أوهام التعارض ~

28/07/2014 عند 19:30 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

عند بعض الناس ممن لم يفهموا بعد حقيقة هذا الدين خلط عجيب في بعض الموازنات، وقد أتاهم من ذلك تلبيس يوهمهم بوجود التعارض حيث لا تعارض، ومن ذلك قول القائل منهم: “الغرب صعد إلى القمر ونحن نهتم بأحكام الصلاة!”

فإضافة إلى أن أحكام الصلاة هي أهم فعلاً في ميزان الأولويات من الصعود إلى القمر، فإنه لا تعارض بين هذين الأمرين، كما لا تعارض بين أي حكم من أحكام الدين وشأن من شؤون الدنيا، ولا يلزم من اهتمامنا بأحد الجوانب – صغيراً كان أم كبيراً – أننا نرفض الجانب الآخر ونزدريه ونبخسه حقه، إلا أن هذا التلبيس الشيطاني يوهم الملبّٓس عليه بوجود تعارض ما، وهو غير موجود في الحقيقة، ثم تكون النتيجة بعد ذلك أن يُصرف عن الحق كله وأن يقبل على الباطل بكله.

وإليكم – حفظكم الله – مثالين اثنين عايشتهما على هذا اللون من ألوان التلبيس:

المثال الأول، أني كنت – منذ أكثر من ست سنوات – أحدث رجلاً زميلاً لي في العمل، وهو إنسان بسيط لا علم له ولا ثقافة، فجئنا على ذكر بعض الألبسة، فحدثني مفاخراً أن عنده بدلة ثمينة، اشتراها أو أهديت له – لا أذكر تحديداً -، وبالغ الرجل في وصف محاسن البدلة وتزيينها، وأنه بلغ من قيمتها عنده أنه لم يلبسها قط، وأنه لن يلبسها إلا في مناسبة ذات بال، ثم ذكر أن بدلته تلك مصنوعة من ثوب رفيع، وأن الثوب من الحرير!

فانتبهت لقوله وكنت صغيراً ساذجاً، فنبّهته بعفوية شبه طفولية إلى أن الحرير حرام على الرجال، فاستسخف كلامي وازدراه، وازدرى معه صغر سني آنذاك، وقال متهكماً: “حرام؟! أي حرام؟! من قال ذلك؟! الحرام هو أن تسرق وتخون وتكذب وتخدع الناس، وليس ثوب الحرير! وما علي إن لبسته أو لم ألبسه ما دمت لا أسرق ولا أكذب ولا أخون ولا أخدع أحداً؟!”

قلت: فانظر إلى هذا التلبيس، وإلى وهم التعارض هذا، والذي صوّر للرجل أن الإنسان إن اهتم بأحكام الحلال والحرام في أمور كاللباس وغيره، مما يسميها البعض بالقشور، فإنه ولا بد مهمل لأمور أخرى تسمى عندهم باللباب، ولست أدري كيف يتصورون شيئاً كهذا، أو ما دليلهم عليه، وهل يلزم لمن يذكّر بحرمة الحرير للرجال أنه يشجع على الكذب والسرقة والخيانة؟ وهل إذا لم يكذب الرجل ولم يسرق ولم يخون، أبيح له ما حرم الله ورسوله من الأطعمة والأشربة والألبسة؟

وهل هناك ما يمنع من أن يكون الكذب حراماً والسرقة والخيانة، وأن يكون الحرير والذهب للرجال حراماً أيضاً بلا تعارض بين الأمرين؟

ومثال ثانٍ، أني كنت أمشي في الشارع مرة مع صاحب لي، وهو علماني صِرف، فمررنا بجدار قديم مهترئ، وكان يستلقي عنده رجل بائس متشرد من أهل البلاء، ولم أر في حياتي من أهل البلاء من هو أسوأ حالاً منه، وليس في جلده لمعة سليمة من المرض والقذر، وليس في أطماره خرقة تشاكل أختها، أو قطعة سليمة من التمزق والأوساخ، وكان مضطجعاً يئن ويتلوّى، من الألم أو المرض، فلم نطق النظر إليه أكثر، وأشحنا عنه أبصارنا ورققنا لحاله، فقال صاحبي وهو يشير إليه: “أتنظر؟ هذا هو الحرام! هذا هو الحرام حقاً!”

وهو يريد بقوله هذا؛ أن هذه الأوضاع الاجتماعية المزرية، وجميع أسبابها التي تؤدي إليها من الظلم والإهمال والفساد وغير ذلك، هي الحرام حقاً في الإسلام، وليس تلك الأحكام الأخرى مما يتعلق بالحريات الشخصية وغيرها مما يتحدث عنه الناس عادة ويستفسرون بخصوصه ويستفتون.

قلت: وهذا تلبيس مشابه للتلبيس الأول، وهو ينطوي على صرف للأبصار عن كثير من أحكام الدين، وتعطيلها وازدرائها، والعمل بخلافها، بحجة أن الحرام حقاً هو الفساد والاستبداد والظلم والإهمال، وهذا عائد عندهم لـ (وهم التعارض) ذاك، والذي يصور لهم أن من اهتم بالسؤال عن تفصيلات فقهية بسيطة في الدين، هو بالضرورة ذاهل عن قضايا المجتمع الكبرى، وأن أحد الأمرين لا يتم إلا بنبذ الآخر، وأن المستفتي عن شيء يسير من الحلال والحرام هو بالضرورة داعم للفساد والظلم، وأن المهتم بقضايا المجتمع الملحة ينبغي أن يكون مترفعاً عن أحكام الفقه البسيطة، بل أن يكون مزدرياً ومحارباً لها، بحجة ذلك التعارض المتوهّم الذي لا وجود له إلا في أذهان المساكين من الملبّس عليهم.

فليت هؤلاء إذاً يتفكرون في الأمر، ويوسّعوا مداركهم ويفتحوا عقولهم وقلوبهم، ليدركوا أن أحكام الإسلام بشموليتها لجميع قضايا الإنسان والمجتمع لا تتعارض فيما بينها، وأن أحكام الدين صغيرها وكبيرها لا تتعارض مع شؤون الدنيا جميعاً، صغيرها وكبيرها، وأن التحذير من كبائر الذنوب لا يتنافى مع التحذير من صغائرها، وأن المذكّر بالحرام الصغير هو ليس غافلاً عن الحرام الكبير، فضلاً عن أن يكون مؤيداً له ومستحلاً!

والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل…

28/07/2014

قبسات من درس الحديث (1) ~

19/07/2014 عند 15:42 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

kabasat01

.

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد…

فهذه بحمد الله فوائد مقتبسةٌ من الدروس الرمضانية التي يلقيها فضيلة الشيخ مصطفى البحياوي حفظه الله، بمسجد الإمام الشاطبي بمدينة طنجة كل يوم أحدٍ طيلة الشهر الفضيل، وموضوعها شرح صحيح البخاري.

فهذه بين أيديكم فوائد من الدرس الأول لشهر رمضان المبارك لهذا العام، والذي ألقي يوم الأحد الفاتح من الشهر الكريم.

وقد قمت بتقسيم تلك الفوائد وترتيبها في أبواب بحسب الموضوع.

* * *

* كلماتٌ حول عبادة الصوم العظيمة:

– من حِكم الله تعالى في تشريعه للصوم؛ أنه يشعرك بالفقر باختيار، وتذوق به مختاراً من الجوع والعطش ما يتجرَّعه غيرك من المحرومين اضطراراً، وهو بذلك يذكِّرك بعبوديتك لله تعالى وحده، وبنعمه تعالى عليك، والتي بدونها تموت وتهلك.

– جُعل الصوم على حساب الأشهر القمرية ليُختبر في كل الأزمان، قصيرها وطويلها، شتاءً وصيفاً.

– نجعل من الصوم شمَّاعةً نعلق عليها تقصيرنا وأخطاءنا، والواجب أن يجعلنا الصوم أقوى.

– قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾، فالصوم قد شُرع لرجاء التقوى، وحروف كلمة (التقوى) هي من اشتقاق (القوة)، فالتقوى هي “قوةٌ” في الحقيقة على ترك المعاصي والذنوب، و”تقوٍّ” على ضعف النفس الأمارة بالسوء.

– ضرب الشيخ مثالاً لذلك بـ (فرامل السيارة)، فأنت إن شئت أن “تتقي” الاصطدام بشيءٍ ضغطتَ على الفرامل، ولا ينفعك ذلك إلا بـ “قوةٍ” في تلك الفرامل، قوةٍ بدنيةٍ في الضغط عليها، وقوةٍ ذهنيةٍ في تحديد زمن الضغط وأوانه.

