الصيادون في الماء العكر ~

31/08/2014 عند 12:42 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

من الذكريات المتعلقة بشهر رمضان الماضي، والتي هممتُ بكتابتها في حينها ثم تكاسلتُ وغفلتُ عنها حتى حدث ما ذكرني بها اليوم؛ موقفٌ حدث بالقرب من مسجد الإمام الشاطبي بطنجة، بعد انتهاء الدرس الأول من دروس الحديث التي يلقيها الشيخ مصطفى البحياوي حفظه الله، ومعلوم أن الشيخ له دروس رمضانية في هذا المسجد بعد صلاة العصر، درس في التفسير يوم الجمعة، ودرس في شرح صحيح البخاري يوم الأحد.

ودروس الشيخ طويلة تتجاوز مدتها الساعتين غالباً، وفي درس ذلك اليوم كان قد شرح حديث إلقاء بعض الكفار للأذى على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، شرٓحه شرحاً مستفيضاً مطولاً سنداً ومتناً، أمتع فيه وأفاد، ثم انتقل في ختام الدرس إلى الحديث الذي يليه، وفيه ذكْر ما كان من تأخير الخليفة عمر بن عبد العزيز للصلاة يوماً إلى آخر وقتها، ودخول عروة بن الزبير عليه وتنبيهه له حول هذا الأمر، وكان مما ذكره في سياق شرحه لهذا الحديث ما هو واجب في نصح الخلفاء، من الانفراد بهم والتأدب معهم، ومخاطبتهم بما يليق بمقامهم. ذكٓر ذلك ثم واصل شرحه للحديث.

انتهى الدرس وخرجنا من المسجد، نتبادل السلام والمصافحات، وبينما نحن كذلك التقينا، أنا ووالدي، رجلاً نعرفه من أبناء حينا القديم، ومما كنت أعرفه عن هذا الرجل تمسكه بشيء من الهدي الظاهر، فقد كان ملتحياً لا يُرى إلا بالثوب الطويل (القندورة)، ولا أعلم له انتماءً لأي جماعة إسلامية، غير أنه من أشد المتحمسين والمتعصبين لحركة الطغيان والفساد المسماة بالعشرين من فبراير، وكان مؤيداً لها ومناصراً لأفكارها حتى النخاع، ولم يكن يفوِّت مظاهرة من مظاهراتها إلا ويشارك فيها باستماتة وحماسة منقطعة النظير.

سلمنا عن الرجل وتبادلنا السؤال عن الحال، والتهنئة بقدوم الشهر الفضيل، واتفق أن كان لدينا جزء من الطريق مشترك، فتمشينا، وبدا لي الرجل مهتاجاً ثائراً، تدور عيناه في محجريه، ويتطاير الشرر منهما، ولم يصبر حتى انفجر فينا كاشفاً عن مكنون صدره وما كان يعتمل في نفسه، وأطلق لسانه الوقح في الشيخ سباً وشتماً، بأقبح الألفاظ وأشنعها!

نظرنا إليه باستغراب وسألناه عن سبب هذه الثورة المفاجئة المنكٓرة، فكان جوابه أن الشيخ غشاش مدلِّس، لأنه ذكر في درسه ما ذكر من الواجب في معاملة الخلفاء ونصحه! ثم انطلق يهذي زمناً طويلاً بصوت مرتفع حاد واهتياج ثائر، ونحن صامتان مكتفيان بالاستماع إليه، وفي أنفسنا من الحسرة على حاله ما الله به عليم.

وكان مما ذكره في خضم هيجانه وهذيانه، أن الشيخ ذكر الواجب في معاملة الخلفاء، ولم يذكر شيئاً من مساوئ الحكام القائمين اليوم، وأنه كان ينبغي عليه – حسب رأي الرجل – أن يحدد صفات الخليفة التي يستحق هذه المعاملة، وأن يستثني منها حكام اليوم جميعاً، وإنه إذ لم يفعل ذلك فقد غشّ ودلّس وخان!

ثم انتقل الرجل إلى تحديد مواصفات الحاكم الشرعي الذي ينبغي أن يكون مطاعاً معترفاً به، والتي لا تنطبق على أي حاكم عربي – برأيه – في هذا العصر، وهي أن يكون مسلماً، عادلاً، صالحاً، غير مستأثر بالثروة، ومنتخباً من الشعب بطريقة ديمقراطية، وأن يكون الدستور الحاكم منتخباً أيضاً من الشعب، لا ممنوحاً كما هو دستور المغرب الجديد.

