انقطاعات الموت – خوسيه ساراماغو

27/04/2021 عند 14:11 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | تعليق واحد

رواية: انقطاعات الموت

تأليف: خوسيه ساراماغو

البلد: البرتغال 🇵🇹

ترجمة: صالح علماني

صدرت عام: 2005

.

=====

حين كتب ساراماغو روايته هذه كان في نحو الثالثة والثمانين من عمره، وهو سنٌّ يكون الإنسان فيه على حافة قبره. لا عجب إذن أن تستحوذ فكرة الموت على إنسان بلغ ذلك العمر، بوصفها حقيقة صلبة شديدة الدنو، لا يفصله عنها إلا حاجز زمني يسير يصير مستبعَداً أن يقاس بالسنوات بل بالأشهر والأسابيع والأيام.

ما منا إلا من يعي بالموت ويعرف يقيناً أنه ملاقيه، وأنَّ يوماً ما من أيام حياته سيكون الأخير، وأنه قد تتقدَّم ذلك اليومَ فترةُ مرض وألم لعلها تطول أو تقصر. نعم قد تذكِّرنا بالموتِ المواعظُ الدينية أو أخبار الوفاة التي لا يخلو يوم منها، لكننا دائماً نلوذ بذلك التغافل المتعمد، والتناسي المقصود، فنتمثل لا شعورياً فكرة “يحدث للآخرين فقط”، ونرمي بفكرة الموت إلى مستقبل زمني بعيد غير محدد، ونواصل حياتنا مغترين بعنفوان الشباب ووفرة الصحة وامتداد الآمال.

بيد أن الإنسان، حين يبلغ عمراً معيناً، يكون في مواجهة صريحة مع الحقيقة القاسية، فلا يعود ثمة مجال للتغافل ولا للتناسي، ولا يبقى هنالك مستقبل زمني يمكن أن يقذف نحوه بفكرة الموت، بل يواجه الإنسان نفسه بأنه يستدبر من عمره أكثر مما يستقبل، وأن ذلك الموت الذي فرَّ منه فإنه ملاقيه عن قريب. كيف يا ترى تكون حالة الإنسان الشعورية في ذلك المقام؟ هذا سؤال يستحيل على الشاب، أو حتى الكهل، أن يعرف جوابه على وجه اليقين إلا على سبيل الاستئناس الأدبي والتصورات النظرية، وأما حقيقة الشعور فسيكون عليه أن يُردَّ إلى أرذل العمر كي يعرفها ويجربها، ذلك أن من المستحيل على الإنسان أن يتمثل حقيقة الحالة الشعورية لعمر معين إلا إن بلغ ذلك العمر وجربها بنفسه.

خوسيه ساراماغو، وحين بلغ السن المنذرة بالفناء، حاول التصالح مع الموت الذي أمسى قاب قوسين منه أو أدنى، فوضع روايته البديعة هذه التي افترض فيها حدثاً مستحيلاً في الواقع هو “انقطاع الموت”، ثم رتب على الحدث المفترَض تداعياته المنطقية المتخيَّلة على عدة مستويات ممكنة متعلقة بالاجتماع الإنساني.

يقوم افتراض ساراماغو على العناصر التالية:

– في زمن غير محدد في بلد غير محدد ذي نظام ملكي، ينتبه الناس إلى أن أحداً لم يمت منذ بداية العام الجديد.

– انقطاع الموت يشمل البشر وحدهم، أما الحيوانات فتموت كالمعتاد.

– انقطاع الموت لم يشمل الأرض قاطبة، بل ذلك البلد المعين وحده.

– انقطاع الموت لم يسبب ثباتاً في الأعمار، بل يستمر الناس في التقدم نحو شيخوختهم.

بإزاء هذا النظام الكوني الجديد، استخفَّت الناسَ في البداية فرحةٌ عارمةٌ بسبب تخلصهم، إلى الأبد، من ذلك الكابوس المرعب الذي أقضَّ مضجع البشرية منذ نشأتها. لكن الاحتفالات لم تدم طويلاً؛ إذ سرعان ما طفت على السطح تداعيات وخيمة لم تكن لتخطر على البال، ما دفع بالبشرية إلى إعادة التفكير في ذلك الخلود المشتهى، والذي أمسى، بعد أن ظهرت آثاره، لعنة عظيمة لم يصِب البشرية مثلُها منذ فجر التاريخ.

