، لأنه أتاح لنا أن نتجول في الأعماق النفسية لشخصية (مخبر الشرطة)، وأن نعرف كيف تفكر هذه الفئة من الناس وكيف تنظر إلى الآخرين بل وإلى الحياة عموماً. لقد أجاد الكاتب تقمص شخصية (رجل السلطة) المُفاصل للناس والمجتمع، والذي ينظر إليهم نظرة متعالية مفعمة بالشك وسوء الظن، ويعتبر كل شيء وكل أحد تقع عيناه عليه مشروع (ملف أمني) جديد، ثم نرى كيف لم يستطع الخروج من هذه الشخصية المترسبة في أعماقه حتى بعد تقاعده وإقباله على الأدب، وكيف أثَّرت شخصية (الشرطي) فيه على محاولاته الأدبية الأولى (يرقاته الميتة).

ومن جهة أخرى، تأخذنا الرواية في جولة ممتعة إلى عوالم الأدب المسحورة، وتعرفنا على طرائق تفكير الأدباء ومن أين يأتون بالأفكار لرواياتهم، وكيف ينتقون شخصياتهم من الواقع المحيط بهم، ثم كيف يخلعون على شخصياتهم المنتقاة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً من نحت خيالهم. كما تسلط الرواية الضوء أيضاً على (ذباب الأدب) و(ذباب المسرح) و(ذباب الفن) عموماً؛ أولئك الفارغين المتحذلقين الذين يرغبون في اقتحام المجال الأدبي والفني بالقوة، رغم عدم تمتعهم بأية مواهب تؤهلهم لذلك.

الرواية ممتعة ومسلية، وتنتهي (رغم أجوائها المضحكة) بصدام مرير بين السلطة والأدب. ومع أن الموضوع الرئيسي للرواية هو فن الرواية نفسه، إلا أني أرى أن أهمَّ ما فيها هو وصفها لدواخل الشخصية الأمنية، وإعارتها للقارئ نظارته القاتمة المتشككة التي ينظر بها إلى الناس والحياة.

أنصح بقراءتها، وإن كنتُ أرى أن ترشحها إلى القائمة القصيرة للبوكر أمراً مبالغاً فيه بعض الشيء…

#أنس_سعيد_محمد

#صائد_اليرقات

13/06/2020

كافكا على الشاطئ – هاروكي موراكامي

12/06/2020 عند 15:12 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: كافكا على الشاطئ

لمؤلفها: هاروكي موراكامي

ترجمة: إيمان رزق الله

صدرت عام: 2002

.

=====

أكتب هذه المراجعة بعد مضي عدة أيام (ربما أسابيع) على انتهائي من قراءة رواية (كافكا على الشاطئ)، ومرة أخرى أقع في ذلك الخطأ الذي لا أسلم منه إلا نادراً: التأخر في كتابة الانطباعات على ما أقرأ، إلى أن يمرَّ وقت أكون فيه قد أُنسيت كثيراً من التفاصيل والأحداث.

ولعل لهذا التأخر ميزة ما، رغم كل شيء، هي أنه يضعني أمام ما ترسَّب في ذاكرتي من مذاق الرواية، بحيث لا يبقى في الذهن إلا خلاصة الخلاصة، بعد أن تتلاشى التفاصيل في النسيان، وتلك الخلاصة المترسبة هي من الأهمية بمكان، بل هي الأكثر أهمية كما يرى بعضهم، ممن يعرِّفون الثقافة بأنها (ما يبقى في الذهن بعد نسيان كل شيء).

(كافكا على الشاطئ) هي قراءتي الأولى لـ (هاروكي موراكامي)، لكني مع ذلك لم أدخلها جاهلاً كل الجهل بعوالم الرجل، فقد كنت على اطِّلاع مسبق بأبرز خاصيتين يتميز بهما أدبه: الخيال الجامح (العجائبية)، والتماهي التام مع نمط الحياة الغربي. لذلك كنتُ موطِّناً نفسي قبل القراءة، ومستعداً لاستقبال الخيال مهما جمح، وغير منتظر إطلاقاً أن أتعرف على الثقافة اليابانية وتقاليد اليابانيين.

تبدأ الرواية بداية (طبيعية) إلى حد ما، عارضةً خطين متوازيين من السرد دون رابط واضح بينهما، ثم ينتقل بنا الكاتب انتقالاً (مفاجئاً) من الواقعية إلى الخيال، ومن مراهق يفرُّ من بيت أبيه إلى قطط تتكلم وسماء تَهاطَل بأسماك السردين. حينئذ يجب على القارئ أن يضع منطق الحياة الذي يعرفه جانباً، وأن يُسْلم نفسه إلى منطق جديد تماماً أو إلى اللامنطق، كأنما يشاهد فيلم أنيمي من إنتاج استوديو (جيبلي) وإخراج (هاياو ميازاكي).

