Dolcy 5 – الفصل التاسع والأخير: رخصة إصلاح رقم 406/014 ~

07/06/2015 عند 22:34 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

dolcy-9-isla7

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

– الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

– الفصل الثامن: الندماء (3) _ أبو محمد السلفي

* * *

(9) – رخصة إصلاح رقم 406/014 ~

منتصف أبريل، عام 2014.

ضوءٌ خافت… سقفٌ منخفضٌ تتدلى منه مصابيح مشنوقةٌ جُعلت لتكون فوق الأسطح الخضراء تماماً، إنها مصدر الضوء الوحيد في صالة الألعاب Goldpool.

تتناثر طاولات البلياردو هنا وهناك، وحولها تدور قاماتٌ شبابيةٌ تحمل عصيَّ اللعب، تنحني أحياناً لتضرب الكرة البيضاء ثم تقف من جديد، في حين يجلس آخرون على المقاعد المريحة يشربون القهوة ويدخِّنون.

القاعة تعبق بدرجةٍ خافتةٍ معينةٍ من رائحة السجائر، هي بالضبط الدرجة التي أحبها كثيراً، لأنها تعطي الأجواء طابعاً عريقاً ما يشبه القصور الأثرية، كما أنها تذكرني إلى حدٍّ بعيدٍ بتلك الرائحة الزكية للكتب الصفراء القديمة.

أمام إحدى الطاولات كنا نقف، وحولها كنا ندور…

إنها مباراةٌ حامية الوطيس بين جلال وهشام، يبدو لي والله أعلم أن الغلبة ستكون لجلال، إنه الأكثر براعةً على الإطلاق، أذكر أنه كان شديد الإدمان على هذه اللعبة في أيام الوظيفة الأولى عام 2008، وكان يأخذني معه كل يومٍ إلى جحر الألعاب الكريه المسمى (طنجيس)… لا حاجة للقول طبعاً بأنه كان مصراً على لعب السنوكر (snooker) حتى في أحلك لحظات إفلاسه!

(طَقْ)! وتتدحرج كرة جلالٍ الحمراء ببراعةٍ نحو الثقب، تكاد تسقط فيه لكنها تصطدم بحافة الطاولة وتتراجع قليلاً… حتى جلال يحني رأسه أحياناً!

هشام ينثني حاملاً العصا ومصوِّباً على كرةٍ صفراء قدَّر أنها في وضعٍ ملائم… (طَقْ)! وتتجه الكرة نحو الثقب مباشرةً لتسقط فيه… ضربةٌ موفقة.

طلبتُ من هشام أن يمنحني ضربته الثانية لأجرب. لم ألعب مباراة بلياردو في حياتي، عندما كنتُ مراهقاً كنتُ أفقر من أن أتعلمها وألعبها، وكنت أكتفي بالتفرُّج على أصدقائي وهم يقرعون الكرات متسائلاً من أين يأتون بكل هذا المال، ثم سرعان ما أملُّ منهم وأتجه نحو الآلات الإلكترونية لأتفرج على من يلعبون (تيكن tekken) و(ميتال سلوغ metal slug)، كانت هناك لعبة مغامراتٍ شهيرةٌ بطلها شابٌّ يلبس قميصاً أخضر وسروالاً أصفر اسمه (مصطفى mustapha)!

وافق هشام على منحي ضربته مضحياً بدوره، كان يعرف أني سأقوم بحركةٍ غبيةٍ ما لأدخل الكرة البيضاء في الثقب أو أقذف بها خارج الطاولة أصلاً، وأنا كنت أوافقه في هذا التخوُّف.

أمسكتُ عصا البلياردو من طرفها الغليظ وقمتُ بدورةٍ حول الطاولة أتفقد أوضاع الكرات والزوايا المناسبة، ثنيتُ جذعي وضيَّقتُ عينيَّ، وضعتُ كفي على الطاولة الخضراء رافعاً الإبهام إلى أعلى، وعلى الإبهام وضعتُ الطرف الدقيق للعصا ليسهل الانزلاق… ثوانٍ من التوجس والتصويب ثم… (طَقْ)!

يا للكارثة! الكرة البيضاء تنطلق في اتجاهٍ مختلفٍ تماماً عن الكرة التي أردتُ ضربها، ابتسم هشام متحسراً وأطلق جلال ضحكةً ساخرةً أثارت غيظي، حتى جلال كانت له ضربةٌ سخيفةٌ أولى ذات يوم! لا أحد يخرج من بطن أمه متعلماً!

لكن مهلاً! الكرة البيضاء تصطدم بحافة الطاولة وترتدُّ بقوة، إنها تصدم كرةً صفراءً وترتدُّ لتصدم أخرى، وخلال لحظةٍ كانت الكرتان داخل ثقبين!

أحقاً حدث ذلك؟! منذ متى كنتُ بهذه البراعة وأنا لا أدري؟ تعالت صيحات الإعجاب بهذه الضربة الاحترافية والهدف المزدوج، ووجدتُها فرصة لأتحذلق على الأصحاب بعض الشيء.

هي ضربة حظٍّ دون شك، لكني رفعتُ عقيرتي وابتسمتُ تلك الابتسامة المغترة المختالة، تنحَّوا أيها الجهلاء الفاشلون! تنحَّوا! أمضيتم سنواتٍ من أعماركم وأنتم تلعبون دون أن تتعلموا شيئاً، تنحَّوا جانباً لأعلمكم كيف يكون لعب المحترفين!

بثقةٍ تامةٍ انحنيتُ من جديد، وبثقةٍ تامةٍ صوبتُ طرف العصا على الكرة البيضاء، وبثقةٍ تامة… (طَقْ)! لكن… ما هذا؟ إنها أسوأ ضربةٍ في تاريخ البلياردو! إنها أفظع حتى من أن توصف بالكلمات، وسأكتفي بالقول بأن الكرة البيضاء سقطت في الثقب دون أن تلمس أي كرةٍ أخرى.

الضحكة الساخرة من جلال والتي تثير غيظي، سحب العصا من يدي وهو يضحك ويهزأ، في حين سمعت هشام وهو يقول باللهجة المصرية متحسراً:

– “يخرب بيــــتك!”

احمرَّ وجهي خجلاً وتضاءل حجمي إلى النصف تقريباً، بينما أنتظر أن تنشقَّ الأرض وتبتلعني، عندما لم يحدث ذلك تذكرتُ أني تحت الأرض فعلاً! لسببٍ ما يصرُّون على جعل قاعات البلياردو هذه في أقبيةٍ تحت أرضية.

جاء (سي مصطفى) أخيراً، تبادلنا بعض تلك التحايا الشبابية الضاحكة مع الضرب بالقبضة على الصدر والكتف، أعطاه جلال بعض ضرباته وأشهد له أنه بارعٌ حقاً. متى تعلم (سي مصطفى) لعب البلياردو؟ هل يُعقل أن (فرويد الاقتصاد) كان في وقتٍ ما مبذراً إلى درجة إنفاق خمسة دراهم كاملةً على الطاولة الخضراء؟ إن هذا مستحيلٌ عملياً، وهو ما يجعل إجادة الفتى للعبة لغزاً عظيماً يستحق أن يصنف ضمن ألغاز العصر التي لم تجد لها البشرية حلاً حتى الآن…

انتهى اللعب أخيراً، وغادرنا القبو المعتم المفعم برائحة التبغ الخفيفة، خلَّفنا وراءنا لافتة (Goldpool) البارزة، وبعد دقائق كنا في البولفار العزيز… إنها أيام الربيع بأنسامها المنعشة، عندما نتحرر من الكنزات الصوفية والمعاطف الثقيلة ونبدأ في ارتداء الأقمصة الخفيفة ذات الأكمام الطويلة، مع رغبةٍ جامحةٍ في التأنق الذي يغري به الجو المرح المعتدل.

إنه البولفار ولكن… كان علينا أن نتقبل هذه الحقيقة ونتعود عليها؛ إن أيام Dolcy 5 لن تعود أبداً…

كانت تلك هي الأيام الأولى التي تلت إغلاق المقهى، كنا نمشي على رصيف البولفار وسط شعورٍ عارمٍ باليتم والغربة والشجن وفقدان المأوى الدافئ الذي كان يجمعنا، تقرر لدينا أن من الضروري الاتفاق على مقرٍّ جديدٍ يرضي جميع الأطراف، وهي مهمةٌ تبدو سهلةً لكنها ليست كذلك في حقيقة الأمر.

صار جلال يقودنا نحو ثاني مقهىً كنا نجلس فيه بعد Dolcy 5، عندما نشعر بالملل منه أو عندما نشتهي لعب النرد (البارتشي)، أو عندما نتشاجر مع (سي احمد)، إنه مقهى (اليمامة) الكريه.

كنت أبغضه إلى أقصى درجات البغض، وقد عارضتُ بشراسةٍ أن يصير ذلك الوكر القذر الغارق في دخان السجائر الكثيف مقراً لمجموعتنا، ووافقني (سي مصطفى) على رأيي تماماً، إلا أن هذا الصراع لم يدم طويلاً والحمد لله، ولأن (المصائب لا تأتي فرادى) فقد فوجئنا بإغلاق مقهى (اليمامة) أيضاً بعد بضعة أيامٍ من إغلاق Dolcy 5.

أهي صدفة؟ لا يهم! لقد استاء جلال لكني طرت فرحاً بهذا الخبر، أخيراً سأتخلص من ذلك الوكر البغيض إلى الأبد، ورغم أن الإغلاق لم يكن نهائياً بل مؤقتاً فقط، لأنه سرعان ما ابتدأت أعمال هدمٍ وإصلاحٍ وترميم، إلا أن الأمر المؤكد هو أن المقهى لن يعود شعبياً سوقياً كما كان… القصة معروفةٌ تماماً، سيضيف صاحب المقهى ألواناً زاهيةً على الجدران ومرايا ذات أشكال مختلفة، مع لوحاتٍ فنيةٍ معلقةٍ وأضواء ساطعةٍ ومقاعد مريحةٍ جديدة، وبهذا ينتقل المقهى من صنف (الشعبي) إلى صنف (الراقي)، وهو انتقالٌ معناه أن ترتفع أسعار المشروبات كلها إلى الضِّعف على الأقل، مع انخفاضٍ مريعٍ في جودة القهوة والشاي!

كان (سي مصطفى) على وعيٍ بهذا كله، وأذكر يومها أنه قال كلاماً كثيراً عن مشروع (طنجة الكبرى) لا أذكر منه حرفاً، لكنه كان يتمحور بشكل عامٍّ حول الأضرار الاقتصادية الخطيرة التي سيتسبب بها هذا المشروع اللعين على القدرة الشرائية للمواطن، بسبب الارتفاع القادم المهول في كل الأسعار مما سيؤدي إلى… الخ.

هذا هو (سي مصطفى) على كل حالٍ وقد تعودنا عليه!

يجب أن أقول أيضاً بأن المتجر الفاسق المسمى Zindagi قد تم إغلاقه هو الآخر في تلك الأيام! ما الذي دهى مقاهي البولفار ومتاجره؟ أي لعنةٍ تلك التي أصابتها في هذه الفترة الجميلة من فترات العام؟

لتذهب كلها إلى الهاوية! ما يهمنا فقط هو مقهانا الذي فقدناه، وها نحن نقف أمام بابه المغلق نرمقه بحزنٍ وشجن، نحاول أن ننْفُذ بأبصارنا إلى ما وراء الزجاج لعلنا نلاحظ أو نستنتج شيئاً عن سبب إغلاقه، نلمس خشب الباب وزجاجه بأطراف أناملنا كأننا نفحص جثة صديقٍ ميت… لا نبض هناك إطلاقاً، إن المكان صار مهجوراً تماماً، ولا يبدو أنه سيعود للحياة أبداً…

الوداع يا Dolcy 5… الوداع…

* * *

الـ 17 من أبريل، عام 2014.

وحدي في البولفار ليلاً…

لا أثر للبقية… جلال مضى لشغلٍ ما لا أدري ما هو، لقد صارت أشغاله كثيرةً في الآونة الأخيرة. (سي مصطفى) غير موجودٍ أيضاً، وهو لا يردُّ على الهاتف.

البقية مختفون تماماً ولم أرهم منذ آخر جلسةٍ لنا في Dolcy 5، يبدو أنها النهاية حقاً، لن تعود المجموعة كما كانت من قبل… أبداً!

في تلك الليلة كنت أفكر…

لشدَّ ما تغير البولفار دون أن نشعر به! بل لشدَّ ما تغيرت طنجة نفسها دون أن نحس بذلك، والمدينة الآن تعيش مخاضاً عسيراً سيغير الكثير من ملامحها، ولن ننتبه لحجم التغيير إلا بعد أن يتم، وبعد أن نقارن بدهشةٍ بين الصور القديمة والجديدة.

البولفار أيضاً تغير كثيراً عما كنت أعرفه من قبل… مقهى (شمس) الملاصق تماماً لـ Dolcy 5 لم يعد قائماً وحلَّ محله متجر Nike للملابس الرياضية باهظة الثمن. الدرج الكهربائي لم يعد كهربائياً، وإن ظل محتفظاً بنفس اسمه القديم (دروج الضَّوْ). متاجر جديدةٌ قامت وأخرى قديمةٌ انقرضت، وعندما صرت أمام (سور المعاجيز) وقفتُ مندهشاً!

إنه مقهىً جديدٌ لم أره من قبل، رغم أني أمرُّ بالمكان في كل يومٍ عدة مرات… إما أن المقهى نزل من السماء فجأةً أو أنني ضعيف الملاحظة إلى حدٍّ يستدعي تدخلاً طبياً!

مقهىً أنيقٌ راقٍ، تلتمع فيه أضواء ساطعةٌ بهيجة، علمتُ لاحقاً أنه كان قائماً هناك من قبل لكنه كان مقهىً شعبياً رديئاً، وأنه خضع لإصلاحاتٍ وترميماتٍ لم أنتبه لها حتى تمَّت، وحتى أعيد افتتاحُ المقهى في حلَّته الجديدة… اسم المقهى كما تقول لافتته البارزة (ساحة فرنسا Place de France).

* * *

الـ 18 من شهر أبريل، عام 2014.

مقهى (ساحة فرنسا Place de France)، يبدو أن الفكرة راقت لجلال كثيراً.

أخذنا أماكننا فيه بعد أن أدينا صلاة العصر، نحن الاثنان فقط. لحظات تأملٍ للمكان لا تخلو من مقارنةٍ مريرة… المقهى راقٍ فعلاً ومتأنقٌ وحديث الافتتاح، لكن… لا شيء يمكن أن يعوض Dolcy 5… لا شيء إطلاقاً.

طعم القهوة رديءٌ كعادة المقاهي الراقية، على اليمين نشاهد (سور المعاجيز) ومدافعه الخضراء العتيقة الموجهة نحو الأندلس، وقبالتنا مدارٌ يتفرع منه (شارع الحرية)، وعلى رأسه كالعادة تقف سيارة شرطةٍ تسهر على حماية المواطنين.

صمتٌ طويلٌ مع مللٍ لا يخفى…

بعدها تكلمت:

– “جلال…”

– “هممم؟”

– “سأطلب منك طلباً.”

– “هممم؟”

– “سيمحون أثر Dolcy 5 بعد أيامٍ قليلة، يجب أن نأخذ صوراً تذكاريةً نخلِّد بها المكان، هل تذهب معي لالتقاط صورٍ ثم نعود؟”

وبالطبع فعل جلال ما كنت أتوقعه، وغدٌ كعهدي به!