لم يمض إلا قليل من الوقت على انقطاع الموت حتى انهارت قطاعات حيوية أنذر انهيارها بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية مرعبة، وهو ما دفع بالبلد إلى إعادة ترتيب شؤونه ترتيباً جذرياً، ليتبين لاحقاً أن كل الجهود المبذولة كانت جهوداً يائسة لا تبلغ أن تحتوي الكارثة وتسيطر عليها. وإليكم ما تخيله الكاتب من تلك التداعيات الكارثية لانقطاع الموت:

– تستمد الدولة سلطتها من سلطة الكنيسة، وتستمد الكنيسة سلطتها من فكرة المَعاد (البعث بعد الموت)، والعدالة الإلهية، والجزاء الأخروي. بانقطاع الموت لا تعود ثمة آخرة، فلا يعود لوجود الإله أي معنى، ومن ثمَّ ينهار النظام الكنسي من أساسه وبانهياره تنهار سلطة الدولة.

– فكرة الخلود في الحياة الدنيا تغيِّر في الإنسان مفهوم الخوف، وهو تغيُّر سينعكس ولا بد على علاقته بالسلطة الحاكمة، والتي ستفقد جزءاً كبيراً من سطوتها المستمدة من زرع الخوف من الموت.

– انهار قطاع دفن الموتى، وأفلست الوكالات المكلفة بعمليات الدفن، فكان لانهيار هذا القطاع الحيوي آثار اجتماعية وخيمة. استطاع قطاع الدفن أن يتدارك المأساة -جزئياً- بأن فرض رسوماً على دفن الحيوانات الميتة.

– انهار جزء كبير من قطاع التأمين، إذ لن يعود ثمة معنى للتأمين على الحياة. وبالفعل فقد ثار الناس على شركات التأمين وطالبوا باستعادة أموالهم، لكن نظام التأمين تدارك الكارثة بذكاء حين اعتبر بلوغ سن الثمانين موتاً افتراضياً، لتتجدد العقود تلقائياً إلى ثمانين سنة أخرى وهكذا إلى الأبد.

– انتهى الموت لكن لم ينته المرض. اختل نظام المستشفيات القائم على دخول الناس مرضى وخروجهم أصحاء أو موتى. بانقطاع الموت انغلقت الدارة فلم يعد هناك خروج من المستشفيات، بل دخول فقط، وهو ما سبب اكتظاظاً كارثياً دفع الحكومة إلى ابتداع نظام جديد للإيواء اسمه “بيوت الأفول السعيد”، وهي منازل ينفى إليها الشيوخ والزمنى والميؤوس من شفائهم.

– انقطاع الموت مع استمرار التقدم في العمر سيسبب صعوداً صاروخياً للشيخوخة والعجز؛ سينقلب هرم الأعمار انقلاباً مأساوياً، وسيصير المجتمع مكوناً من عدد هائل متزايد من الشيوخ العاجزين، والذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة. تلك الرعاية المستمرة تتطلب تفرغاً من أيادي شابة تتناقص باستمرار وتُستنزف جهودُها، وهو ما ينذر على المدى الطويل بكارثة يصعب تصورها.

اعتمد الكاتب في عرضه لهذه التصورات على أسلوبه المعتاد، والفريد من نوعه، والذي يقوم على فقرات طويلة تمزج بين السرد والتأمل الفلسفي والحوار دون أي فاصل بينها، اللهم إلا علامةَ ترقيمٍ يتيمةً هي الفاصلةُ المسكينة. لقد تعرفتُ على هذا الأسلوب المتفرد للكاتب في روايته “العمى”، ثم إنه في روايته هذه “انقطاعات الموت” كان أكثر تجريداً وابتعاداً عن التفاصيل والأوصاف الشكلية، بحيث يمنح القارئ نظرة علوية بانورامية شاملة (عين الطائر)، ويحلِّق به، بسلاسة تامة، بين الأحداث والأشخاص والأماكن، حتى ليحسَّ الواحد بأنه استحال شبحاً مهوِّماً في فضاء المدينة المنكوبة بلعنة الخلود؛ يتنقَّل بنفس السهولة بين مخدع الملكة في القصر الملكي والأزقة والشوارع، بين اجتماعات الوزراء وبيوت الأفول السعيد، ثم يستمع إلى المكالمات الهاتفية بين الوزير والأسقف، أو بين الوزير وأعضاء المافيا… إلخ. وليس عبثاً أني استعملتُ هنا فعل الاستماع، إذ هو في الواقع الفعلُ الأكثر تعبيراً عن تجربة قراءة هذه الرواية؛ فمع التجريد الشديد للأسلوب، وانعدام أسماء الشخصيات، بل وانعدام عامل الوصف بشكل كلي تقريباً، تحولت الرواية إلى شيء أشبه بهلوسات الأحلام أو بشريط صوتي مستمر (ربما أسميها “الرواية الصوتية”). هي روايةٌ تُسمع أكثر مما تُقرأ، تنبعث من سطورها وفقراتها أصوات حوارية متداخلة تكاد تكون مجهولة المصدر، ولا يتدخل الكاتب للانتقال من مكان إلى آخر، أو من متكلم إلى آخر إلا في أضيق الحدود.