ولم ينس أن يعرِّج على ما حدث في العالم العربي من ثورات ومظاهرات، وأن يشيد بالتجربة المصرية التي أُفشلت بالقوة، وأن يذكر بأن القذافي لم يكن حاكماً ذا شرعية بسبب أنه قال لشعبه (يا جرذان)، وأن الثورة عليه كانت واجبة – فقط – بسبب تلفظه بهذه الكلمة.

ثم ذكر بأن حركة العشرين من فبراير كانت هي أمل المغاربة الوحيد لإحداث تغيير ديمقراطي في نظام الحكم، تشارك فيه كل الفصائل الفاعلة في الساحة السياسية، من الإسلاميين والعلمانيين والاشتراكيين والشيوعيين وغيرهم، لكن المغاربة ضيعوا هذه الفرصة التاريخية بسبب غبائهم وخنوعهم، وبسبب أمثال ذلك الشيخ – يقصد الشيخ البحياوي – ممن يغشونهم ويدلسون عليهم الحقائق ويطمسونها.

ثم عاد إلى الشيخ من جديد، ورجع لتناوله بالسب والشتم، بهيجان شبه هستيري، وقال بأن كل هذه الثرثرة الفارغة في أمثال هذه الدروس لا تفيد شيئاً، وأن تلك الجلسات حول دروس التفسير والحديث والمواعظ مجرد هراء وتخدير للشعب، وأنه كان على الشيخ أن يكلم الناس في السياسة، وأن يفضح الحكام، وأن يدعم الحركات الثائرة، وأن يزكِّي حركة العشرين من فبراير!

ولم ينس الرجل أن يذكر ما يتخيله في سماديره وأوهامه، من أن الشيخ غاضب منه لأنه توقف عن حضور خطبه ودروسه زمناً طويلاً، وأنه في إحدى المرات قد نظر الشيخ إليه شزراً، (وكأن الشيخ يدري بوجوده في الدنيا أصلاً)، وأنه مع ذلك سيظل ثابتاً على موقفه المعارض لغش الشيخ وتدليسه وخيانته، حتى أنه في إحدى المرات تعمد تغيير ملامح وجهه أمام الشيخ، وإصدار صوت بفمه أثناء الدرس، تعبيراً منه عن اعتراضه على بعض ما يقوله ويقرِّره.

ورحمنا الله أخيراً بانتهاء الطريق المشتركة بيننا، وتركنا الرجل يمضي لحال سبيله غفر الله له، بعد أن أغثى نفوسنا وأفسد علينا متعة الدرس وفائدته، وترك في قلبنا ظلمة وكآبة ومرارة بسبب ما وصل إليه حال هؤلاء من الانحطاط الأخلاقي المقرون بالكبر والغرور، على ما هم فيه أصلاً من الجهل والحماقة والعصبية الجاهلية.

إن لهذا الرجل أشباهاً كثراً، أعرفهم وتعرفونهم، ممن يتبعون كل ناعق ويرددون الكلام الفارغ كالببغاء، وأكثرهم ينتمي لتلك الفئة الدخيلة على المجتمع المسلم، والتي تسمى (الإسلاميون)، فهؤلاء القوم قد خلت قلوبهم من جميع معاني الدين السامية، وما عادوا يقدِّرون علماً ولا ترقُّ قلوبهم لموعظة، بل كل ما عندهم ذلك الارتباط الشديد المفرط بكل ما هو سياسي، حتى وصل التطرف بهم إلى أن يختزلوا دين الإسلام كله في بعض جزئياته وجوانبه السياسية، وهم في هذه الجزئيات والجوانب نفسها على ضلال أيضاً!

عندهم هوس مفرط بأمور الحكم والسياسة، وعيونهم معلّقة دائماً بعروش الدول وأشخاص الحكام، وكل شيء في الدين أو الدنيا يربطونه بشكل أو بآخر بالحاكم، أو بما هو سياسي بشكل عام، حتى أورثهم ذلك قساوة في قلوبهم وظلمة في نفوسهم، فما عادوا يقيِّمون الأشخاص والأحداث إلا من زاوية النظر التي تخدم أهواءهم ومطامعهم السياسية الباطلة.