أطلق ضحكته الساخرة اللامبالية تلك، وقال شيئاً يعبر به عن استهجانه لتصرفاتي الخرقاء الطفولية هذه.

وهنا وصلت الدماء في جسدي إلى مرحلة الغليان، وتصاعدت كلها إلى رأسي بسرعةٍ جنونية… هذا البعبع الوزاني الأعرابي الديناصور المتخلف الجلف! منذ متى كان يفهم في الجمال ويقدِّر قيمة الذكريات؟! كيف سيستوعب هذا البدائي الجاهل قيمة أن تكون لك صورةٌ تذكاريةٌ في مكانٍ أحببته ولن يعود له وجود؟! لماذا يسمحون لأمثال هذه المستحاثات الآدمية بدخول طنجة؟! إن مكانه الطبيعي هو في إحدى معاصر الزيتون في ضاحيةٍ من ضواحي وزان! تباً له وسحقاً لتبلُّده وغبائه!

ثم سرعان ما سكت عني الغضب وعادت دمائي إلى مجراها الطبيعي… جلال صديقٌ عزيزٌ رغم كل شيءٍ ويجب أن أكون متعوداً على طباعه، إنه إنسانٌ فطريٌّ طيب القلب لهذا لا أستطيع أن أغضب منه أكثر من دقيقتين، رغم أنه يفعل معي كل ما من شأنه أن يجعلني أفكر في ارتكاب جريمة قتلٍ محترمة! وهكذا لم أجد بداً من أن أهدأ وأتبادل معه أحاديث وديةً وادعة، إلى أن جاء (سي مصطفى) أخيراً.

صافحنا (فرويد الاقتصاد) وهو يقلِّب عينيه الواسعتين في المقهى من الداخل والخارج ومن الأعلى والأسفل، كنت أعرف أنه يقوم بعمليةٍ حسابيةٍ ما لتقدير قيمته الاقتصادية، وبالتالي استنتاج سعر القهوة الذي على أساسه سيتخذ قرار الجلوس من عدمه، وكما توقعتُ تماماً كان أول ما نطق به وهو يقلِّب بصره هنا وهناك:

– “أهلاً… كيف حالكم؟… بخير؟… كم سعر القهوة هنا؟ هل اطلعتم على القائمة؟”

نهضتُ ووضعتُ يدي على كتفه وقلتُ له:

– “دعك من هذا يا (سي مصطفى)، تعال معي، إن عندي طلباً منك.”

وأخبرته بطلبي، فما كان منه إلا أن هشَّ وبشَّ ورحب به أيما ترحيب، وخلال لحظةٍ انطلقنا نحو Dolcy 5 لنلتقط أمامه الصور الأخيرة.

لم يفتني طبعاً أن أستدير نحو جلال لأحدجه بنظرة حادةٍ وأقذف في وجهه بعبارة:

– “بلا جميلك!”

لم يهتم طبعاً واكتفى بابتسامةٍ لا مباليةٍ وعاد لشروده…

مضيتُ رفقة (سي مصطفى) وقلبي يفيض حباً وامتناناً لهذا الرجل العظيم والمحلل الاقتصادي الفذ. إنني أحب هذا الفتى حقاً، وما زلتُ أكتشف يوماً بعد يومٍ أن بيننا عدداً من الأفكار المشتركة في عدة مواضيع، وباستثناء نظرياته الاقتصادية طبعاً، يمكنني القول بأنه نسخةٌ أكثر تطرفاً مني.

كان يحدثني في الطريق – مع خطواته المتشنِّجة قليلاً بسبب عضلاته المتحجِّرة – عن قيمة الجمال والذكريات المشتركة مع الأشخاص والأمكنة، وعن أهمية الصور التذكارية في تخليد لحظاتنا الثمينة، لا أنكر أنه فاجأني في ذلك اليوم، وأعتقد أني سأعيد النظر في مسألة إضافته إلى حسابي الفيسبوكي، أظن أني سأفعل ذلك عما قريبٍ فهذا الفتى يكشف لي كل يومٍ عن اهتمامٍ فكريٍّ أو أدبيٍّ مشترك.

أمام Dolcy 5 كنا نقف، الأبواب مغلقةٌ كما هي دون أي تغيير، وجَّهتُ قمرة هاتفي نحو لافتة المقهى فوق بابه، والتقطت لها عدداً من الصور…

مشهدٌ للمقهى من بعيد، ثم وقف (سي مصطفى) أمام بابه والتقطتُ له بعض الصور أيضاً.

ناولته هاتفي فابتعد قليلاً ليأخذ زاويةً ملائمة، وقفتُ أمام المقهى أنظر إليه مبتسماً، بينما أسمع الصوت المميز لالتقاط الصورة… التفتُّ هنا وهناك ورفعتُ عيني إلى لافتة المقهى منتظراً أن يواصل التقاط الصور، لكني سمعتُ صوته يناديني:

– “هيه أنت! انظر إلي، إلى أين تنظر؟”

تباً! جميعهم يفعل هذا… تتعمد أنت النظر إلى زاويةٍ أخرى آملاً منه أن يلتقط لك صورةً تبدو فيها غير منتبهٍ إلى أنه يصورك، لكنه لا يفهم حركتك الفنية هذه ويناديك مصراً على أن تنظر إليه ببلاهة!

– “لا تهتم يا (سي مصطفى)، فقط صوِّر… إنها طريقة (صوِّرني وانا مش واخذ بالي).”

أعاد لي هاتفي بعد حصة تصويرٍ لا بأس بها.

– “شكراً لك يا (سي مصطفى)… شكراً جزيلاً لك… يوماً ما سأكتب مقالاً كاملاً عن ذكرياتنا في هذا المقهى.”

– “أرجوك أن تفعل! ولا تنس أن ترسله لي كي أقرأه… وبالمناسبة، لقد طلبت ذلك منك مراراً لكنك ما زلت تتهرَّب… لم تضفني بعد إلى الفيسبوك، ما الذي يمنعك؟”

– “سأفعل يا (سي مصطفى)… قريباً جداً سأفعل… أعدك!”

* * *

حوالي منتصف شهر يونيو، عام 2014.

بدأت الملامح الجديدة لأمسياتنا تتشكل، أكثر أصدقائنا في Dolcy 5 اختفوا، ولم نعد نلقاهم إلا في فتراتٍ متباعدة تتجه لأن تصير أكثر تباعداً.

أبو محمدٍ السَّلفي كان مسروراً بإغلاق المقهى، وقد تكوَّنت مجموعةٌ جديدةٌ بينه وبين كلٍّ من عبد الرحيم وشريف. كلاهما فوق الأربعين، ويبدو أنهم صاروا يقصدون مقاهي بعيدةً عن زحام البولفار وصخبه، يريدون جلسةً هادئةً جديةً وقورةً تليق بمرحلتهم العمرية ومواضيعهم المشتركة.

أما نحن فلم نتوصل بعد لأي مقرٍّ نهائيٍّ نتفق عليه جميعاً، لقد كنا نشتكي من الإضاءة الكئيبة الخافتة في مقهى Dolcy 5، لكن عندما ألقينا نظرةً على مقهى Le Claridge لم نجد هناك إضاءةً أصلاً، بل هو ظلامٌ شبه دامسٍ لا تكاد تتبين منه شيئاً… عندها اقتنعنا فعلاً أن أضواء Dolcy 5 كانت رومانسيةً وشاعرية إلى حدٍّ بعيد، وتأكد لدينا أن (سي احمد) كان على حق.

بدا لنا أن مقهى Esquima هو الأقرب لأجواء Dolcy 5 من بين المقاهي المشرفة على البولفار، وقد صرنا نأوي إليه فعلاً حتى كاد يستقرُّ عندنا أنه يصلح ليكون مقراً جديداً، لكن (سي مصطفى) بدأ يميل إلى مقهىً آخر هو مقهى (روكسي Roxy)، وقد بدأنا نتردد عليه رغم بعده عن البولفار. (سي مصطفى) كان مصراً على أن شارع (روكسي) يحمل انطباعاً أوروبياً ما، بحيث تشعر فيه وكأنك تتسكع في إحدى المدن الأوروبية… عندما فكرتُ في الأمر وجدتُ أنه محقٌّ إلى حدٍّ ما.

مقهى Roxy لا بأس به عموماً، إن اسمه قريبٌ من Dolcy، وفيه نادلٌ يشبه (سي احمد) قليلاً، يلبس مثله ويضع شارباً مثله، كما أن اسمه أيضاً (سي احمد)! فقط كان فيه عيبٌ واحدٌ خطيرٌ هو أنه بشوشٌ مبتسمٌ وليس عبوساً، وهو عيبٌ بالنسبة لنا لا يمكن أن يُغتفر!

وهكذا ظلَّت أمسياتنا تتأرجح بين مقهى Esquima ومقهى Roxy، إلى أن حصل انقسامٌ حادٌّ بين جلال و(سي مصطفى).

أعلن جلال أنه يمقت مقهى Roxy ولا يطيق الجلوس فيه، في حين ظلَّ (سي مصطفى) مصراً على أنه أفضل مقهىً ممكن في المنطقة، وقد أصرَّ كل واحدٍ منهما على عناده لتكون النتيجة تشتتاً في ما تبقى المجموعة، وتباعداً واضحاً متزايداً بين كل لقاءٍ وآخر.

* * *

شهر أغسطس، عام 2014.

أعمال الترميم والإصلاح متوقفةٌ تماماً في مقهى (اليمامة)، يبدو أن هناك مشكلةً ما تعيق إتمام الأشغال.

حصلت بعض التغيرات في مقهى Dolcy 5؛ اقتُلعت اللافتات كلها، وكذلك المكيِّف ومجسَّم المثلجات، ولم يبق إلا اسم المقهى المنقوش على الجدار بارزاً للعيان.

أيامٌ قليلةٌ بعد ذلك؛ جاء عمالٌ أضافوا سياجاً حديدياً أحمر اللون ليغطي باب المقهى، فصار يبدو بذلك سجيناً وراء القضبان…

* * *

شهر سبتمبر، عام 2014.

صار Dolcy 5 مجرد ذكرى جميلةٍ بدأت تصير قديمة، لكن ذلك لم يمنعنا من التساؤل بين الفينة والأخرى عن سبب إغلاقه، في ذلك اليوم جمعتنا جلسةٌ حافلةٌ في مقهى (ساحة فرنسا Place de France)، وأدلى كل واحدٍ من الجلساء بدلوه.

لا أنكر أنهم أثاروا غيظي جميعاً! كل واحدٍ منهم يملك قصةً تختلف تماماً عن قصة الآخر، والأدهى من ذلك أنهم جميعاً يروون قصصهم على أنها معلوماتٌ ثابتةٌ مؤكدة، كل واحدٍ منهم يريد أن يوحي للآخرين بأنه أكثر اطلاعاً ويتمتع بشبكة معارف أوسع وأخطر.

– “إنه الإفلاس فقط، صاحب المقهى لاحظ أن مداخيله ليست في المستوى المطلوب، وأن هناك اختلاساتٍ كبيرةً تحصل، فقرر إغلاقه فوراً. لا بد أن (سي احمد) كان يختلس من صندوق المقهى!”

– “لا… ما أنا متأكدٌ منه هو أن المقهى يمرُّ بمشكلةٍ قضائيةٍ ما، وأن المحكمة حكمت عليه بالإغلاق الفوري.”

– “لا… هذه مجرد إشاعات، الحقيقة هي أن صاحب المقهى كان في السجن منذ سنواتٍ طويلةٍ جداً، وقد خرج منه منذ عدة أشهر فقط، وعندما بدأ يزاول حياته من جديدٍ اكتشف أن مصاريف المقهى أكثر من مداخيله، فقرر إغلاقه.”

– “من كذب عليك؟ أنا متأكد من أن صاحب المقهى ميتٌ منذ سنوات، وأن بعض إخوته كانوا يديرونه من بعده، وقد حصل بينهم نزاعٌ حادٌّ انتهى بإغلاق المقهى.”

تباً… لماذا يلومونني عندما أتهرب من مجالسة الناس وإقامة العلاقات معهم؟ إن من معضلاتي مع الآخرين أن لي عقلاً لا يتوقف عن تحليل الكلام اعتماداً على منطقٍ علميٍّ صارم، وأي كلامٍ يخالف المنطق العلمي يسبب لي صداعاً مزمناً، وخاصةً عندما يكون قائلوه واثقين تماماً من ذلك الهراء الذي ينطقون به.

الأسباب والمسببات، المقدمات والنتائج، التثبت من الأخبار، جمع المعلومات الموثَّقة فالتحليل ثم الاستنتاج، وغير هذه من المناهج العلمية التي هي عندي مصفاةٌ أمرر منها الكلام قبل قبوله أو رفضه، ولهذا لا أكف للحظةٍ عن تقييم الكلام وإحصاء ما فيه من أخطاء منهجيةٍ وثغراتٍ علمية، وكانت الخبرة التي خلصت بها بعد سنواتٍ من مجالسة الناس هي أن كلَّ ما يقولونه مجرد هراءٍ لا يقوم على أي أساسٍ منطقي!

هي فقط الاستنتاجات الفاسدة الناتجة عن تحليلٍ خاطئٍ لمعلومات غير صحيحةٍ ولا موثَّقة، أو هو التعميم الجائر المتعصب المبني على حالةٍ شاذةٍ واحدة، كشخصٍ زار طنجة لأول مرةٍ فشرب قهوةً واحدةً لم تعجبه، ليصدر بعد ذلك حكماً قطعياً بأن (صناعة القهوة في شمال القارة الأفريقية رديئةٌ جداً).

لا أدري… ربما أكون أنا المعقَّد الذي يدقق كثيراً في الكلام دون فائدة، وأما الآخرون فهم لا يهدفون لتقرير الحقائق العلمية الثابتة بقدر ما يريدون فقط الثرثرة وتبادل الكلام، أي كلام!

التقيتُ بعد أيامٍ بـ (سي احمد بلا شوارب)، كانت مفاجأةً سارةً بالفعل، وجدتُ أنه انتقل للعمل مؤقتاً بمتجر بيع الملابس القريب جداً من Dolcy 5، إنها فرصةٌ ملائمةٌ لآخذ منه الخبر اليقين، حتى إذا أردت أن أتحذلق أمام الأصدقاء فسأكون الوحيد الذي يحمل معلوماتٍ من مصدرٍ موثوقٍ لا يمكن أن يخطئ، سألته عن سبب إغلاق المقهى فكان جوابه صادماً لي:

– “لا أدري!”

– “لا تدري؟ لكنك كنت تشتغل هناك منذ سنواتٍ طويلة، ألم يخبرك أحد بالسبب؟”

– “لا… لا أحد يعرف القصة الحقيقية لإغلاق المقهى، ولا حتى نحن! فقط جاءنا الأمر المفاجئ بأن على المقهى أن يُغلق، نحن أيضاً لم نتوقع ذلك ولم نكن ننتظره.”

– “لكني سمعت بأن… وبأن… وبأن…”

– “لا… لا شيء مؤكد، كل هذه مجرد قصصٍ وإشاعاتٍ لا صحة لها.”