أسلوب السرد في الرواية ممتع، بل فائق الإمتاع! رواية تشدُّ القارئ إليها بقبضة قوية وتقذف به في عوالمها فلا يعود راغباً في الخروج. نستطيع أن نرى بوضوح ومنذ الصفحات الأولى من الرواية أننا أمام روائي حقيقي، متمكن من أساليب الكتابة وأفانين التشويق، فضلاً عن ثقافته الموسوعية وخياله المجنون، وقدرته على التلاعب تلاعباً احترافياً بشخصيات وحبكات وأحداث وعوالم كثيرة متباينة دون أن يفقد الخيط الناظم لها، ودون أن يختل إيقاع السرد بين الاختصار المخل والتطويل الممل.

أكثر ما شدَّني في الرواية دقة الوصف، للأماكن والشخصيات والحالات النفسية والتفاصيل الدقيقة… ألفاظ منتقاة بعناية فائقة، وقدرة عجيبة على نقل الشعور بالأجواء إلى القارئ وكأنه يعيش في داخلها، (خصوصاً في حديثه الممتع ووصفه الدقيق بشكل استثنائي للأدغال)، وهذا يدلُّ على وضوح الرؤية لدى المؤلف وطواعية اللغة له، كما يعود الفضل كذلك إلى الترجمة الاحترافية الممتازة التي قدمتها (إيمان رزق الله)، والتي أعطت النص حقه كاملاً من التدقيق في انتقاء الكلمات والحرص على جودة الصياغة، فجاءت فقرات الرواية قوية متماسكة فصيحة، لا تكاد تجد فيها خطأ لغوياً إلا نادراً. وفي الحقيقة ستظل رواية (كافكا على الشاطئ) واحدة من أكثر الروايات رسوخاً في ذهني وذاكرتي، لأنها واحدة من الروايات القليلة التي استطاعت أن تنقل إلي شعوراً قوياً شديد الوضوح بالأشياء والشخصيات والأماكن، يكاد يكون ذاكرة جديدة تضاف إلي، وحتى لكأني أرى الأشياء أمامي رأي العين، وألمسها بأناملي، وأشم روائحها، وأسمع أصواتها، وأتأمل شخصياتها كما لو كانوا أناساً حقيقيين من لحم ودم لا مجرد شخصيات وهمية متخيَّلة.

إضافة إلى ذلك ، فقد ضخَّ (موراكامي) في روايته شحنات ثقافية كثيرة تنوعت بين الأساطير القديمة وقضايا الأدب والفن والحياة، مع تركيز واضح منه على (بتهوفن) وموسيقاه الكلاسيكية التي نعلم أن للكاتب اهتماماً شخصياً خاصاً بها. وعموماً فإن (الهوية الغربية) حاضرة في الرواية حضوراً يفوق بكثير (الهوية اليابانية)، وهذا معروف عن (موراكامي) ومنتقَد فيه بشدة، لكني مع ذلك أحسستُ على نحو خفي بـ (يابانية) المؤلف حاضرةً في أسلوب حديثه عن تفاصيل الحياة الغربية، إذ لو دققنا النظر فسنجد أنه، ورغم تماهيه الظاهر مع الحضارة الغربية، إلا أنه محتفظ بمسافة معينة منها، وينظر إليها نظرة عملية فيها شيء من التعالي، وبشكل يناقض تماماً غرور الغربيين بأساليب حياتهم وانبهارهم الهوَسي بها.

الشخصيات في الرواية مرسومة بعناية فائقة، داخلياً وخارجياً، رغم الفوارق العمرية الواسعة بين بعضها، ما دل على حيوية الكاتب ومواكبته لروح العصر، وقدرته على الوصف الدقيق لنفسية المراهقين وعوالهم الخاصة رغم أنه غادر المراهقة بل والشباب منذ عقود طويلة.

وأما أكثر ما كرهته في الرواية؛ فهو جانب (الجنس) فيها. ولستُ بطبيعة الحال ضد الجنس في الرواية، بل أومن بأهميته فيها حين يكون السياق القصصي يستدعي معالجته، لكن (موراكامي) في روايته هذه تجاوز كل حدود الانحراف في التأليف والفجاجة في الوصف، بدءاً بالهوية الجنسية الشاذة لشخصية (أوشيما)، وانتهاءً بعلاقة (كافكا) بـ (ساييكي). نعم سيبرر بعضهم ذلك بالفلسفة والخيال وبأن ثمة إسقاطات ما لكل ذلك الحضور الجنسي الشاذ في الرواية على أفكار معينة، لكني في النهاية سأظل أنظر إلى الأمر من وجهة نظري الخاصة الموافقة لهويتي وانتمائي، وسأرى من واجبي وأنا أكتب هذه المراجعة أن أنبِّه إلى أن الرواية لا تصلح إطلاقاً لكل الذين يرفضون الأوصاف الإباحية العارية الفجة، وكذا الشذوذ الجنسي بأنواعه وزنا المحارم، وكل ما يخالف الذوق السليم والفطرة السوية.