وهذا الذي رويت قصته مثال حي، ومثله كثير، يحضر درساً في الحديث لأكثر من ساعتين من الزمان، لا يستفيد منه شيئاً، بل هو في طول مدة الدرس يحدِّق في الشيخ متأبطاً شراً، يتربص به، يحصي عليه ألفاظه، ويصمُّ أذنيه عن كل ما يقوله إلا ما يتربص هو به، ولا يهمه شيء من العلم الذي يعلِّمه للناس إلا ما كان له ارتباط بالسياسة، فإذا ذكر الشيخ شيئاً من ذلك ولو بشكل عارض، ولو في إطارٍ علمي موضوعي بحت، ثار الرجل وهاج، وأطلق لسانه في الشيخ سباً وشتماً وتخويناً وانتقاصاً، ويكون هذا هو غرضه ابتداءً من حضور الدرس، فهو لم يأت ليطلب العلم، ولا ليستفيد، بل جاء متربصاً بالشيخ، يريد أن يتلقف من كلامه أي شيء يدل على آرائه ومواقفه السياسية.

فالله المستعان، ونعوذ به تعالى من هذا الخذلان والضلال المبين!

وما ذكّرني بهذه الواقعة اليوم إلا ما بلغني عن هذا الرجل نفسه، من أنه لم يهدأ له بال حتى طلب لقاء الشيخ البحياوي في مسجد الإمام الشاطبي، وتم له اللقاء، واختلى الرجل بالشيخ في مقصورة المسجد، فخاطبه بلهجة شديدة قاسية، وبعنجهية وغطرسة لا مثيل لهما، إلا أن الشيخ حفظه الله أجابه بالأسلوب الذي يستحقه، وأغلظ عليه جداً، (ونادراً ما يغلظ الشيخ على أحد!) وأسمعه في نفسه قولاً بليغاً يليق بجرأته في الباطل وسوء أدبه وفساد أخلاقه.

فالحمد لله الذي عافانا من مثل هذا، وأحب أن أنبه جميع الإخوة والأخوات إلى عدم الانسياق في أمثال هذه المهاوي، وهي سبلٌ ضالة وعرة، يقف على رأسها من يطلٓق عليهم (الإسلاميون)، من أهل الأحزاب والجماعات والعصبيات الباطلة، يدعون الشباب إليها بحماسة شديدة ويستقطبونهم، يطفئون في قلوبهم نور العلم ويطمسون فيها نقاء الفطرة، ثم يحشونها بالأحقاد والتهييج، والهوس بأمور السياسة والحكم، والاستعلاء على الناس، وسوء الأدب، وقلة الاحترام للمخالفين والعلماء وأهل الفضل. وغايتهم من ذلك تشكيلهم على أمزجتهم وأهوائهم الحزبية، من أجل تجنيدهم لخدمة أجندات الحزب أو الجماعة، وتكون النتيجة أن يصير الإنسان المسلم فرداً في قطيع، أعمى، مطموس البصر والبصيرة، مسلوب العقل والإرادة، مبرمجاً على ترديد كلام يحفظه عن ظهر قلب، دون أن يعرف معناه ولا أن يبحث في أصله وهدفه وما يؤول إليه.

عافانا الله وإياكم، ونوّر قلوبنا بالعلم، ورزقنا جميعاً الفهم والأدب والأناة، وحسن الأخلاق، ومعرفة منازل الناس وأقدارهم، وألهمنا الصواب والحق في القول والعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه…

29/08/2014

عن تهمة العداء للدين ~

25/08/2014 عند 17:48 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

ثمة عبارة أراها كثيرة الانتشار عند بعض المتحمسين للدين، في وصفهم لبعض المخربين والمفسدين من المسلمين، أو من المحسوبين على الإسلام، وهي اتهامهم لهم بـ (العداء للدين)، أو وصفهم بـ (أعداء الإسلام).

وهذا الوصف يُطلق من طرفهم على بعض الكتاب والروائيين، والأدباء الفاسدين، وربما على بعض الفنانين أو الفساق أو المجاهرين بالفجور عبر وسائل الإعلام، والذين قدموا إسهامات عظيمة في نشر التفسخ والانحلال الأخلاقي في المجتمعات المسلمة.