– قال الشيخ: “الصوم تعرُّفٌ وتخفُّفٌ وتنظُّفٌ وتعفُّف.”

* * *

* كلمات حول صحيح البخاري:

– في الجامع الصحيح للإمام البخاري رحمه الله نيفٌ وتسعون كتاباً، ولا تُحفظ السنَّة إلا بتقييدها بالكتابة، وقد قيل: “السنَّة كُتُب.”

– أسرار البخاري في تراجمه، وبدائعه في نظم كتبه وأبوابه.

– نظام كتب الصحيح وأبوابه جاء على أفضل ما وُفِّق له جامعٌ للسنن، وله في منهجية ترتيب الكتب والأبواب واختيار عناوينها لطائف وعجائب.

* * *

* كلمات حول الإيمان والعمل:

– الإيمان شرطٌ لتصحيح جميع الأعمال.

– شروط صحة العمل تنقسم إلى (شروط وجوبٍ) و(شروط تكليف).

– شروط الوجوب هي مما لا حيلة للإنسان فيه، كالبلوغ مثلاً، أو كدخول وقت الصلاة، أو كإتيان شهر رمضان. وشروط التكليف هي مما أوجبه الله على عباده وكلَّفهم به، كالطهارة والوضوء، واستقبال القبلة للصلاة وغير ذلك.

– ينبغي تنزيه قبلة المصلي عما يشغله ويفتنه.

* * *

* تعليقات وفوائد من الحديث:

– نص الحديث كاملاً:

كتاب “الصلاة”:

باب “المرأة تطرح عن المصلي شيئاً من الأذى”:

(( حدثنا أحمد بن إسحاق السرماري، قال حدثنا عبيد الله بن موسى، قال حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله قال:

بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يصلي عند الكعبة وجمْعُ قريشٍ في مجالسهم، إذ قال قائلٌ منهم: “ألا تنظرون إلى هذا المرائي، أيُّكم يقوم إلى جزور آل فلانٍ فيعمد إلى فرثها ودمها وسَلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟”

فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعضٍ من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة عليها السلام وهي جويرية، فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجداً حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبُّهم.

فلما قضى الرسول صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: “اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش.”

ثم سمى: “اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي مُعْيَط، وعمارة بن الوليد.”

قال عبد الله بن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبوا إلى القليب قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وأُتْبِع أصحاب القليب لعنة.” ))

– فوائد من الحديث:

– أبو إسحاق السرماري: إمامٌ زاهدٌ عابدٌ مجاهد، من الفرسان الشجعان، نُقل عنه قوله: “لولا خوفي من أن يكون بدعةً لأمرتُ أن يُدفن سيفي معي.”

– صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كانت صلاة نفلٍ وليست صلاة فرض، وسيأتي بيان ذلك.

– (“إذ” قال قائلٌ منهم): “إذ” تُستعمل للمفاجأة، وقد تُستعمل للتعليل كقوله تعالى في سورة النساء: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ “إِذْ” ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾.

– (فيعمد إلى فرثها ودمها وسلَاها): السَّلَا: هي الجلدة التي تحيط بجنين البهيمة، ومثلها عند الآدمي يسمى “مشيمة.”

– (فانبعث أشقاهم): فُضِّل هذا المنبعث على أصحابه في الشقاء، لأنه جمع بين سوء التخطيط وسوء الفعل، فهو بذلك أكثر شراً وشقاءً ممن اكتفى بالتخطيط دون الفعل.

– مما يعظِّم جرم هؤلاء الأشقياء ويضاعفه؛ اجتراؤهم على أشرف البشر في أفضل مكانٍ في أفضل حالة! فالشخص هنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمكان هو عند الكعبة، والحالة هي الصلاة.

– (فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة عليها السلام): الأرجح أن المنطلق هو عبد الله بن مسعود نفسه، وهو راوي الحديث، وقد ذكر نفسَه بصيغة النكرة كلونٍ من ألوان التجرُّد وإنكار الذات.

– (وهي جوَيْرية): الجويرية هي الفتيَّة من النساء، الصبيَّة التي لم تبلغ، وبهذا الوصف عُرف أن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كانت صلاة نفلٍ وليست صلاة فرض، إذ الصلاة لم تُفرض بحساب السنوات إلا بعد أن بلغت فاطمة رضي الله عنها، وزال عنها بذلك وصف الجويرية.

– (اللهم عليك بقريش): بمعنى: اللهم خذهم عني، أبعدهم عني، اكفني شرَّهم، حُلْ بيني وبينهم.

– يُستحب تكرار الدعاء ثلاثاً للإلحاح.

– خاف الأشقياء من استجابة الله لدعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، لسابق اعتقادهم أن الدعاء مستجابٌ في الحرم، وليقينهم بنبوته عليه الصلاة والسلام، لأن كفرهم هو كفر جحودٍ واستكبارٍ وليس كفر إنكارٍ وتكذيب. قال الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ ﴾.

– (القليب قليب بدر): القليب: بئرٌ غير مبني، ولا ماء فيه.

– استجاب الله دعاء رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يوفَّق هؤلاء الأشقياء للهداية أبداً، وماتوا على الكفر شرَّ ميتةٍ عليهم لعنة الله.

– (وأُتبع أصحاب القليب لعنة): أُلحقت بهم لعنة الله إلى يوم القيامة، وطُردوا من رحمته.
والحمد لله رب العالمين…

13/07/2014

جهلة الإسلام ~

19/07/2014 عند 11:49 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

.

كنت قد سُئلت يوماً من طرف أحد الأفاضل، جاءني مستغرباً مستنكراً لرأيي في ما يسمى بـ (الصوفية)، وقد عز عليه أن أصفها بما وصفتها به، فسأل قائلاً: لماذا ترفض الصوفية؟!

وكان الجواب بحمد الله على النحو التالي:

اعلم رحمني الله وإياك أن الصوفية درجات ومراتب، وهي في مجملها انحراف عن السنة يبدأ بالبدعة ويتدرّج صاعداً إلى أن ينتهي بالشرك، وقد يكون هذا الانحراف قليلاً أحياناً ر يتعدى بعض البدع القولية أو العملية، وقد يكون عظيماً في أحيان أخرى حتى يصل إلى الشرك بالله وعبادة غيره ودعاء سواه، أعاذني الله وإياك وجميع المسلمين من كل ضلالة.

واعلم أخي الفاضل أن للصوفية تعريفات كثيرة، وأن أزمتها تبدأ من تعريفها اللغوي أصلاً! ولو ذكرتُ الآن تعريفاً للصوفية لجاء من ينقضه لي، ولو قال غيري تعريفاً آخر لجاء من ينقضه له، فتعريف هذه الكلمة غير منضبط لغةً واصطلاحاً، إذ هناك من يُرجع كلمة (الصوفية) إلى (أهل الصفة)، وهناك من يرجعها إلى (صفاء القلب)، وهناك من يرجعها إلى (لبس الصوف) دلالة على الزهد والتقشف، وهناك أحياناً من يواري ويدلِّس، فيقول بأن الصوفية هي مرتبة الإحسان التي تأتي بعد الإسلام والإيمان، أو بأنها تعني سلوك الطريق إلى الله عبر ولي مرشد، إلى غير ذلك من أمثال هذه التصورات التي لا دليل عليها من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، وهو ما طرحتَه علي أيها السائل الكريم: لماذا تعتبر الصوفية ضلالاً؟ ولماذا ترفضها؟ وأجيبك عن هذا السؤال – بعون الله وتوفيقه – من زاويتين: فكرية وواقعية.