أذكر هنا أن الكاتب خرج عن أسلوبه “الصوتي” مرة واحدة فقط في النصف الأول من الرواية، حين روى لنا -بالطريقة السردية المعتادة- كيف تجرأت أسرة ما على نقل مريضين منها إلى خارج حدود البلدة ليموتا هناك. ولم يفت الكاتبَ أن “يعتذر” من القارئ على حكايته للواقعة بأسلوب سردي “ولَّى زمانه”، لكن الحادثة كانت من الأهمية بحيث استحقت أن يُكسى سردُها بتفاصيل كافية، ذلك لأنها فتحت الباب لتقدُّم نوعي في القصة، بعد أن شاع في الناس تكيُّف أخلاقي جديد سمحوا لأنفسهم بموجبه أن ينقلوا مرضاهم إلى خارج حدود البلدة ليموتوا هناك. عارضت الحكومة بشدة هذه النزعات الجديدة، فيما انبثقت من الشعب منظمة سمَّت نفسها “المافيا Maphia”، وكرَّست نفسها لتقديم خدمات الموت للراغبين في ذلك، وهو ما خلق أزمات حادة جديدة بين الحكومة والمافيا، ناهيك عن البلد المجاور الذي اعترض على انتهاك أرضه، فضلاً عن رغبة أناس أجانب طامعين في الخلود في الهجرة إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم من الموت.

لا نستطيع، وسط أمواج الافتراضات المتلاطمة هذه، أن نفلت من أسئلة منطقية بريئة تطرح نفسها، وربما تسوِّل لنا حماقتنا أن ننتظر من ساراماغو تبريراً منطقياً مقنعاً. مثلاً: ماذا لو قُطع رأس إنسان ما داخل البلدة؟ كيف سيستمر في العيش مقطوع الرأس؟ انتظرتُ -ويا لحماقتي- أن يعرض ساراماغو لاحتمال كهذا، لكن كلُّ ما فعله كاتبنا العتيد أن طرح تساؤلاً “طبياً” مشروعاً حول إمكانية استمرار الحياة في إنسان مبقور البطن تتدلى أحشاؤه خارج جوفه! هذا هو التنازل الوحيد الذي قدَّمه ساراماغو ليعترف بما قد يكون في خياله من تناقض، ولأن ساراماغو هو آخر كاتب يمكن أن يُحاسَب على تناقضاته فليس على القارئ المسكين إلا أن يخرس، وأن يواصل القراءة متذكراً دائماً أن الكاتب هو ساراماغو، وأن ساراماغو يقول ما يشاء متعالياً عن كل تعقيب، متسامياً عن كل نقد.

في خضم هذه الرؤى البانورامية القائمة على افتراض تداعيات منطقية متخيَّلة، تظهر قُبيل منتصف الرواية شخصية “موت”، في انتقال مفاجئ وصادم من الخيال العقلاني إلى الفانتازيا الصريحة. يتضح لنا فجأة أن انقطاع الموت كان نتيجة رغبة مزاجية من شخصية شبحية عاقلة هي “موت”، أو المعادل الروائي لقابض الأرواح في المعتقدات الدينية، وأن “موت” (وهي شخصية أنثى باعتبار أن لفظ morte مؤنث) قد وقعت في الحيرة والتخبط، وأنها تراجعت فجأة عن قرارها بكفِّ منجلها عن حصد الأرواح، ثم قامت بتعديل القرار بحيث صارت تُعلم برسالة بنفسجية كلَّ من بقي في عمره المقدَّر أسبوعٌ واحد.

هنا ننتقل إلى النصف الثاني من الرواية، والذي يختلف اختلافاً جذرياً عن نصفها الأول حتى لكأنه رواية مستقلة. انتقل الكاتب من “الماكرو سرد” إلى “الميكرو سرد” (أتجرأ كعادتي على سكِّ اصطلاحاتي النقدية الخاصة)، أعني من الرؤية الشاملة والتحليق الشبحي الحر في أجواء المدينة إلى قصة جزئية حول علاقة غريبة بين “موت” وعازف كمان بشري.

