ساعة الصفر – عبد المجيد سباطة

28/11/2020 عند 13:15 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: ساعة الصفر 00:00

لمؤلفها: عبد المجيد سباطة 🇲🇦

صدرت عام: 2017

.

=====

أودُّ بداية، أن أحيل كلَّ راغب في قراءة هذه المراجعة إلى مراجعتي للرواية السابقة والأولى للكاتب “خلف جدار العشق”، والتي تجدونها في هذه المدونة. وسبب هذه الإحالة أن كل ما سأقوله في مراجعتي هذه مبني، بشكل أو بآخر، على المراجعة السابقة، تماماً كما بُنيت الرواية الثانية للكاتب (ساعة الصفر) على نفس الأسس التي بُنيت عليها روايته الأولى (خلف جدار العشق).

تعدُّ (ساعة الصفر) تجربة ممتدة لـ (خلف جدار العشق)، أكثر منها اتساعاً وعمقاً، وأكبر حجماً، وأشدَّ ثراءً بالتفاصيل، وأحسن أسلوباً، وأقلَّ حفولاً بالأخطاء، وقد أبان فيها الكاتب عن نضج ملموس وتطور واضح في استخدام أدواته الروائية، كلُّ ذلك في الإطار نفسه الذي اختاره لقلمه، والنمط الروائي عينه الذي اختار السير عليه.

ولستُ أنوي في هذه المراجعة عقد مقارنة بين العملين، وإن كنتُ لم أستطع التخلص من فكرة المقارنة والإسقاط أثناء القراءة، لكني أودُّ فقط الإشارة إلى مقادير (الخلطة الروائية) التي تشابهت في الروايتين، وإن كانت (جودة الطبخ) في الرواية الثانية أفضل بمراحل منها في الرواية الأولى.

تتكون (الخلطة) عموماً مما يلي: الحرب – السياسة – التحقيق – المغامرات – اللغة التقريرية – المعلومات التاريخية – التنقل بين الأعوام والبلدان.

انتقلنا هذه المرة من سوريا إلى البوسنة، ومن الماضي القريب (بداية هذه العشرية) إلى ماض أبعد بقليل (بداية التسعينيات)، كما تجاوز الكاتب بشكل واضح ما انتُقد في روايته الأولى من كثرة المصادفات، وإن كان ظلَّ أميناً لخطه السردي المتمثل في الزجِّ بأبطاله في أتون حروب حدثت في التاريخ، وابتكار مغامرات مشوقة تجمع بين البحث التاريخي والخيال الروائي. الأمر هنا يشبه أن يكون رحلة (ثلاثية الأبعاد) يأخذنا فيها الكاتب إلى زمان ومكان آخرين، فنطَّلع على ما حدث بعيون أبطاله، ننظر إلى الأشياء بعينين إنسانيتين ترى ما أمامهما، وذلك على عكس ما تفعله كتب التاريخ والتوثيقات الحربية التي ترينا الأشياء من الأعلى، من زاوية (عين العصفور).

نعم، كثيراً ما تخيلت أثناء القراءة أني أضع على عينيَّ نظارات ثلاثية الأبعاد من تلك التي تباع في القاعات السينمائية، وأني أعاين تلك الأحداث البعيدة في زمانها ومكانها كما لو كانت تحدث أمام عيني.

لكن، ورغم التشابه العام في القالب الروائي بين (خلف جدار العشق) و(ساعة الصفر)، إلا أن ثمة اختلافاً جوهرياً بينهما، ويتمثل ذلك الاختلاف في حضور ذات الكاتب داخل الرواية. لقد كان واضحاً في (خلف جدار العشق) أن (عثمان سليم) ما هو إلا (عبد المجيد سباطة) نفسه، إذ لم يكن من الصعب استنتاج التطابق بين الشخصيتين في الصفحات الأولى من الرواية، لكن الكاتب في (ساعة الصفر) عمد إلى إخفاء ذاته تماماً، مبتعداً بشكل كلي عن روايته، متوارياً عن صفحاتها كمن يريد الهروب منها، بل وحتى شخصية (الراوي) التي اعتاد القارئ أن يربطها بالكاتب مهما كان محايداً في سرده، فقد تملَّص منها أيضاً، وجعل (الراوي المجهول) شخصيةً متخيَّلةً أخرى تختلف كلياً عن الكاتب. ولم يكتف المؤلف بإعلان ذلك (الهروب) في بداية الرواية، بل ظلَّ يذكِّرنا به باستمرار على امتداد صفحاته مخافة أن ننساه، وذلك عبر الهوامش التي لم تكن تهدف إلى إتحافنا بالمعلومات التاريخية إلا بقدر ما كانت تريد تذكيرنا، مستعملةً ضمير المتكلم، بأن الراوي شخص آخر يختلف تماماً عن مؤلف الرواية.

ولعل لهذا الأمر تفسيراً نفسياً أكثر منه أدبياً، لكني أرجئ الحديث عنه إلى موضعه الملائم، وفي انتظار ذلك أضع بين أيديكم الانطباعات التالية حول هذه الرواية:

– تجمع رواية (ساعة الصفر) في نبرة أسلوبها بين نوعين فنيين؛ البرنامج الوثائقي والفيلم السينمائي. وكان (البرنامج الوثائقي) أول ما استشعرتُه فور بدئي بالقراءة، إذ ما إن شرعتُ في الكلمات الأولى للرواية (ص 7): “لوتا… قرية صغيرة هادئة، أعلم أنك لم تسمع عنها من قبل، تابعة لمحافظة كونيتس، في الجنوب الغربي من العاصمة سراييفو”، حتى تخيلتُها متلوَّةً بصوت المعلق في برنامج (أمودو) الشهير. وأما (الفيلم السينمائي) فقد أحسستُ به تحديداً في الصفحة 27، حين لفظت شخصية الأم أنفاسها الأخيرة بعد أن ألقت على مسامع ابنها كلمات مبهمة، تفتح بغموضها باب البحث والتحقيق والمغامرة. مشهد كهذا هو مشهد سينمائي خالص، ويمكن أن يكون منتقَداً بسبب نمطيته وتكراره وعدم واقعيته، لكنه –في نهاية المطاف- يؤدي دوره المنوط به، في إدخال القارئ إلى أجواء سينمائية تجعله يتخيل المشاهد كما لو كانت معروضة على الشاشة، بل ربما يجد نفسه وقد ركَّب لها، لا شعورياً، موسيقى تصويرية من خياله.

– لقد أبدع الكاتب في ابتكار أحداث متخيَّلة تكاد تكون ملحمية، وتصلح في رأيي لتكون مشروع فيلم سينمائي متميز، ومما يضاعف قيمة الأحداث في هذه الرواية أنها، إضافة إلى ثرائها وتنوعها وتشابكها، خرجت من تحت قلم كاتب شاب لم يعاصر تلك المرحلة التاريخية، وإنما أضنى نفسه في البحث والتنقيب والدراسة، مدفوعاً في ذلك بشغف شديد وحب للميدان، ما يجبرني على الإشادة بكل هذه المجهودات الجبارة رغم اختلافي مع هذه التوجه، تماماً كما أشرتُ إلى ذلك في مراجعتي لـ (خلف جدار العشق).

– كونها تجربة موسعة عن التجربة الأولى، تضخَّمت فيها حسناتها وتعمَّقت، فإن بعض الانتقادات أيضاً قد تضخَّمت بنفس الأبعاد تقريباً، وأعني هنا بشكل خاص مسألة الحوارات بين الشخصيات، وتحميل بعض الجمل الحوارية أكثر مما تحتمل من المعلومات المقدمة بأسلوب تقريري ينتمي فقط للمقالات المكتوبة، ويستحيل تصوُّره على اللسان البشري. وقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى في موضعين من الرواية؛ الأول في الصفحة 89، حين استرسل (برانكو) في كلام طويل جداً ملأ في مجموعه ما يقارب الصفحتين أو ربما يفوقهما، والثاني في الصفحة 288، حين اندلق (الفقيه عبد السلام) في نشرة تقريرية مطوَّلة لا يُعقل تصوُّرها على لسان بشري، فضلاً عن شخصية فقيه في قرية. ولعل الكاتب قد استشعر أنه (بالغ قليلاً) في هذا الأمر، فأورد –واعياً أو غير واعٍ- على لسان الشخصيتين ما يشبه التبرير لهذا الاسترسال غير المعقول: “أعترف بأني أطلتُ قليلاً في الكلام”، “أعلم أنك تنظر إلي بعين الاستغراب، فتسريحة شعري العابثة وملابسي الغريبة وأقراط أذني تتعارض بشكل تام مع هذا الإلمام بتفاصيل ما يجري من حولي” (ص 90 – 91). “لم تتوقع أن أكون ملماً بما يجري حولي من أحداث، وأن إمامة الناس في مسجد قرية منسية في جبال الأطلس ستمنعني من مواكبة العصر الذي أعيش فيه، أليس كذلك؟” (ص 290).