هكذا إذاً… ربما كان (سي احمد بلا شوارب) يعرف الحقيقة لكنه يتكتَّم عنها، ليس من المنطقي أن يخفى سبب إغلاق المقهى عن نادله الذي أمضى فيه عدة سنواتٍ متتالية، لكن لا بأس… لقد صار عندي سلاحٌ قويٌّ أُخرس به كل أولئك الذين يتظاهرون بالمعرفة والأهمية وبأن لديهم شبكة استخباراتٍ موسَّعة، كلما همَّ أحدهم بأن يروي قصته الملفقة أسكتُّه قائلاً:

– “كل هذا غير مؤكد، لقد التقيت (سي احمد) نادل المقهى شخصياً وسألته، وكان هذا ما قاله لي.”

وبهذا لم يعد أحدٌ يجرؤ على قول شيء… لقد صارت لي الكلمة العليا التي تهدم كل ما عداها، رغم أني أنا أيضاً لم أعرف سبب إغلاق المقهى، ولا يبدو أني سأعرف…

* * *

شهر أكتوبر، عام 2014.

كان جلال قد تزوج منذ شهرين تقريباً، وأقام لنا حفلة زفافٍ صغيرةً أكلنا فيها وشربنا، رغم كل تلك الأيمان المغلَّظة التي ظلَّ يقسمها منذ عرفته بأنه لن يقيم حفل زفافٍ ولو ضربوا عنقه.

وبالمناسبة… يبدو أن النحس مصرٌّ على ملاحقة جلال أينما حلَّ وارتحل، ما إن تزوج واستقرَّ في منزله الجديد حتى صعقته أول فاتورةٍ من فواتير الكهرباء، كان عدداً مرعباً يتكون من أربعة أرقام! ظلَّ يرغي ويزبد ويهدد ويتوعد، لكني كنت واثقاً من أن شركة Amendis لم تظلمه بل هو ظلم نفسه، وسرعان ما تبيَّن أن ذلك صحيحٌ تماماً.

هذا الفتى لن يتغير أبداً… بالطبع قام بحساباتٍ خاطئةٍ بناها على أمنياته الخاصة وليس على الحقائق الثابتة، لتكون النتيجة فاتورةً هائلةً لكنها صادقةٌ تماماً، وتترجم بالفعل استهلاكه المتوحِّش للأجهزة الكهربائية.

سيتعلم على كل حال، سيتعلم رغماً عنه وهذا ما أتمناه.

ما زال أيضاً يخطط لأمسياتنا بشكلٍ فاشل ومخادع، لمرتين بعد زواجه قال لي:

– “سنخرج من العمل في الخامسة وستذهب معي لشراء شيءٍ صغيرٍ من المتجر ثم نعود إلى بيوتنا.”

كنت أصدقه بسذاجةٍ وأُلدغ من نفس الجحر آلاف المرات، لأكتشف بعد فوات الأوان أننا لم نخرج من العمل إلا في السادسة، ولم نذهب إلى المتجر بل إلى سوق الخضروات، ولم يشتر شيئاً صغيراً بل وجدتُ نفسي أساعده في حمل أكياس عديدةٍ مثقلةٍ بكل ما يحتاج إليه الرجل المتزوج من خضرواتٍ وفواكه وأغراض منزلية!

(سي مصطفى) يبدو مشغولاً بشدةٍ هذه الأيام… علمتُ لاحقاً أنه كان ينهي ترتيباتٍ دراسيةً ما، كان يتابع دراسته العليا التي أنفق عليها الكثير، وعندما نبَّهته مازحاً إلى أن وقت التحاقه بجلال قد حان، اكتشفتُ بأنه صار يتناول الموضوع على محمل الجد فعلاً. لقد انتقل من مرحلة الـ (قه قه قه قه قه قه) إلى مرحلة زمِّ الشفتين وهزِّ الرأس متحسراً، مع ترديد عبارته الجديدة التي وراءها ما وراءها:

– “والله نعم… نحن في حاجةٍ إلى زواجٍ مستعجل.”

سيتزوج هذا الفتى عما قريب، خلال أشهرٍ قليلةٍ ربما، هناك إشاراتٌ لا تخطئ، أعرف ذلك وأراه…

* * *

شهر ديسمبر، عام 2014.

عاد الليل يفرض سطوته على الأجواء في ساعةٍ مبكرةٍ جداً، عاد البرد والمطر واستُخرجت الكنزات الصوفية والمعاطف الثقيلة من مخابئها.

البولفار كعادته في فصل الشتاء؛ تسبح فيه أضواء السيارات وتنير ليلَه مصابيحُ الإنارة والمقاهي والمحلاتِ التجارية. وحيداً كنتُ أمشي فيه رافعاً كتفي إلى الأعلى قليلاً بفعل البرد، أشدُّ معطفي بقوةٍ معتصراً كلَّ ما فيه من دفء.

قطرةٌ سقطت على خدِّي، تلتها أخرى على الفور، رفعتُ بصري إلى السماء… لقد بدأت تمطر.

أسرعتُ الخطى وقد تنحَّيتُ جانباً إلى الحائط، وبمحاذاة Dolcy 5 مررتُ.

بطرف عيني لمحتُ مستجداً ما، ورقةً ملصقةً على زجاج الباب، تراجعتُ خطوةً ودققت النظر جيداً، لم تكن هذه الورقة هنا من قبل، قرأتُ المكتوب فيها:

“رخصة إصلاح رقم 406/014

الساكن(ة) بـ 39، شارع باستور، طنجة.”

رخصة إصلاح؟ ما الذي يعنيه هذا؟

إصلاح؟ رخصة؟ سيصلحون مقهى Dolcy 5؟ هل أفهم من هذا أنهم سيعيدون افتتاحه من جديد؟

كدت أفرح لذلك لكني سرعان ما تراجعتُ عن انفعالي… إعادة افتتاح المقهى بعد إصلاحه ليس خبراً ساراً على الإطلاق.

سيأتون ليهدموا كل ما فيه، ثم يبالغون في بهرجته وزخرفته، ثم يعيدون افتتاحه من جديدٍ بحلةٍ مختلفةٍ تماماً، سينتقل من تصنيف (الشعبي) إلى تصنيف (الراقي)، بالطبع لن يعود للمقهى ذلك الطابع الحميم المتواضع، ولن يكون النادل هو (سي احمد)، ولن تظل القهوة بنفس جودتها، ولن يظل الشاي يصعد إلى دماغ (سي مصطفى) مباشرةً قبل أن ينزل إلى معدته. والأهم من ذلك كله أن الأسعار ستتضاعف، مما سيجعل مقاطعة (سي مصطفى) له أمراً مؤكداً لا ريب فيه.

قد يحتفظ المقهى باسمه القديم Dolcy 5، لكنه لن يعود ذلك المقهى الذي عرفناه وأحببناه وتعودنا عليه، لن يعود كذلك أبداً…

ما زالت أبوابه مغلقةً بإحكامٍ خلف القضبان الحديدية الحمراء، وفي الداخل ما زالت الطاولات والمقاعد موضوعةً كما هي بالضبط قبل إغلاقه.

خاوٍ على عروشه كأنْ لم يغْنَ بالأمس… وتراءت لي هناك ذكرياتنا وأشباحنا، ولاح لي بعين الخيال ذلك الزحام القديم والصخب الذي عشناه وساهمنا فيه بضحكاتنا المجلجلة.

(سي احمد) يهرع مسرعاً وهو يحمل صينية الأباريق والكؤوس.

– “إن لحم الخنزير يورث الدياثة، إياكم أن تأكلوه!”

(سي مصطفى) يجلس باسترخاءٍ وهو يتابع أخبار (هسبريس) على هاتفه الحجري.

– “رجلٌ فقير، وقد خبَّأ كل ألعابه لليوم الذي يعود فيه صغيراً.”

تشتعل جمرة السيجارة ثم ينفث جلال دخاناً كثيفاً يلوِّث به مناخ المدينة.

– “إن الإنسان في حدِّ ذاته هو عبارةٌ عن سمكة.”

فتاةٌ متبرجةٌ تمرُّ بجانب المقهى وتلتوي معها الأعناق، ثم يتلو ذلك صوتُ شتيمةٍ ما.

– “غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.”

بائع علب الكلينكس يمرُّ مصدراً أصواته الرفيعة التي لا يُفهم منها شيء.

– “…”

أصدقاء الألفباء يثيرون الصخب في الدور السفلي، اجتماعٌ صاخبٌ تضطرم فيه نيران الغضب.

– “نقطة نظام!”

المصلُّون يخرجون من المسجد ويصعدون الدرج.

– “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… السلام عليكم ورحمة الله.”

السيدة جالسةٌ كتمثالٍ على بعد أمتار من دورة المياه.

– “شكراً!”

– “لا شكر على واجب، نحن نعلم أن (فيصل القاسم) هو السبب وراء كل هذا، ولكن… لماذا يكره الناس المداخِلة؟!”

تتداخل كل هذه الصور والأصوات في ذهني، ثم تذوب وتتلاشى، يغمرها الضباب، ثم لم يبق منها إلا الباب المغلق والأمطار الغزيرة التي تغسل البولفار مما علق به.

وورقةٌ غامضةٌ لا تكاد تقول شيئاً يُستفاد منه…

“رخصة إصلاح رقم 406/014

الساكن(ة) بـ 39، شارع باستور، طنجة.”

أخرجت هاتفي من غمده بحذرٍ محاولاً أن أجنِّبه قطرات المطر، فتحتُ القمرة ووجهتها نحو الورقة، يجب أن أؤرِّخ لهذا جيداً فإني سأحتاج إليه في وقتٍ لاحق.

التقطتُ الصورة وأعدتُ هاتفي إلى جيبه، واستأنفتُ طريقي وأنا أفكر…

بتُّ أعتقد أن الغابات المتشابكة في كياني النفسي مشتملةٌ حتماً على درجةٍ معينةٍ من (متلازمة ترومان Truman Syndrome). إن ذكرياتي الخاصة مرتبةٌ في ذهني ترتيباً درامياً حقيقياً، يليق بالأعمال الروائية والمسلسلات أو الأفلام التلفزية، وقد صارت عندي حساسيةٌ خاصةٌ تجاه بعض المراحل واللحظات بعينها؛ تلك التي تجعلني أستشعر بأنها تليق بالنهايات الروائية أو بـ (الحلقات الأخيرة).

ثمة ملفاتٌ في رفوف ذاكرتي أنظر إليها على أنها (فيلمٌ) مكتمل، أو مسلسلٌ دراميٌّ متعدد الحلقات، أو روايةٌ أدبية. وثمة لحظاتٌ بعينها تمنحني انطباعاً بأنها (حلقةٌ أخيرةٌ) أختم بها جزءاً ما من المسلسل، أو فصلٌ أخيرٌ أختم به روايةً من روايات الذاكرة.

عندها أعرف أنه صار عليَّ أن أكتب…

لقد فعلتُ ذلك مراتٍ قليلةً في حياتي، وفي ذلك اليوم شعرتُ أن تلك الأمسية تليق بالحلقة الأخيرة من مسلسل Dolcy 5، أو من روايته بتعبيرٍ أصح. وعندما لمحتُ عبارة (رخصة إصلاح رقم 406/014) كان أول ما خطر بذهني أنها تليق عنواناً للفصل الختامي لما سأدوِّنه من ذكريات هذا المقهى.

يومها قررتُ أن أكتب، إنها (الحلقة الأخيرة) ولا بدَّ أن أكتب، لا بدَّ أن أقوم بما يجب علي القيام به.

الكتابة تضاعف الذكريات وتمنحها ازدواجيةً محبَّبة، فيصير عندي اثنان منها؛ الذكرى نفسها، وذكرى كتابتي لها.

الذكرى نفسها بما تعرضه من صورٍ ضبابيةٍ على شاشة الذهن، وذكرى الكتابة التي تحاول رسمها لوحةً حبريةً بواسطة الحروف العربية.

ما زلتُ أمشي تحت المطر وقد وصلتُ إلى (سور المعاجيز).

سيكون نصاً اسمه Dolcy 5، وسيكون عنوان الفصل الأول منه (الأبواب المغلقة)، وأما الفصل الأخير فسيكون عنوانه (رخصة إصلاح رقم 406/014).

سأفكر في عناوين بقية الفصول لاحقاً، أثناء الكتابة ربما…

المطر ينهمر غزيراً بينما أمشي تحته شارد الذهن، مبلَّل الشعر مبلبل الأفكار، يحملني الشوق إلى محراب الحرف، ونحو القلم حثثتُ الخطى…

أفكارٌ كثيرةٌ تصطرع في ذهني، تعبيراتٌ أدبيةٌ وأوصافٌ أتمنى ألا أنساها، كنت أحاول أن ألملم أكبر قدرٍ منها في ذاكرتي كما ألملم الدفء المجتمع في معطفي، عندما ذبتُ في شارع المكسيك…

أنس سعيد محمد
Dolcy 5
30/05/2015

(( ~ الــنــهــايــة ~ ))

Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (3) _ أبو محمد السلفي

07/06/2015 عند 22:17 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

.

dolcy-83-salafi

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

– الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

* * *

(8) – الندماء ~

3- أبو محمدٍ السَّلفي: “ولكن… لماذا يكره الناس المَدَاخِلة؟!”

مجدداً… Dolcy 5 بعد غيابٍ طويل.

كنتُ قد حققتُ رقماً قياسياً في الغياب عن المقهى في تلك الفترة من عام 2013، وهي فترةٌ تلت فترة إدمانٍ طويلةٍ كدتُ أصير فيها من الزبناء اليوميين للمقهى، حتى أن جلالاً لم يعد يسألني عند انتهاء الدوام سؤاله القديم الذي كان يثير أعصابي:

– “ستجلس معنا اليوم؟”

بل صار الآن ينتظرني في الباب منادياً عليَّ وقد نفد صبره:

– “هيا بنا… أسرع!”

وأما (سي مصطفى) فلم يتخلص قطُّ من عبارته الجائرة التي يقولها لي كلما ناقشتُ معه شيئاً من فلسفاته الاقتصادية البالية، ليستشهد بها على كثرة مصاريفه وقلة مصاريفي:
– “نحن مختلفان يا صديقي… أنت تجلس في المقهى مرةً كل أسبوع لا أكثر، وأما أنا فأعشِّش هنا بشكلٍ يومي!”

هكذا؟!

كنتُ أشعر بالظلم عند سماعي لهذه العبارة، لأني بالفعل صرتُ مثله معشِّشاً في المقهى بشكلٍ يومي، وقد نبتت لي أيضاً جذورٌ عميقةٌ ضربتْ في أرضيتها ولفَّتْ ساقيَّ بإحكامٍ حول أرجل المقاعد، لكن (فرويد الاقتصاد) ما زال محتفظاً بنفس تلك الصورة القديمة عندما كنت أمقت المقهى وما فيه، وعندما لم أكن أشرِّف Dolcy 5 بزيارتي الميمونة إلا مرةً في الأسبوع على الأكثر، ولا يكون ذلك – طبعاً – إلا بعد أن يجتهد الأصدقاء في إقناعي وإغرائي، ثم يقررون في النهاية أن يلقوا عليَّ القبض ويجرُّوني جراً إلى المقهى وأنا مقيدٌ بالسلاسل.

لا بأس… في تلك المرة كنتُ متغيباً حقاً، وكان من حق (سي مصطفى) أن يتهمني بقلة المصاريف الاقتصادية، وبأني وصلتُ – كما يزعم – لمرحلة (الادِّخار)! فإني لم أظهر في Dolcy 5 منذ مدةٍ تتجاوز الشهرين، وهي فترة غيابٍ استثنائيةٌ ابتدأت بشهر رمضان المبارك، لتمتدَّ إلى أسابيع أخرى من بعده.