* من الزاوية الفكرية:

من الأصول الثابتة عند جميع المسلمين، بما فيهم الصوفية – كما يزعمون -، أن طريق الجنة هو اتباع الوحيين، وهما الكتاب والسنة، وأن من خالف الوحيين فقد عصى وضل، وأننا لا نعبد الله إلا بالعلم، وأننا لا نعبده إلا بما شرع لنا، لا نغير ولا نبدل ولا نضيف ولا نبتدع في الدين شيئاً ليس فيه، فهل التزم الصوفية بهذا الأصل أم لم يلتزموا به؟ وهل إذا التزموا به قولاً وزعماً التزموا به فعلاً وتطبيقاً؟

إن النظر إلى الفكر الصوفي يجبرنا على الاعتقاد بأنه قائم من أساسه على الانحراف عن الكتاب والسنة، وابتداع العبادات والأذكار التي ما أنزل الله بها من سلطان، وعبادة الله على طريقة الزوايا والشيوخ، الذين يرسمون لهم الطريق من عند أنفسهم، ويعيِّنون لهم الأذكار والأوراد على غير أساس من الشرع، وكثير منهم – بل معظمهم – يزهد في علوم العقيدة والشريعة، ويرجعون إلى شيخ الطريقة فقط في كل صغيرة وكبيرة، وقد يصل بهم الانحراف إلى الاستغناء الكامل أو شبه الكامل عن الوحيين، واستبدالهما بما يسمى عندهم بـ (العلم اللدني)، أو (علم الحقيقة)، وهو ما يزعمه شيوخهم عندما يقولون (حدثني قلبي عن ربي)!

ولو أردت أن تعيدهم إلى الوحيين، وإلى العلم الشرعي لقالوا لك: “أنت جاهل قاسٍ”، ولادّعوا بأنهم تجاوزوا (علوم الشريعة) السطحية تلك، وهي عندهم (علوم العامة)، ووصلوا بتصوِّفهم إلى (علوم الحقيقة)، وهي عندهم (علوم الخاصة)، وانكشفت لهم الأستار والحجب وصار لهم مع الله أوقات وأحوال لا يسع أحداً غيرهم أن يفهمها أو أن يحتملها.

وهم يستشهدون على ضلالاتهم هذه بالروايات المكذوبة، والرؤى والأحلام، والتفسيرات الفاسدة للنصوص، ومزاعم المشاهدات في اليقظة، وإن استشهدوا بالروايات الصحيحة فسروها على أهوائهم وتعسفوا في ذلك، ولهم نفور عجيب من التحقيق العلمي لما يروونه ويستشهدون به، ولو أردتَ أن تناقش أحدهم في صحة رواية ما، ولو من الناحية التأريخية البحتة دون خلفيات، لثار في وجهك وغضب واتهمك بعظائم الأمور، ولا تستغرب من الصوفي أن يتهمك بأنك تكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو بينتَ له بأن حديثاً مروياً عنه هو حديث ضعيف أو موضوع!

فالفكر الصوفي لا يعنى بالمناهج العلمية التأصيلية، بل ينفُر منها وينفِّر، ويتجه فقط نحو الروحانيات وما من شأنه أن يرقق القلوب، حتى لو كان مبنياً على غير أساس من العلم، ولهذا فهو فكر منحرف يهيم في كل واد، ولهذا تمتلئ الصوفية بالبدع المنكرة التي لا أصل لها في الدين، ولهذا صارت الصوفية في شكلها المتطرف إلى عبادة البشر والقبور وغير ذلك من مظاهر الشرك الأكبر التي يندى لها الجبين.

وجاء من الصوفية مؤخراً من يحاول التفريق بين (التصوف السني) وخلافه، وهو (التصوف البدعي) بحسب هذا التقسيم، وهو تقسيم مرفوض عقلاً، لأن كل صوفي هو عند نفسه على الجادة، وليس هناك أي صوفي يعترف ويقر بأن ما يفعله (بدعة)! فعلى أي أساس يقوم هذا التقسيم؟

إن كان التقسيم يقوم على أساس موافقة ما عند (التصوف السني) للشريعة والسنة، فهي إذاً الشريعة والسنة!

وما فائدة التقسيم إذاً والحالة هذه؟ ولماذا محاولة إقحام كلمة (التصوف) بالقوة؟ ما كان موافقاً للسنة فهو سنة، وما كان موافقاً للشريعة فهو شريعة، فما فائدة إقحام كلمة (تصوف) وهي كلمة سيئة السمعة، مجهولة التعريف والأصل، مشبوهة شائبة؟!

ربما يقولون بأن ما يتضمنه (التصوف السني) لا يخالف في شيء مبادئ الشريعة والسنة، كالإكثار من العبادة والذكر، ورقة القلب للوحي، وسرعة الدموع إلى العينين من خشية الله، ومراقبة الله في السر والعلانية، والزهد والتقشف والإقلال من الدنيا، وبذل المال والنفس في سبيل الله، وصفاء القلب للخلق، إلى غير ذلك، هم يأخذون أمثال هذه الأمور ويلحقونها، بل يلصقونها لصقاً بالتصوف، ونقول لهم لا! كل ما ذُكر من هذه الأمور هو من صميم السنة، وهو من مراتب الإسلام العالية التي لا يبلغها إلا أولو العزم من المسلمين.

ثم إننا لا نرى شيئاً من هذه الأخلاق الرفيعة، ومراتب الإحسان العلية هذه في عموم الصوفيين في مجتمعاتنا، بل ما نراه في الواقع – غالباً – هو الإكثار من العبادات البدعية والاستهزاء بمن يتحرى طريقة السنة، ونرى منهم رقة القلب لكلام شيوخهم أكثر من رقته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خالف أهواءهم، ونرى دموعهم تفيض – إن فاضت – في الحضرات ومجالس المشيخة، وبخصوص الزهد والتقشف فصوفية اليوم هم أكثر الناس بذخاً وترفاً، ولو أردنا أن نتعمق في واقعهم ونحاكمهم ليس إلى السنة، بل إلى صوفيتهم نفسها، لوجدنا ما تحمرُّ له الوجوه خجلاً، أو غضباً!

* أما من الزاوية الواقعية:

فبعض أفعال القوم وأحوالهم ظاهرة للجميع، وقد رأيت منهم من الانحرافات – على قلَّتها – ما جعلني أفرُّ بديني وعقيدتي منهم فراري من المجذوم، مع علمي أن ما خفي أعظم، وأني لم أر إلا النزر اليسير، وقد كان كافياً لي والحمد لله، وليس كل ما يُعرف يقال…

وهم سيقولون لو سمعوا كلامي هذا – كما أعلم ذلك عنهم علم اليقين – بأني (جاهل لم أفهم)، أو بأن في قلبي شيئاً ما أو خللاً بسببه (لم يوفقني الله لسلوك طريقهم)، أو بأني (متأثر بقطَّاع الطريق إلى الله)، وهذا هو الوصف الذي سمعته من أحدهم، قاله لي بعد أن انتقدت شيئاً من ضلالات صوفيته، فبهذا الاستعلاء يعاملون الناس جميعاً ممن لم يسلك طريقهم، ويتظاهرون – ظاهراً – بالرحمة والشفقة وإرادة الخير، وأما – باطناً – في محافلهم ومجالسهم، فهم يتهمون الناس بالجهل وعدم التوفيق الإلهي، وبالتأثر بـ (قطَّاع الطريق إلى الله) كما زعموا.

وعموم أحوالهم تتمثل في أنهم يستقطبون الناس صغاراً وكباراً إلى طريقتهم، زاعمين أنها طريق الله، وأن شيخ الطريقة هو من كبار الأولياء الصالحين الذين يُتبرك بصحبتهم واتباعهم، ثم إذا انضم إليهم أحد تدرجوا معه في مناهجهم، وهم لا يكشفون كل أوراقهم للمنضمين الجدد، بل يتعاملون مع الناس على قدر عقولهم، فيعلمونهم ابتداءً عباداتهم وأورادهم البدعية، ويدرِّسونهم أساليب الغلو في المشايخ على تدرج منهم في ذلك، ويعزفون على وتر العواطف والأحاسيس القلبية الرقيقة، منها ينفذون إلى قلوب الناس ومشاعرهم وبها يستميلونهم إليهم، ولو تتبعنا أقوال شيوخهم وأحوال المريدين لوجدناها جميعاً أقوالاً عاطفية بحتة، مبنية فقط على الأحاسيس والمشاعر، وليس على العقل والشرع الذي ينبغي أن يحكم تلك المشاعر ويضبطها حتى لا تنحرف، ولما أغرقوا في المشاعر التي لا يضبطها الشرع انحرفت تلك المشاعر، وهذا هو واقعهم كما نراه وكما يراه كل من عرف القوم وخبر طريقتهم.