– هذه المسألة السالف ذكرها؛ مسألة الاسترسال، هي متفرعة عن مسألة أخرى أكثر جوهرية، وأعني النزعة نحو إغراق الرواية بالمعلومات الثقافية. لقد صار هذا توجهاً روائياً عاماً في السنوات الأخيرة، كأنما استقر في ذهن الروائيين أن الرواية تستمد قيمتها من كثرة المعلومات التي تتضمنها، وحبذا لو كانت معلومات مثيرة أو نادرة. لقد كان الكاتب تحت تأثير هذه الظاهرة أثناء كتابته، لذلك جاءت روايته مترعة بالمعلومات إلى حد التخمة، وقد وُزِّعت المعلومات المفصلة على صفحات الرواية بلا حساب، في السرد والوصف والحوار والهوامش، كأنما يريد الكاتب التوكيد بإلحاح شديد على جهوده المضنية المبذولة في البحث والتدقيق، والإلمام بأدق التفاصيل الجغرافية والتاريخية والسياسية والعسكرية في الفترة التي تجري فيها الأحداث. نعم إن جهود الكاتب البحثية واضحة جداً، ومشكورة غير منكورة، لكن ما يجب الانتباه إليه أن (الترهُّل المعلوماتي) ليس من الصفات المحببة في فن الرواية، لا سيما إن كانت معلومات لا تهمُّ إلا فئة ضئيلة معينة من المجتمع. معظم القراء يبحثون في الرواية عن التسلية والعبرة، وعن الإثارة والتشويق، وعن التجربة الإنسانية العميقة، وما دامت الرواية في هذه الحالة موجهة عموماً لجمهور الشباب، فإن معظم الشباب –بمن فيهم الكاتب نفسه- كانوا صغار السن جداً في زمن الأحداث، أو ربما لم يكونوا قد وُلدوا بعد، لذلك لن يهمَّهم من المعلومات إلا خطوط عريضة تضعهم في الإطار وتساعدهم على الفهم، أما التفاصيل الدقيقة، وبالشكل الذي وردت فيه في هذه الرواية، فلعلها لن تهمَّ إلا فئة من المتخصصين، أو من الذين ينتمون إلى البلدان التي جرت فيها الأحداث (وهي بلدان غير عربية)، وأما غيرهم –وهم أكثرية القراء- فلن يبالوا بها، وربما يتجاوزونها، وحتى لو أراد أحد التعمق فسيلجأ إلى ويكيبيديا أو إلى المراجع المختصة، ما يطرح هنا مخاوف جدية من أن الجهود البحثية في الرواية، حين تتجاوز حداً معيناً، تصير جهوداً مهدورة، وذات نتائج عكسية، ومن شأن الرواية أن تكون أكثر إمتاعاً ورشاقة بدونها، تماماً كما يصير الإنسان أكثر رشاقة بعد عملية (شفط الدهون).

– الرواية عموماً تنتمي إلى نمط روائي (غربي حديث) إن صحَّ التعبير، وهو نمط صار الروائيون العرب مقبلين عليه بشدة، وإلى حد كاد يصير معه بديهية روائية رغم أنه ليس كذلك. لهذا النمط مميزاته وعيوبه، ومهما ذكرتُ من هذه المميزات والعيوب فهي تنطبق على رواية (ساعة الصفر) كما تنطبق على النمط الذي تنتمي إليه. تتجلى المميزات في إمتاع القارئ بأحداث ثرية متدفقة تحبس الأنفاس في الصدور، وبمعلومات طريفة ومثيرة، وبأخذه في رحلة شائقة متنوعة في الأزمنة والأمكنة. وأما العيوب فأبرزها تواري دور (الشخصية) في العمل الروائي، إذ لم يعد عنصر الشخصية ذا أهمية قصوى في الرواية، لذلك صار يندر أن نصادف رواية حديثة تضم شخصية ترسخ في الذهن وتتخذ لنفسها مكاناً في التاريخ، على خلاف الأدب الكلاسيكي والرومانسي الذين كان يُعنى عناية قصوى بالشخصية، ويكسوها بقدر هائل من الظلال والتفاصيل، ويخوض بنا في أعمق أعماق نفسها، حتى إن الشخصية الروائية الخيالية لتصير ذات (سيرة ذاتية) كاملة تتفوق بها حتى على بعض الشخصيات الحقيقية. في الأشكال الأدبية الحديثة تكون الأولوية للأحداث أو للأفكار، وأما الشخصيات فمجرد عناصر مساعدة لا أكثر، لذلك تظل في الغالب سطحية لا أعماق لها، لا يعبأ الكاتب بوصفها إلا قليلاً.

هي روايات تمتد أفقياً فقط، لكن ليس عمودياً. ومن الجدير بالذكر أن روايات الحروب تمثل بطبيعتها هذه التوجه، لأنها تعتمد على (الجماعات البشرية) أكثر من اعتمادها على الإنسان المفرد. الشرير هنا هو (الجيش)، والضحية هو (الشعب). جيشان يتحاربان، مجموعة تقاتل مجموعة، وفي زخم (المجموعات) هذا تختفي خصوصية الإنسان وفُرادته، ما يؤثر حتى على الموقف العاطفي للقارئ تجاه الأحداث، تماماً كما قد نتأثر بمصاب خفيف يلمُّ بإنسان قريب نعرفه، بأكثر مما نتأثر بخبر مجزرة جماعية بشعة في بلد بعيد، راح ضحيتها مئاتٌ من البشر.

– على مستوى اللغة، وإضافة إلى ما ذكرتُ من لغة الكاتب التقريرية، الخالية تماماً من الشاعرية والمحسنات البلاغية، فإنها في الواقع نتيجة طبيعية لانتماء الكاتب الأدبي، وميوله الواضحة والمصرَّح بها إلى الأدب الغربي الحديث. اللغة في هذا النوع من الأدب لها جمالياتها الخاصة التي لا تُنكَر، كما أنها تتميز بالعقلانية التامة، والدقة في انتقاء الألفاظ التي تعبر عن الشيء كما هو بلا زيادة ولا نقصان، ما يجعل العبارات تتميز بالصدق الوصفي التام، والتجرد في المقابل من العاطفة، وهو ما يعبر بوضوح عن العقلية العلمية الغربية بماديتها وبرودتها، والمخالفة تماماً للروح العربية التي تميزت، وتميز أدبها، بالمبالغة والتهويل، والعناية بلواعج النفس، والعواطف الدفاقة، والدماء الفائرة، وكثرة استخدام المجازات والاستعارات. وما دام الأدب الغربي قد وصل إلينا عن طريق الترجمة، فقد كان من الطبيعي أن تتأثر الأساليب اللغوية للكتاب العرب بنفس أسلوب الترجمة، لذلك تكوَّنت أقلامهم على نحو تبدو فيه عباراتهم الأصلية كما لو أنها مترجمة عن أصل غربي ما، رغم أنها كُتبت أساساً باللغة العربية.

وأنا في الواقع لا أنكر هذا التوجه رغم اختلافي معه، إذ رغم انتمائي وجدانياً إلى الأدب العربي المتشبع بالروح العربية كما يجب أن تكون، فإني أرى هذا النوع من الاختلاف اختلاف تكامل لا تنافر، وإنما أنكر في الحقيقة على من صاروا ينبذون تماماً الروح العربية في الأدب والأسلوب، وينتقصون من قدرها، ويأخذونها مأخذ السخرية والاستهزاء، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى ازدراء اللغة العربية من أساسها، ليصيروا بذلك مستلَبين تماماً، منزلين أنفسهم، دون وجه حق، منزلة المغلوب المولع بتقليد الغالب.

– ورد في الرواية خطأ لغوي مزعج في صفحاتها الأولى؛ هو تأنيث كلمة (رفات). ويبدو أن التاء المبسوطة في نهاية الكلمة توهم بأنها جمع مؤنث سالم، وليست كذلك في الحقيقة. كلمة (رُفَات) على وزن (حُطَام)، وهي كلمة مذكَّرة وليست مؤنثة.

– في الصفحة 78 وردت أغنية دحمان الحراشي الشهيرة (يا الرايح وين مسافر) في مذكرات (بريجيت نوسي) التي تعود إلى عام 1962. لكن حين أجريتُ البحث وجدتُ أن أغنية (يا الرايح) لم تصدر إلا سنة 1973، ولستُ متأكداً ما إذا كان هذا خطأً تاريخياً في الرواية أم أن للكاتب علماً بإصدارات أقدم للأغنية.