يتضح لنا في النصف الثاني من الرواية أن “موت” شخصية مزاجية متقلبة، وأنه يجوز عليها السهو والخطأ، وأنها خاضعة لسلطة مجهولة أعلى منها، مستكنةٍ في تعاليها الصامت، وأنها كذلك عرضة لانفعالات نفسية تذكِّرنا بنواقصنا البشرية. لقد انحدر الكاتب في نصف الرواية الثاني (ويا لها وقاحةً مني أن أستعمل هذا الفعل في حضرة ساراماغو) إلى أسلوب السرد المعتاد ذاك الذي “ولَّى زمانه”، فروى لنا كيف أن خللاً حدث في إرسال الرسائل البنفسجية نتج عنه عودة إحدى تلك الرسائل، وبتتبع الخيوط تعلم “موت” أن عودة الرسالة ناتجة عن “خطأ إداري” يصعب تداركه، ما اضطرها إلى التنازل عن كبريائها الأزلي، والذهاب بنفسها لتسليم رسالة الموت إلى مستحقها (يذكِّرنا هذا بأجواء مسلسل الأنيمي “مذكرة الموت Death Note”).

تتخذ “موت” جسداً بشرياً أنثوياً فاتناً (فهي قادرة على التشكل)، وتنشأ علاقة معقدة شديدة الغرابة بينها وبين عازف الكمان. ثمة ما يشير إلى أن رابطة رومانسية أو شبه رومانسية قد نشأت بينهما، لتنتهي الرواية بمشهد ملغز قد يُفهم منه أن “موت” ماتت في نهاية المطاف، وهكذا خُتمت الرواية بنفس العبارة التي افتُتحت بها: “في اليوم التالي لم يمت أحد”، وهي عبارةٌ وإن بدت مرحة متفائلة في مطلع الرواية، فإنها تحولت في ختامها إلى واحدة من أشد النهايات الروائية رعباً ومأساوية على الإطلاق.

إن كان انقطاع الموت في بداية الرواية ناتجاً عن سلوك مزاجي متعمَّد من شخصية “موت”، فإن انقطاعه في النهاية ناتج عن فناء الموت نفسه، حيث نواجه، في رعب شديد، حقيقة أنْ لا أحد بعد الآن سيقبض أرواح البشر، ومن ثمَّ سيكون على البشرية أن تواجه مصيراً تعجز العقول مهما تشاءمت أن تتصور مدى سوداويته.

هي إذن روايةٌ في مديح الموت، كأن كاتبها يفتح ذراعيه له مرحِّباً به، متصالحاً معه ومعتذراً منه عن سوء ظنه به، وواجداً فيه خلاصاً شخصياً هو في حقيقته خلاص للبشرية جمعاء.

هي رواية ستظلُّ صامتاً مجمَّد الحواس مشلول التفكير للحظات بعد قراءة سطرها الأخير، وستنتابك هواجس شتى وسيدبُّ في أعماق نفسك خوفٌ غامض، ثم ستتذكر أن كل ما قرأتَه خيالٌ محضٌ مستحيل التحقق، حينئذ ستتنهَّد بارتياح وتقول في نفسك: حمداً لله على نعمة الموت!

أنس سعيد محمد

27/04/2021

أشياء غير مكتملة – محمد بدازي

20/04/2021 عند 16:39 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: أشياء غير مكتملة

لمؤلفها: محمد بدازي

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

* مقدمةحول دلالة العنوان:

أشياء غير مكتملة…

ما الذي يوحي به هذا العنوان يا ترى؟ وأي أفق انتظار يكشفه أمام القارئ؟

لعل الذين اطَّلعوا على المناظرة الشهيرة في كتاب “الحيدة والاعتذار” يذكرون إلى أي حدٍّ يمكن أن يتسع مدلول لفظة “شيء”، كما أن “عدم الاكتمال” هو صفة لازمة حرفياً لكل “شيء” كائناً ما كان، ومن ثمَّ فعنوان الرواية هو من أكثر العناوين اتساعاً على الإطلاق، وهو باتساعه يدلُّ على “كل شيء” بنفس القدر الذي لا يدلُّ فيه على “أي شيء” بتاتاً.