كما أن عدم كشف الأوراق كلها للمنضمين الجدد إلى الطرق الصوفية، فضلاً عن عامة الناس، سببه ما عندهم من الانحرافات الخطيرة التي يرفضها الشرع والعقل، ولو كشفوا أوراقهم السرية، وأزاحوا الستار عما يعتقدون به ويقولونه ويفعلونه خلف الأبواب المغلقة، لنفر منهم جميع الناس ولا انخدع بهم أحد إلا من طمس الله بصيرته، لهذا فهم لا يظهرون لعموم الناس، وللمبتدئين منهم، إلا ما هو مقبول بشكل عام في المجتمع المسلم، حتى لو اشتمل على بعض البدع هنا وهناك، حتى إذا استحكموا من ولاء المريد للشيخ والطريقة، تدرجوا معه في الغلو والانحراف، وهكذا حتى يصلوا به إلى الانحراف التام والضلال البعيد الذي لا شفاء منه إلا بتوفيق من الله تعالى.

وأكشف لكم بعضاً مما رأيته، وأقول “رأيته” وعايشته بنفسي، ولم أقرأه في كتاب من كتب (قطَّاع الطريق إلى الله)!

أخبرني أحد المنتسبين لطريقة صوفية تعتبر من أكثر الطرق اعتدالاً، بل من الطرق التي تُنسب إلى السنة! قال لي وقد انزلق لسانه ذات مرة: “لا تلم مريداً في شأن من شؤونه مع الشيخ مهما رأيته يفعل، فأنت لن تستطيع أن تفهم أحواله الروحانية لأنك لم تبلغ مقامه، لا تلمه إطلاقاً حتى ولو رأيتَه يسجد له! فأنت لا تدري أي سر من الأسرار هناك.”

وظهرت في وجهي علامات الصدمة من هذا الكلام، فلاحظها صديق لذلك المتصوف، فوضع يده على كتفه وقال له: “لا تتسرع، شيئاً فشيئاً، رويداً رويداً، أقصر عليه، لا تكثر عليه!”

وسمعتُ من أحد الصوفية يروي عن صديق له، أنه ذكر اسم الشيخ مرة، وأتبعه بعبارة (صلى الله عليه وسلم)، فضحك صديقه راضياً وقال، مازحاً مستهزئاً: “لو سمعوك لكفَّروك ولأقاموا عليك الحد!”

وسمعتُ من أحدهم، أن مما كانوا قد تعودوا على رؤيته في مجالس ذكرهم تحليق بعض المريدين في أجواء الغرفة، وأحياناً تتحول جاذبية الأرض إلى السقف، فيرتفع أحدهم حتى يصطدم به ويلتصق، وأنهم قد اشتكوا إلى شيخهم ذلك، فدعا الله أن يرفعه عنهم، فاستجاب الله له ورفعه، ولم يعد أحد يطير في الغرفة ويصطدم بالسقف أثناء جلسة الذكر!

وسمعتُ من بعضهم، إيمانهم الجازم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرى يقظة، وأنه صلى الله عليه وسلم يغشى مجالسهم، ويدخل عليهم ويجالسهم، ويكلمهم ويكلمونه، ويقرُّهم على ما يفعلون، ويشير عليهم ويوجههم!

وكنتُ قد حضرت يوماً مجلساً من مجالسهم، وكان قد جاء لزيارتهم فيه مريد من مدينة أخرى، وبدأ يروي لهم تفاصل رباط من رباطاتهم، وكان مما ذكره أن الرباط كان مباركاً، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حضر فيه، وأنه “ما من شيء قد ذُكر أو فُعل في ذلك الرباط إلا وقد تلقَّاه المشرف عليه من فيِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم”، كذا قال بهذه العبارة التي أذكرها بحرفها دون زيادة ولا نقصان.

فحسبك هذا وهناك مزيد ومزيد، واعلم أن من أنكر عليهم مثل هذا الفساد في الاعتقاد والسلوك، اتهموه بأنه إما يكره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أنه يشكك في القدرة الإلهية، وإما أنه جاهل مسكين، وإما أنه عليل القلب، لم يوفقه الله تعالى إلى ما عندهم من خير، وكره انبعاثه فثبَّطه، ولم يرد له أن يكون في موكب السالكين إلى الله!

وعلى العموم، فإن من الخصائص الثابتة في جميع من رأيت من الصوفيين أو المتصوفين أو حتى المتعاطفين معهم: الجهل بالدين، واتباع المشاعر والعواطف والأهواء، وضعف المناعة العقائدية، والانخداع بالمظاهر، والوقيعة في أهل الأثر، والنفور الشديد من علوم العقيدة والحديث، وعدم الاكتراث بأصل العبادات وهل هي سنية أم بدعية، والإيمان بالأوهام والخرافات، والغلو في الشيوخ والأولياء، وعدم عنايتهم بالتحقيق العلمي للأحاديث والروايات، ونفورهم وتنفيرهم ممن يدعو إلى ذلك.

ثم إن لهم جلَداً وصبراً على العبادات، شرط أن تكون موافقة للطريقة، وأما في عموم أحوالهم فعباداتهم غير منضبطة، وهم متساهلون جداً في المعاصي، ويسخرون ممن يحذر منها، ويتهمون أهل التحقيق بالتشدد والغلو، وهم يتعصبون لشيوخهم تعصباً شديداً، بل وربما يخالفون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خالف حديث شيوخهم، فيقدِّمون كلام الشيخ على كلام الرسول، وهم يدَّعون الأحوال والمقامات، ويتذرعون بها للتساهل في بعض المعاصي، وكأن لهم بتلك الأحوال المزعومة عهداً مع الله!

ولبعضهم فضائح أخلاقية يستحى من ذكرها، وهم يبررون لبعضهم البعض تلك الفضائح، ويقولون لغيرهم ممن ينكر عليهم: “هذا من أمور الخاصة، وأنتم العامة لا تفهمون مثل هذه الأمور!”

وبعضهم ينتهي به الأمر إلى أن يصير رقاصاً شطاحاً! يقفز في حضرة شيخه ويغمى عليه من الولع والشوق – زعموا -! وهم يذكرون الله بالغناء والموسيقى، ويبالغون في إطراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمداح الغالية المغالية فيه، وقد نهانا عن ذلك صلى الله عليه وسلم، ولو أردنا أن نعدد شطحاتهم وانحرافاتهم – العقائدية والسلوكية – قديماً وحديثاً لاحتاج ذلك إلى مجلدات طويلة…

ثم يأتي الآن بعض الأشخاص ليحاولوا الدفاع عن الصوفية ودفع التهم عنها، فيتبرؤون من الشطحات، ويقولون بأن كبار العارفين أنفسهم يتبرؤون منها، وأنها ليست من الصوفية ولا من الدين، وربما يستشهدون باقتباسات وأقوال لبعض العلماء المشهود لهم من السلف والخلف في تزكية التصوف وبعض أعلامه.

ولهؤلاء أقول: لماذا هذا الدفاع؟ وما الفائدة؟ وبعبارة أوضح: ما المطلوب منا بالضبط؟

إن كنتم تريدون القول بأن الصوفية الحقيقية لا تخالف السنة في شيء، فهي نفسها السنة إذاً! ولا داعي لتسميتها بالصوفية أصلاً لأن هذه الكلمة مشبوهة شائبة، وهذا ما أدين الله به، التجرد من قوالب المصطلحات الموهمة، وهذا ما أقوم به حتى مع مصطلح (السلفية) نفسه، فكيف بالصوفية؟!

أقول: لا تهمني المصطلحات والتسميات، سؤالي الوحيد هو: هل يوافق ما تدعون إليه الكتاب والسنة؟ إن كان الجواب نعم فأنعم وأكرم، حتى لو كان الصوفية هم من يدعون إليه ويقومون به، وإن كان الجواب لا، فلا! ولا كرامة.

وبناء على كل ما سبق، فموقفي من كل صوفي هو: إلام تدعو؟

فإن كان جوابه موافقاً للشريعة فإني أوافقه، وإن كان مخالفاً لها فلا، ولا تهمني التسميات والمصطلحات، مع رفضي الأصلي لكلمة (الصوفية) تماماً كما أتحفظ على كلمة (السلفية)، لأنها جميعاً كلمات فضفاضة لم نعد نستطيع ضبطها ولا تحديد مفاهيمها بدقة.

الحق لا يعرف بالرجال، بل الرجال هم من يُعرفون بالحق… اعرف الحق تعرف أهله!