وختاماً أقول، بأن مما يدعو إلى الفخر حقاً، وجود روائي مغربي شاب قدَّم لنا عملاً بهذه الجدية وبهذه الروح القتالية العالية التي تستحق التنويه، وأتحفنا بتجربة روائية رائدة في سن مبكرة جداً، ومما يستحق الإشادة أيضاً تغلُّب الكاتب على نفسه باستمرار، إذ كلُّ رواية له أفضل مما قبلها، وهذا نادر جداً في الكتَّاب الذين وقع كثير منهم في فخ العمل الأول الذي انهزموا أمامه وعجزوا عن تجاوزه. وهنا أشير إلى أن بعض التفاصيل في رواية (ساعة الصفر)، وأعني الاقتباسات الأدبية، وعناوين الفصول المأخوذة من عناوين الكتب، ووجود القصاصات في بعض صفحاتها، كانت في الواقع إرهاصات لعمله الثالث الذي صدر مطلع هذا العام، والذي ستأتي مراجعته قريباً إن شاء الله: الملف 42…

أنس سعيد محمد

28/11/2020

ملاكان وشيطان – صلاح الدين أقرقر

24/11/2020 عند 15:40 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: ملاكان وشيطان
لمؤلفها: صلاح الدين أقرقر 🇲🇦
صدرت عام: 2019

.

=====

عرفتُ هذه الرواية، أول ما عرفتها، حين زرتُ ذات يوم (المكتبة المغربية) بطنجة، وهنالك وقع بصري على الرواية فتناولتها، ولم يهمَّني من أمرها سوى أن كاتبها شاب مغربي، وأنها صادرة عن دار كتوبيا التي سيصدر عنها، إن شاء الله، أول أعمالي الورقية.

بحثتُ عن اسم الكاتب على فيسبوك وأرسلتُ إليه طلب صداقة بنية التواصل معه وطرح بعض الأسئلة، وأما روايته التي كانت بين يدي، فقد أوحى إلي غلافها، ولفظة (شيطان) في عنوانها، أنها لن تكون سوى رواية رعب شبابية أخرى، فلذلك أعدتُها إلى الرف حيث كانت، دون أي نية في اقتنائها وقراءتها.

لكني، وبدافع الفضول، بحثتُ في وقت لاحق عن موضوع الرواية، وقرأتُ كل ما كتبه عنها المراجعون في موقع goodreads، فتبين لي أن مضمونها يختلف تماماً عما يوحي به غلافها المضلل، وأنها ليست رواية رعب شبابية كما تبدو عليه، بل هي رواية اجتماعية خالصة، وواقعية تماماً، وتتطرق لجملة من المواضيع بأسلوب مشوق وجميل. ولأن (الرواية الاجتماعية) هو نمطي الروائي المفضل دون منازع، فقد عقدتُ العزم على قراءتها والتعرف أكثر على كاتبها، وهكذا رجعتُ إلى المكتبة فاقتنيتها.

والآن بعد أن أتممتُ –بحمد الله- قراءتها، فإني أضع بين أيديكم، كما جرت العادة، انطباعاتي التالية:

  • غلاف أي رواية هو بوابة الدخول إليها، ويجب بلا شك أن يعبِّر، بصرياً، عن شيء من مضمونها، أو على الأقل أن يلزم الحياد كما في بعض الأغلفة البسيطة ذات اللون الواحد. لكن في حالة هذه الرواية فالأمر مختلف تماماً، إذ لا تربط الغلافَ بالمضمون أية رابطة إطلاقاً، لا من قريب ولا من بعيد، بل إن الغلاف هذه المرة يقوم بدور مضلل جداً، يوحي لمن يراه بأنه على موعد مع (رواية رعب شبابية أخرى) من تلك التي تناسلت مؤخراً بشكل سرطاني، ما سيكون سبباً فيما يمكن أن أسميه (عملية تسويق عكسي) تُبعد عن الرواية من كُتبت لهم، وتجذب إليها جمهوراً آخر لا تعنيه. الغلاف ليس سيئاً في ذاته، لكنه كان سبباً في إعادتي الرواية إلى الرف دون نية في اقتنائها، وقد حدث نفس الشيء مع غيري.
  • تدور أحداث الرواية في إحدى القرى المغربية التي تعاني من شتى أنواع التهميش، والتي سينتقل إليها شابان متعلمان مفعمان بالأهداف النبيلة ورغبات الإصلاح. ستسلط الرواية الضوء، بشكل مباشر، على جملة من القضايا الاجتماعية الشائكة قصد لفت الانتباه إليها، وإلى الذين يعانون بصمت في أصقاع بعيدة لما تبلغها المدنية بعد.
  • لم يُذكر في الرواية اسم القرية التي تدور فيها الأحداث، ولم تتم الإشارة إلى سنة حدوثها. هذه التعمية عن الزمان والمكان لها دوران أساسيان في عالم السرد الروائي؛ الأول إضفاء نوع من (الترميز) على عناصر الرواية، بمعنى الجزء الذي يدلُّ على الكل. لا يهم معرفة اسم القرية، لأن القضايا التي أشير إليها يمكن أن تهم أي قرية مهما كانت. كما لا يهم معرفة زمن الأحداث، لأن تلك الأحداث يمكن أن تقع في أي زمان قديم أو حديث. والثاني إراحة الكاتب من عبء البحث المعلوماتي. أي أني لو ورَّطتُ نفسي في ذكر مكان حقيقي موجود، في حيز زمني معين، فإن علي أن أرهق نفسي في البحث عن معلومات صحيحة تخص المكان والزمان؛ جغرافية المكان وتفاصيل مبانيه وشوارعه وسكانه، وكذا السياق التاريخي الذي تدور فيه الأحداث، مع العلم أن الخطأ في شيء من ذلك قد يكون قاتلاً. لكني حين أقول: “قرية”، مجرد قرية، فإني أريح نفسي، وأفتح الباب لخيالي على مصراعيه، ويصير لدي كامل الحق في ابتكار عالم متخيَّل لا تحدُّه أية حقائق صلبة أو معطيات معلوماتية.
  • اعتمد الكاتب أسلوباً كلاسيكياً في البناء الدرامي لروايته، واستطاع أن يمزج مزجاً جميلاً بين السرد والوصف والحوار، دون أن يغفل ضمير المتكلم (المونولوغ الداخلي) في الفصول الأخيرة. أعجبني كذلك البناء المتماسك للشخصيات، وتخصيصه لمعظمها، حتى الثانوية منها، فصلاً يسترجع فيه جزءاً من ماضيها، والذي يفسر به ما انتهت إليه في طباعها وسلوكها.
  • كان واضحاً لي أثناء القراءة أن أسلوب الكاتب متشبع بالتراكيب البلاغية القادمة من الأدب التراثي العربي، وقد شممتُ رائحة المنفلوطي في كثير من عباراته، لا سيما في كثرة استخدام المفاعيل المطلقة والعبارات القرآنية وبعض التشبيهات. كما استرعى انتباهي أيضاً ولع طبيعي للكاتب بالسجع، فقد أحسستُ أن العبارات المسجوعة تخرج من الكاتب تلقائياً، وأنه أحياناً قد يتعمد تحاشيها ويبذل في ذلك جهداً، لكنها مع ذلك تغلبه وتفرض نفسها فرضاً على تراكيبه. وهنا يجب أن أشير إلى أن العبارات المسجوعة لم تكن خياراً موفقاً للكاتب على طول الخط، وخاصة حين استخدمها، أكثر من مرة، في الحوار الجدي –وربما العدواني- بين بعض الشخصيات. السجع فن جميل حين يشمل النص بكامله، أما حين يتخلل حوارات يُفترض أنها واقعية، فإنه يتحول إلى شيء يشبه الكوميديا، ما يُضعف من تأثير تلك الحوارات على القارئ فلا يكره بما يكفي من يستحق الكره، ولا يتعاطف بما يكفي مع من يستحق التعاطف، وإنما ينحصر اهتمامه بخواتم العبارات المسجوعة، والتي قد تتحول في نظره إلى مجرد عبارات هزلية يراد بها الإضحاك أو الاستعراض اللغوي.
  • الرواية تنتقد بشكل مباشر صارم ظواهر اجتماعية بعينها، لكنها لا تعرض أية أسئلة أخلاقية ملتبسة. الخير والشر في الرواية واضحان تماماً، الأبيض أبيض ناصع والأسود أسود فاحم، ويتجلى ذلك في عنوانها نفسه (ملاكان وشيطان). إن من المعروف أن هذه القسمة الثنائية الحادة بين الخير والشر هي قسمية تخالف الواقع، كما أنها من العوامل المضعفة لأي عمل أدبي، ولا يخفى على قارئ أن الروايات التي استحقت وصف العمق، والتي انتزعت لها مكاناً في قائمة الأعمال الأدبية الرفيعة، هي التي تخوض في تلك المناطق الرمادية الملتبسة بين الخير والشر، وتلقي في أعماق القارئ أسئلة محيرة تستحثُّه على التفكير وتستفزُّ ضميره، وتضع موضع تساؤل منظومتَه الأخلاقية ومعياريتَه في النظر إلى الناس والأشياء.
  • ليس من عادتي، في المراجعات التي أكتبها، أن أتطرق كثيراً إلى جانب الحبكة القصصية في الرواية، لكني هذه المرة سأدون بعض الملاحظات بطريقة سأحاول بها ألا أحرق الأحداث على من لم يقرأ الرواية بعد: لقد كنتُ راضياً، بشكل عام، عن الحبكة القصصية في معظم فصول الرواية، لكن ظهرت لدي انتقادات حول بعض الأمور في فصولها الأخيرة، حول ثلاثة أمور تحديداً.