لقد نجح شهر رمضان في إبعادي عن Dolcy 5 مدةً لا بأس بها، لكن الإنسان على ما ألِف، في النهاية استسلمتُ لمصيري وعدتُ من جديدٍ إلى المقهى الذي اشتقتُ إليه، وإلى (الأوغاد الأعزاء) الذين افتقدتُ هراءهم وصخبهم… لم يتغير شيءٌ على الإطلاق، المقاعد هي المقاعد، الزبناء هم الزبناء، مشهد الشارع هو مشهد الشارع، الزحام هو الزحام، و(سي احمد) هو نفسه (سي احمد) دون أي تغييرٍ يُذكر.

كنتُ قد مررت بالبولفار في ليلةٍ واحدةٍ من ليالي رمضان، وهالتني تلك الفجوة الزمنية الهائلة التي تنطوي على فجوةٍ شعوريةٍ أيضاً! كل شيءٍ على ما هو عليه تماماً مثل الأيام العادية، بما في ذلك المفاسد الأخلاقية وعري بعض الفتيات وتبرجهن الصيفي الصارخ… لا وجود لشهر رمضان في ليالي بولفار طنجة، وإنما هي امتداداتٌ مختلسةٌ لأيام الفطر بكل ما فيها من المنكرات والمفاسد… ليلتها عدت إلى البيت ساخطاً وبي شوقٌ عارمٌ إلى أجواء رمضان وأنسامه، وإلى آثار الإفطار ورائحة السحور.

وافقني (سي مصطفى) على هذه الملاحظة، وأطلق كعادته سيلاً من القذائف الكلامية الناسفة على كل ما هو أنثويٌّ في الكون، ثم رشف من كأس قهوته ليبتلع هذه الغصة التي نمت في حلقه، قبل أن ينطق أبو محمدٍ أخيراً وقد قرر أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع:

ارتفع صوته الرخيم الذي يجبرنا بدافع الاحترام لصاحبه على الاستماع لما يقول، والتفتنا إليه لنسمع عبارته التالية، وكان كعادته قد اختار مقعده بحيث يكون مقابلاً لبوابة المقهى، موارياً الشارع ظهره لأسباب متعلقةٍ بغضِّ البصر:

– “ليس اللوم عليهن فقط يا (سي مصطفى)، اللوم علينا نحن أيضاً، هن يخطئن ونحن أيضاً لنا نصيبنا من الخطأ، ومن أخطائنا تلك أيها الإخوة، وأقولها لكم بصراحة: مجرد جلوسنا في هذا المقهى!”

نطق أبو محمدٍ السلفي أخيراً، هززنا رؤوسنا مترقبين تتمة كلامه التي كانت كالآتي:

– “لا يجب أن ننكر… هن يرسلن المنشورات في الشارع، ونحن نغدق عليهن بالإعجابات (j’aime). كل نظرةٍ هي إعجاب (j’aime)، وكل عبارةٍ معاكِسةٍ يتلفظ بها أحد المتحرشين هي (تعليقٌ) على المنشور… لهذا يتمادين أكثر ويزددن في غيِّهن وتبرجهن، لأن لهن جمهوراً من المطْلقين لأبصارهم والمعاكسين لهن، وأيضاً… من الجالسين على قارعة الشارع في المقاهي، من أمثالنا غفر الله لنا! أليس كذلك يا شباب؟”

ثم افتر ثغره عن ابتسامةٍ عريضةٍ على سبيل الفاصل الفكاهي، وأردف قائلاً:

– “كم حصيلتنا من الـ (j’aime) في هذه الأمسية؟”

وارتفعت أصوات الضحك…

ثم عاد إلى حالته الطبيعية الجدية، وواصل كلامه رافعاً حاجبيه موحياً بالأهمية، وقد ازدادت لحيته طولاً ونبرته خطورة:

– “بالمناسبة… إن الله سيحاسبنا حساباً عسيراً على (إعجاباتنا) هذه… لا أعني إعجابات الشارع، بل إعجابات الفيسبوك نفسها! إن تلك النقرة على زر الإعجاب مسؤوليةٌ عظيمة، وأي شيءٍ تعبِّر عن إعجابك به ستُسأل عنه أمام الله تعالى، لأن الإعجاب معناه أنك أحببت المنشور ووافقت على ما فيه، فهو بمثابة التزكية له، وألاحظ أن كثيراً من الإخوة لا يعيرون اهتماماً لهذا الأمر، ولا يقدِّرون خطورته، لذلك نراهم يشتِّتون إعجاباتهم هنا وهناك في كل حدبٍ وصوب، غافلين عن أن الله تعالى سيحاسبهم عن كل نقرة زر، ويسائلهم عن كل حرفٍ كتبوه في الفيسبوك وغيره من تلك المواقع الاجتماعية التي ابتلينا بها.”

كنا نصغي باهتمامٍ ونهزُّ رؤوسنا تفاعلاً مع نصائحه، بينما يواصل صديقنا السلفي كلامه النابع من سويداء قلبه:

– “وأما عن إعجابات الشارع هذه، فيجب أن نعترف بأننا مخطئون عندما نجلس في هذا المقهى… عندما أفكر في الأمر أستشعر بقوةٍ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في الطرقات، وأرى أن هذه المقاهي التي تُخرج مقاعدَها إلى الرصيف تدعو حرفياً إلى فعل ما نهينا عنه… أليس كذلك أيها الإخوة؟”

يجيبه (سي مصطفى) قائلاً:

– “بلى، كلامك صحيح يا أبا محمد، لكن الزمن قد تغير كما ترى، وما عادت لنا مجالس إلا هذه المقاهي، فماذا نفعل؟”

– “لا يا (سي مصطفى)، إن الزمن لم يتغير في هذه المسألة، لأن نفس كلامك هذا قد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاب بأن علَّمنا كيف نعطي الطريق حقه، وذلك بغضِّ البصر، وكفِّ الأذى، وردِّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل نفعل نحن شيئاً من هذا؟ وهل نعطي الطريق حقه كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لنجب بصراحةٍ ولنكن صادقين مع أنفسنا…”

وساد صمتٌ ثقيل، ثم اهتزت الرؤوس اتعاظاً واعتباراً…

هذا هو أبو محمدٍ السلفي، صديقنا الفاضل الذي قرر أن يكثِّف حضوره معنا في Dolcy 5 منذ بعض الوقت، وهو شابٌّ في نحو الثلاثين من عمره، وقد أقام في طنجة منذ عددٍ من السنوات بعد أن جاءها من مدينته الأصلية فاس، ولأنه زميل عملٍ لـ (سي مصطفى) فقد تعرفنا عليه من خلاله، ويمكنني القول بأن أبا محمدٍ هو الوحيد الذي يلتقي به (سي مصطفى) خارج إطار العمل.

يروي (سي مصطفى) عن أبي محمدٍ أنه مر بمرحلة تحولٍ في حياته شهد هو بعضها، ولم نشهد نحن إلا أواخرها، وعندما تعرفنا عليه أول مرةٍ كان ذلك الشابَّ الناصح الذي هداه الله إلى طريق الاستقامة، وكان قد ترك لحيته لتروِّيَ وجهه بعد أن أقلع عن حلقها، ثم ليتركها تطول شيئاً فشيئاً حتى تشعَّبت إلى بضعة سنتيمراتٍ من الشعر الأشقر الناعم، وهو ما أعطى وجهه الصبوح ذلك الطابع الأسَديَّ المهيب.

ثم إنه كان قد تزوج، ولما رُزق بطفله الأول أسماه محمداً، فصار بذلك أبا محمد.

وأما حضوره معنا في جلسات Dolcy 5 فكان يجعلها مختلفةً عن بقية الأيام المعتادة، بسبب تأثير (الرجل الوقور) ذاك الذي نحرص على انفعالاتنا في حضرته… بقدرة قادرٍ تتحول الضحكات الصاخبة المدوية إلى ضحكاتٍ رزينةٍ هادئة، وتتحول التصريحات الشبابية الفاحشة إلى تلميحات، وتتحول التلميحات إلى إيماءات، وتتحول الإيماءات إلى مجرد نظراتٍ خاطفةٍ وابتساماتٍ طولها ملمترٌ واحدٌ فقط. وكان هو يشاركنا طرفاً من مزاحنا وضحكنا، وأحسب أنه كان ينظر إلينا على أننا شبابٌ طيبون وأناسٌ جيدون، لكننا نحتاج فقط لبعض التوجيه والنصح حتى نصير على الجادة ويستقيم اعوجاجنا.

كما أنه وإن كان (سي مصطفى)، كما ذكرنا سابقاً، ينظر إلى الحياة من زاويتها الاقتصادية، ويمرِّر في ذهنه جميع أمورها من هذه المصفاة، فإن الزاوية التي ينظر أبو محمدٍ من خلالها هي الزاوية الإسلامية الشرعية، ولم يزل على الدوام محتفظاً بدهشته الفطرية البريئة من كل هذا الفساد والانحلال الواقع في شوارع المدينة وفي المجتمع عموماً، ولم يفتأ متسائلاً بلا انقطاعٍ عن الأحكام الشرعية لكل صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمور الحياة التي تُعرَض له.

وهكذا صارت جلسات Dolcy 5 في حضرة أبي محمدٍ السلفي عبارةً عن منتدياتٍ للتناصح وتبادل الاستفادة والنقاش الهادف حول أمور الدين، وكان قد أصيب بإدمان البحث والتنقيب في المواقع والمنتديات ومقاطع اليوتوب، وهو إدمانٌ خطيرٌ يقود صاحبه في كثيرٍ من الأحيان إلى دهاليز مريعةٍ من الأسئلة الحائرة والمواضيع الشائكة المعقدة، فكان في كل أسبوعٍ أو كل بضعة أيامٍ يأتينا بموضوعٍ جديدٍ للنقاش، يسبر آراءنا فيه ويستفسرنا عما نعرفه عنه، بعد أن أعياه البحث والتنقيب في المقاطع المرئية والمسموعة ونصوص الفتاوى المقروءة:

– “من هم العلماء الموثوقون عندنا في المغرب؟ وهل فتاوى المجلس العلمي مُلزمةٌ للمغاربة؟”

– “متى يكون الفعل بدعةً في الدين ومتى يكون سنَّةً حسنة؟”

– “هل المصافحة بعد الصلاة وقراءة الحزب جماعةً في المسجد بدعة؟”

– “هل النقاب فريضةٌ أم فضيلة؟”

– “هل يجوز للرجال إسبال أثوابهم إن كان ذلك بلا خيلاء؟ وهل سراويل الجينز هذه التي نلبسها جائزةٌ شرعاً أم لا؟”

– “ما هو الاقتصاد الإسلامي؟ وما هي آفاقه في المغرب؟ وهل ستكون هناك أبناكٌ إسلاميةٌ عما قريب؟”

– “هل الأبناك الإسلامية إسلاميةٌ حقاً؟ أم أنها أيضاً أبناكٌ ربويةٌ لكنها مقنَّعة؟ وهل يجوز التعامل مع هذه الأبناك الإسلامية إن وُجدت؟”

– “هل يجوز أخذ قرضٍ ربويٍّ لغرض اقتناء شقةٍ سكنية؟ وهل يُعدُّ هذا اضطراراً؟ وما هو ضابط الضرورة وما هي حدودها؟”

– “هل يجوز لي أن أستعمل حاسوب العمل في أوقات الفراغ للقراءة والاتصال بالإنترنت؟ إنني أفعل ذلك أحياناً، ووالله إن في نفسي منه شيئاً، لذلك أحاول أن أفعله أمام رئيسي، وأن أميل الشاشة إلى جهته كي يراها، وكي يطَّلع بوضوحٍ على ما أفعل.”

هذه وغيرها من الأسئلة الكثير، كان أبو محمدٍ يأتينا بها ويطرحه على مائدة Dolcy 5 للنقاش، ليدلي كل واحدٍ منا بدلوه مستعرضاً ما سبق وقرأه وسمعه عن الموضوع، ثم لتكون الخلاصة دائماً – أو غالباً – هي كالآتي:

– “المسألة فيها خلاف، وتحتاج إلى مزيدٍ من البحث حتى نقف على الأرجح في الأقوال، ونحن في الحقيقة ما زلنا جاهلين بديننا جهلاً معيباً، وينبغي أن نبذل جهودنا في القراءة للعلماء والاستماع للمشايخ وتعلُّم ما نجهله من أمور الدين، لكن يظل الورع أولى واجتناب الشبهات أفضل.”

وكنا إذا تمشينا في الشارع لا يكفُّ عن إبداء ملاحظاتٍ متحسرةٍ على المخالفات الشرعية التي لا حصر لها، متسائلاً عن الأسباب المشؤومة التي أدت بالمسلمين إلى هذه الأحوال المزرية والانحطاط الأخلاقي المهول، وأحياناً كان يذهب به تفكيره بعيداً جداً، ليخلص في النهاية إلى أن أغلب الموجودات في واقعنا المعاصر لم يكن ينبغي أن توجد على هذا النحو، وأن المجتمع الإسلامي في حاجةٍ إلى تغييرٍ جذريٍّ شاملٍ في نظامه ومفاهيمه وأخلاقه.

ومما أذكره في هذا الباب أني اصطحبته ذات ليلةٍ وكان الوقت متأخراً، إلى صرَّافٍ آليٍّ قرب شارع المكسيك ليستخرج منه أموالاً احتاجها، فوجدنا صفاً من الناس ينتظرون دورهم عند الصرَّاف، ومن بينهم امرأةٌ ترتدي جلباباً ضيقاً واصفاً وقد أرسلت شعرها على كتفيها، فما كان منه إلا أن أشاح عنها ببصره وواراها ظهره، وحجبها عني بجسده، وانطلق يحدثني معبراً عن تسلسل أفكاره وخواطره الذي كان كالآتي:

– “لا حول ولا قوة إلا بالله… وتظن نفسها بهذا الجلباب محجبة! الخبثاء… إنهم يخترعون للنساء جلابيب ضيقةً تصف مفاتنهن وصفاً، لكنها تظل مع ذلك محسوبةً على (الحجاب)، حتى تخرج المرأة بها وضميرها مرتاحٌ تماماً، تظن أنها أدت ما عليها وتحجبت!

ثم كيف تخرج المرأة وحدها في هذا الوقت من الليل؟ أليس في بيتها أخٌ أو زوجٌ يخرج عنها؟ وكيف تقبل أن تزاحم كل هؤلاء الرجال الأجانب عنها في هذا الصف؟ هل انقرض الحياء في النساء؟ إنا لله وإنا إليه راجعون…”

– “نعم يا أبا محمد… إنا لله وإنا إليه راجعون…”

– “إنني يا أخي أحاول أن أعدَّ المخالفات الشرعية في هذا الوضع الذي نحن فيه… أولاً: خروج المرأة من بيتها في هذا الوقت من الليل. ثانياً: خروجها متبرجةً كاشفةً عن شعرها، وبجلبابٍ يصف مفاتن جسدها وصفاً. ثالثاً: مزاحمتها للرجال الأجانب في الصف… كل هذا لا يجب أن يكون!