أدعو الله أن يهدينا وإياهم وجميع المسلمين، وأن يبصِّرنا طريق الحق وأن يثبتنا عليها، وأن يعيذنا جميعاً من الشرك والبدع والضلالات كلها، إنه ولي ذلك والقادر عليه…

09/03/2014

محجبات ومتبرجات ~

19/07/2014 عند 00:51 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

جاء في سؤال تلقيته من أحد الأفاضل أو إحدى الفضليات ما يلي:

“كيف تنظر إلى المرأة المحجبة وغير المحجبة؟”

وكان الجواب بحمد الله كالآتي:

كنت أجبت سابقاً منذ قريب، عن سؤال قريب ذي صلة، حول (رأيي غي الفتاة التي تضع صورتها على الفيسبوك)، وكنت قد بنيت إجابتي عليه على التفريق بين أمرين مهمين هما رأيي في (وضع الفتاة لصورتها على الفيسبوك)، ورأيي في (الفتاة التي تضع صورتها على الفيسبوك).

فعلي هذا الهيكل سأبني إجابتي عن سؤالك هذا، وعلى منواله سأنسج، مفرقاً بذلك بين مبدأ (الحجاب) كحكم شرعي متعلق بالمرأة، وبين رأيي في الفتاة المحجبة وغير المحجبة.

* * *

مما لا يُختلف فيه بحال من الأحوال أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة، وأن له شروطاً وأحكاماً متعلقة به، وأن ضد الحجاب هو (التبرج)، وهو من مظاهر الجاهلية الأولى كما أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز، فكل من ليست محجبة هي (متبرجة)، وهي مرتكبة بتبرجها مخالفة عظيمة لتعاليم دينها التي ستُسأل عنها أمام الله.

ونظرتي إلى غير المحجبات، أعني المتبرجات، هي ليست نظرة عامة تشملهن جميعاً، فلا أسوي بينهن، بل تختلف النظرة باختلاف حال المتبرجة، ولمزيد من التوضيح أقول بأن غير المحجبات يختلفن عن بعضهن البعض اختلافاً بيناً، ذلك الاختلاف هو من حيث الشكل ومن حيث المضمون، على النحو التالي:

* من حيث الشكل: هناك تفاوت واضح بين غير المحجبات في حدة التبرج ودرجته، فليست التي تكشف عن شعرها مع احتفاظها بلباس فضفاض ساتر – في عمومه – لمعظم البدن كمن تكشف عن معظم بدنها ولا تستر منه إلا القليل! فهناك تفاوت واضح في (الشكل) بينهن، وهو تفاوت لا يُنكر بل يؤخذ بعين الاعتبار دون شك.

* من حيث المضمون: وهو الأهم، وهو ما يتعلق بسبب التبرج ودافعه، فهناك من المتبرجات من هن كذلك بدافع العادة أو الغفلة أو الجهل، مع إقرارٍ منهن بالخطأ واعتراف بالذنب، ثم إنهن يعبِّرن عن رغبتهن في الاهتداء والتحجب في وقت لاحق، ويعبِّرن أيضاً عن حبهن للدين واستغفارهن الله وطلبهن الهداية منه… إلا أنها شهوة النفس والغفلة أو غلبة العادة أو الانسحاق تحت ضغط المجتمع هو ما أوقعهن في هذا الإثم.

وهناك منهن – وهذا صنف آخر مختلف رغم التشابه في الشكل – من يتبرجن (عن سبق إصرار وترصد)، ويكون تبرجهن ضرباً من (اتخاذ الموقف النضالي) ضد ما يعتبرنه تقاليد وموروثات بالية، وربما ضد ما يعتبرنه أحكاماً دينية خاطئة تظلم المرأة بسبب سوء فهم الشيوخ لها، أو عداوتهم المتوهَّمة للمرأة، أو غير ذلك من شبهاتهن، فهذا الصنف يتبرج عمداً، ويدافع عن تبرجه، ويدعو إليه ويروج له، ويسعى في نشره وإشاعته، وربما حارب الحجاب بضراوة وهاجم المحجبات هجوماً شرساً.

وأسباب انتشار التبرج في الفتيات المسلمات، في عصرنا هذا، تنقسم برأيي إلى قسمين: أسباب نفسية وأسباب فكرية.

* الأسباب النفسية: هي ما يتعلق بشهوات النفس، والغفلة، والرغبة في التزين والظهور بمظهر جميل، والرغبة في منافسة الصديقات، أو اجتذاب الشباب لأسباب مختلفة، أو الرغبة في مجانبة فئة المحجبات حتى لا يُصنفن منهن، لا سيما في مجتمع ينظر نظرة سلبية جداً للمحجبات بسبب الأفعال المشينة والمخزية لبعضهن، أو غير ذلك من الأسباب المرتبطة فقط بالحالة النفسية للفتاة، دون أن تكون لديها خلفيات فكرية تجعل من تبرجها (موقفاً) مبنياً على أساس فكري معين.

* الأسباب الفكرية: وهي كثيرة أذكر منها:

– الجهل بالدين، والجهل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أُخذت منها الأحكام الشرعية المتعلقة بالحجاب، والجهل كذلك بأحاديث الوعيد الشديد للمتبرجات.

– التأثر بحركة التشكيك في الحديث والسنة، وهي حركة فكرية يقودها من يقودها من المعتزلة الجدد والعقلانيين وغيرهم من أهل الضلالة، ومن مقتضيات هذا الفكر وآثاره إشاعة ظاهرة (التشكيك في الحديث النبوي)، وذلك التشكيك ينتهي عادة إلى إسقاط الحديث وازدرائه وعدم العمل به، ومن آثار هذا المنهج على الفتيات – وهن يتأثرن به دون شعور – أن تعظ الواحدة منهن بحديث نبوي حول أهمية الحجاب، أو حول العقوبات الشديدة التي توعد الله بها المتبرجات من النساء، فتقول لك – باستخفاف واضح -: “وما أدراني أن هذا الحديث صحيح؟ ربما كان ضعيفاً أو موضوعاً!”

فإذا قلت لها: “لكن العلماء صححوه!” قالت لك: “وما شأني بالعلماء؟ وهل هم ملائكة؟ ربما ضعفه غيرهم! أنا لن أعمل إلا بشيء أنزله الله صريحاً في القرآن!”

فإذا جئت لها بالآية من القرآن قالت لك: “هذا فهمك أنت للآية، لكنني أفهمها بشكل مغاير!”

فإذا قلت لها: “تعالي ننظر إلى تفاسير الآية عند جميع العلماء والمفسرين” قالت لك: “وما شأني بالمفسرين؟ وهل هم ملائكة؟”

وهكذا… لا تستطيع إمساكها بشيء، ويظل الدوران في حلقة مفرغة آخرها أولها، وتظل الفتاة تمارس نفس ذلك الهروب البهلواني المعروف، وكل هذا بسبب التأثر بحركة التشكيك في الحديث والسنة، والجهل بقيمة العلوم الشرعية وقدرها، وتلك المناهج الصارمة القاسية، والجهود العظيمة التي بُذلت لتصحيح الأحاديث والآثار واستنباط الأحكام منها.

– انتشار ظاهرة “الإرجاء”، وهو مذهب فكري كثير الانتشار عند العوام دون أن يعرفوا اسمه ولا معناه! لكنهم يكررون عباراته ويعملون بمقتضياته، ومن مقتضياته فصل الإيمان عن العمل، ويترتب عن ذلك – عند بعض المتبرجات – ترديدهن الدائم لعبارة (الإيمان في القلب وليس في الثوب الواسع وغطاء الرأس)! ثم يتكون عندهن تصور أنه بمجرد إيمانهن بأن الله موجود فإنهن قد استحققن رحمته والنجاة من عذابه! وأما مسائل الأعمال والعبادات فضلاً عن أحكام الحجاب فهي عندهن مجرد زيادات دخيلة لا معنى لها، وتجد الواحدة منهن تقول لك – وهي مقيمة على تبرجها -: “أنا مؤمنة والحمد لله وأعرف علاقتي بيني وبين ربي، وأعرف أنه سيغفر لي لأن قلبي أبيض ولا أحقد على أحد!”

ويشار إلى أن انتشار فكر “الإرجاء” هذا بين المسلمين هو السبب الحقيقي وراء ترك الواجبات وأحكام الدين والاستهانة بالمعاصي والاجتراء على الآثام كلها، والمخرج من هذا كله عبارة (الإيمان في القلب)، أو (إن الله غفور رحيم)، أو (أنا رغم ذلك لا أفعل شيئاً وقلبي أبيض خال من الحقد وغيري يفعل ما هو أسوأ مني بكثير، لذلك أعرف أن الله سيغفر لي!)

فهذا إذاً توصيف واقعي لأسباب انتشار التبرج وعقلية المتبرجات وطريقة تفكيرهن…

* * *

وأما المحجبات، أو من يُحسبن على الحجاب بسبب تغطيتهن للرأس، والحق أن تغطية الرأس وحدها لا تكفي لتكون حجاباً، فهن أيضاً ينقسمن إلى أقسام، ويختلفن عن بعضهن البعض شكلاً ومضموناً.