الأول: جاءت نهاية (الشيطان) مفاجئة وصادمة، لكنها تفتقد لعنصر السببية الرابط بين (الملاكين) و(الشيطان). كل ما فعله (الملاكان) أنهما اكتشفا حقيقة أفعاله المشينة، ثم أتت نهايته على يد طرف خارجي لا علاقة له ببطليْ الرواية. أعتقد أن هذه الحبكة غير مستقيمة درامياً، إذ لا بد –قصصياً- أن يكون للبطل دور رئيسي في القضاء على الشرير.

الثاني: في البداية أعجبني كثيراً الغموض الذي أحاط به الكاتب حادثة مقتل (الشيطان)، وكيف تعددت شهادات الشخصيات الذين اعترفوا جميعاً بقتله. كنتُ أفضل أن يبقى الأمر على ما هو عليه، وألا نعرف حقاً من قتل (الشيطان)، لكن الكاتب مع الأسف ضيَّع ذلك الغموض الغرائبي الجميل حين أفصح لنا عن هوية القاتل.

الثالث: كان ثمة مثلث حب جميل في القصة، لكن الطريقة التي حلَّ بها الكاتب مثلث الحب ذلك لم تكن موفقة في نظري، فضلاً عما تثيره في القارئ من شعور سيئ مرتبط بفكرة (زواج المحارم عن غير قصد). لقد أراد الكاتب –بشكل ما- إرضاء جميع الأطراف، وخلق نهاية سعيدة ما أمكن لمثلث الحب، لكن ربما فاته أنه غير ملزم بأية نهاية سعيدة، وأن كل مثلث حب لا بد أن ينتهي بمأساة ما، وبجرح عميق لا مفر منه.

  • ترتكز الرواية على موضوعين رئيسيين: الأول زواج القاصرات، والثاني ممارسة الجنس مع الجثث. الموضوع الأول موضوع اجتماعي حقيقي، يستحق النظر إليه ومعالجته أدبياً. أما الموضوع الثاني فلا يرقى لأن يكون قضية اجتماعية، بل هو نوع من الشذوذ الجنسي النادر جداً، وأعتقد أن اختيار الكاتب له كان لغرض الإثارة والدعاية والتسويق، رغم إشارته إلى جذور ذلك الانحراف لدى شخصية (الشيطان)، وكيف أنه نتيجةٌ لظاهرة اجتماعية أليمة هي الاعتداء الجنسي على الأطفال.

ختاماً أقول، ورغم ما سبق من ملاحظات وانتقادات، إلا أن رواية (ملاكان وشيطان) هي محاولة شبابية تستحق التشجيع، وشخصياً أنوي قراءة مزيد من أعمال الكاتب، كما تجدر الإشارة إلى أن الرواية ذكَّرتني أثناء قراءتها بالأساس الذي يجب أن تُبنى عليه الرواية، والنواة الحقيقية لها: كونها -قبل كل شيء- قصة ممتعة ذات غاية نبيلة.

لقد أمسى الكتَّاب الروائيون في سباق محموم وراء الحبكات الصعبة، والألعاب السردية المعقدة، وصار معيار التفاضل بينهم من يُتعب قراءه أكثر أو بالأحرى يعذِّبهم، ومن يبرهن على قدرات سردية أعلى، وننسى نحن القراء حين نحاول مجاراة الأساليب الروائية الجديدة أن معيار الجمال والنجاح ليس بالضرورة الشكل السردي المراوغ، وليس بالضرورة درجة التعقيد في الحبكة واعتماد (سرد غير خطي)، وإنما يكفي للرواية أن تقدم لنا قصة جميلة مكتوبة بأسلوب أدبي سليم… وفقط!

حين ننبهر بالأساليب السردية المعقدة لأفلام (كريستوفر نولان)، فإن الخطأ الذي يجب أن نتجنبه –وقد ننزلق فيه عن غير قصد- هو الوقوع في احتقار الأفلام (البسيطة) ذات القصص السهلة والسيناريو الخطي. إنه في جوهره صراع بين القلب والعقل، وبين المادة والروح، ومهما انبهرنا بالمادة / العقل، فيجب دائماً أن نقدر الروح / القلب. مهما بلغت أفلام (نولان) في تعقيداتها السردية، ومهما انبهرنا بها، فإن ذلك لا يلغي القيمة الفنية لأي فيلم قديم يروي لنا قصة اجتماعية أو إنسانية بالغة البساطة، بل ربما يكون هذا الفيلم البسيط أكثر متعة للعين ونفاذاً إلى القلب…

أنس سعيد محمد
24/11/2020

لاعب الشطرنج – ستيفان زفايغ

19/11/2020 عند 10:27 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: لاعب الشطرنج

لمؤلفها: ستيفان زفايغ

صدرت عام: 1941

.

=====

لن أعيد في هذه المراجعة ما سبق وذكرتُه في مراجعتيَّ السابقتين لـ (حذار من الشفقة) و(أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة)، وأعني الحديث عن العبقرية الروائية لـ (زفايغ) وقدراته الوصفية العالية… إلخ. روايته الأخيرة (لاعب الشطرنج) ليست استثناءً، بل إنها أشدُّ كثافة وأعمق عمقاً، وتفتح –رغم صغر حجمها- أبواباً كثيرة تُفضي إلى مساحات شاسعة من التأويل.

هي قصة بسيطة، أو هكذا تبدو، عن شاب جاهل بليد اسمه (كزنتوفيك)، لم يبشر في طفولته بأية موهبة تُذكر، إلى أن اكتشف فجأة، وعن طريق الصدفة، موهبة خارقة في لعبة الشطرنج، وكانت موهبته بحيث لفتت إليه الأنظار ورقَّته في درجات السلم الاجتماعي إلى أن عُين بعد سنوات قليلة بطلاً عالمياً للعبة الشطرنج.

يلتقي الراوي بهذا (البطل) على متن إحدى السفن، ويحاول استدراجه إلى اللعب كي يحاول سبر أغوار الشاب المغرور المصمت الذي لا يشفُّ عن شيء، وفي أثناء ذلك يظهر السيد (ب)، وهو رجل غريب الأطوار أثبت أنه الوحيد الذي يملك من المهارات الشطرنجية ما يستطيع به أن يقارع (كزنتوفيك)، مرغماً إياه على التنازل –ولو قليلاً- عن عرش غروره.

يحكي السيد (ب) للراوي قصة حياته، وعلاقته بالشطرنج، وكيف أنه تعلم اللعبة من خلال كتيب سرقه أثناء فترة حبسه الانفرادي الطويلة، إذ لم يجد منقذاً له من حالة الفراغ المطلق الطويلة، والأشد تعذيباً للنفس الإنسانية، إلا إغراق نفسه في التفاصيل النظرية للعبة، وإعادة مباريات عالمية، ودراسة تقنيات الدفاع والهجوم، ليستحيل الشطرنج بالنسبة إليه هوساً مرَضياً شديداً تسبب له في انفصام حاد في الشخصية، تمثَّل في تطويره قدرة غريبة وغير منطقية على ملاعبة نفسه، وعلى تقسيم عقله إلى قسمين، وعلى شق ذاته إلى شقين متباينين (أسود وأبيض) لا يتوقع أحدهما حركات الآخر.

يلتقي الرجلان؛ السيد (ب) و(كزنتوفيك) في مباراة مصيرية ذات نهاية خاطفة وغير متوقعة…

تعددت تفسيرات القراء للرواية، وغلب على بعضهم التفسير السياسي للأحداث، والذي يربط رموز الرواية بأوروبا والحرب العالمية الثانية، واجتياح هتلر للنمسا، كما تعددت الاستقراءات لعناصر الرواية التي نُظر إليها بوصفها رموزاً دالة على معاني معينة، مثل (السفينة) و(رقعة الشطرنج) و(الأسود والأبيض). وهناك من اعتبر الشاب (كزنتوفيك) رمزاً لهتلر نفسه، والسيد (ب) رمزاً للمؤلف أو للنمسا، وأما (السفينة) فترمز إلى (أوروبا)، أو إلى (الحياة)، و(رقعة الشطرنج) هي الحرب التي قد تبدو من بعيد مجرد (لعبة) في حين أنها في الواقع (ممارسة شديدة الجدية).