لو كان الأمر بيدي لسددتُ باب الاختلاط هذا، ولجعلتُ هناك صرَّافين آليين في كل وكالةٍ بنكية، واحداً للرجال وآخر للنساء!

لكن، وبالتفكير في الأمر… فإن هذه الأبناك نفسها ما كان يجب أن تكون، أليست جميعها أبناكاً ربوية؟

لا حول ولا قوة إلا بالله… إن المسلم ليجد نفسه غريباً في هذا المجتمع، لا ينتقد شيئاً في أخلاقه إلا وأحاله إلى غيره، وإلى ما هو أعلى منه، وما زال متتبعاً خط الانحراف باحثاً عن منابعه وأصوله، حتى يجد نفسه وقد وصل إلى النظام القائم نفسه، وإلى الأفكار والمبادئ التي تسيره وتتحكم في مساره، وهي والله أفكار ومبادئ دخيلةٌ علينا، تعادي ديننا وأخلاقنا وقيم مجتمعنا التي ما زلنا نفقدها كل يوم… بل نضيعها في كل لحظةٍ بجهلنا وغفلتنا!
نحن مستعمَرون يا أخي… مستعمَرون في السياسة والاقتصاد والفكر والأخلاق، فما السبيل إلى إصلاح كل هذا؟ ما السبيل…؟”

ولم ينتبه في خضمِّ خواطره هذه إلى أن الصف قد فرغ، وإلى أن دوره قد جاء، فنبهته إلى ذلك فهرع إلى الصرَّاف ليسحب منه حاجته من المال.

ثم إنني كنت قد أضفته إلى حسابي الفيسبوكي، وكانت تلك علامةً فارقةً في المواضيع التي جمعتنا، إن هذا الفيسبوك بحق، وخلافاً لما يعتقده البعض، يفتح آفاقاً أرحب بكثير، ويتيح معرفةً أوسع وأعمق بالآخر، وما حدث بيني وبين أبي محمدٍ السلفي بعد الفيسبوك أكَّد لي ذلك أكثر وأكثر… فجأةً انفتحت بيني وبين الرجل مواضيع جديدةٌ تماماً، وأكثر تعقيداً بكثيرٍ من تلك المواضيع العامة السابقة، واكتشفنا بدهشةٍ وانبهارٍ أن لدينا من الانشغالات الفكرية المشتركة ما لم يكن أحدنا يتوقع أن الآخر على علمٍ به واطلاعٍ على جديده!

كانت هناك مشكلةٌ صغيرةٌ هي أن (سي مصطفى) صار يلحُّ علي أن أضيفه إلى حسابي الفيسبوكي أكثر من أي وقتٍ مضى، خاصةً بعد أن علم أني أضفتُ أبا محمد، وصرتُ دائماً أماطله محاولاً صرفه عن الموضوع وجعله ينساه تماماً:

– “فيما بعد… عما قريب إن شاء الله… قريباً بإذن الله…”

لكنه – الشرير! – صار في كل يومٍ يتذكره ويذكرني به، ولست أدري ما سبب هذا الإصرار الغريب في هذا الوقت بالذات!

لا بأس، سأنظر في هذا الأمر في وقتٍ لاحق… لكن يبدو أن أبا محمدٍ السلفي قد صار من زبناء Dolcy 5 الدائمين، بعد أن سُرَّ باكتشاف صديقٍ جديدٍ لم يعرفه من قبل إلا صخَّاباً بالضحك، ولم يتوقع يوماً أن يشاركه نقاشاتٍ جادةً وهادفةً حول مواضيع دقيقةٍ قلَّ أن تجد في محيطك من يلمُّ بها ويضبط مصطلحاتها.

وقد فوجئ بقية الأصدقاء بالتغير الكامل والمريب لنغمة النقاشات المعتادة، ولشيوع مواضيع ومصطلحاتٍ جديدةٍ لم يسمعوا مثلها من قبل وما كان لهمٌ علم بها. فجأةً تحولت النقاشات الجماعية إلى نقاشاتٍ ثنائية، وبقدرة قادرٍ صار فضاء Dolcy 5 يمتلئ بألفاظ ومصطلحاتٍ خطيرةٍ من قبيل (ولي الأمر، الخروج على الحاكم، المداخِلة، الخوارج، الثورة، التكفير بالنوع والتكفير بالعين، العمل ومسمَّى الإيمان، الجماعات الإسلامية، الإرجاء والمرجئة، التفصيل في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله… الخ).

كل هذا في حين يقلِّب كلٌّ من جلال و(سي مصطفى) عيونهما فينا بدهشة، متسائلين عما دهانا، وما هذه اللغة الهيروغليفية العجيبة التي صرنا نتحدث بها، وهل هناك خللٌ ما أصاب قدراتنا العقلية!

كانا يلتزمان الصمت في أغلب الوقت، وعندما علَّق جلال بعد أن صمت دهراً قال:

– “المعذرة، أسمعكم تتحدثون كثيراً عن أولئك الـ… ماذا تسمونهم؟ الدَّوَاخلة؟! المداخلة؟! من هؤلاء؟!”

أجابه أبو محمدٍ معتبراً إياه على مستوى الحدث، متجاهلاً تلك الفجوة المعرفية الهائلة بينهما في هذا الموضوع:

– “وهذه هي المشكلة! الناس يسمونهم (المداخِلة) على سبيل الذم والتنابز بالألقاب، لكن لماذا؟ وما ذنب أهل السنة؟ هل لأنهم ثابتون على أقوال العلماء الربانيين؟ هل لأنهم يحذِّرون الناس من البدع والمبتدعة؟ وماذا في ذلك؟ إن هذا من أوجب الواجبات في هذا العصر الذي كثرت فيه البدع وعلا فيه صوت المبتدعين، أليس كذلك؟!”

لم يفهم جلال شيئاً من هذه العبارات المنطوقة باللغة الصينية بالنسبة له، لكنه ظل مصراً على الاستفهام رغم ذلك:

– “المداخلة؟ وهل هناك أيضاً المخارجة؟ ثم من هؤلاء؟ هل هم شيعة؟ أعوذ بالله منهم! إن الشيعة قومٌ سيئون!”

وأما (سي مصطفى) فكنت أجده غارقاً في شاشة هاتفه (النوكيا) الصغير الذي يعود إلى العصر الطباشيري، والعجيب أنه استطاع مع ذلك وصله بالشبكة وفتح المواقع عليه، وكنت أستغرب جداً كيف يستطيع قراءة أخبار ومقالات (هسبريس hespress) التي تظهر حروفها على شاشته وكأنها أرجل النمل المصاب بالكساح! وأما الأسوأ من ذلك فهو عدم تفويته الاطلاع اليومي على مستجدات موقع (أفيتو avito) و(بخير bikhir) لغرض الاطمئنان على الأحوال الاقتصادية للمملكة.

ثم إنه كان أحياناً يرغب في مشاركتنا النقاش ومعرفة ما نتحدث عنه، وهنا كانت تحصل المأساة التي طالما جعلتني أقهقه في نفسي لساعاتٍ طويلة! إنها محادثة بين شخصٍ ينطلق من فرضية أن صاحبه يعرف نفس ما يعرفه تماماً، ويهتم بالموضوع قدر ما يهتم هو به، وبين شخصٍ آخر لا يعرف عن الموضوع حرفاً واحداً على الإطلاق!

يوجه أبو محمدٍ إلى (سي مصطفى) تساؤله المحير الذي لم يجد له جواباً بعد:

– “لكن… لماذا يكره الناس المداخِلة؟! لماذا يبغضونهم؟ ما ذنبهم وما الذي فعلوه؟”

لا إجابة عند (سي مصطفى)، إلا النظرات الحائرة الفارغة التي تتخللها رمشاتٌ طفوليةٌ بريئة!

غير أنه كان يتمكن بحقٍّ من إقحام نفسه في المناقشة، وذلك بواسطة تعليقاتٍ عامةٍ جداً يردُّ بها على كل ما يطرحه أبو محمدٍ من القضايا العقائدية والفكرية المعقدة، ومهما يكن ما يقوله أبو محمدٍ فإن أجوبة (سي مصطفى) لم تكن تتجاوز أمثال هذه العبارات، وهو ما جعل جميع أجوبته بعيدةً تماماً عن الأسئلة بعد المشرق عن المغرب، لكن ظل الأمر يبدو كنقاشٍ رغم ذلك، وهي مهارة تواصلٍ عند (سي مصطفى) تُحسب له في حقيقة الأمر:

يقول أبو محمد: “وعندما تقول له بعدم جواز الخروج على الحاكم يتهمك مباشرةً بأنك مدخلي!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.”

يقول أبو محمد: “وهم يطعنون في الشيخ ربيعٍ لكنهم يحترمون الشيخين ابن باز والعثيمين، وهذا تناقضٌ عظيمٌ لا أفهمه، لأن الشيخين قد زكيا الشيخ ربيعاً كما هو معلوم!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن أعداء الإسلام يخططون لمحاربة ديننا العظيم بواسطة الغزو الفكري ونشر الفساد والانحلال في المجتمع.”

يقول أبو محمد: “لكنه يصر على أن الحاكم بغير ما أنزل الله يكْفُر رأساً، رغم أن علماء أهل السنة قرروا بأن ذلك يكون على التفصيل!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن الشيعة قد يكونون أشد خطراً من اليهود والنصارى، لأن خطر اليهود والنصارى ظاهرٌ ومعلوم، وأما خطر الشيعة فخفيٌّ مستتر.”

يقول أبو محمد: “وعندما ننشر ما بينه الشيخ من حال المبتدع يقولون بأننا من غلاة التجريح والتبديع، وكأنهم يريدون منا أن نسمح بنشر البدع والضلالات بين الناس!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن المرأة قد فسدت وأفسدت، وصارت تطالب بالمساواة مع الرجل، وكل هذا من مخططات أعداء الإسلام لإفساد المجتمع.”

يقول أبو محمد: “كما أنه قد كثر المتعالمون في صفحات الفيسبوك، الجميع صار يتكلم والجميع صار يفتي دون علم، كما أن نشر الإشاعات صار ديدناً عند البعض، لذلك يجب تمحيص الأخبار وعدم نشر شيءٍ إلا بعد التيقن من صحته.”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن قناة الجزيرة قناةٌ زنديقةٌ حقيرة، وتنشر الفتنة والفوضى بين المسلمين، وهي قناةٌ عميلةٌ للصهاينة وتعمل لصالح إسرائيل.”

وتتفق عبارته هذه مع مرور (سي احمد شوارب)، والذي يتدخل قائلاً بحماسةٍ شديدةٍ ليضع النقاط على الحروف، ولينهي النقاش بالقول الفصل الذي لا قول بعده:

– “نعم والله هي كذلك… وذلك الزنديق الأكبر (فيصل القاسم) هو السبب في كل هذا!”

وينتبه أبو محمدٍ متأخراً إلى أنه “سَارتْ مُشَرِّقَةً وسِرْتُ مُغَرِّباً … شتَّانَ بين مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ!”

حقاً… لا فائدة ترجى من هؤلاء القوم، ويبدو أن أبا محمدٍ السلفي قد اكتفى من النقاشات العقيمة أخيراً، خاصةً بعد أن توصلتُ معه إلى نقاط اتفاقٍ كثيرةٍ لم نتوقع أن نصل إليها يوماً من قبل، وهو الأمر الذي كان قد سرَّه كثيراً.

بدأ أبو محمدِ يميل إلى الاختفاء تدريجياً، وعندما دخلنا في عام 2014 لم نعد نراه إلا قليلاً، ولم يعد يجالسنا في Dolcy 5 إلا نادراً، وكان قد أخبرنا بأنه ماضٍ في مسيرة الاستقامة التي يجاهد نفسه عليها، والتي بمقتضاها اتخذ قراراتٍ جديدةً ألزم بها نفسه، ومنها الإقلاع التام عن الجلوس في مقاهي البولفار التي تطلُّ على الشارع المزدحم بالمنكرات والمعاصي.

احترمنا قراره هذا وهنَّأناه عليه، وطلبنا منه أن يخبرنا باختياراته الجديدة للمقاهي التي سينتقل إليها، على أمل أن نزوره فيها عما قريبٍ إن شاء الله.

يجب أن أقرَّ بأن أبا محمدٍ السلفي إنسانٌ فاضلٌ لم أعلم عنه ولم أر منه إلا خيراً، وأحسبه من المتحرِّين للحق والساعين إليه، كما أن تلك الفترة التي أمضاها معنا في Dolcy 5 كانت من أفضل الفترات وأخصبها، وأكثرها غنىً بالنقاشات الهادفة والفوائد المتبادلة والتناصح الصادق بين الإخوة والأصدقاء.

لم يمض على رحيل أبي محمدٍ إلا أسابيع قليلةٌ حتى فوجئنا بخبر الإغلاق النهائي لمقهانا العريق، وكان خبراً صادماً لم نستوعبه إلا بعد أيامٍ تأكدنا فيها أن جلستنا الأخيرة فيه قبل إغلاقه كانت هي الأخيرة فعلاً، وأن ذلك اليوم كان هو آخر العهد مع (سي احمد) وقهوته، ومع مسجد القبو ومع أمسيات البولفار من تلك الزاوية المتميزة دون غيرها…

فكرتُ وأنا أتأمل الأبواب المغلقة للمقهى بأن لكل شيءٍ نهاية، وبأن دوام الحال من المحال، واستشعرتُ فجأةً قيمة تلك الجلسات الثمينة التي جمعتني بأولئك الأفاضل في هذا المكان منذ أكثر من خمس سنواتٍ حافلة.

ما مصير اجتماع شمل الندماء بعد Dolcy 5؟ هل سنجد مقراً جديداً نتفق عليه أم أنها ستكون نهاية المجموعة أيضاً؟

وأي مقهىً هذا الذي سينجح في ما نجح فيه Dolcy 5 من اتفاقنا على تفضيله وجمع كلمتنا عليه؟

أسئلةٌ حائرةٌ حامت فوق رؤوسنا في تلك الأيام الأولى بعد إغلاق المقهى، والتي أمضيناها تائهين نتسكَّع هنا وهناك على غير هدى، لنقرر في النهاية أن نعود إلى منازلنا في انتظار أن نتباحث في هذا الموضوع لاحقاً، وهو ما سأتناوله بتفصيلٍ أكثر في الفصل القادم والأخير من النص الذي صار مطوَّلاً، لأطوي به الصفحة الختامية من هذا الجزء الهادئ والممتع من كتاب الذاكرة، ذاكرة القهوة المسائية وأباريق الشاي، وحين تحلو المنادمة والمسامرة مع الأحبة وسط ليل طنجة وأضوائها الدافئة، ونسيمها الصيفي العليل…

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

07/06/2015 عند 22:06 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

dolcy-82-jalal

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

* * *

(8) – الندماء ~

2- جلال: “حركة المفلسين الجدد!”

وأما جلال هذا فقِصَّةٌ أخرى، و(فَقْصَةٌ) أخرى كذلك!

إنه الفتى الذي جاء من مدينة وزان إلى طنجة لاستكمال دراسته، منذ أكثر من عشر سنوات، فاندمج مع حياة المدينة اندماجاً كاملاً دون أن يتخلص من رواسبه (القروية)، ومن افتخاره الشديد بمدينته وزان التي لم يكفَّ يوماً عن وصفها بأنها (كاليفورنيا المغرب)، في حين نأبى نحن إلا أن نسميها – مستفزين له – بـ (موريتانيا المغرب)!