لا نستطيع إذن، بإزاء هذا العنوان الواسع في دلالته إلى حدِّ انعدام الدلالة، أن نكوِّن أي تصور حول محتوى الرواية، لذلك ننتقل إلى غلافها الخلفي علَّنا نجد معْلماً نستأنس به، وبالفعل نجد هذه الفقرة التي أنقلها لكم بحرفها:

“إن نصَّ الرواية هذا، هو بكيفية ما، شهادةٌ على مرحلة من وجودنا، أو وعينا، تخلَّينا فيها عن كل ما هو روحي. ونقصد بالروحي هنا: الدين، التأمل، التدبر، الموسيقى الروحية، الطقوس، العائلة… وحصرنا حياتنا فقط فيما هو مادي ميكانيكي، فكانت النتيجة أن أصبحنا آلات ميكانيكية خاويةً من مشاعر الحب والحنان والامتنان والأمان”.

هذه الفقرة التي تكاد تكون وعظية مباشرة، وعلى النقيض تماماً من عنوان الرواية، تكشف لنا عن “كل شيء”، وتضعنا رأساً أمام خلاصة الرواية وعصارة فحواها. هي إذن رواية حول صراع المادة والروح، حول مأساة الإنسان حين يتخلى عن الجانب الروحي ليجد نفسه وحيداً في عراء العالم المادي المجرَّد من المشاعر. قد تبدو هذه الفكرة (أعني صراع المادة والروح) مبتذلة للقارئ المتعجل، لكنها في الحقيقة من أكثر الأفكار المرتبطة بوجودنا الإنساني عمقاً، بل لعلها الإطار الشامل لكل الحالات الإنسانية بما تتضمنه من الأفكار والمشاعر والمواقف.

* بين الكاتب والسارد: هل كل رواية هي سيرة ذاتية؟ 

شاعت في أوساط الكتاب الروائيين مقولة تفيد الفصل التام بين المؤلف والسارد، وتطرَّف بعضهم في ذلك حتى جعلوا أي مقاربة بينهما خطأً نقدياً فادحاً ودليلاً على سطحية القراءة. وأنا أعتقد أن فكرة الفصل بين المؤلف والسارد هي نوع من التواطؤ الخفيِّ بين الكتَّاب، وشكل من أشكال التعاقد غير المكتوب الذي يتيح لهم حرية مطلقة في الكتابة، دون أن يتعرضوا لمخاطر الشخصنة والتأويل والافتضاح وكل ما من شأنه أن يمسَّ بكرامتهم.

لا! بل كلُّ رواية هي سيرة ذاتية بشكل من الأشكال، لكن ينبغي هنا أن نميز بين ثلاثة مستويات من التأويل مرتبطةٍ بالاختيار الروائي نفسه:

– المستوى الأول: الرواية الموضوعية. وهي الرواية التي يتناول فيها المؤلف قضايا مستقلة عن ذاته وتفاصيل حياته الخاصة، ويعرضها في الغالب بضمير الغائب. الحديث هنا حول الروايات التاريخية مثلاً، أو التي تتناول موضوعاً محدد الإطار (قضية سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك). هنا لا نكاد نجد أثراً لشخص المؤلف الذي يأخذ دور الراوي العليم المحايد (أو الذي يبدو محايداً)، ومن ثمَّ قد يبدو من السخف اعتبار هذا النوع من الروايات “سيرة ذاتية”. لكن حين نتأمل الأمر، نجد أن ملامح السيرة الذاتية حاضرة حتى في هذا النوع من الروايات، وتتمثل ابتداءً في اختيار الموضوع الروائي، ثم طريقة معالجته والجهود البحثية المبذولة، ثم المصائر التي اختارها الكاتب لشخوصه والتي تُستشفُّ منها مواقفه ورؤاه. الروائي لا يختار مواضيع رواياته عبثاً، بل إنها تعبِّر عن حقول اهتمامه، وأسلوبُ معالجته لها يعبر عن قدراته الأدبية، ومصائرُ الشخوص تعبِّر ولو بشكل موارب عن مواقفه من القضايا المعالَجة، وبالتالي فإن الرواية الموضوعية، ومهما بدت محايدة، فهي بشكل ما جزء من السيرة الذاتية لمؤلفها.

– المستوى الثاني: السيرة الذاتية الكلية. وأعني هنا السيرة الذاتية الصريحة التي يُعلن عنها في غلاف الرواية. ربما لا حاجة للحديث عن هذا المستوى لأنه يعبِّر عن نفسه، كما أن سؤال (هل هذه سيرة ذاتية؟) لا يعود مطروحاً هنا بقدر ما تنطرح أسئلة أخرى حول مصداقية الأحداث المروية، وهذا موضوع آخر مستقل.