كل هذه التفسيرات ذكية ومحتملة، وتقوم على أسس منطقية من الاستقراء، لكن من وجهة نظر شخصية، فإني أجد نفسي أكثر ميلاً إلى التفسير الذاتي للرواية، وربطها ربطاً مباشراً بحياة المؤلف وعلاقته بالأدب، أو بالأحرى علاقة كل موهوب بموهبته الخاصة، بشغفه الخاص، ونظرته إلى نفسه، وتلك المشاعر الحادة المتضاربة بين الإيمان الشديد بالموهبة أحياناً، والتشكيك فيها إلى حد إنكارها أحياناً أخرى.

لقد كانت رواية (العجوز والبحر) حاضرة بشدة في ذهني أثناء قراءتي لـ (لاعب الشطرنج)، ولم أستطع التخلص من أفكار رابطة بين الروايتين.

الموهبة التي تتحول إلى شغف، والشغف الذي يتحول إلى هوس، والهوس الذي يتحول إلى معاناة قد تدمر حياة الإنسان وتحيلها خراباً. لعنة العقل البشري. ما أصل تلك الموهبة؟ هل هي مغروسة في الموهوب منذ ولادته أم أنها تُكتسب بالممارسة؟ هل هي شيء يكتشفه المرء في نفسه عن طريق الصدفة أم يكتسبه تحت ضغوط قاهرة تكاد تكون فوق قدرة الاحتمال البشري؟

هل كان السيد (ب) يواجه شخصاً آخر حقاً حين جلس إلى طاولة الشطرنج أمام (كزنتوفيك)؟ أم تراه لم يكن يواجه إلا نفسه أو صورة من نفسه، تماماً كما كان يفعل في محبسه الانفرادي؟

ما أميل إليه، بصراحة، وهذا رأي لم أقرأه عند أيٍّ من المراجعين للرواية، هو أن السيد (ب) و(كزنتوفيك) ما هما في الواقع إلا شخص واحد، وما ذلك الشخص في النهاية إلا (ستيفان زفايغ) نفسه! والشخصيتان المتناقضتان هما تصوُّران مختلفان للكاتب عن ذاته الخاصة. هذا شيء لن يفهمه حق الفهم إلا كاتب، أو إلا موهوب أو فنان سبق له أن جرب حالة الانفصام المرعبة تلك، والمعذِّبة إلى أقصى حد، بين الإيمان بالموهبة إلى أعلى درجات النرجسية، وبين الكفر بها إلى أدنى دركات احتقار النفس.

رقعة الشطرنج هي الصفحات البيضاء، وأحجار الشطرنج هي حروف الأبجدية، تلك “القليلة في عددها، لكن لا حدَّ للتوليفات الممكنة منها”، وأما المباراة فهي رهان المعنى، ذلك السراب الذي يطارده كل من أصيب بلعنة الكتابة.

لقد كتب (ستيفان زفايج) روايته هذه في واحدة من أقسى لحظات خيبته وانهياره النفسي، في لحظة شبيهة بعودة الصياد العجوز إلى الشاطئ وليس معه إلا هيكل عظمي لم يبال به أحد، لسمكة عظيمة صارعها واصطادها في عمق البحر، حيث لم يره أحد ولم يعلم بأمره إنسان.

رواية (لاعب الشطرنج) لم تنته بانتحار أحد أبطالها، لكنَّ لها في الواقع امتداداً في الحياة نفسها، ذلك أن انتحار (ستيفان زفايغ) هو النهاية الحقيقية وغير المكتوبة لرواية (لاعب الشطرنج).

أنس سعيد محمد

19/11/2020

أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة – ستيفان زفايغ

16/11/2020 عند 11:39 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة

لمؤلفها: ستيفان زفايغ

صدرت عام: 1927

.

=====

كانت روايته العبقرية (حذار من الشفقة) أول ما قرأتُ له، وهي من الروايات القليلة التي أعدتُ قراءتها مرتين لإعجابي الشديد بها، ولي عنها مراجعة منشورة لمن أراد الاطلاع عليها. وفي الحقيقة ظل اسم (ستيفان زفايغ) عالقاً في ذهني منذ قراءتي لها، على أمل أن أقرأ له مزيداً من الأعمال في وقت لاحق.

واليوم أتممتُ قراءة (أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة)، لتكون ثاني رواية أقرؤها لكاتبها، والتي نالت –أيضاً- تقديري وإعجابي، وإن لم يكن بنفس درجة (حذار من الشفقة).

الرواية قصيرة، لا تكاد تتجاوز مئة صفحة، وهذه من أبرز نقاط القوة التي تُحسب لصالحها، إذ إن القدرة على خلق أجواء روائية متكاملة، وعلى تكثيف السرد والحوار والمعنى، وعلى الغوص في أعماق الشخصيات، كل هذا في صفحات قليلة، لهو مهمة صعبة جداً لا يقدر عليها إلا روائي محترف.

الروايتان (أربع وعشرون ساعة في حياة امرأة 1927) و(حذار من الشفقة 1929) مكتوبتان على نسق واحد، مصبوبتان في نفس القالب الروائي، الشكلُ نفسه مع اختلاف المضمون، ويتجلى ذلك (القالب) في ما يلي:

– اعتماد الروايتين على أسلوب المحاورة بين الراوي الهامشي والبطل الذي يروي له ذكريات قديمة تعود لسنوات كثيرة خلت.

– ارتكاز قصة البطل المروية على تورطه –عن حسن نية أو بدافع الشفقة- في علاقة عاطفية شائكة مع شخصية تعاني اختلالاً نفسياً ما، ثم تلقي تلك العقد النفسية بظلالها السوداء على البطل الذي يجد نفسه عالقاً، من حيث لا يدري، في وضع حرج جداً ينذر بنهاية مأساوية.

– التشكيك في الأخلاقيات، ولفتُ الانتباه إلى أن بعض الأخلاق الرفيعة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة.

– التعمق في وصف الفوارق النفسية الدقيقة بين الرجل والمرأة، وتعرية العيوب الكامنة في التكوين الطبيعي لكليهما.

– حبْكُ القصة على نحو يثير التحسُّر بل والتفجُّع. تأثير الفراشة يكون حاضراً بقوة؛ تفاصيل دقيقة جداً، أو مجرد لحظات قصيرة، تصنع فارقاً مأساوياً في الأحداث.

– الإشارة إلى أن الآداب الاجتماعية، وقواعد اللباقة، والاهتمام بـ (كلام الناس)، كل هذه أشياء قد تكون قاتلة حين تُعطى أكبر من حجمها، وحين تتم مراعاتها على حساب الحالة النفسية لإنسان يقاسي الهشاشة والاختلال.

– جعْلُ الانتحار نهاية مأساوية حتمية، للفتاة في (حذار من الشفقة) كما للشاب في (أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة). وقد أنهى الكاتب حياته منتحراً كما هو معلوم.

– التوكيد على دور الزمن في محو المأساة، فجعلُ القصة مروية على لسان البطل بوصفها حدثت منذ زمن بعيد، له تأثير ملطِّف معروف، يخفِّف من قسوتها، ويبعث في النفس شعوراً بأن مرور الزمن يمحو كل شيء، وبأن الإنسان ومهما أصابه في حياته من خطوب، فإن ذلك كله سيصير قصصاً تُروى، بعد أن يأتي عليه زمان تبرد فيه مشاعره، ويتغير انفعاله بالأشياء من حوله. ولقد تم التعبير عن هذه الفكرة تعبيراً صريحاً على لسان البطلة العجوز.

إضافة إلى ما سبق، تتميز الرواية بتناولها الدقيق لموضوع القمار، لقد أبدع الكاتب في وصف الأجواء المحيطة بالطاولات الخضراء، وأيضاً نوعية الانفعالات التي يمكن ملاحظتها بتأمل الأيدي فقط، وكذلك تلك السطوة القاتلة لإدمان القمار، ولتوقُّع الربح رغم تكرُّر الخسارة، وتلك النزعة المتهورة الجهنمية، والمتجددة بلا انقطاع، للمجازفة بكل شيء في سبيل أملٍ واهٍ أغلبُ الظن أنه لن يتحقق.

بالإمكان كذلك استنتاج نوع من الإسقاط لحالة (القمار) على الحياة عموماً، من خلال (مراهنة) البطلة على الشاب الذي خيَّب أملها كما تخيِّب الحياة أمل المتعلقين بها، في نوع من الإشارة إلى سرابية الحياة وعبثيتها.

(أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة)، رواية جميلة تستحق القراءة، وتفتح شهية الاطلاع على مزيد من أعمال الكاتب الثرية، أدبياً وإنسانياً، رغم صغر حجمها.

أنس سعيد محمد

16/11/2020

نوميديا – طارق بكاري

12/11/2020 عند 16:09 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: نوميديا

لمؤلفها: طارق بكاري

صدرت عام: 2015

النمط الروائي: فانتازيا بورنوغرافية

.