حسناً… ماذا أقول عن جلال هذا؟

إنه بحقٍّ حالةٌ نادرةٌ من النحس وسوء الحظ الذي تجسَّد على شكل كائنٍ بشريٍّ ينتمي لبني آدم! وهو ما جعله يثبت لنا دائماً، وعن جدارةٍ واستحقاق، لقبه الذي لُقِّب به في الأيام الأولى لالتحاقه بالوظيفة؛ وهو لقب (دعاوي البلا)!

كيف ذلك؟ حسناً… ماذا تقولون في شابٍّ بدأ حياته بأن أصابته إبرةٌ في إحدى عينيه، فصار مقدَّراً عليه أن يعيش بقية حياته واضعاً نظاراتٍ بسمك قاع الكأس؟

وماذا تقولون في شابٍّ لم يكد يبدأ مسيرته الكروية حتى تلقى لكمةً مدمِّرةً من قبضةٍ حجرية، جعلته يعيش سنواتٍ طويلةً بسنٍّ أماميٍّ أسود تماماً، يظهر كفجوة كهفٍ عميقةٍ كلما ضحك أو قهقه؟

وماذا عن شابٍّ ما إن انضم إلى الوظيفة وجلس أمام حاسوبه حتى انفجر الحاسوب وتصاعد منه الدخان؟

وما رأيكم في شابٍّ لم يكد يتم أسابيعه الأولى في الوظيفة حتى كاد يُفصل منها لولا لطف الله؟

لم يحتج جلال إلى كثيرٍ من الوقت حتى يؤكد لنا هويته المصائبية، وصرنا نتعامل معه على أنه كارثةٌ تنتظر أن تقع! إذا تسلَّط المدير على أحدٍ بالعمل المضني تسلَّط عليه، وإذا لعب الكرة نال النصيب الأكبر من الرضوض والكدمات والإصابات، وإذا قاد السيارة ارتكب حادثة سير، وإذا سافر بها استوقفه رجال الشرطة والدرك وخرَّبوا بيته، وعندما استأجر سيارةً وسافر بها للمرة الأولى إلى الدار البيضاء، حُملت إلى الحجز بسبب توقفه في مكانٍ يُمنع التوقف فيه.
وأما عندما انطلق في مهمة عملٍ مع مجموعةٍ من الزملاء، انقلبت السيارة بهم قرب (عين الحصن)، وكان هو المتضرر الأكبر بالطبع بعد أن أصيب بكسرٍ حادٍّ في عظم الكتف!

وأما مصائبه على المستوى العاطفي؛ فتتلخص في أنه لم يلبث أن وقع في حب فتاةٍ جامعيةٍ فور قدومه إلى طنجة، ونجح في أن يجعلها تتمشى معه في البولفار عدة أيامٍ بعد أن أنفق عليها – بسخاءٍ – دريهماتٍ من بذور دوَّار الشمس (الزرِّيعة)، ليُفجع بها بعد وقتٍ قصيرٍ وهي تزدرد بشرهٍ (الحرشة والرايب) في محلبةٍ من المحلبات مع شابٍّ آخر! وكانت هذه مصيبته العاطفية الأولى التي جعلت الدنيا تسودُّ في عينه، واكتسب في أقل من دقيقةٍ واحدةٍ حكمة العمر التي تقول بأنه ما عادت هنالك ثقةٌ في البشر، ثم قرَّر أن يعاقب بقسوةٍ هذه الخائنة التي تلهث وراء المادة بأن تعلَّم تدخين السجائر وأدمن عليه!

وأما مع الأطفال الصغار فهي الكارثة العظمى، وما زلتُ أذكر لما عرَّفنا صديقٌ للمرة الأولى على ابنه الصغير البالغ من العمر ثلاث سنوات، وكيف أن الطفل أقبل علينا جميعاً ضاحكاً مستبشراً يلاعبنا ونلاعبه، ثم وما إن تناوله جلال ونظر في وجهه حتى أطلق صرخةً مدويةً وأتبعها بموجة بكاءٍ هستيرية! وكاد الطفل يموت خوفاً عندما قرب جلال شفتيه منه لتقبيله، فاضطررنا – ونحن يكاد يغمى علينا من الضحك – أن نبعده عنه ونمنعه من رؤيته، وقد اتفقنا مع ما فعله الطفل تماماً ورأينا أن انفعاله منطقيٌّ وصحيح، وعلَّمناه أن اسم ذلك البعبع المرعب هو (عمُّو بُولُولُو)!

وهكذا صارت حياة جلال عبارةً عن سلسلةٍ متواليةٍ من المصائب التي لا تنتهي، والمحاولات الفاشلة للإقلاع عن التدخين، وقد أضاف إليها قائمةً رهيبةً من الدائنين الذين سيفتكون به يوماً ما.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في إطار تحليلنا لشخصية هذا الوزاني المنحوس؛ هو هل كوارثه هذه ناتجةٌ فقط عن الابتلاء وسوء الحظ، أم أن لتصرفاته الخاصة دوراً في ما يصيبه؟
حسناً… ما توصلتُ إليه بعد المصاحبة والملازمة الطويلة لهذا الديناصور الآدمي العجيب هو أنه يستحق أكثر ما يصيبه! وذلك لأنه من القلائل الذين أثبتوا نجاحاً باهراً – أكثر من مرةٍ – في إثارة أعصابي إلى حدودها القصوى، رغم أن من أبرز ما اشتهرتُ به بين أصدقائي هو برودة الأعصاب التي يصفونني بها منذ عرفتهم وعرفوني.

والحق أني لم أعد مستغرباً كيف تلقى جلال تلك اللكمة المدمرة التي سوَّدت سنَّه، إذ لا بد أنه أثار أعصاب الذي ضربه بشكلٍ أفقده طوره، ورغم أني لا أعرف حيثيات القصة التي وقعت قبل أن أتعرف عليه بزمنٍ طويلٍ إلا أني مصرٌّ على أن من ضربه كان معه حق، وأن جلال كان يستحق ما هو أكثر!

ثم إن من المفارقات العجيبة أن تجمع صداقةٌ حميمةٌ بين كلٍّ من جلال و(سي مصطفى)، رغم أنهما على طرفي نقيضٍ تماماً في ما يتعلق بالرؤية الاقتصادية للأشياء والحياة، وكنتُ كلما نظرت إليهما جالسين معاً في Dolcy 5 إلا وأقرأ فوق رأسيهما آيةً قرآنيةً كريمة، وأرى أنهما يمثلان التجسيد الآدمي الحرفي لها:

– “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.”

فإن كان (سي مصطفى) – حسب رأينا – يجعل يده مغلولةً إلى عنقه حتى لا يخضع لابتزاز الباعة والتجار ولأن ضميره الاقتصادي يؤنبه، فإن جلال كان يحرص كل الحرص على أن يحقق أهدافه الاقتصادية الشهرية، متمثلةً في القضاء على الراتب في أسرع وقتٍ ممكنٍ مع إضافة أسماء جديدةً لقائمة الدائنين! وكل هذا تمهيداً لتحقيق الهدف الأكبر وهو الوصول لحالة (الإفلاس) التي تشكل عنده قمة السلام الروحي والتصالح مع الذات.

لقد بدا لنا ونحن نتأمل بدهشةٍ وانبهارٍ أسلوب حياة جلال أنه مصابٌ بحالة عشقٍ مزمنٍ للإفلاس وتبديد الأموال، حتى إننا قد شككنا في كونه منضماً لـ (جمعية هواة الإفلاس) لو كان هناك شيءٌ بهذا الاسم، وأما لو قام في يوم ما تيارٌ فكريٌّ متطرفٌ اسمه (حركة المفلسين الجدد) فليس عندي شكٌّ في أن جلال سيكون هو الأب الروحي لهذه الحركة، وربما يلصق أتباعها صوره مبتسماً في قمصانهم التي سيخرجون بها للمظاهرات التي يطالبون فيها بحقهم المشروع في الإفلاس!

سجائر بلا حدود، أكواب قهوةٍ لا حصر لها، مطاعم ومشروباتٌ غازية في اليوم والليلة، سيارات أجرةٍ صغيرةٌ لمسافاتٍ قصيرةٍ يمكن قطعها مشياً، ديونٌ تُدفع لأولئك الذين تجاوزوا مرحلة المطالبة بلطفٍ إلى مرحلة التعنيف والتهديد… والنتيجة إفلاسٌ تامٌّ في الأيام الأولى للشهر، وديونٌ أخرى جديدةٌ للتخلص من أخرى أقدم، ثم يصل جلال إلى سلامه النفسي المنشود؛ جيوبٌ فارغةٌ وسيجارةٌ في الفم، وقهقهاتٌ لا مباليةٌ تكشف عن سنٍّ أسود بتنا نعتقد أنه يلائمه، وأنه صار (علامةً مسجلةً) لجلال لا يجب أن تتغير يوماً، والأسوأ من هذا كله ترديده المتكرر للعبارة الوحيدة التي يعتبرها منتهى الحكمة وشعاره الدائم في الحياة:

– “إن الإنسان في حد ذاته هو عبارةٌ عن سمكة!”

وأما الطامة الكبرى فهي ذلك الإقدام الشجاع على مصاريف مهولةٍ رغم الجيوب الفارغة! فعندما لم يكن يملك ما يتناوله على العشاء كان يفكر جدياً في اقتناء شقة، وعندما لم يكن يملك ما يحلق به ذقنه همَّ بشراء سيارة، لولا أن منعناه من ذلك بالقوة في اللحظة الأخيرة!
وكنتُ قد تعقبتُ بشيءٍ من التحليل أصل المشكلة عند (دعاوي البلاء) هذا، فاكتشفتُ أنه عائدٌ لآفةٍ واحدةٍ هي: أنه يكذب الكذبة على نفسه ويصدقها!

نعم… ففي جميع خيباته الاقتصادية وصدماته المالية، كان السبب وراءها أنه يضع تقديراتٍ للأسعار كما يحب هو أن تكون، لا كما هي في الواقع، وتكون النتيجة أنه يجد نفسه متورطاً في ميزانياتٍ تفتقر تماماً إلى الدقة، وتخالف بشكلٍ كاملٍ حساباته وتوقعاته، ثم ينتهي بعد الصدمة وخيبة الأمل إلى أن يردد دائماً وأبداً عبارته الشهيرة:

– “لم يكن الشيء بهذا السعر من قبل! لقد ضاعفوا سعره!”

وما ضاعف أحدٌ سعر شيء، لكن الولد قد بنى تقديراته الخرقاء على السعر الذي كان يشتهيه ويتمناه، لا على الواقع الملموس، بمعنى أنه قد كذب على نفسه ومنَّاها، ثم صدق أمنيته وكذبته.

ثم إنه قد ورطنا كثيراً في مواقف محرجةٍ بسبب انسياقه وراء أحلامه وأمنياته، حتى تعلمنا مع مرور الوقت أنه لو قدَّر جلال بأن الميزانية المطلوبة هي مئة درهمٍ فإن الواقع هو أننا سنحتاج إلى خمسمئة، ولو بلغ تقديره إلى ألف درهمٍ فمعنى ذلك أننا سنحتاج إلى خمسة آلاف…

وأما عندما يخطط جلال للأمسية على النحو التالي:

– “سنلتقي على الساعة السادسة بفلانٍ وسيكون وحده، ثم نذهب إلى المتجر الذي لا يبعد إلا عشر دقائق لنشتري الشيء الذي لن يتجاوز سعره خمسين درهماً!”

فإن ما يحدث في الحقيقة هو أن فلاناً يتأخر ساعةً كاملة، ويأتي مع خمسةٍ آخرين وليس وحده، ثم نذهب إلى المحل الذي نكتشف أنه يبعد أكثر من نصف ساعة، لنفاجأ أن سعر الشيء هو ثلاثمئة درهم!

وكالعادة:

– “لم يكن الشيء بهذا السعر من قبل! لقد ضاعفوا سعره!”

ثم يشعل سيجارته ببساطةٍ ولا مبالاة، وينفث دخانها في الهواء وهو يترنَّم بأغنيةٍ ما ويلقي دعاباته الضاحكة، تاركاً إياي وقد صعد كل الدم في جسمي إلى رأسي، محاولاً ما أمكن كبح رغبتي الجامحة في أن أحطِّم أسنانه كلها بقبضتي، لولا أني أتذكر – في آخر لحظةٍ – بأن قواعد الحضارة – مع الأسف الشديد – صارت تمنعنا من تلبية احتياجاتنا البدائية في الشراسة والتدمير وتفريغ الغضب بهمجيةٍ ووحشية…

وقد وافقني (سي مصطفى) على القاعدة الأصولية التي توصلتُ إليها فيما يخص صديقنا المنحوس، فقد جاءني يوماً وهو يستشيط غضباً ليقول لي:

– “والله لقد تذكرتك، إن القاعدة التي أخبرتَنا بها حول جلال صحيحةٌ تماماً”

– “أية قاعدة؟”

– “أنت أخبرتني بها ذلك اليوم، هل نسيت؟ قلتَ: إن أردت أن تعرف الرأي الصواب في موضوعٍ ما، فاسأل جلال عن رأيه فيه، ثم خذ بعكسه تماماً!”

نعم، هذا هو رأيي فعلاً! لكن لا أذكر أني أخبرتُ به (سي مصطفى) من قبل، لعلي فعلتُ ونسيت، إلا أنها قاعدةٌ صحيحةٌ فعلاً وقد أثبتت لي التجربة صدقها، وقد سرَّني كثيراً أن (سي مصطفى) توصل للشيء نفسه أخيراً.

غير أن دوام الحال من المحال، والأوضاع لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه للأبد، فقد استيقظتْ في جلال فجأةً رغبةٌ في الزواج، وما هي إلا أيامٌ حتى أخبرنا أنه عزم وتوكل!

– “جلال… اسمع جيداً ما أقول، هذا زواجٌ وليس لعباً، هل أنت متأكدٌ مما أنت مقبل عليه؟ إنك لا تملك ما تقصُّ به شعرك، فمن أين تأتي بمصاريف الزواج؟”

يجيبنا وهو ينفث دخان سيجارته ليساهم في تلويث البيئة:

– “إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله… لن تكون هناك مصاريف كثيرة، لن أقيم أية حفلات، ثم إني قد حسبتُ حسابي جيداً وضبطتُ الميزانية ضبطاً تاماً.”

– “وهذا بالضبط ما يقلقني!”

– “لا تقلق… الأمر بسيطٌ والحياة جميلة، ولا شيء يستحق منا أن نتعب أنفسنا في التفكير فيه… الزوجة تأتي برزقها والأولاد يأتون بأرزاقهم، وسوف ترى!”

ثم إني فعلاً قد (رأيتُ)، ولأول مرةٍ في تاريخ البشرية يثبت جلال أنه قادرٌ على اتخاذ قرارٍ صحيحٍ يحول حياته إلى الأفضل… بمعجزةٍ ما استأجر بدلةً رسميةً وربطة عنقٍ جعلته رائعاً، واقترض ما اشترى به باقة وردٍ وأكياساً مليئةً بتلك الأشياء التي لا أعرفها والتي تؤخذ إلى الفتاة المخطوبة، وما هي إلا عشيةٌ أو ضحاها حتى صار جلال في عداد الخاطبين!

وما هي إلا فترةٌ وجيزةٌ حتى بلغنا نبأ توقيع الرجل لعقد الزواج، وكانت مسألة وقتٍ فقط حتى ينتقل – أخيراً – إلى عش الزوجية الذي كان آنذاك قيد التجهيز.