فيما عدا ذلك، تظل رواية (كافكا على الشاطئ) زاخرة بالفن، محفزة للخيال، إضافة إلى كونها مدرسة أدبية ثرية بأساليب السرد والوصف والحوار، ولئن كانت أول عمل أقرؤه لـ (موراكامي) فمؤكد أنه لن يكون الأخير…

#أنس_سعيد_محمد

#كافكا_على_الشاطئ

12/06/2020

الجريمة والعقاب – فيودور دوستويفسكي

06/06/2020 عند 14:11 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الجريمة والعقاب
لمؤلفها: فيودور دوستويفسكي
ترجمة: سامي الدروبي
صدرت عام: 1866

.

=====

اقتنيتُ رواية (الجريمة والعقاب) بجزئيها من معرض الكتاب عام 2016، لكنها مع ذلك ظلَّت حبيسة رفوف مكتبتي طيلة هذه السنوات، حتى جاءت أيام الحجر المنزلي هذه في عام 2020.

وكان الذي يمنعني من قراءتها -إضافة إلى ضيق الوقت المخصص للقراءة الورقية- تلك الرهبة المعتادة التي نشعر بها أمام الكتب والروايات الضخمة حجماً أو شهرة، لذلك بقيتُ أؤجل قراءتها عاماً بعد عام، بل إنني فضَّلتُ أن أبدأ ببعض الأعمال القصيرة لدوستويفسكي على سبيل التمهيد والاستئناس بأسلوب الرجل وأجوائه الروائية قبل اقتحام عمل (ضخم) مثل (الجريمة والعقاب).

وكان غريباً أن ما قرأتُه من روايات دوستويفسكي القصيرة (لم يدخل رأسي)، بل إني لم أكمل قراءتها إلا على مضض، حتى إذا شرعتُ في قراءة (الجريمة والعقاب) فوجئتُ بأني أكاد أنهي جزءها الأول في وقت قياسي جداً، وأني لا أترك قراءتها إلا مرغماً وبي شوق شديد للعودة إليها في أسرع وقت ممكن!

لقد جعلتني رواية (الجريمة والعقاب) أختبر حالةً قرائيةً فريدةً من نوعها؛ أن تتململ من الروايات القصيرة لمؤلف ما، في حين تلتهمك روايته الطويلة التهاماً.

لن أنسى أبداً أعصابي المشدودة وعينيَّ المثبتتين على الورق وأنا أقرأ مشهد القتل بأنفاس مقطوعة، مع شعور قوي عنيف بأنك حاضر مع (راسكولنيكوف) في بيت المرابية العجوز، بل بأنك أنت نفسك (راسكولنيكوف) يخفي أداة الجريمة في معطفه، ويتحيَّن اللحظة المناسبة للإجهاز على ضحيته بوحشية نادرة.

الرواية ليست (بوليسية) بالمعنى التقليدي للروايات البوليسية، فهي لا تطرح سؤال (من فعلها؟) ولا حتى (كيف فعلها؟) أو (متى فعلها؟)، بل السؤال الجوهري في الرواية هو (لماذا فعلها؟)، وهنا تمضي الرواية في معالجتها الدرامية للأغوار النفسية السحيقة للقاتل، وتجعلنا نواكب أعمق مشاعره الداخلية وأدقَّ خواطره التي يُفهم بعضها ولا يُفهم بعضها الآخر، لتظلَّ الرواية مفتوحة دائماً على سؤال (الإنسان المجهول) الذي يستحيل مهما تعمَّقنا في تحليله أن نقف على حقيقته، وأن نفهم الأسباب الصميمة وراء تصرفه على نحو يخالف المنطق.

لكل إنسان اختلالاته النفسية الخاصة التي تحمله حملاً على أن يخالف المنطق في بعض تصرفاته دون أن يشعر بذلك، وربما تعجَّب الآخرون منه لأنهم لا يعانون من نفس اختلاله النفسي أو لا يعرفون ذلك الاختلال أصلاً، ولو نظرنا لوجدنا أن لأولئك المتعجبين أنفسهم اختلالاتهم النفسية الخاصة التي تحملهم على مخالفة المنطق، ودون أن يشعروا بذلك أو ينتبهوا إليه.