=====

كان ما سمعتُه عن شاعرية اللغة في هذه الرواية هو ما دفعني لقراءتها، خاصة وأن اللغة الروائية الشاعرية تكاد تكون نادرة عند الكتاب المغاربة، فلذلك أحببتُ الاطلاع على هذه التجربة الأدبية التي خرجتُ منها بالملاحظات المختصرة التالية:

– للكاتب فعلاً لغة شاعرية جميلة، وتمكُّن واضح من الأدوات الروائية، وإذ كانت (نوميديا) محاولته الروائية الأولى فإن من الجلي أن قراءات كثيرة سبقت هذه المحاولة، لما هو واضح فيها من تشبع الكاتب بالخيال الوصفي والتشبيهات الثرية التي لا تتأتى إلا بسعة الاطلاع على نماذج سابقة اعتمدت هذا النوع من الأسلوب.

– رغم أن الرواية (مغربية)، بحيث إن كاتبها مغربي وأحداثها تدور في المغرب، ورغم واجهتها الأمازيغية التي تتجلى في قرية (إغرم) وشخصية (نوميديا)، إلا أنها لم تُكتب بروح مغربية إطلاقاً، بل إن الرواية مكتوبة بروح خليجية صِرفة، وأعتقد أن الكاتب قد اغتذى جيداً بالأدب الخليجي المعاصر قبل كتابته لهذه الرواية، فلذلك جاءت متأثرة به، منسوجة على منواله، وتتضمن في بنائها الأدبي نفس عناصره المتجسدة في النرجسية الشديدة والثراء الفاحش مجهول المصدر، والمقترن بأعطاب نفسية وأحزان مبالَغ في وصفها دون مبرر حقيقي لها، وأيضاً في الصراع النمطي المفتعل بين (الدين) الذي يُختزل في التطرف والإرهاب، و(الحياة) التي تُختصر في الزنا والخمر.

– حادثة (اقتناء) بطل الرواية للفندق، وكيف تم تمريرها هكذا بشكل يوحي بأن ثراءه الفاحش شيء (بديهي) لا يستحق حتى أن يُطرح حوله التساؤل، هو أمر دخيل تماماً على واقعنا المغربي وعلى ثقافتنا الاجتماعية، كما يتناقض مطلقاً مع ماضي البطل الذي لم يكن ليكفيه ولا ليتيح له مراكمة ثروة بذلك الحجم، لكن تأثر الرواية بالأجواء الخليجية –كما ذكرتُ- وربما رغبة الكاتب في تقديم بطل من أبطال (الأبراج العاجية) المترفِّعين عن هموم المجتمع، المتكبِّرين عليها، والذين يجترُّون أمراضهم النفسية وأحزانهم المدَّعاة رغم ثرائهم الفاحش، هي ما أوقعته في هذا الخطأ البنيوي القاتل. كل هذا إضافة إلى التذمر الدائم للبطل من كل شيء رغم استغراقه في الترف، والاستعمال المتكرر لعبارة (حياة الزبل هذه)، والتي وإن كانت صحيحة لغوياً إلا أنها أقرب إلى العامية المبتذلة، وغير لائقة أدبياً ولا روائياً.

– الرواية بلا أحداث تقريباً، وإذا ما استثنينا بعض مشاهد استرجاع البطل لماضيه وطفولته، إضافة إلى أحداث طفيفة لا أهمية تُذكر لها، فإن أكثر من ثلاثة أرباع الرواية، بل ما يفوق ذلك، ما هو إلا ثرثرة معادة تدور حول نفس المواضيع، وتهويمات نفسية مطوَّلة لا تقول جديداً، ومشاهد جنسية مبالغ –بإفراط- في عددها ووصفها، كل ذلك جعل الرواية أكبر حجماً بكثير مما كان يمكن أن تكون عليه، بل لو تم اختصارها إلى نصف حجمها، أو حتى إلى ربعه، لما تأثر موضوعها ولا مسارها القصصي بشيء على الإطلاق.

– من الخطأ الخلط بين شخصية الروائي وشخصية بطله حتى لو اختار له ضمير المتكلم، لكن الزمام انفلت من الكاتب في روايته هذه أكثر من مرة، فصدرت عنه عبارات تجبر القارئ على الشعور بأن طارق بكاري يضع أفكاره ومواقفه الشخصية على لسان مراد الوعل.

– الحضور الجنسي في الرواية مبالَغ فيه جداً، وبإفراط مرعب يخرج به من حدود الواقع والقدرة البشرية إلى مملكة الفانتازيا والأحلام المحققة على الورق. النصف الأول من الرواية كله مشاهد جنسية يتلو بعضها بعضاً، ولا يفصل بين المشهد والذي يليه إلا استراحة قصيرة للقهوة والنوم والاستحمام، ثم العودة من جديد إلى (ضرب الأسوار اللحمية)، ثم الرعاف والقهوة والنوم والخروج إلى الجبل، ثم العودة إلى (ضرب الأسوار اللحمية)، ثم الرعاف والقهوة والنوم والخواطر النفسية المعذبة، ثم العودة إلى (ضرب الأسوار اللحمية)، ثم القهوة والنوم، ثم العودة إلى (ضرب الأسوار اللحمية)… هكذا على امتداد أكثر من مئتيْ صفحة من الرواية لم يفعل فيها البطل شيئاً على الإطلاق إلا ممارسة الجنس عدة مرات كل يوم وعلى طول أيام متتابعة.

– في الرواية كمية مفرطة من الحقد الأسود على كل مظهر ديني، وإلى درجة جعلت منها محض منشور للسب والشتم بعيدٍ تماماً عن أية معالجة موضوعية لقضية التطرف والإرهاب. لقد اعتمد الكاتب على قسمة ثنائية شديدة الحدة بين الدين والحياة، إذ تم اختزال (الدين) في شرذمة من الملتحين الجهلة الذين لا يعرفون شيئاً غير التهديد بالقتل والعمليات التفجيرية، وأما (الحياة) التي تحيَّز لها الكاتب في شخصية بطله فتتجسد في الانحلال المطلق والاستباحة التامة للجنس والخمر، والتطبيع الكامل مع ذلك وإنزاله منزلة البدهيات التي يُعتبر ظلامياً متطرفاً كل من أعلن رفضها أو مسَّها بمجرد انتقاد. وحتى على مستوى اللغة، فما إن ينتقل الكاتب للحديث عن (الملتحين) حتى يفقد تماماً أسلوبه الشاعري المعتاد، ويستبدل به أسلوباً آخر (زنقاوياً) بشدة، مفرط الفجاجة والبذاءة، مترعاً بالألفاظ القدحية وعبارات السب والشتم والإهانة. هذه القسمة الثنائية، وذلك الأسلوب المبتذل في مهاجمة الدين ومظاهر التدين، هو شيء لا يليق إطلاقاً بالأدب ولا بالثقافة، ولا نجده في العادة إلا عند صغار الملاحدة وصعاليك العلمانيين.

– ثم إن أسلوب طرح الرواية لموضوع الإرهاب والتطرف، إن صح أن نسميه طرحاً أصلاً، إنما يدل على جهل مطبق من الكاتب بالدين والتيارات الدينية، بل وحتى بالتيارات المتطرفة نفسها التي أقحمها في روايته. ليست تلك هي أفكار المتطرفين وأفعالهم ولا ذاك أسلوب خطابهم، فضلاً عن أنه لا وجود في القرآن الكريم لـ (والزانية والزاني). هي فقط صور ذهنية وأفكار شديدة النمطية تستوطن عقل الكاتب، لا تشير إلى الحقيقة من قريب أو بعيد، ولا تدل إلا على مراهقة فكرية وثقافية تجمع بين الجهل التام بالدين، والحقد على أحكامه ومظاهره، والنزعة المتطرفة إلى الانحلال والإباحية.

– شخصية (نوميديا) التي اختير اسمُها عنواناً للرواية، لم تظهر إلا في نصفها الثاني (بعد أن ضرب مراد ما يكفي من الأسوار اللحمية)، ولم تضف شيئاً إلى الأحداث سوى التشكيك في وجودها، وهل هي فتاة حقيقية أم مجرد وهم تراءى للبطل، إضافة إلى مشاهد مليئة بـ (الكليشيهات) الجاهزة التي تبدو مقتبسة من الأفلام الرديئة. وبطبيعة الحال؛ العنصر الوحيد الذي يشكل رؤية البطل لبطلته (بطلاته بتعبير أصح)، وللحياة والحب، هو الاشتهاء الجنسي ولا شيء غيره.

رواية (نوميديا)، رواية تُشعرك بالخجل الشديد لأنها تنتمي إلى بلدك، وتُشعرك بالأسف كذلك لما صُرف فيه الأسلوب الأدبي، واللغة الشاعرية، ومجهود تسويد مئات الصفحات، من اللاقصَّة واللاموضوع واللامعنى…

أنس سعيد محمد

12/11/2020

موت صغير – محمد حسن علوان

05/11/2020 عند 10:21 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: موت صغير

لمؤلفها: محمد حسن علوان

صدرت عام: 2016

.