بقي أقل من عامٍ على زفاف الرجل، وكان من المثير أن نلحظ كل ذلك القدر من التغييرات الإيجابية المتسارعة في حياته… فجأةً صار الولد حنوناً محباً للآخرين، وفجأةً صار يكثر الابتعاد عنا في مجلس Dolcy 5 ليتحدث طويلاً عبر الهاتف، ثم لم يلبث أن قلَّل من جلسات Dolcy 5 حتى كاد يقلع عنها بشكلٍ نهائي!

تخلَّص من نظارته الغليظة التي يبلغ سمك زجاجها عشرة سنتيميترات، واستبدلها بزجاجٍ رقيقٍ وإطار عصريٍّ عوضاً عن الإطار السابق الذي يعود للعصر الجوراسي.

أيضاً… انتهى عصر السن الأسود البارز في مقدمة قواطعه العلوية، وقد أصلحه له طبيب الأسنان الذي جعل ابتسامته رومانسيةً جميلةً تكشف عن أسنانٍ ناصعة البياض، وهو تغييرٌ لم نحبذه كثيراً لأنه كسر تلك الصورة النمطية التي تعودنا عليها تجاه الديناصور الآدمي القادم من وزان ليجعل حياتنا جحيماً بمشاكله ونحسه المتواصل.

نجح أخيراً في الإقلاع التام عن التدخين، وكان ذلك خلال أسابيع قليلةٍ فقط لم يحتج لأكثر منها حتى يكسر آخر سيجارةٍ في حياته، هو الذي أمضى سنواتٍ طويلةً في المحاولات الفاشلة التي لم ينجح في أيٌّ منها قبل الآن.

ازداد حكمةً ورويةً في أسلوب إنفاقه للأموال، وتخلَّص من عادة التبذير التي لم يعرف غيرها طيلة حياته، ويبدو أنه أعلن انسحابه التام من (جمعية هواة الإفلاس)، وأما (حركة المفلسين الجدد) فلا شك أنها اعتبرته خائناً لمبادئ التيار وأصوله الفكرية الثابتة.

وأما الخبر الأكثر سعادةً فهو أن قائمة الدائنين عنده – وكانت مرعبةً جداً – قد تقلصت إلى حدٍّ بعيدٍ يثير الدهشة، وهو أمرٌ يتعارض منطقياً مع التكلفة المرتفعة للزواج وما يتعلق به، ولا يمكن تفسيره بأية حساباتٍ رياضيةٍ صارمة، إلا أن نسلِّم بأنه الرزق الإلهي فقط ولا شيء غيره.

الخلاصة أن كل يومٍ يقربه من الزواج كان يكتسب فيه عادةً جيدةً جديدة، ويتخلص فيه من عادةٍ سيئةٍ قديمة، ثم إنه قد رفع من الميزانية المخصصة للأناقة والملابس، فصار يحرص على اقتناء العلامات التجارية الأصلية بعد أن كان يقتني العلامات المزورة، طبعاً بعد أن يكذب على نفسه ليقنعها بأنه ظفر بساعة Rolex سعرها مئة درهم، وبسروال جينز Massimo Dutti لم يتجاوز سعره مئة وعشرين درهماً فقط!

المصيبة أنه كان يصدق كذبته التي يكذبها على نفسه كالعادة، لكن رفعه لميزانية الملابس جعلنا نراه في حللٍ جديدةٍ أنيقة، خاصةً بعد أن بدأ يميل للتخلص من الألوان الترابية الغامقة الكئيبة، مستبدلاً إياها بألوانٍ أكثر جمالاً وانفتاحاً، وقد بلغ الأمر ذروته القصوى عندما أقبل علينا ذات يومٍ مرتدياً قميصاً ورديَّ اللون!

يا لسحر الفتيات هذا! حتى جلال نفسه تحول إلى كائنٍ رومانسيٍّ له أسنانٌ ناصعة البياض ويلبس قمصاناً وردية!

– “أرأيت يا (سي مصطفى)؟ انظر إلى جلال كيف تحسنت حياته بعد أن أقبل على الزواج، انظر إليه كيف صار جميلاً أنيقاً مشرقاً، تأمل كيف لم يعد يجد الوقت الكافي لمجالستنا، حتى لم نعد نراه إلا قليلاً، متى ستفعل مثله أنت يا (سي مصطفى)؟ إلى متى ستظل تبدد أمسيات شبابك في هذا الـ Dolcy 5 مع أباريق الشاي ومطالعة وجوه الغادين والرائحين؟

هاه… لماذا لا تفعل مثله وتلتحق بركب المتزوجين؟ ولا تنس عرضنا لك المتعلق بحفل زفافك، ماذا قلت؟”

لا إجابة – طبعاً – سوى القهقهة: “قه قه قه قه قه قه!”

اضحك يا (سي مصطفى)… اضحك! لك يومٌ يا صديقي، لك يومٌ قريبٌ إن شاء الله… وأما الآن فلا فائدة ترجى منك، وخير ما أفعله الآن هو أن أبتعد عن هذين المجنونين اللذان سيقتلانني بالجلطة يوماً ما، وأنتقل إلى النديم الثالث الذي سيأخذنا معه إلى أجواء مختلفةٍ تماماً، وهي أجواءٌ عاقلةٌ رزينةٌ تستحق أن ننهي بها هذا الفصل من باب (ختامه مسك)، وسنعيشها بإذن الله مع الإنسان العاقل الوحيد في مجموعة Dolcy 5؛ أبو محمدٍ السلفي حفظه الله ورعاه…

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

07/06/2015 عند 21:57 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 3 تعليقات

.

dolcy-81-mustapha

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

* * *

(8) – النُّدَماء ~

طال هذا النص كثيراً…

وكما هي العادة، حدث ذلك عن غير قصدٍ مني ولا تعمُّد، ويبدو أن تضخُّم النصوص هذا صار ظاهرةً ملازمةً لي لا أستطيع الفكاك منها في كثيرٍ من الأحيان.

ظاهرةٌ إيجابيةٌ هي أم سلبية؟ لا أدري!

قدرةٌ على الاسترسال وتنظيم الأفكار أم إطنابٌ وترهُّلٌ وصفي؟ الله أعلم!

ما أعلمه أن في تلك المرات القليلة التي أتحول فيها أمام بعض أصدقائي إلى كائنٍ بشريٍّ مجسَّمٍ ثلاثي الأبعاد وقابلٍ للمس، يبدي أكثرهم انبهاراً بما يسمونه (النفَس الطويل في الكتابة)، ويتساءل بعضهم بحيرةٍ وهو يعلم أين تذهب أكثر ساعات اليوم عند الموظفين:

– “ولكن… متى تجد الوقت لكتابة كل هذا؟!”

حسناً… قد لا تصدقون أني أيضاً لا أعرف متى ولا كيف أكتب (كلَّ هذا)! كل ما أعرفه أني لا أستطيع الوقوف في وجه (تسونامي الحبر) عندما يقرر أن يفيض علي فجأة، لكن ما أؤمن به حقاً هو أن جميع تلك الفيضانات كان يجب أن تكون، وأن صفحات الذاكرة التي تلحُّ علي كل هذا الإلحاح لأكتبها هي مستحقةٌ للتحنيط دون شك، وأني بهذه الكتابة ألبي نداءً غامضاً يدفعني إليها دفعاً، وهو نداءٌ يتردد على مسامعي كلما تكدَّست عندي مجموعةُ ذكرياتٍ تشكل حزمةً متكاملةً لها بدايةٌ ونهاية، تنطلق من حلقةٍ أولى لتصل إلى حلقةٍ أخيرة…

ربما كان هذا شبيهاً بما وصفه أحد الكتاب بـ (الحجامة الكتابية)، وهو أمر أحب القيام به بغض النظر عن قواعد النقد الأدبي التي لا أعلم ما سيكون رأيها في نصٍّ كهذا الذي بين أيديكم، وهو شيءٌ متضخمٌ سيمتد على أكثر من مئة صفحةٍ دون أن يكون روايةً ولا قصةً متكاملة الأركان، بل هو نصٌّ وصفيٌّ يرسم لوحاتٍ ثابتة الوضع دون أن يتحرك على خط الزمن… قد يكون هذا مملاً للبعض لكن أتمنى أن يكون ممتعاً للبعض الآخر، وسيكون حسبي منه أن يرسم البسمة على شفاه بعض القراء الأفاضل، بمن فيهم أصدقائي الأعزاء الذين شاركتهم هذه الذكريات الممتعة في مقهى Dolcy 5.

لقد سار هذا النص على منهجيةٍ منظمةٍ في رسم لوحات الذاكرة، بدءاً بقصة اجتماعنا الأول في المقهى الذي استطاع أخيراً أن يرضي جميع الأذواق، فصار مستحقاً بذلك للقب (المقر)، ثم حدثتكم في صفحاتٍ موجزةٍ عن قصة الكره والمقت لهذا المقهى، والتي تحولت مع الوقت إلى حبٍّ وألفةٍ وانتماء، ثم انتقلتُ بكم لرسم لوحة (الطريق إلى المقهى) في الفصل المسمى (حبٌّ في مخبزة البريد)، لأضعكم بعد ذلك في زاوية الرؤية التي تنطلق من المقهى إلى عالمه الخارجي، وذلك في فصل (أمسياتٌ على قارعة البولفار). وبعدها انتقلنا معاً من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي للمقهى، ونزلتُ بكم إلى القبو الصامت الذي طالما كسرتْ صمتَه اجتماعاتُ (أصدقاء الألفباء).

وبعد الانتهاء من وصف (الأمكنة) انتقلتُ بكم لوصف (الأشخاص)، وقد تعرفنا معاً في الفصل السابق على النادلين الكهلين المسميين (سي احمد)، ويسرني أن أعرفكم في هذا الفصل على عينةٍ مختارةٍ من هؤلاء (الأوغاد الأعزاء) الذين جمعتنا معاً الجلسات المسائية الرائقة في مقهانا الحبيب، وإني لأنظر إليهم بعين الذاكرة وهم جالسون حولي يتبادلون الحوارات والضحكات، داخل المقهى أحياناً وخارجه أحياناً أخرى، تحت جنح الظلام بالمعاطف أحياناً وتحت ضوء الشمس بالأكمام القصيرة أحياناً أخرى.

ربما لم أخبركم قبل الآن بأن عدد أصدقاء Dolcy 5 كان كبيراً، وأن هناك آخرين بخلاف الثلاثة الذين تعودتم على أسمائهم ومواقفهم الطريفة في الفصول السابقة، وأذكر منهم على سبيل إلقاء التحية؛ هشام، وشريف، ومحمد، وياسين، وعمر، وعبد الرحيم، وغيرهم… بعضهم كان مواظباً على الحضور بشكلٍ يومي، والبعض الآخر كان يحضر أحياناً، وآخرون كانوا يحضرون نادراً، وقد قررتُ أن أتجاهل أكثرهم تفادياً للإطالة والتشويش على القارئ، لأكتفي فقط بالثلاثة الذين صرتم تعرفونهم؛ وهم سي مصطفى، وجلال، وأبو محمدٍ السلفي.

فعلى بركة الله نبدأ…

* * *

1- سي مصطفى: “فرويد الاقتصاد!”

من أين أبدأ الحديث عن (سي مصطفى)؟

إن هذا الفتى – كما قلتُ من قبل – تحفةٌ نادرةٌ تستحق التحنيط، وأما أوصافه وغرائبه فهي جديرةٌ بأن تجعلك محتاراً بأيها تبدأ… هل أبدأ بوصف حالته الجسمانية وهويته الرياضية والكروية؟ أم أبدأ بزياراته الغامضة والمريبة لمدينة سلا كل فترة؟

هل أحدثكم عن نظرياته الاقتصادية أم على موقفه المتطرف من المرأة؟

إن هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن هذا الكائن العجيب المسمى (سي مصطفى)، ولو أردت أن ألخصه لكم في بضع كلماتٍ فسأقول بأنه يشكل حالةً متقدمةً من الميزوجينية Misogyny (معاداة المرأة) التي يشوبها قدرٌ لا بأس به من البارانويا Paranoia (هُذَاء الارتياب)! وهو ما جعله أحد المناصرين الأقوياء لـ (نظرية المؤامرة). وأما الركائز الأربع التي تقوم عليها حياته فيمكنني القول بأنها كالآتي: (الرياضة والكرة – النظريات الاقتصادية – معاداة المرأة – الشاب بلال)!

يحب هو أن يصف نفسه بالعبارة البليغة التالية: “رجلٌ فقير، وقد خبَّأ كل ألعابه لليوم الذي يعود فيه صغيراً.”

حسناً… لا أدري من أي نصٍّ أدبيٍّ سرق (سي مصطفى) عبارته هذه التي يراها تنطبق عليه، وإني أترك لكم البحث فيها عن معنىً عميقٍ أو بعدٍ فلسفيٍّ ما، أما أنا فسأفهمها بشكلٍ حرفيٍّ تماماً، وسأتخيل أن في غرفة (سي مصطفى) صناديق تحتوي على مجموعة دباديب وقطاراتٍ وشاحناتٍ ومجسَّماتٍ صغيرةٍ لـ (غراندايزر) و(فولترون)، ادَّخرها عنده واحتفظ بها منتظراً أن يلعب بها من جديدٍ عندما يعود صغيراً!

على كل حال… وحتى أكون مرتب الأفكار، فإن أقرب وصفٍ يمكن أن أصف به (سي مصطفى) من الناحية الجسمانية؛ هو أنه شبيهٌ إلى حدٍّ بعيدٍ بالبوكيمون القوي المسمى (ماتشوك – Machoke)، فهو قصير القامة، صلب العضلات، وكان قد أمضى شبابه في العناية بجسمه وممارسة الرياضات المختلفة، بدءاً من (التايكواندو) ومروراً بكمال الأجسام، ثم انتهاءً بالركض الصباحي العنيف على طول الطريق الغابوي لـ (الرميلات). ولا بد أنه يشاهَد كثيراً في صباح يوم السبت ذلك الشهاب الوحيد المنطلق مهرولاً على محاذاة الشارع الطويل بجانب لافتة (السلوقية)، لا يهمه أن يوافق الأصدقاءُ على مرافقته أم لا، فهو لا يتكاسل عن الذهاب وحده في الصباح الباكر ليضيف عضلاتٍ جديدةً إلى جسمه ويروِّض أخرى قديمة. ولما بلغ الثلاثين من عمره كان قد حصل على نتيجةٍ جيدةٍ جداً، وظل متمتعاً ببنيةٍ قويةٍ ولياقةٍ عالية، وجسمٍ صخريٍّ تتكدَّس فيه العضلات الحجرية الصلبة.

غير أني حمدتُ الله تعالى على أنه توقف عن التردد على نادي كمال الأجسام، لأنه لو كان استمر فسينمو له في كتفيه ذراعان جديدان قويان، وسيتطور إلى المرحلة التالية من البوكيمون (ماتشوك)، ليتحول إلى نسخةٍ جديدةٍ من البوكيمون (ماتشامب – Machamp)!
ثم إن (سي مصطفى) لاعب كرةٍ على قدرٍ من الإجادة، وإن كنتُ ما زلتُ على رأيي الذي صارحتُه به بأن أسلوبه في اللعب هو (قوةٌ دون عقل)، وهو ما جعلني أشبِّهه دائماً بـ (وحيد القرن) أو (الكركدن)، ويذكِّرني ركضه السريع المندفع كقذيفة مدفعٍ في الملعب الأخضر بمشهدٍ من الحلقة التاسعة من مسلسل الأنيمي (القناص)، عندما كُلِّف أبطال المسلسل بإحضار (وحيد القرن المشوي) لمسؤول الاختبار الثاني من امتحان الصيادين.