* من حيث الشكل: هناك تفاوت واضح بين المحسوبات على الحجاب، فليست المرتدية للنقاب، أو للثوب الفضفاض الساتر، كالمكتفية بتغطية الشعر فقط، مع لباس ضيق أو كاشف أو مبالغ في تزيينه وبهرجته.

* من حيث المضمون: وهو ما يرتبط بدافع التحجب وسببه، وهن أيضاً يختلفن في ذلك ويتفاوتن، فمنهن من تتحجب التزاماً لأمر ربها، واقتناعاً بفرضية الحجاب، وقد تبالغ في تحجبها وتسترها أو تتساهل فيه غفلة أو تأولاً، لكن الأمر المؤكد أنها تتحجب امتثالاً لأمر ربها وطاعة له ورجاءً لثوابه وخوفاً من عقابه.

ومنهن من تتحجب فقط بسبب جريان العادة، وشيوع الحجاب في محيطها، أو لاجتذاب نوعية الشباب الذين يستهويهم حجاب الفتيات الساتر، أو انتشار النظرة الدونية لغير المحجبات في ذلك المحيط، أو تهرباً من المضايقات والمعاكسات التي تتعرض لها المتبرجات أكثر – نسبياً – من المحجبات، أو بسبب ضغط الأهل وأوامر الأب أو الزوج، مع بقاء الفتاة محتفظة في قرارة نفسها بعدم اقتناعها بذلك الحجاب، بل وتمنيها أن تنزعه وتتركه، لكنها لا تتحجب إلا مضطرة كارهة، ولولا تلك الضغوط المذكورة لنزعت غطاء الرأس ولرمت به بعيداً، ولتبرجت بلا حدود.

فيقال للفتيات اللواتي اخترن أن يتحجبن عن رضا واقتناع، وأخص بالذكر المنتقبات وذوات الثوب الفضفاض السابغ: إنكن بهذه الهيئة التي اخترتن لأنفسكن تمثلن الإسلام في عيون المسلمين وغيرهم، وأنتن بذلك تضعن أنفسكن تحت المجهر، وتصرفاتكن وأفعالكن تصير مراقبة بعناية، وهناك متربصون كثر، ومتعقبون لكل صغيرة كبيرة من المنافقين والمرجفين، وهم مستعدون لالتقاط أبسط أخطائكن ووضعها تحت المجهر، ثم تضخيمها وإشاعتها لتشويه صورتكن، وصورة النقاب أو الحجاب، ثم صورة الإسلام ككل، فانتبهن لذلك انتباهاً شديداً، وكنَّ على قدر مسؤولية هذا اللباس الذي تتزيّين به…

* * *

وختاماً نأتي للإجابة المباشرة عن سؤالك، وهو حول نظرتي للمحجبة وغير المحجبة، وقد سبق ذكر أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة، وأن تركها له إثم عظيم، وعودة إلى تبرج الجاهلية الأولى، وفي ذلك آيات وأحاديث كثيرة تتضمن الوعيد الشديد للمتبرجات، نسأل الله تعالى لنا ولهن الهداية والثبات.

وعليه فإن ما أعتقده أن على كل فتاة أن تلتزم بأمر ربها، وأن تلزم حجابها الشرعي بشروطه المعروفة…

على أني لا أعتبر – إطلاقاً – أن مجرد الحجاب هو دليل تفاضل بين النساء، وأن كل محجبة هي أفضل من كل متبرجة! أو أن كل منقبة هي أفضل من كل محجبة.

لا! بل إن الحجاب هو جزء من كل، والإنسان يُنظر له في مجموعه، فكم من فتاة متبرجة غافلة عن الحجاب، وهي في غير هذه المسألة ذات أخلاق حسنة ومواقف مشرفة، وذات حسنات كثيرة وصفات طيبة، وكم من فتاة محجبة بل ومنقبة، وهي مع ذلك لم تترك شيئاً من مفاسد الأخلاق ومخازي الأفعال إلا واتصفت به!

فلا يصح بحال من الأحوال أن نطلق الأحكام التفضيلية على النساء اعتماداً فقط على نسبتهن من الحجاب، فهذه رؤية سطحية متعسفة جائرة، ولا يصح أيضاً أن نميع الحكم الشرعي، وأن نهوّن من أهمية الحجاب وفرضيته، أو أن نقرّ المتبرجات على تبرّجهن لأي سبب من الأسباب، والأصل في كل الأمور التوسط والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه دون ظلم ولا تزيّد ولا انتقاص.

الحجاب فرض على المرأة المسلمة، وغير المحجبة متبرجة، وهي آثمة بتركها للحجاب، وقد تكون لها حسنات أخرى، وليست كل محجبة أفضل من كل متبرجة، وقد يكون في هذه الأخيرة من الآثام والمفاسد بأنواعها أكثر مما في الأولى، وقد يكون العكس، وهكذا…

أسأل الله أن يهدينا ويهديهن جميعاً إلى الخير، وأن يغفر لنا ولهن وأن يتجاوز عنا وعنهن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

14/07/2014

خط الانطلاق ~

18/07/2014 عند 20:45 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

آيتان من كتاب الله العظيم، لا يسع مسلماً يبحث عن (خط الانطلاق) أو (بداية الطريق) إلا أن يضعهما نصب عينيه دائماً، وأن يظل منهما على ذُكر أبداً، فمنهما خط الانطلاق الأول على سبيل النور…

الآية الأولى هي قوله عز من قائل: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.”

والثانية قوله تعالى: “إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.”

الآية الأولى تعرّفك بغاية خلقك، وهو أن تحقق عبوديتك لله وحده، ولا يتم ذلك إلا بأن تجرّد الاعتقاد والقول والفعل والترك لله تعالى، وحده لا شريك له، لا ترجو غيره ولا تخاف سواه، فإذا حققت هذا المعنى كنت (حراً) بأفضل ما يمكن أن تعنيه كلمة (الحرية)، حراً تتعامل مع الله وحده، تاركاً لأهواء الخلائق معرضاً عنها، لا يضرك من خذلك، متيقناً من أن ما من أحد أو شيء يملك لك نفعاً ولا ضراً إلا بشيء قد كتبه الله لك أو عليك…

والآية الثانية تنبهك لأخطر ما يمكن أن تقع فيه ويودي بك، وهو أعظم الذنوب التي لا يغفرها الله لمن مات عليها دون توبة، ويغفر كل ما عداها إن شاء برحمته التي وسعت كل شيء، وهو الشرك به تعالى، وعبادة غيره معه أو من دونه، والشرك هو ضد التوحيد، فإذا نبذت الشرك حققت التوحيد، وإذا حققت التوحيد فزت وأفلحت.

فكن من هذا – أبداً – على ذُكر، وأقبل على شأنك، واعلم ما هو الشرك لتتجنبه، وفرّ منه فرارك من نار جهنم، وبالغ في الاحتياط لدينك منه، وتجنب كل وسائله من دقيق تلك الوسائل وجليلها، وابتعد عن كل شبهة قد تؤدي إليه أو إلى شيء منه قليل أو كثير…

العبودية، التوحيد، الشرك…

هي كلمات ثلاث مفتاحية، وجميعها يشير إلى خط الانطلاق الصحيح الذي أخبرنا به ربنا عز وجل، فإذا استحضر المسلم هذه المعاني كان مسوياً لقدميه على ذلك الخط، حتى إذا انطلق ماشياً كان على صراط مستقيم لا انثناء فيه، ولا تصرفه عنه كثرة السبل المعوجة عن يمينه وعن شماله، وإن زُخرفت له بالقول…

11/07/2014

حضارة إسلامية ~

06/07/2014 عند 15:20 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | 2 تعليقان

.

سألني سائل منذ بضعة أيام عن مسألة ما يسمى بـ (الحضارة الإسلامية)، وعرض شبهة ينشرها من ينشرها ممن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، مفادها أنه لم تكن هناك قط حضارة إسلامية، وأن ما كان مما يُنسب إليها إنما هو عائد في أصوله التاريخية إلى حضارات قديمة سابقة لدين الإسلام بقرون عديدة.

بدايةً، ينبغي الإشارة إلى أن هذا اللون من ألوان الشبهات عائد بالأساس إلى آفة فكرية منتشرة، وهي (تضخيم الجزء وجعله كلاً)، أو (تضخيم الوسيلة وجعلها غاية)، ومرد كل هذا إلى الغفلة عن حقيقة رسالة هذا الدين وما جاء به.

