خلف جدار العشق – عبد المجيد سباطة

10/03/2020 عند 10:43 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

.

رواية: خلف جدار العشق

لمؤلفها: عبد المجيد سباطة

صدرت عام: 2015

.

=====

تأخرت هذه المراجعة كثيراً، بل لعلها تأتي الآن بعد فوات الأوان بكثير، وكان الذي أخَّرها حالةُ إحباط طويلة المدى مررتُ بها في فترة قراءتي لهذه الرواية، فبقيتُ أؤجل كتابة انطباعي حولها يوماً بعد يوم، ثم تتالت الأسابيع، والشهور، والسنوات، حتى جاءت هذه اللحظة التي أخطُّ فيها هذه الكلمات والرواية بين يديَّ، لأستعيد -عبر مراجعة سريعة خاطفة- بعض أحداثها وأجوائها، ولأرسِّخ في ذهني الأفكار العامة التي علقت به عقب قراءتي لها، والتي لم أنسها على كل حال رغم مرور هذا الوقت الطويل.

رواية (خلف جدار العشق)… حدَّثني مؤلفها الصديق عبد المجيد عنها في أول لقاء جمعني به في طنجة عام 2015، وكانت آنذاك لم تُنشر بعد، وحين أعطاني نبذة عنها لم أخفِ عنه استغرابي الشديد من اختياراته الأدبية الصعبة، وخصوصاً مسألة (تأليف أحداث في بلد لم يزره الكاتب)، وصارحتُه بتخوفي من هذا الأمر فأجابني بلهجة واثقة بأنه مقتنع بقراره، وبأنه لم يدَّخر جهداً في إجراء كافة الأبحاث اللازمة لتمكينه من الكتابة عن البلدان الأخرى كما لو أنه زارها بالفعل.

وصدرت الرواية ومضيتُ في قراءتها، واكتشفتُ أن (الكتابة عن بلدان أخرى لم يزرها الكاتب) لم تكن المغامرة الوحيدة التي خاضها الروائي، بل إنه اقتحم غماراً صعباً وحقل ألغام من المجازفات الأدبية لا يجرؤ عليه في العادة إلا من رسخت أقدامهم في الرواية، ومن النادر جداً أن نجد روائياً شاباً يقحم نفسه، وفي باكورة أعماله، في اختيارات أدبية شائكة مثل (ضمير المتكلم)، و(تعدد الرواة)، و(الحديث على لسان الجنس الآخر)، و(السرد المتوازي والتلاعب بالخط الزمني)… إلخ. ما جعلني في النهاية أرفع القبعة احتراماً لشجاعة الكاتب وجرأته وارتفاع سقف طموحه، رغم اختلافي معه في عدد من اختياراته أبرزها (الكتابة عن أماكن لم يزرها) و(الحديث على لسان الأنثى).

لقد جرت العادة بل لعلها قاعدة راسخة، أن يبدأ كل كاتب بالسيرة الذاتية، وأن يكون لها حضور طاغ في العمل الأول، وبالنظر إلى (خلف جدار العشق) نجد أنها تحتوي على مزيج معقد من السيرة الذاتية والخيال الثري المتدفق.

عند قراءة الفصل الأول من الرواية نلاحظ أن عبد المجيد نفسه يتكلم، بتفاصيل مطابقة تماماً لحياته الخاصة واهتماماته المترددة على لسانه وقلمه (الحياة الجامعية، الحديث الساخر عن المسلسلات التركية المطولة، الاهتمامات السياسية والعسكرية، كراهية باولو كويلو، الانتقاد العنيف للأنثى…)، مفردات وتفاصيل يعرفها عنه كل أصدقائه، وإذا ما استثنينا تغيير التخصص الجامعي من الهندسة المدنية إلى هندسة الاتصالات، فإن القارئ يجد نفسه مضطراً للمطابقة بين الكاتب والراوي في الفصل الأول من الرواية، ويزداد التطابق حين يخبرنا الراوي أنه مواظب على كتابة مقالات يعلِّق فيها على تطورات الأحداث السياسية، وأنه يوقِّعها بالحروف الأولى من اسمه (ع. س)… (عثمان سليم)… (ع. س)… (عبد المجيد سباطة)! حركة لطيفة وذكية أغلب الظن أنها مقصودة من الكاتب.