نُشرت (الجريمة والعقاب) على شكل فصول مسلسَلة، ونلاحظ أن (دوستويفسكي) استوصى بالتقنيات (التجارية) التي يهواها القارئ، بحيث اعتمد على الإثارة والتشويق وكسر التوقعات، كما لم يفته أن يختم كل فصل بمفاجأة غير متوقعة تحبس الأنفاس وتشوِّق إلى الفصل القادم.

وكعادة الروايات الكلاسيكية، نلاحظ أن هنالك استطرادات كثيرة وإطناباً في الوصف واستكثاراً من التفاصيل والحوارات الجانبية المطوَّلة، ما سيضايق دون شك فئات عريضة من قراء العصر الحديث الذين تعوَّدوا على الوجبات الروائية السريعة.

لا أخفي كذلك أني شعرت بشيء من التراجع في الرواية في جزئها الثاني وفصولها الأخيرة، وبأن بعض الشخصيات الفاعلة لم يُختم حضورها بنهايات درامية تليق بها، إذ اختفى بعضها فجأة دون أن تجتمع خيوط الحبكة كلها في نقطة التقاء واحدة نهائية. نعم هذا أقرب إلى الواقعية وإلى منطق الحياة، لكننا في الرواية نحب أن نرى اجتماع الخيوط وأن تحظى كل شخصية بنهاية (مُشبعة) تليق بها.

أخطر ما في الرواية، وأجمل ما فيها أيضاً، أنها تمسُّ في القارئ شيئاً مظلماً شديد العمق في نفسه، وأعني هنا تحديداً مشاعر (راسكولنيكوف) بعد أن ارتكب الجريمة… إنه ذلك الظلام الدامس الذي يعمُّ النفس ويفيض على الوجود. شعور التوجس والخوف والقشعريرة، وبأنك ارتكبت فعلاً خطيراً مدمراً، وبأنك لست في كابوس في كوابيس المنام بل تعيش في اليقظة بكل ما فيها من تحفز الحواس… النظرات الزائغة والشك في كل ما حولك ومن حولك، وذلك الشعور الكئيب المرعب بأن أمرك سيُكتشف وبأنك ستفقد كل شيء، وبأنك على موعد مع الألم والحرمان بل ومع العدم نفسه… لقد نجحت الرواية في أن تضخَّ في قارئها شحنات رهيبة من الشعور بالإثم وتأنيب الضمير، مع أحاسيس أقرب ما تكون إلى البدائية الأولى أو (الخوف الأولي)، ما قد يذكرنا بأول (فعلة) شنيعة فعلناها في أيام طفولتنا القديمة، وكيف استبدَّت بنا قشعريرة الخوف من أن يُكتشف أمرنا ويقع علينا العقاب المبرح أو الحرمان الأليم…

نهاية الرواية غريبة حقاً! بل قد يخيَّل للقارئ أنها مستعارة من نمط روائي آخر… نهاية رومانسية تعِد بسعادة قادمة، وبشكل يناقض تماماً الأجواء السوداوية القاتمة لكل الأحداث السابقة. نهايةٌ بدت لي مثل رشَّة الماء التي يُنضح بها على وجه الغائب عن الوعي ليفيق من غيبوبته… استيقظ! انهض! سيكون كل شيء على ما يرام! الأمر لم يكن خطيراً كما كنت تظن، قصتك ليست مأساوية إلى هذا الحد! وبالفعل جعلتني النهاية أعيد النظر في أحداث الرواية كلِّها بعين أخرى، فوجدتُ أن الجانب المأساوي في الرواية هو تحديداً الجانب الداخلي، النفسي، الجوَّاني. أما لو نظرنا إليها نظرة خارجية متجردة، واكتفينا بتقييم أحداثها البرَّانية فقط، فإن عنصر المأساة فيها سيتضاءل جداً بل سيكاد يختفي، ولن نرى في القصة سوى شابٍّ ارتكب جريمة حمقاء في مطلع شبابه، وأنه حين سينهي فترة عقوبته سيكون بعدُ في عنفوان الشباب، بل سيكون لديه من الدوافع ما يحدوه إلى بدء حياة إيجابية جديدة…

أهمُّ ما نستفيده من رواية (الجريمة والعقاب) أن وراء كل سطح خارجي للإنسان أعماقاً يستحيل أن يُسبر غورها، وأن المأساة الخارجية مهما عظُمت فهي ليست شيئاً أمام المأساة الداخلية التي لا يكتوي بنارها غير صاحبها الذي ينطوي صدره عليها: ذلك الإنسان المجهول…

06/06/2020

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.