قبل الإجابة عن سؤال هذا السائل، ينبغي أن نتفق أولاً على أننا نتحدث عن الشيء نفسه عندما نذكر كلمة (الحضارة)، فما المقصود بها عند من ينكر وجود (حضارة إسلامية)؟ وما المقصود بها عند من يقر بوجودها ويستميت في الدفاع عنها؟

كلمة (الحضارة) تُستعمل – كما هو معروف – لأداء معنيين مختلفين، أحدهما مادي والآخر إنساني، الأول متعلق بالبناء والعمران وتنظيم شؤون الحياة والمجتمع، والثاني متعلق بسلوك الإنسان وأخلاقه، فإذا تصرف الإنسان على نحو حسن قلنا (هذا إنسان متحضر)، وإذا أساء التصرف قلنا (إنسان غير متحضر).

ومسألة (إنكار الحضارة الإسلامية) هذه شبهة يبثها من يبثها في عقول المسلمين، يريدون إقناعهم أن الإسلام دين مفصول عن حياة الناس، وأنه لم تقم قائمة للحضارة الإسلامية قط، وما هو موجود الآن من الآثار والأطلال إنما كان في زمن ولى وانقضى، وكله مأخوذ أصلاً من حضارات سابقة للإسلام!

هذا النوع من الخطاب التشكيكي المغرض، والخبيث حقيقةً، يتضمن في طياته حرباً نفسية على المسلمين واستفزازاً لمشاعرهم، ونرى أنه ينجح إلى حد بعيد في تحقيق أهدافه عند بعض الضعفاء والجهلة المهزومين، والذين ينتهي بهم الأمر إلى الارتماء في أحضان الماضي البعيد والبحث عن الأطلال الإسلامية، ثم بذل المجهودات المضنية لاستعراض تلك الآثار على الشرق والغرب، مع محاولات متباكية لإثبات أن المسلمين هم أول من اكتشف الظاهرة الفلانية وأول من صنع واخترع الأداة الفلانية، وأنهم أصل العلوم التجريبية والحضارات الحديثة!

وهذا في مجمله أمر حسن إن صدر بنية بيان الحقائق وكشف الشبهات، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتعريف المسلمين بتاريخ علمائهم الذين برعوا في كل المجالات، لكن الطريقة التي يسلكها البعض في هذا الشأن تنبي عن وجود خلل عظيم في فهمهم لرسالة الإسلام، وأيضاً عن انهزام روحي داخلي متغلغل في أعماقهم.

بل ربما ينتهي بعضهم إلى الارتماء فعلاً في هوى الحضارة الغربية، والتنكر لدينه وتوجيه فوهة المسدس نحوه! وما ذاك إلا لما ابتلوا به من التعلق بالدنيا، واعتبارهم أن مقياس التقدم الإنساني محصور فقط في ذلك العلم الدنيوي الظاهر، حتى أن الواحد منهم يتنكر لدينه وعقيدته من أجل زر يُضغط عليه أو اختراع عبقري، أو بناية شاهقة أو وسيلة حديثة من وسائل الراحة، أو باب يُفتح تلقائياً أو شاشة لمس أو نظام ذكي! وما بهذا جاء الإسلام لو كانوا يعلمون…

إن رسالة الإسلام جاءت لنقل الإنسان من عبودية الإنسان أو الأوثان إلى عبودية الله وحده لا شريك له، أي أنها جاءت بالتوحيد، وهو الغاية، وكل ما وراء ذلك إنما هو نابع من ذلك التوحيد ومتفرع عنه، وهو وسيلة إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما بُعث بانياً ولا صانعاً ولا مهندساً معمارياً، لكنه نبي ورسول جاء ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده، فهذه هي نقطة الانطلاق، ومن هذا المنطلق ينبغي أن نبني أفهامنا وتصوراتنا وتقييماتنا لكل الأمور.

هي عقيدة التوحيد أولاً، ومعرفة غاية وجود الإنسان على هذه الأرض واستخلافه فيها، وهي العبودية لله وحده، والتي على أساسها تبنى الشريعة الموحى بها من عند الله تعالى، وشريعة الإسلام متميزة بشموليتها لكافة نواحي الحياة البشرية، ومن شأنها أن تنظم كل أمور الحياة والمجتمع، وهي إلى جانب كل ذلك متضمنة لمنظومة أخلاقية رفيعة متكاملة، ومجموع هذا كله، هو ما يمكن أن نسميه – إن شئت – بـ (الحضارة الإسلامية).

وهي خلاف ما يتصوره بعض المسلمين ممن تغلب عليهم الأهواء والرؤى المادية، والذين وقع عندهم تضخيم لبعض أجزاء الدين حتى جعلوها الدين كله! فلا تصور عندهم للدين إلا تجلياته الحضارية في العمران والبناء وتسهيلات الحياة، بل هناك منهم من يقدم أمثال هذه الأمور حتى على تصحيح العقائد والعبادات! وهذا سوء فهم منهم لرسالة الإسلام، وانهزام روحي أمام سطوة المادة وزخارفها المبهرة، واختلال عظيم في ترتيب الأولويات، والتفريق بين الغايات والوسائل.

بل هذه أمور تقدر بقدرها وتعطى حجمها الحقيقي دون تضخيم ولا مبالغة، والإسلام لا يرفضها جملة، بل إن ديننا يدعونا إلى البحث والتأمل والعلم والصناعة، ولما كان كل ذلك مبنياً على التوحيد والعبودية، فهو إذاً يخدم الإنسان في صميم حاجاته الحقيقية القائمة على علاقته مع ربه، والتي تنفعه في دنياه وآخرته معاً.

وعليه فإن الإسلام لا يرفض الأخذ بأسباب التحضر والقوة ووسائل الراحة، بما في ذلك الاختراعات الحديثة أياً كان صانعها، مسلماً أم كافراً، لكن ذلك ليس على إطلاقه، بل مشروط بموافقته لأحكام الدين، والتي هي أولاً وآخراً في صالح الإنسان، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته.

فليس من الصواب إذاً أن نتصور بأن على الإسلام أن تكون له (حضارة) بتلك المقاييس المادية المعروفة، وأن نبحث في الأطلال عن أصول تلك الأطلال، ثم نعيدها إلى منابعها الأولى عند البابليين والآشوريين وغيرهم، ثم نقول بأن الإسلام لا حضارة له! بل هذه علوم مادية مرتبطة بالعقل الإنساني المجرد، وهي تتطور على مر العصور، وهي ليست أولوية في دين الإسلام، وليست غاية، بل هي وسيلة تساعد على تحقيق غاية المسلم من وجوده على الأرض، وهي عبادته لله تعالى والتزامه بشريعته طمعاً في رضاه وخوفاً من عذابه.

ثم إن جوهر الحضارة ولبَّها موجود في الأخلاق الإنسانية أولاً وآخراً، وليس في الصناعات المادية، وسأضرب لك مثالاً بسيطاً:

لو أن رجلين مسلمين التقيا في فلاة من الأرض، أو في صحراء قاحلة، أو في قرية بائسة من قرى الجبل، فسلما على بعضهما البعض وابتسما، ثم تناصحا ودل أحدهما الآخر على الخير، ثم تبادلا تقديم المساعدة، ثم توضآ وصليا ركعتين معاً! إن هذا المشهد المتصور هو عندي تجسيد حقيقي لصميم ما يمكن أن نسميه إن شئت (الحضارة الإسلامية)، وهي كما ترى ليست مرتبطة بالمكان والزمان أو مستوى التقدم المادي، بقدر ما هي مرتبطة بروح الإنسان وأخلاقه.

ولو أنه كانت هناك في واحدة من أكثر الدول الكافرة تقدماً، بناية ضخمة أو ناطحة سحاب، بُنيت على أعلى ما توصل إليه العلم الحديث من أساليب البناء والأنظمة الذكية، والأجهزة الكهربائية والكاميرات وغير ذلك، ثم في تلك البناية الفارهة يُشرب الخمر، ويُرتكب الزنا، ويؤتى بالكفر والكبائر والمحرمات كلها، فهذه إذاً جاهلية وهمجية، وهي ليست من الحضارة في شيء رغم قشرة التقدم المادي تلك.