ما أريد التنبيه إليه هو أن إطلاق هذا الوصف عليهم؛ أعداء الإسلام، إنما هو تكفير صريح، وإخراج لهم من الملة، وحكم عليهم بالردة، لأنه لا يُتصور أن يعادي الإسلام مسلم عاقل وهو عالم بما يفعل، فلا يعادي الإسلام إلا كافر! لكن إطلاق هذا الوصف المكفِّر على هؤلاء الذين سبق ذكرهم لمجرد وقوعهم في الفسق أو إسهامهم فيه، يعد مجازفة عظيمة وتهوراً في إطلاق الكلام، ومعلوم أن الفاسق ليس كافراً بالضرورة، وأن مجرد ارتكاب الذنوب مهما عظُمت، دون الشرك، لا يخرج صاحبها من الملة ما لم يستحلّٓها.

صحيح أن كثيراً من هؤلاء يخدمون مشاريع كبرى معادية للإسلام، أو تؤول نتائجها إلى نشر الفاحشة والرذيلة والإفساد في الأرض، وذلك عبر بعض الإنتاجات الإعلامية والأعمال الأدبية الروائية، أو عبر بعض الفعاليات الحزبية أو الجمعوية، لكن الغالب على الظن أنهم يفعلون ذلك عن غير وعي منهم بحقيقته، وكثير منهم ينجرفون مع هذه التيارات جهلاً، أو غفلة، أو طمعاً، أو بدافع شهوة المال أو الظهور والشهرة، أو انبهاراً منهم ببريق المدنية الغربية التي يسعون إلى الانغماس فيها وإحلالها في المجتمع المسلم، لكن مجرد هذا الانجراف منهم، ولهذه الأسباب المتعلقة بشهوات أو بشبهات، لا يكفي لرميهم بتهمة عظيمة كالعداء للإسلام، وهي تهمة مكفِّرة كما سبق، ولا ينبغي للعاقل الذي يزن ألفاظه أن يتورط فيها بدافع من حميته للدين وغضبه لله وحماسته للفضيلة.

ولا يمنع هذا، من أن يكون بعض هؤلاء المنجرفين منطوين على كثير من أمراض القلوب، أو على النفاق في الدين، نفاقاً أصغر أو أكبر، وهذا مما تظهر علاماته لكل مسلم نافذ البصيرة، وهو مما تبدو مخايله في لحن القول وفلتات الألسنة وطبيعة المواقف، لكن مع ذلك كله، لا تدفعك الحمية إلى إخراج مكنون صدرك بلا تحفظ، والتعبير عن دخيلة نفسك تجاههم بصراحة ودون مراعاة لشيء، لأننا مأمورون أن نحكم على الناس بظواهرهم، وأما مصارحتهم بما تعتقده أنت في بواطن نفوسهم فهذا رجم بالغيب، واتهام للنوايا، ولا سيما إن كان الاتهام مكفراً كهذا الذي نتحدث عنه، وهو العداء للإسلام.

وأنت لو فعلت ذلك قام المتهم بالتباكي، وممارسة المظلومية، وسيعترض على اقتحامك لما لا يعنيك، ولما لا علم لك به، وسيكون على حق! وسيغلبك بسهولة، وستنهزم أمامه في ميزان العدالة الدنيوية حتى وإن كان هو على باطل، وكنت أنت على حق.

فاكتم أيها الفاضل خواطرك، واضرب صفحاً عما تلاحظ، وتغافل ما أمكنك ذلك، وقف عند حدود الظواهر، وخاطب الناس بها، وابن آراءك فيهم على قدرها، واترك استنتاجاتك الخاصة وملاحظاتك الدقيقة لنفسك، واقبل من الناس ظاهر الإسلام، واسكت عما تراه فيهم من طوية النفاق أو الكفر، واضبط لسانك جيداً وبالغ في ذلك، ولا تتلفظ بالكلمة إلا وقد وضعتها في ميزان الذهب، ولا تعط أحداً من كلامك سلاحاً يضربك به، ولا تكفِّر أحداً بالفسق والفجور والمعصية، فضلاً عن الظن والتخمين والاستنتاج.