حسناً… إن اندفاع (سي مصطفى) في الملعب يذكرني تماماً بطريقة ركض وحيد القرن في تلك الحلقة! وتمنيتُ أن أخبر اللاعبين بأن الوسيلة الوحيدة لإيقاف هذا الكركدنِّ هي ضربةٌ قويةٌ على الرأس، لولا أن (سي مصطفى) لم يكن يوقفه عن الركض المجنون شيءٌ إلا أن يسجل هدفاً، أو يرتطم بلاعبٍ مسكينٍ تعيس الحظ، وإلا فهو الاصطدام العنيف بجدار الملعب!
الخلاصة من هذا والنصيحة التي يمكن أن أقدمها لكل من يلعب مباراة كرةٍ ضد (سي مصطفى): إياك أن تعترض طريقه! إن مجرد مروره بجانبك على بعد مترين كافٍ ليسبب لك رضوضاً مؤلمة، وأما لو اصطدم بك فإني لا آمن عليك أن تتناثر أشلاؤك في الملعب، ولن يكذبنا الأطباء لو أخبرناهم بأن ما وقع هو حادث قطارٍ مؤلم!

وأما الجانب الثاني من جوانب شخصية (سي مصطفى) وهو ما أسميه – تلطفاً – بـ (النظريات الاقتصادية)، وإلا فلو عاد أبو عثمان الجاحظ إلى الحياة فلسوف يُسرُّ بـ (سي مصطفى) سروراً عظيماً، وسيخصص له دون شكٍّ جزءاً ثانياً من كتابه الممتع (البخلاء).
ذلك أن عند (سي مصطفى) اهتماماً مفرطاً بكل ما له علاقةٌ بالاقتصاد والمال ونظرياتهما المختلفة، بل يمكنني القول بأن الجانب الاقتصادي عند (سي مصطفى) هو البؤرة التي تتشعب منها بقية جوانب الحياة، وهو المصفاة التي يمرر عليها كل شيءٍ يُعرَض له، بحيث يكون حكمه عليه مبنياً على حقيقته الاقتصادية أولاً وقبل كل شيء.

ولقد أوصلته رؤيته الاقتصادية الحادة هذه إلى اعتبار أن كل شيءٍ أغلى مما يجب، وأن جميع الباعة نصَّابون، وأن جميع الأجور منخفضة، وهو ما جعله سوداويَّ النظرة – بشكلٍ مريعٍ – إلى الواقع والمجتمع، ساخطاً بشدة على الأوضاع، كثير الإجراء للعمليات الحسابية التي تملؤه غيظاً وحنقاً على ضعف الموارد المالية وكثرة المصاريف المستنزِفة.

وكان مما أدى إليه تعنته الاقتصادي الشديد أنه لا يكاد يشتري شيئاً ولا يشارك في نشاطٍ من الأنشطة الترفيهية، والحق أني ما زلت أتساءل مستغرباً عن المعجزة التي جعلته يشتري الثياب التي يرتديها، وقبلها معجزة بقائه حياً إلى العمر الذي وصل إليه!

إن هذا الـ (سي مصطفى) كارثةٌ اقتصاديةٌ حقيقية! إنه يصنف كل المطاعم والمقاهي ومحلات الثياب والخدمات وأماكن الترفيه والأجهزة الإلكترونية في خانةٍ واحدةٍ هي خانة (الابتزاز)، إذ كان يعتبر أن الأسعار الباهظة لكل ذلك هي ابتزازٌ صارخٌ للمواطن، يهين كرامته ويستهزئ بعقله، كل هؤلاء مبتزون نصَّابون بلا استثناء! وكرامته لا تسمح له بأن يخضع لهذا الابتزاز المقيت ويشتري من عندهم شيئاً، لذلك كان يمتنع – في إباءٍ وعزة نفسٍ – عن تبديد درهمٍ من ماله في أي شيءٍ باستثناء ما يتقرر عنده أنه ضرورةٌ لا مفر منها.

وأما الأعجب من هذا كله فهو امتلاكه لتنظيراتٍ وتقعيداتٍ جاهزةٍ ومحكمة، يبرر بها لنفسه ولغيره ما نكاد نفتك به بسببه. ولم يعد من المستغرب أن نستمع من (سي مصطفى) درساً اقتصادياً كاملاً من ربع ساعةٍ أو أكثر، حول الاقتصاد المالي و(الميكرو اقتصاد) و(الماكرو اقتصاد) والتأثير السلبي للقطاع غير الرسمي على الناتج الإجمالي الخام للدولة… الخ. ثم لنكتشف في النهاية أن هذه الفلسفة كلها كان هدفها الوحيد أن يبرر لنا أن سبب امتناعه عن إعطاء درهمٍ لحارس السيارات ليس هو البخل، بل هو ضميره الاقتصادي المتقد الذي يؤرقه، والذي لا يسمح له بدعم قطاعاتٍ سوف تتضخَّم بعيداً عن أعين الدولة التي لن تأخذ منها أية ضرائب، ثم ليؤدي ذلك إلى إفساد المؤشرات الحيوية التي ستعطي صورةً مغلوطةً عن اقتصاديات المملكة… دعك من أن حارس السيارات الذي لا يأتي ليساعدك على ركن سيارتك لكنه يظهر فقط عندما تهمُّ بالانصراف، هو حارسٌ مبتزٌّ لا يستحق أن يعطى ذلك الدرهم الذي سيجعله يتمادى أكثر!

على كل حال… أنا ما زلتُ مصراً على أن كل هذا تعقيدٌ لا فائدة منه، لكن الفتى العجيب (سي مصطفى) يثبت لي دائماً أنه مستحقٌ تماماً للَّقب الذي أطلقتُه عليه، والذي ظننتُ أنه سيغضبه لأفاجأ بأنه أُعجب به كثيراً وافتخر به! وذلك اللقب هو (فرويد الاقتصاد)، أو بعاميتنا المغربية (فرويد ديال ليكونومي)!

ثم إن (سي مصطفى) كان قد أثار فضولنا قديماً بسبب بعض أسفاره الغامضة إلى مدينة سلا، والتي كان يحيطها بهالةٍ من التكتم، حتى كدتُ أشكُّ في أنه قد انضم إلى عصابةٍ من عصابات المافيا، وأنه عما قريبٍ سيقوم باختطافنا جميعاً كرهائن ويطلب من آبائنا فدية! إلا أن الحقيقة لم تلبث أن انكشفت، وعرفنا أن الولد كان فقط (يستعين على قضاء حوائجه بالكتمان)، وتلك الحوائج كانت شراءه لسيارةٍ عتيقةٍ من سوق السيارات المستعملة في مدينة سلا.

(سي مصطفى) يشتري سيارة؟!

نعم، وصدق أو لا تصدق! ولماذا يشتريها من سلا بدلاً من طنجة؟

الجواب عن هذا واضح؛ ما دام (سي مصطفى) بالذات قد فضَّل السفر إلى سلا لشراء سيارة، فلا شك إذاً أنه قد قام بجميع العمليات الحسابية الممكنة التي تضمن له أن هذا الخيار هو أفضل ما يمكن من حيث الجدوى الاقتصادية، لا أحد يجرؤ على مناقشة (سي مصطفى) في شيءٍ كهذا.

وهنا ينبغي أن أعترف بأننا استفدنا من السيارات التي اشتراها (سي مصطفى) كثيراً، رغم أنه لم يكن يلبث أن يبيع سيارته بعد مدةٍ قصيرةٍ من شرائه لها، ثم عندما يبلغنا خبر أن (سي مصطفى) سيتغيب عن Dolcy 5 بسبب سفره إلى سلا، فإننا نعرف حتماً أن هناك سيارةً جديدةً قادمةً في الطريق، وأنه لم يذهب إلى سلا عبر القطار أو الحافلة إلا ليعود إلى طنجة بسيارته الجديدة، وهو ما كان يتحقق فعلاً في أغلب الأحيان…

إلا أن هذا التفكير العقلي المنطقي الصارم قد تسبب لصديقنا (سي مصطفى) بأعراضٍ جانبيةٍ خطيرة، أخذتْ عنده شكل معاداةٍ متطرفةٍ للمرأة ولكل ما هو أنثوي، حتى إنه قلَّ أن نأخذ مقاعدنا المسائية في Dolcy 5 إلا وينهمك الفتى في تفريغ نقمته وانزعاجه وغضبه الشديد على ما يعايشه في عمله من الأفكار والتصرفات الأنثوية، وكثيراً ما ينجح في إصابتنا بالعدوى الميزوجينية المزمنة!

والحق أن هذا الوضع منطقيٌّ تماماً ولا غبار عليه، إذ كيف سيطيق إنسانٌ يبني مواقفه وقراراته وآراءه في الحياة على منهجٍ عقليٍّ محكم، لا مجال فيه لغير المنطق الرياضي الصارم، كيف سيطيق التواءات الأنثى وانحناءاتها وتقوُّساتها الكثيرة التي لا تثبت على حال؟! إن أي قولٍ تقوله الأنثى وأي فعلٍ تفعله يسبب عطلاً في نظام التشغيل لدى (سي مصطفى)، وهو عطلٌ يكون من آثاره ردود فعلٍ فظةٌ وقاسيةٌ تجاه (اللامنطق الأنثوي) المزعج هذا، وكانت النتيجة أن تحول الفتى إلى كائنٍ كارهٍ للمرأة ومعادٍ لها، وبشكلٍ متطرفٍ أحياناً، وهو ما كان يشعرني ببعض الاطمئنان تجاه التهمة التي صارت تلاحقني أينما ذهبت، لأن هناك من هو أسوأ مني بكثير!

وكان من السخرية حقاً أني كثيراً ما حاولتُ مناصحته حول هذا الأمر، وسعيتُ في التخفيف من حدة عداوته للأنثى وقسوته عليها، فكان جوابه المعتاد لي أني ساذجٌ جداً ومفتتنٌ بسحر الأنثى الخادع، وأني لو استمررتُ على هذه الغفلة فسأقع على أمِّ رأسي، وستأتي أفعى خبيثةٌ – وكلهن كذلك – لتسحرني بجمالها وكلامها، ثم أسمح لها بدخول حياتي لتفرغ جيوبي كلها وتحول أيامي إلى جحيم، ثم لترحل بعد ذلك وتتركني وحيداً!

فألٌ رائعٌ يا (سي مصطفى)، بارك الله فيك!

أين أخواتنا (الفيمينيست) اللواتي يعتبرنني أعدى عدوٍّ للمرأة وأقسى الناس عليها؟ تعالين وانظرن! هنا رجلٌ بلغ من معاداته للمرأة أني أنا نفسي صرتُ أبدو أمامه كناشطٍ من نشطاء (الفيمينيزم)!

لا بأس… يوماً ما سيتزوج (سي مصطفى) ويخفف من حدته هذه تجاه الأنثى، وربما ينجب لنا مجموعةً من بوكيمونات (ماتشوب – Machop)! لكن متى؟ إنه ما زال يغذِّي عداوته للمرأة بالأغاني الفظة المستفزة لمطربه المفضل (الشاب بلال)، والذي يصرُّ (سي مصطفى) على أن مغني الراي الأصلع هذا مصلحٌ اجتماعيٌّ حقيقي، لأن في كلماته (معاني عميقةً) تجرِّد المرأة من هالتها المزيفة، كما أنها تصف بدقةٍ بؤسنا الاقتصادي وأوضاعنا الاجتماعية المزرية!

حقاً، الطيور على أشكالها تقع… إن لم يدمن (سي مصطفى) على أغاني (الشاب بلال) فعلى أي أغانٍ سيدمن؟

إنني أعرف جيداً هذا النوع من إدمان أغاني الراي القديمة الذي لا يزول مهما تقدم المرء في السن، بل هي أغانٍ تزداد قيمتها كلما تقادمت أكثر، وهكذا توالت علينا السنوات ونحن لا نكاد نسمع في سيارات (سي مصطفى) التي تعاقبت عليه، والتي يخوض بها حرباً شرسة ضد إسفلت الطريق، صوتاً غير البحة المتميزة للجزائري الأصلع المستفز.

– “آمين يا ربي آمين!”

– “الغربة والهم كل يوم histoire – الغربة والهم، في كل يومٍ قصة!”

– “مالك تبومبي علينا؟! – ما بك تتقافزين علينا؟!”

– “العن الشيطان!”

وكان قد جاءنا يوماً وقد اكتشف أغنيةً جديدة للشاب مامي أعجبته كثيراً، بسبب أن كلماتها معاديةٌ للأنثى بشراسة، وهي أغنية:

– “البنات هاجو صابو la liberté، حسبو كلشي ساهل مبقاش العقل!”

(البنات هجن لأنهن وجدن الحرية، يحسبن كل شيءٍ سهلاً، ما عاد هنالك عقل)!

وقد ظل (سي مصطفى) يترنم بافتتانٍ في Dolcy 5 بكلمات هذه الأغنية عدة أيام متواصلة، وقد أدلى بالتصريح الخطير التالي:

– “لم يسبق أن احترمتُ الشاب مامي قطُّ حتى سمعتُ له هذه الأغنية.”

يجب أن تتزوج في أسرع وقتٍ ممكنٍ يا (سي مصطفى)، إن حالتك صعبةٌ ولا يبدو أن لك علاجاً آخر مع الأسف!

شجعناه كثيراً على الزواج دون استجابةٍ تُذكر، وكنا نتجنب تلك العبارات المعتادة من قبيل: (متى سنأكل فقُّوصتك؟)، و(متى سنرقص في عرسك؟)، لأن مما كان مفروغاً منه أن (سي مصطفى) لن يقيم حفلة زفافٍ مهما حدث ومهما كان الأمر، لأسبابٍ اقتصاديةٍ طبعاً!

حاولنا – مازحين – أن نتحايل عليه قليلاً، وعرضنا عليه أن نتطوع نحن بإقامة حفلة زفافٍ عظيمةٍ له، على أن تكون الحفلة في قبو Dolcy 5 نفسه! ولن يكلفنا الأمر شيئاً إلا عدة سندويشاتٍ بالبيض، وزجاجات مشروباتٍ غازية، ومكبِّر صوتٍ تنبعث منه أغاني الشاب بلال التي سنرقص جميعاً على أنغامها!

هاه… ما رأيك يا (سي مصطفى)؟ حفل زفافٍ متكاملٌ لن يكلِّفنا شيئاً تقريباً، ولن يُغرق البلد في أزمةٍ اقتصادية، ماذا قلت؟ هل تتزوج؟

لا إجابة سوى القهقهة: “قه قه قه قه قه قه!”

لا بأس… اضحك يا (سي مصطفى)، اضحك!

وعلمتُ أنه – كالعادة – لا فائدة ترجى من هذا الفتى، وأن من الخير لي أن أدعه وشأنه الآن، وأنتقل إلى النديم الثاني من ندماء Dolcy 5، وهو صديقنا العزيز (جلالٌ الوزاني)…

(( يـُــتبع >> ))

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.