=====

يجب أن أقول بدايةً، على سبيل المقدمة، أنه وأياً كان رأيي في هذه الرواية، فهو رأي نابع عن معرفة قديمة بعلوان الكاتب، معرفة تعود لعشر سنوات خلت، وذلك على خلاف معظم القراء الشباب العرب، الذين لم يعرفوا علوان إلا بعد صدور روايته الأخيرة (موت صغير)، والتي منحته بسبب فوزها بالبوكر شهرة عظيمة امتدت في كافة ربوع العالم العربي، بعد أن لم يكن لرواياته السابقة حضور –ورقياً على الأقل- إلا في بلدان المشرق.

قرأتُ كافة روايات علوان السابقة ابتداءً من عام 2010: سقف الكفاية (2002)، ثم صوفيا (2006)، ثم طوق الطهارة (2008)، ثم القندس (2011). ولقد أصدر في عام 2014 كتاباً تقريرياً حول موضوع (الرحيل)، قبل أن يعود في عام 2016 إلى الرواية عودته القوية والمثيرة للجدل.

قراءتي السابقة لعلوان منحتني معرفة به ونبذة عن شخصيته، والحقيقة أن موقفي منه كان منشقاً بين شديد إعجابي بأسلوبه القوي وقدرته الفائقة على المجاز واختراع التشبيهات المبهرة، وبين مضامين رواياته التي لم تخرج قط عن نمطية الشاب السعودي الكاره لبيئته، والمشرئب بعنقه نحو نمط الحياة الغربي، والذي يحشو رواياته كلها، بسبب أو بدونه، بالمشاهد الإباحية والتجديف العقائدي وامتهان لفظ الجلالة، هذا إلى نرجسية مرَضية مفرطة، وأبطال يتشابهون في أنانيتهم وادعائهم حمل أحزان هائلة ليس لها في الواقع أي مبرر على الإطلاق.

حين صدرت رواية (موت صغير) لم أتحمس لقراءتها، بخلاف عادتي مع روايات علوان التي كنت ألتمس فيها جماليات التشبيه والوصف، وسبب ذلك موضوعها الذي بدا لي غريباً جداً، إلى درجة الدشهة، عن علوان وعن شخصيته التي أعرفه بها من خلال رواياته السابقة، وكذلك لنفوري الطبيعي من معظم الروايات التاريخية وكافة روايات التصوف (موضة العصر مع الأسف الشديد).

أمامي إذن رواية تاريخية تتحدث عن رمز من رموز التصوف، وكاتبها هو محمد حسن علوان (“ما غيره” كما يقولون في الخليج)، وكل من عرف التصوف وارتباطه بالروحانيات، وعرف علوان ونزعاته (الليبرالية) التحررية من الشرائع، وتبرمه الصريح من كافة مظاهر التدين (“الطواعة” كما يقولون في الخليج)، سيستوعب جيداً حجم التناقض الهائل بين موضوع الرواية وشخصية كاتبها.

بدا واضحاً لي، حتى قبل القراءة، أن الرواية لا تشبه كاتبها، وأن لاختياره لموضوعها، في أغلب الظن، تفسيران: الأول حدوث تغير في شخصية الكاتب بسبب التقدم في العمر أو بسبب تأملات جديدة في الحياة، والثاني أن كتابته لرواية (موت صغير) كانت تنفيذاً لمهمة ما، أو تلبية لطلب معين من إحدى الجهات، أو على الأقل مسايرة منه للموجة الأدبية السائدة، الترند الأدبي إن صح التعبير، حين انصبَّ الجميع، فجأة، على تأليف روايات التصوف والروايات التاريخية، وبشكل يجبر الملاحظ على الاعتقاد بأن التوجهات الأدبية ليست بريئة تماماً، وأنها لا تخلو من إرادات سياسية تحركها من وراء ستارٍ دورُ النشر الكبرى وهيئاتُ الجوائز.

ثم قررتُ يوماً أن أقرأ الرواية، بعد سنوات من صدورها، رغم استثقالي الشديد لذلك، لكني كنتُ مدفوعاً بشيء من الفضول وبتوسيع دائرة الاطلاع على المستجدات. وأستطيع الآن، بعد انتهائي من القراءة، أن أضع الملاحظات التالية:

أولاً على مستوى الشكل:

– أسلوب علوان في هذه الرواية يختلف كثيراً عن أسلوبه في رواياته السابقة، وقد لاحظتُ أن أثراً من أسلوبه القديم، المغرق في التشبيهات المجازية، يطفو على السطح في الصفحات الأولى فقط، ثم يتراجع بعد ذلك ليحل محله أسلوب سرد مباشر، كلاسيكي، دلَّ بشكل واضح على أن الكاتب تكلَّفه وحاول التطبُّع به، رغم مخالفته لطبعه الذي جرى عليه من قبل قلمُه.

– لا غبار، إطلاقاً، على أسلوب علوان في السرد والحوار، فهو كاتب متمكن تمكناً جيداً من الأدوات الروائية، وله في الكتابة نفَس طويل وخبرة قديمة، ولأنه بذل في رواياته السابقة مجهوداً أسلوبياً أكبر مقابل مضامين سطحية في الغالب، فإن رواية (موت صغير)، وعلى العكس من ذلك، تستمد جزءاً من قيمتها من المجهود المبذول في البحث عن المادة التاريخية وإخضاعها للمعالجة الدرامية، ومن ثمَّ كانت الكسوة اللغوية للأحداث ميسورة على كاتب متمرس بارع في انتقاء الألفاظ وابتداع التراكيب.

– لكن ورغم ذلك، الرواية طويلة جداً، وبشكل أراه –من وجهة نظر شخصية- مضجراً للغاية. ثمة رتابة في السرد وتطويل ممل جعلني أتعجل انتهاء الصفحات، وأنتظر بصبر فارغ لحظة فراغي من الرواية وخلاصي منها، وفي الواقع لم أنهِ الرواية إلا بعد فترات انقطاع طويلة تخللت قراءتي لها، ولعل نفوري الشديد من موضوعها ساهم في تململي منها واستثقالي لأحداثها وفصولها.

– اختار المؤلف للسرد ضمير المتكلم، وهو نفس الاختيار الذي التزم به في كافة رواياته السابقة، لكنه في هذه الرواية بالذات مجازفة، لأن البطل ليس شخصية خيالية بل هو شخصية تاريخية مثيرة للجدل، واستخدام ضمير المتكلم للتحدث على لسانه، أمر لن يخلو قطعاً من مزالق كثيرة ليس أقلها شأناً تداخل ذات الراوي مع سيرة المروي عنه، فضلاً عن أنه كان من المضحك جداً القراءة لإنسان يقول عن نفسه بأنه (قطب)، وبأنه ولي من أولياء الله، إلى غير ذلك من عبارات التزكية التي لا يصح أن تُجرى على ضمير المتكلم.

وثانياً على مستوى المضمون:

– يُفترض أن (موت صغير) هي سيرة روائية لشخصية محيي الدين بن عربي، الصوفي الأكثر إثارة للجدل، ورغم أن نية الكاتب كانت واضحة في تلميع صورته وتقديمه للقراء بوصفه الإنسان الكامل كما ينبغي أن يكون، إلا أن ما حدث هو عكس ذلك تماماً. لا يمكن لأي إنسان سوي أن يحب ابن عربي من خلال رواية (موت صغير)، بل على النقيض من ذلك، لم يزد علوان على أن قدم لنا ابن عربي في صورة مهرج مضحك مختل العقل، نصاب مشعوذ أدنى إلى الجنون، نرجسي بإفراط لا يكف عن مدح نفسه وتبجيل ذاته، ثم إنه فوق ذلك كله بعيد كل البعد عن التدين وعن الالتزام بشرائع الإسلام، بل كأنه ابتدع لنفسه ديناً آخر جديداً لا تكاد تربطه بالإسلام أية رابطة.

– الرواية داعمة بشدة للخرافة بل وحتى للشعوذة، ولا تسل عن تناقض الذين يرفضون، بل ويواجهون بالاستهزاء والتهكم، بعض ما صحَّت به الأحاديث النبوية من أنباء الغيب، في حين يفتحون صدورهم رحبةً لكل الخرافات والأساطير والأكاذيب التي لا أساس لها من الواقع ولا من العقل ولا من الدين، فقط لأن مصدرها (صوفي).

– مما يلاحَظ أيضاً، وتشهد عليه هذه الرواية، ارتباط قوي بين العلمانية والصوفية، رغم التناقض الظاهر بينهما. قد يبدو غريباً أن يرتمي علماني في أحضان التصوف، أو أن يعتنق صوفي العلمانية، لكن هذين المفهومين المتناقضين في الظاهر هما في الواقع وجهان لعملة واحدة، يدعم أحدهما الآخر دعماً خفياً، والذي يجمع بينهما قاسمٌ مشتركٌ صميمٌ هو (نبذ الشريعة)؛ العلمانية بالتقصير عنها، والصوفية بادعاء تجاوزها.