لكن الأجواء القريبة المألوفة للحياة اليومية والسيرة الذاتية للكاتب لن ترافقنا على طول الرواية، بل سرعان ما استخدم الكاتب ذلك المفتاح الروائي السحري: (ماذا لو؟)، وهكذا نقل نفسه، بخياله، إلى عوالم أخرى ومغامرات كثيرة سافرت به إلى أطراف الأرض وعرَّضته للأهوال، ويمكننا القول هنا أن الكاتب وضع نفسه، متقمصاً شخصية (عثمان سليم) في عوالمه المفضلة التي يهتم بها ويولع بها؛ عوالم الحروب والسياسة والحياة العسكرية والتطورات الميدانية وما إلى ذلك.

بذل الكاتب جهداً واضحاً في البحث عن تفاصيل الأماكن التي جرت فيها أحداث روايته، وأستطيع القول أنه تعامل بذكاء مع مجازفته هذه، بحيث أبقى نفسه في مساحة من الأمان عبر عدم الإسراف في الوصف والاكتفاء بأماكن يسهل تصورها ولا تختلف كثيراً عن أمثالها في كل دول العالم، وهكذا لم يورط نفسه في تفاصيل كثيرة توقعه في تناقضات أو أخطاء هيكلية تتعلق بمسارح الأحداث.

لغة الكاتب سليمة عموماً، يعرف ما يريد قوله ويعرف كيف يقول ما يريد، متمكن من الأدوات اللغوية الروائية على مستوى السرد والحوار، وإن كانت اللغة من المباشَرة والبساطة بحيث تُشعر القارئ بأنها ليست من أولويات الكاتب، وبأنها مجرد وسيلة يجسد بها الأحداث التي يمنحها الأهمية العظمى. بمعنى أن القارئ للرواية سيجد عبارات سليمة تؤدي المعنى بشكل واضح تماماً، لكنه لن يجد من الزخارف البلاغية والمحسنات الأسلوبية ما يشبع رغبته إن كان من عشاق البلاغة، بقدر ما سيجد لغة تقريرية إخبارية تسير على تردد واحد وتدل على أن رهان الكاتب إنما هو على الأحداث لا على اللغة.

أكثر ما انتُقد في الرواية، من خلال آراء القراء على غوودريدز؛ كثرة المصادفات التي تخللت حبكتها القصصية. ونعم بقراءة الرواية نجد قدراً من المصادفات فوق المعدل المسموح به في الواقع أو في ما تحاوله الرواية من إيهام بالواقع. وأشير هنا إلى أن الكاتب تجاوز هذا الأمر في عمله الثاني.

إذا ما تجاوزت الحديث عن عدم اتفاقي مع تقمص الكاتب الذكر شخصية الأنثى أو العكس، فإن من أهم القواعد الروائية أن يمنح الكاتب لكل شخصية (صوتاً) معيناً تتميز به عن بقية الشخصيات، وهو ما لم ألمسه في حوارات الرواية، بحيث أحسست أنها جميعاً تتحدث بنفس النبرة، وأن المؤلف هو الذي يتحدث وليست الشخصية، إضافة إلى طابع عام من اللباقة والتبرير والرسمية اصطبغت به معظم الحوارات، ما أثر بشكل سلبي على عفوية الحوار وسلاسته و(آدميته).

وتلخيصاً لما سبق، أستطيع القول بأن نقاط القوة في رواية (خلف جدار العشق) هي جرأتها في التناول والمعالجة، على مستوى الموضوع وأيضاً على مستوى الشكل الأدبي الشجاع والطموح، وكذلك الجهود البحثية الكبيرة الواضحة المبذولة من طرف الكاتب، فيما يخص الجوانب التاريخية والجغرافية والسياسية والعسكرية. أما نقاط الضعف فمتعلقة باللغة التقريرية أكثر من اللازم، وبالحوارات أحادية الصوت، واللبقة جداً في معظم الأحيان، والتي سلبت الشخصيات تميزها وعمقها، وصبغتها بطابع تسطيحي واحد لم يتح لنا أن نتعمق في دواخلها النفسية بما يكفي.

وغني عن الذكر طبعاً أن نقاط القوة في الرواية هي الراجحة، وأنها بوصفها باكورة أعمال الكاتب قد دلَّت على روائي شجاع وطموح، ومثقف ثقافة واسعة جداً، وفي جعبته دون شك الكثير والكثير من الإبداع القادم الذي سيرفع رأس الرواية المغربية عالياً، لتتخذ لها مكاناً تستحقه في خارطة الإبداع الروائي العربي، بعد موسم جفاف طويل جداً…

10/03/2020

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.