– المستوى الثالث: السيرة الذاتية الجزئية. وهي الرواية التي لا يعلن كاتبها أنها سيرة ذاتية، بل قد يعلن عكس ذلك لائذاً بالمقولة سالفة الذكر (العقد غير المكتوب بين الروائيين)، لكن القارئ يستشفُّ جوانب السيرة الذاتية عبر قرائن مساعدة، وعبر المطابقة بين بعض ما يقرؤه في الرواية (والتي تكون غالباً بضمير المتكلم) وبين ما يعرفه عن الكاتب سواء من خلال علاقته الشخصية به أو من خلال ما ينثره في حساباته الرقمية من المعالم الدالة على شخصيته وتوجهاته وميادين اهتمامه.

لا شك عندي أن رواية “أشياء غير مكتملة” تنتمي إلى المستوى الثالث، وهو مستوى يصعب التعامل معه لصعوبة التفريق فيه بين الواقع والخيال، ولعدم جدوى ذلك فيما يخصُّ نسبة الأحداث إلى الكاتب ما دمنا نتعامل مع نص أدبي وليس مع حقائق توثيقية. الكاتب في هذا المستوى قد يلجأ إلى تأليف أحداث خيالية تماماً، لكن تلك الأحداث الخيالية تعبر عن “سيرته الذاتية” بنفس القدر الذي تعبر عنها الأحداث الحقيقية، وتفسيرُ ذلك أن الأحداث الخيالية ما هي إلا تعبير عن أمنيات أو مخاوف دفينة، وعن رؤى وأفكار مستخرجة من العقل الباطن للكاتب، ومن ثمَّ فهي تشير، أيضاً، إلى “سيرته الذاتية” وإن بشكل غير مباشر.

خلاصة القول، وحتى أتخذ موقفاً وسطاً بين من يجحد أية رابطة بين المؤلف والسارد، وبين من يتطرف في نسبة كل حدث في رواية إلى المؤلف، فإني أقول بأن روايات “المستوى الثالث” هي سيرٌ ذاتية فكرية وشعورية، لا مفرَّ للكاتب من اعتبارها على هذا النحو، وأما مصداقية الأحداث الواردة فيها فهي لا تعني القارئ في شيء، ويجب أن يُنظر إليها على أنها نصوص أدبية فحسب دون أي تفتيش إضافي، ولا أدلَّ على ذلك من أن السارد في هذه الرواية، ومهما بلغ تطابقه الظاهر مع المؤلف، قد انتحر في نهايتها، فيما المؤلف لا يزال بيننا حياً يُرزق.

* رؤية عامة للرواية:

لم أكد أتمُّ قراءة الفصول الأولى من الرواية حتى وقع في ذهني أن الدافع لكتابتها لم يكن روائياً بالدرجة الأولى، بل هي محاولة تنفيس وانعتاق، إرادة بوح وسعيٌ للتخلُّص من عذابات نفسية ممضَّة. رغبة شديدة في الصراخ والتعبير عن الذات، بل والبحث عن أذن مصغية متفهمة.

رسالة استغاثة؟ لا أنكر أني استشعرتُ ذلك في بعض المقاطع، وعلى العموم فقد بدا لي واضحاً أن الجانب القصصي لم يكن مربط الفرس في الرواية، بل جانبُ البوح والتعبير عن التجربة الفكرية والذاتية، وهو ما لم يفتأ يعبِّر الكاتب عنه في جلِّ الاقتباسات التي صدَّر بها فصول روايته، إذ كان معظمها يدور حول فكرة واحدة هي الدافع إلى الكتابة وعلاقتها بالآلام النفسية التي تنخر في أعماق الكاتب.

استرسل الكاتب في مطالع روايته في سرد خواطره النفسية على حساب الأحداث القصصية، وهي هفوة روائية معروفة إذ يُفضَّل البدء بالأحداث وتأجيل الخواطر إلى وقت لاحق، لكن الكاتب كان مسكوناً برغبة بوح عنيفة جعلت عنصر “القصة” في روايته مجرد عنصر ثانوي مساعد، وليس عنصراً رئيسياً يقوم منها مقام الهيكل العظمي.

وأما القصة في ذاتها، فهي قصة “الروبيو” الذي وقع فرسية أسئلة وجودية محيرة تحولت إلى قلق فلسفي أفقده إيمانه، فارتمى في أحضان الملذات الحسية حتى أُتخم بها، وكما هي العادة في أمثال هذه القصص فإن الخواء الروحي القاتل هو ما ينتظر بطلها في النهاية، حينئذ نكون على موعد مع العدمية والعبثية والاكتئاب الحاد والجريمة والانتحار، وهو ما عبَّر عنه الكاتب ببراعة في الصفحة 176 حيث قال:

“أصبحت أميل إلى كل ما من شأنه أن يدمِّر الروح والجسد ويفتك بهما. سهر، خمر، حشيش… بتُّ أنسى كثيراً، أغضب بلا سبب وأفرح بدونه، أُسقط -دون قصد- ما يوجد في يدي سواء كان ماعوناً أو حاسوباً أو هاتفاً أو قلماً أو سيجارة”.