وإن كنت ولا بد ناصحاً أحد هؤلاء المنجرفين، أو منتقداً له، فلا تتهمه بالعداء للإسلام، بل بين له أنه، ومن حيث لا يدري، يخدم بأفعاله مشاريع كبرى دخيلة على أمتنا، وهي مشاريع معادية لثقافتنا وديننا، ونبِّهه للوازم أفعاله، ومُدّ له الخط على استقامته، واستعرض أمامه الأسباب والنتائج، وبصِّره بالتاريخ، وضعه في سياقه الذي هو فيه، ولا تتركه حتى يعرف نفسه وأين هو، وماذا يفعل، ومن يخدم، وما هي المشاريع التي تورط في خدمتها، جهلاً منه – ربما – ودون وعي بحقيقتها وخطورتها.

فهذه غاية شأنك معه، ولا تتعداها إلى اتهامه بالعداء للدين، فأنت لست متيقناً من ذلك، بل تتبع الظنون والاستنتاجات، وهي جميعاً لا تكفي لإصدار حكم بهذه الخطورة على مسلم كائناً من كان، مهما بلغ في الانحراف والفساد والإفساد…

23/08/2014

بِغاءٌ أدبي ~

02/08/2014 عند 20:53 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

bighae adabi

.

بسم الله الرحمن الرحيم…

-﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ، وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ﴾-

سورة إبراهيم ~
* * *
انحدرتْ عيناي نحو آخر ما في الملف الرقمي من سطورٍ أنيقة، وقد رُصَّت تلك السطور بخطٍّ متميزٍ لعله اختير بعنايةٍ لما يحمله من فتنةٍ أنثوية، تجعل الكلمات تبدو وكأنها ترقص رقصة إغراءٍ داعرة، وتلا ذلك تنهيدةٌ حرَّى صاعدةٌ من قلبٍ حزينٍ كئيب… غير أنه لا ندم، رغم ما كان من ترددٍ طويلٍ في اتخاذ قرار الاطلاع على تلك السطور، وما حملني عليها إلا قراءتي لجميع ما كان قبلها، فكرهتُ أن تفوتني الحلقة الأخيرة من السلسلة، وما توقعتُ شيئاً قبل القراءة إلا أن تكون سطور تلك الرواية الحديثة نشازاً في مقطوعة الأدب العربي، تماماً كما كانت الروايات السابقة لنفس الكاتبة، ثم اكتشفتُ في النهاية أن توقعاتي كانت صحيحةً تماماً، مع فارق التفاؤل الذي – مع الأسف – لم يكن في موضعه.

إن الحديث اليوم هو عن الرواية الصادرة عام 2012، والمسماة: “الأسود يليق بك”، للكاتبة الجزائرية، الشمطاء الدردبيس، تلك المخذولة المختلَّة: أحلام مستغانمي.

ويظهر لي، بعد أن أتممت قراءة آخر سطور الرواية، أن كاتبتها أتت كعادتها بفاحشةٍ أدبيةٍ مبيَّنة، وأن (داء الكلَب الأنثوي) لا يزال مستولياً على عقل الكاتبة ووجدانها، وأن عاهتها المزمنة التي لازمتها منذ سنواتٍ طويلة، هي عاهةٌ لا شفاء منها إلا أن يشاء الله تعالى. ومما يبدو لمن يتأمل هذا العفن الذي تُنجَّس به رفوف المكتبات، ويُحتفى به من بعد كتحفٍ ذات قيمة، أن تلك الشمطاء المسكينة لم تنتفع بشيءٍ من تراكم التجارب، ولم تفد شيئاً من طول العمر وعلوِّ السن، وأنها مازالت إلى الآن، كما عهدناها منذ قديم، بغياً من بغايا القلم، وعاهرةً من عاهرات الأدب، فاسدةً مفسدة، ضالةً مضلة، قد ابتلاها الله بأن تتولى كبْر فساد الذائقة الأدبية عند الشابات القارئات من أشباه النساء ولا نساء، بل وحتى ويا للحسرة عند بعض الشباب القارئ، من أشباه الرجال ولا رجال.

غير أنه لا عجب، وقديماً قيل (من شبَّ على شيءٍ شاب عليه)، فلا يُستغرب ممن احترف صغيراً مهنة (البِغاء الأدبي)، أن يظل مقيماً على نفس هذه الحرفة المقيتة، وألا يصرفه عنها تقدُّم السن ولا حمرة الخجل، ولا حتى بقية الحياء تلك التي يُتوقع أن تُرى في الكائن البشري المحتفظ بشعاعٍ ضئيلٍ من نور فطرته.