– الرواية في مضمونها هي جزء من مخطط كبير وشديد الخطورة يدعم التصوف الخرافي، الهدف المعلن هو مواجهة التيارات المتطرفة الإرهابية (تقديم إسلام ناعم بديل للإسلام السياسي الخشن)، لكن الحقيقة هي إفراغ الدين الإسلامي من محتواه، وذلك بتنحية العقيدة الصحيحة في الله تعالى ابتداءً، وتبعاً بتنحية شرائع الدين وأوامره ونواهيه. والنتيجة هي ما صرنا نراه في الآونة الأخيرة من (مخلوقات هجينة) لا تعرف ربها من خلال ما وصف به نفسه في كتابه، وإنما من خلال أمثال هذه الروايات الزاخرة بعقائد (الحلول والاتحاد) التي تسوِّي الله بخلقه، وبأفكار ترى أوامر الدين ونواهيه للسذج والبسطاء والأغبياء من الناس فقط، وأما (النخبة الممتازة) التي تذوقت طعم (العشق الإلهي) فهؤلاء قد تجاوزوا الشريعة إلى الحقيقة، وبذلك سقطت عنهم التكاليف ولم يعد ينطبق عليهم ما ينطبق على عامة الناس.

هذه الأفكار المناقضة تماماً لجوهر الدين القائم على الاتباع، ولكي تجد لها مدخلاً إلى قلوب الشباب (والشابات على وجه الخصوص)، فهي تتسربل دائماً بثوب مزركش من الشهوات المغرية، والموحية بأن الدين لا يتعارض مع ما تهواه النفوس وتهفو إليه القلوب، لا وجود هنالك لمفهوم (الطاعة والمعصية)، و(الحلال والحرام)، و(الاتباع والابتداع)، هذه مفاهيم جامدة غبية ينشرها الحَرْفيون البلداء المتعلقون بقشور الدين فقط، والعاجزون عن إدراك جوهره. وما جوهر الدين؟ جوهره هو (الحب). وما الغاية من الحياة؟ الغاية هي تذوق (العشق الإلهي). وأين الله؟ الله في كل مكان، في كل شيء جميل بالنسبة لأي إنسان، في تقاطيع الفتاة الجميلة وانحناءات جسمها، وفي كأس الخمر، وفي الحانة، وفي كل قلب يخفق بالعشق… إلخ.

أمثال هذه المفاهيم الهلامية العائمة هي التي صارت تشكل الوعي الديني لجيل من الشباب الذي تربى على (قواعد العشق الأربعون) و(موت صغير) وأمثالهما من الروايات، إذ صرنا نلاحظ أن لفظ الجلالة (الله) صار مبذولاً عندهم، يستكثرون منه في أقوالهم وكتاباتهم، ودون أن يسبب ذلك –على غير العادة- أي إزعاج للوجود العلماني المهيمن على الحياة المعاصرة. والسبب في الحقيقة أن مفهوم (الله) عندهم يخالف مفهومه الصحيح المأخوذ من منابع العقيدة المعتمدة: الكتاب والسنة، فهم لا يعرفون الله بأسمائه وصفاته التي أخبرنا بها عن طريق الوحي، وإنما (الله) عندهم فكرة غامضة غير متعلقة بالعالم الخارجي، بل متوجهة نحو الداخل، نحو أنفسهم، نحو ذواتهم، ومن ثمَّ يقع لهم خلط فادح بين (عبادة الله) و(إشباع شهواتهم)، وشاع بذلك في كتاباتهم أنهم يكونون (أقرب إلى الله) حين يتطارحون الغرام مع من يعشقون، وحين يشربون الخمر حتى الثمالة… إلخ. والحق أنهم لا يكونون بذلك أقرب إلى (الله) بل يكونون أقرب إلى (شهواتهم الخاصة)، لكنهم عاجزون عن التفريق بين المعنيين.

التصوف الخرافي، عقيدة الحلول والاتحاد، مفهوم العشق الإلهي، كلها تيارات تنتهي إلى مصبٍّ واحد هو (عبادة الذات)، أو بالمعنى القرآني (جعْلُ الإنسان إلهَه هواه).

ورواية (موت صغير) هي إسهام ضخم في هذا الاتجاه، ومهمةٌ أداها بإتقان محمد حسن علوان وقبض ثمنها، رغم أنه تكلَّف في روايته هذه طبعاً لا يشبهه، وأسلوباً مغايراً لما اعتاد عليه، وهنا لا يسعنا إلا أن نقول في تعليق ختامي أخير:

كل رواية لا تشبه كاتبها… لا يعوَّل عليها!

أنس سعيد محمد

04/11/2020

الحنين إلى الخرافة – عادل مصطفى

02/11/2020 عند 11:32 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: الحنين إلى الخرافة

لمؤلفه: عادل مصطفى

صدر عام: 2018

.

=====

كتاب (الحنين إلى الخرافة)، جزء ثان لكتاب (المغالطات المنطقية) للمؤلف نفسه. يعمق الكتاب بحثه في نتائج تلك المغالطات التي سبق بيانها بياناً مفصلاً، كما يغوص في ظاهرة (الخرافة) وتاريخها وأصولها، وكيف تتمكن من النفوس البشرية، ولماذا ظلت مسيطرة على مساحات شاسعة من العقول والقلوب رغم تطور العلم وتحقيقه قفزات هائلة في نفي الأساطير والاعتقادات الشائعة بأوهام لا أساس لها من الصحة.

وقد تطرق الكتاب، أيضاً، لما يسمى (العلم الزائف)، وبين بشيء من التفصيل أنواعه وطرائق ممارسيه في الاحتيال على السذج من الناس، وكيف يحصنون أباطيلهم من النقد والنقض، وكذا القواعد التي ينبغي أن نميز بها بين العلم الصحيح والعلم الزائف.

كما أكَّد المؤلف، في أكثر من موضع، أن الخرافة يمكن أن تتعايش مع المنطق في نفس العقل، إذ لا يندر أن نجد أناساً يؤمنون بالعلم والخرافة معاً في آن، يصدقون الفكرة ونقيضها في تعايش عجيب يصعب تفسيره، بل لعله ليس من المبالغة أن نقول بأن شيئاً من الخرافة، أو بقاياها على الأقل، ناشبة ولا بد في تفكير كل إنسان على الأرض كائناً من كان.

ومن تفسيرات ذلك، كما أورد المؤلف، أن لدى الإنسان ولعاً طبيعياً بالعجائب، وبما يثير استغرابه ودهشته، إذ إن التفسيرات العلمية للأشياء غالباً ما تبدو له باردة مملة، مخيبة للآمال، فلذلك قد يرتمي في أحضان الخرافة لما تعده به من جموح الخيال والدهشة، والتحرر من قوانين الطبيعية وقيودها الثقيلة. وهي الفكرة التي عارضها الكاتب بأن للعلم عجائبه أيضاً، وبشكل قد يفوق غرابة وإدهاشاً، بكثير، ما لدى الأساطير الخرافية.

يتميز الكتاب، تماماً كسابقه (المغالطات المنطقية)، بلغة أدبية جذابة جداً، وهو أمر نادر في الكتب الفكرية والعلمية التي تغلب عليها اللغة التقريرية، ما يجعل الإبحار في صفحاته متعة أدبية حقيقة تدل على ما يتمتع به الكاتب من حس جمالي مرهف تجاه الألفاظ والتعابير المنتقاة بعناية.

أما ما يعيبه، وبشدة في نظري، تلك الكمية المفرطة من النظرة المادية للأشياء، والتابعة تبعية عمياء للتقريرات العلمية الغربية مهما تعارضت مع ثوابت الدين، وبشكل بلغ في مواضيع كثيرة درجة (الإلحاد العلمي) التام.

كان مؤسفاً جداً أن عقلاً حاداً مثل عقل الكاتب لم يتجاوز –رغم انفتاحه- تلك النظرة المادية الضيقة للحياة، والتي بلغت به حداً كاد ينكر معه كل الغيبيات إطلاقاً، بما فيها الروح نفسها، وكل ما لا يمكن إثباته بالحواس البشرية المجردة.

هذا التوجه المادي الصرف كان حاضراً في كتابه السابق (المغالطات المنطقية)، وقد أشرت إليه في مراجعتي له، لكنه في هذا الكتاب اتخذ منحى أشد حدة وصراحة بكثير، وبشكل لا يمكن أن يقبله أي مؤمن بالدين، ومعتقد بأن حواس الإنسان قاصرة عن إدراك الغيب، وأن الوحي الإلهي مصدر حقيقي للمعرفة.

أنس سعيد محمد

02/11/2020

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.