فعلى المسلم إذاً أن يكون عزيزاً بدينه، مستعلياً به على الكفر، مجسداً لمقاصده العظيمة باستقامته وأخلاقه، ويجب قبل كل شيء أن يعرف حقيقة ما جاء به هذا الدين، وأن يرتب أولوياته أولاً، ويفرق بين الغايات والوسائل، وأن يعرف جيداً تلك الغايات والوسائل…

التوحيد أولاً، العبودية وهي الغاية العظمى، نبذ الكفر والشرك بأشكاله، ثم العبادات المفروضة، وهي أهم مما دونها، ثم الأخلاق والمعاملات، ثم طلب العلم في أي باب من الأبواب النافعة للإنسان في دنياه وأخراه، ثم التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وليفرق المسلم بين الجزء والكل، وبين الغاية والوسيلة، وليضع كل شيء في مكانه المخصص وليعط كل شيء حجمه الحقيقي…

هكذا يُفهم الإسلام وهكذا يُعتز به، وهكذا يظل المسلم قوياً عزيزاً شامخاً بدينه وأخلاقه، لا تنال منه الشبهات ولا تحرفه الحروب النفسية عن الحق الذي يعتقد به ويعمل بمقتضاه.

* * *

بقيت كلمة أخيرة تخص شبهة لصيقة بشبهة الحضارة، وهي حول بعض العلماء الذين يُنسب إليهم الفضل العظيم في بناء أجزاء مما أسموه (الحضارة الإسلامية)، والذين تم تضليلهم أو تبديعهم أو حتى تكفيرهم من طرف علماء العقائد.

رداً على هذه المسألة، لن أخوض في أي تفاصيل تاريخية ولن أذكر أي أسماء، بل سأكتفي بحديث عام أبتغي به إعادة القراء الأفاضل من المسلمين إلى مسألة (ترتيب الأولويات).

وهذه آفة تلاحَظ بشدة عند بعض الشباب المفتون بهذه الحضارة المادية الغربية، والذي يحاول مستميتاً ومتباكياً أن يثبت للعالم بأنه قد كان للإسلام حضارة عظيمة سابقاً! فهو إذاً يتمسك بأي قشة، ويرفع من شأن أي عالم عربي الاسم، أو عاش في بلاد المسلمين، وكان له فضل في علم من العلوم الدنيوية كالطب أو الرياضيات أو الاختراع أو العمران أو غير ذلك…

ومن كانت هذه حالته فهو بطبيعة الحال لن يقبل أن يتم تضليل ذلك الرمز أو تبديعه، فضلاً عن تكفيره وإن ثبت أنه كان كافراً حقاً! فذلك لا يهم بالنسبة إليه، ولو سألته لماذا يرفض ذلك لقال لك بلسان حاله أو مقاله: “نحن الآن نعيش في عصر التخلف، وهذه الأسماء اللامعة من الماضي هي القشة الوحيدة التي نتمسك بها لإثبات أنه كانت عندنا حضارة سابقة، فإذا بدَّعنا هؤلاء أو كفرناهم فماذا يبقى للإسلام؟!”

هذه هي طريقة تفكيرهم مع الأسف الشديد، وهي موغلة في السطحية والضحالة، والجهل بأولويات الأمور، ثم إنها تنطوي على خيانة لدين الإسلام نفسه! وإن كانت غير مقصودة، لكنها من لوازمها، وسبب هذا الذي يقعون فيه الخللُ المنهجي في الرؤية والتصور.

فهؤلاء يتصورون أنه لا إسلام إلا بالحضارة المادية، وأن العلم بالعلوم الدنيوية أهم بكثير من علم التوحيد والعقيدة، ولهذا وجب تمجيد كل من له لحية وعمامة واسم عربي، حذق في علم دنيوي أو اخترع شيئاً مادياً، واعتباره مسلماً في مطلق الأحوال، بل من الرموز الإسلامية المبجلة التي يُرفع من شأنها ويُفتخر بها، حتى ولو ثبت عنه يقيناً ابتداعه أو اعتقاده لعقائد الكفر، فيجب أن يُغض الطرف عن ذلك كله ويُطمس ويُطمر في النسيان، وألا يُثار الموضوع من طرف المسلمين لأنه يخدش تلك القشة، أو ذلك الرمز الذي يتعلقون بتلابيبه من أجل استعادة ما يتوهمون أنه كرامة مهدورة، وما هي إلا الحرب النفسية التي يشنها عليهم الماديون وهم يقعون في فخاخها بسبب جهلهم وضعفهم وانهزامهم المحزن أمام أعدائهم…

مسألة تقرير العقائد لها أهلها المتخصصون فيها، ولهم مناهجهم الخاصة في البحث والتدقيق وإثبات الأقوال لأصحابها، وإثبات الأحداث التاريخية وإسقاط الضعيف والموضوع منها، فيجب أن يُنظر إلى الأمور من هذه الزاوية (العلمية) المنهجية، وليس من تلك الزاوية العاطفية المهزومة التي تقتضي تمجيد كل من له لحية وعمامة واسم عربي!

فمن ثبت إسلامه من هؤلاء العلماء الذين حذقوا في علوم الدنيا، فهو مسلم على الرأس والعين، ومن ثبت عنه يقيناً أنه كان كافراً أو مبتدعاً، فهو كافر أو مبتدع، ولا كرامة للكفر ولا للبدعة، حتى وإن كان قد اخترع صاروخاً يطير إلى كوكب زحل في القرن الثالث الهجري!

فهو في هذه الحالة ليس منا ولسنا منه، ونحن نعقد الولاء والبراء على العقيدة الصحيحة وليس على العلم المادي والدنيوي…

هذه مفاهيم يجب أن تصحح، وما تخلف المسلمون إلا عندما جهلوا دينهم وتركوه، وراحوا يتخبطون ههنا وهنالك، يتقممون من الكفرة ما يحسبون أنه يكسو عريهم ويتوهمون أنهم يتجملون به، ولو عاد المسلم إلى مبادئ دينه وحدها لوجد فيها غُنية عن غيرها، ولعاش بها عزيزاً حراً أبياً، لا تهزمه شبهة ولا تنال منه حرب نفسية ولا يطاله استفزاز كلامي من أولئك الذين يريدون إطفاء نور الله بأفواههم.

والله المستعان وله الأمر من قبل ومن بعد…

19/06/2014

الحفظ خوّان ~

06/07/2014 عند 14:06 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

مما يخطئ فيه بعض الطيبين الأفاضل، اعتبارهم لمسألة (القراءة من ورقة أو عدمها) في خطبة الجمعة مقياساً يفاضلون به بين الخطباء، ويقارنون بينهم اعتماداً عليه، وكثيراً ما سمعت بعض الإخوة يقول: “خطيب الجامع الفلاني ما أحسنه، ولا يعيبه إلا أنه يتلو خطبته من ورقة!” أو “هذا الخطيب جيد لكن الآخر أفضل منه، لأنه يخطب دون ورقة!”

وهذا مقياس خاطئ لا يصح، ولا يضير الخطيبٓ أن يتلو خطبته من ورقة، من باب أن بعض الخطب تكون مبنية على منهاج وهيكلة، فربما اعتمد الخطيب على ورقة كي يضبط رؤوس الأقلام والمحاور الرئيسية لخطبته، أو ما فيها من الأحاديث والآثار التي كثيراً ما يخون الحفظ فيها، وجميع ذلك لا يضيره ولا يجعله أقل مرتبة ممن يخطب ارتجالاً من دون قراءة.

وقد حضرت جُمعاً عند خطباء يعتمدون على خطبة مكتوبة، وتكون مع ذلك محكمة ماتعة مفيدة، منظمة المحاور مركزة، ويكون الخطيب فصيح اللسان جيد العربية، لا يلحن ولا يخطئ.

وحضرت جُمعاً أخرى عند بعض المتطفلين على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن يتجملون بعدم القراءة من ورقة، وتكون خطبتهم كأسوأ ما تكون الخطب، ويكون الخطيب لحّاناً رديء العربية، لا ينطق بجملة إلا وهي تعج بالأخطاء التي يشيب لها الرضيع، فلا تخرج من عنده بعد الصلاة إلا كئيباً متحسراً على أحوال أمة هؤلاء خطباء الجمعة فيها.

فهذه المسألة ليست مقياساً على الإطلاق، وحسبك في بيان ذلك ما روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه، من أنه على جلالة قدره وسعة حفظه وغزارة علمه، لم يكن يحدّث إلا من كتاب، وكان يوصي بذلك ابنه وتلاميذه، لأن الحفظ خوّان.

04/07/2014

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.