ذكَّرني هذا المقطع بفكرة “إرادة الموت” أو “الانتحار السلبي” التي عبَّر عنها أحمد خالد توفيق في إحدى رواياته؛ المنتحر السلبي لا يقدم على قتل نفسه (بسبب الوازع الديني أو نقص الجرأة)، لكنه يتوقف عن المبالاة بحياته، لا يهمه أن يصحَّ أو يمرض، وإذا مرض لا يهمه أن يشفى أو أن يدوم مرضه. لا يأخذ دواءً ولا يبذل جهداً للشفاء، بل يتمنى أن يكون مرضه ذاك آخر عهده بالحياة.

هاروكي موراكامي تطرق لهذه الحالة الدقيقة في أواخر الكتاب الثاني من ثلاثية 1Q84، حين قال على لسان “تنغو” متحدثاً عن أبيه: “هذا الرجل يحاول أن يموت”، وما كانت “محاولة الموت” تلك إلا استغراقاً في نوم متواصل جعل المؤشرات الحيوية لجسده تتراجع دون سبب عضوي واضح، وقد شبَّه الكاتب هذه الحالة بالقطار الذي تتباطأ سرعته تدريجياً تمهيداً لتوقفه النهائي.

كان المؤلف واعياً بالحساسية الشديدة لموضوع روايته، لارتباطه بالمقدس الديني الذي زهد فيه بطلها بعد أن أضاع إيمانه، ولتطرقه لطابوهات حساسة من قبيل الشك والإلحاد والانتحار، وكذا للحضور الجنسي الكثيف بشكل مبالغ فيه أحياناً. لذلك نلمس في بعض جوانب الرواية ما يكاد يشبه “محاولات الاختباء”، وأعني هنا -مثلاً- الفقرة التي تقدَّم نقلها والموجودة في ظهر الغلاف، وهي فقرة استطاعت بكلمة واحدة فقط هي “الدين” أن تنقل الرواية إلى تصنيف مختلف تماماً، لتصير أشبه ما تكون برواية وعظية تحذِّر القارئ من عاقبة الانسياق وراء المادة على حساب الروح. وهناك كذلك ما أسماه الكاتب “روايته المزعومة”، وهي رواية داخل الرواية يؤلفها السارد “الروبيو” وليس الكاتب “محمد بدازي”، فلكأني بالكاتب أراد أن يضيع القارئ في طبقات من السرد بعضها فوق بعض، حتى يخلق بينه وبين بوحه مسافة مضاعَفة (نستحضر هنا الأحلام التي نستيقظ منها لنجد أن استيقاظنا جزءٌ من حلم آخر).

* الحضور الجنسي في الرواية:

لا نستطيع أن نخطئ التأثر الواضح للكاتب بأسلوب محمد شكري في جوانب عديدة، وهناك كتَّاب آخرون صرَّح الكاتب بتأثره بهم لكني لم أقرأ لهم (محمد برادة مثلاً). الفجاجة الجنسية (على الطريقة الشكرية) كانت حاضرة بقوة في الرواية إضافة إلى عوامل تشابه أخرى كدخول السجن الذي يصير محفزاً لتقدُّمٍ إبداعيٍّ ما (تعلم القراءة والكتابة عند شكري، وتأليف “الرواية المزعومة” عند السارد). لكن من الخطأ أن نحصر الوجود الجنسي في الرواية بتأثر الكاتب بعوالم محمد شكري، ذلك أن الإباحية في الأدب الروائي تنقسم إلى نوعين رئيسيين: النوع الأول هو الإباحية الفجة، الشوارعية، القذرة، المجردة تماماً من أي حسٍّ أخلاقي أو شعور إنساني. والنوع الثاني هو الإباحية الرومانسية، العاطفية، والتي تسبغ على الفعل الجنسي الموصوف سماتٍ جماليةً وشاعرية.

محمد شكري تخصص فقط في النوع الأول، وهو نوع لا يستهدف أية إثارة للغرائز بقدر ما هو استعراض لقوة البذاءة على طريقة مراهقي الشوارع (الأقوى هو الأشدُّ بذاءة والأجرأ على استخدام أحطِّ الألفاظ). وأما كاتب روايتنا هذه فقد اعتمد النوعين معاً، وبشكلٍ جعل الحضور الجنسي في روايته يبدو متناقضاً جداً، فأحياناً نقرأ أوصافاً شوارعية فظة شديدة الفجاجة، ثم نقرأ بعد قليل أوصافاً شاعرية متأنية تُشعرنا بأن الكاتب كان يتلذذ بنثر الأوصاف الجنسية ربما بقدر التذاذه بممارسة جنسية حقيقية.

هذا التعمد الواضح في إقحام الجنس، وبشكل مفرط أحياناً، لم يخدم الرواية بقدر ما أساء إليها، وذلك لما يوحي به من معاني “الأدب التجاري” و”المراهقة الأدبية” وحتى الرغبة في استعراض الجرأة والبراءة من تهمة “الأدب الملتزم”.

الجنس موضوع إنساني حيوي متعلق بقضايا نفسية واجتماعية كثيرة، ويصلح دون شك للمعالجة الروائية، لكن المعالجة الروائية السليمة له هي التي تضعه في موضعه الطبيعي تماماً دون إنكار لوجوده من جهة، ودون مبالغة في الاستعراض المسفِّ من جهة أخرى.

* اللغة والأسلوب:

ليس هناك كثير مما يقال حول جانب اللغة في الرواية، سوى أن الكاتب يتمتع بأدوات لغوية كافية أسعفته لأداء معانيه. كانت تجربة قراءتي من الناحية اللغوية تجربة سلسة منسابة، وإن لم تخلُ من مطبَّات من الأخطاء اللغوية. وأشير هنا إلى مسألة طريفة متعلقة بشكل الكلمات؛ فقد اعتنى الكاتب، مشكوراً، بإضافة حركات الشكل إلى عدد كبير من الكلمات، ليس لأغراض زخرفية لكل لغرض الإبانة. الطريف أن كثيراً من حركات الشكل كانت خاطئة، وأن تلك الكلمات لو أبقاها الكاتب دون شكل لظلت صحيحة، وبذلك أسهمت مبادرته للشكل في زيادة عدد الأخطاء اللغوية في روايته، وهو أمر كان بوسعه أن يتجنبه لو بحث عن الشكل الصحيح أكثر، أو لو تركها على أصلها غير مشكولة.

* خاتمةلا سن محدداً للسيرة الذاتية:

على خلاف ما يصرح به كثير من “الديناصورات الأدبية”، فإن أدب السيرة الذاتية متاح لكل الأعمار، بل أجازف بالقول بأنه مطلوب في كل المراحل العمرية، ولاعتبارات أدبية كثيرة أبرزها أن الإنسان يكون أقدر على التعبير عن حالاته الشعورية حين يكون في إبانها، أو حديث العهد بها على الأقل، وأنه لو انتظر حتى بلوغه سن الشيخوخة، وحتى لو راكم من الإنجازات ما يتيح له الكتابة عن نفسه، فإن سيرته الذاتية حينئذ ستتخذ شكلاً موضوعياً تقريرياً بارداً، وستقع في فخ البلاغات الإنشائية التي كثيراً ما تخدش عفوية الوصف وصدقه. ولعل هذا ما يفسِّر تلك الهالة الغامضة التي تحيط بالكتابات العفوية، بل وحتى بكتابات الأطفال حين يعبِّرون عن ذواتهم، وهي هالة غالباً ما تُفقد في كتابات “الكبار” الذين جفَّفت الحياة منابعهم الشعورية، وتخلَّل وجدانَهم النسيانُ الذي يمسي حائلاً بينهم وبين ذواتهم القديمة.

كانت رواية “أشياء غير مكتملة” كما وصفها كاتبها: شهادةً على مرحلة من وجودنا تخلَّينا فيها عن كل ما هو روحي، وحصرنا حياتنا فقط فيما هو مادي ميكانيكي، فكانت النتيجة أن أصبحنا آلات ميكانيكية خاوية من مشاعر الحب والحنان والامتنان والأمان.

وليغفر لي الكاتب “إمساكي” بهذا المقطع الذي ذُيِّل به غلافُ الرواية، لكن ذلك لما رأيته فيه من خيط أملٍ في العودة إلى الفطرة الأولى، ومن حنينٍ إلى الأصل الإنساني المعتدل في توازنه بين المادة والروح، ومن كون الرواية في مجموع أفكارها عملاً أدبياً في ذمِّ الفلسفة.

أنس سعيد محمد

20/04/2021

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.