ثم إن المصيبة مصيبتان، بل أكثر! ويجد الواحد نفسه في حيرةٍ من أمره وهو يكتب معلقاً على رزيةٍ من أمثال هذه الرزايا، هل يبدأ بمصيبة هذا (البغاء الأدبي) في حد ذاته، أم بما يحظى به من احتفاءٍ وتعظيمٍ ورفعٍ له إلى مقام الإبداع والإجادة، أم بما ابتليتْ به هذه الأمة المسلمة من انتشار القاذورات الأدبية المحسوبة على كتَّابها ومثقفيها، والتي يكتبها وينشرها أناسٌ محسوبون علينا وعلى ديننا، ثم تُعتبر أعمالهم ممثِّلةً لثقافتنا وعناوينَ لأمجادنا الأدبية، وما هي في الواقع من ثقافتنا ولا أمجادنا في شيءٍ قليلٍ ولا كثير، بل هي دخيلةٌ عليها، وهي في الحياة الأدبية للأمة بمثابة الجراثيم للجسد، تصيبه بالأمراض والعاهات، وتفسد فيه ما كان صالحاً من قبل، حتى إنك لتجد الفتاة المسكينة تكتوي في حياتها الفكرية والشخصية بنيران هذه السموم، التي حقنتها في دماغها حيةٌ رقطاء خبيثةٌ كأحلام هذه، ثم هي – ويا للعجب – تطبِّل لها وتمدحها، وتعظِّمها رافعةً إياها إلى مصاف الملائكة المطهرين!

وليست هذه بمازوشيةٍ كما قد يُتصور في البدء، والفتاة ليست مصابةً بداء (التلذُّذ بالألم) كما قد يظن البعض، لكنه مفعول المخدر الذي يسري ببطءٍ مميت، فلا يشعر المصاب به إلا وقد استولى على أقطار جسده. وما روايات أحلام النجسة، ووصف النجاسة يعود عليها وعلى رواياتها معاً، إلا جزءٌ صغيرٌ من منظومة إفسادٍ يشرف عليها قومٌ لا يحملون لنا إلا العداء المر، وما هم في الحقيقة إلا دعاةٌ على أبواب الجحيم. وأما المخدوعون والمخدوعات، والمفتونون والمفتونات، فجميع هؤلاء مساكين، فراشاتٌ تنبهر بالنار فتحوم حولها لتحترق بها، من قلة العقل وقصر النظر، وفساد الذائقة وسفاهة الأحلام.

وأسوأ من هذا وذاك، أن تأتي أنت منتقداً ظاهرة البغاء الأدبي هذه، موضحاً ومبيناً مواطن الخلل ومكامن الخطر، ثم تأتيك من تأتيك ببلاهةٍ ظاهرةٍ وغباوةٍ طافحة، لتسألك مستغربةً غير فاهمةٍ لشيء:

– “لكن لماذا؟ وأين المشكلة؟ وما العيب في هذه الكتابات؟ وما السيئ في تلك الروايات؟ وما الغريب فيها؟”

عندها فقط، تدرك أنه قد فُرغ من حقن السم في بعض هذه الأدمغة، وأنه قد تم تغليفها بإحكامٍ بالإسمنت المسلَّح العازل للصوت…

ولا ينقضي الأسف ولا تنتهي الحسرة، عندما يُدَّعى أن ما تعالجه هذه المأفونة في رواياتها إنما هو “الحب”، أرقى المشاعر الإنسانية على الإطلاق، وأنها قد ارتفعتْ به إلى مستوياتٍ عاليةٍ لم تُسبق إليها، فأي مناحةٍ تلك التي يستحق الحب أن تقام لأجله، وقد صار ينطق باسمه ويتبنى قضاياه كل عاهرٍ وعاهرةٍ من عواهر الأدب، وقد كنا نقرأ قديماً عما يسمى بـ (الحب العذري)، وكنا نجده متمثلاً في بعض ما يُترجم إلى العربية من الروايات الأجنبية، تلك التي كتبها أناسٌ ليسوا منا ولا على ديننا، ومع ذلك كان الواحد يلمس في قصصهم مشاهد من الطهر والفضيلة، والتسامي بالعاطفة إلى أعالي السماء، وأما الآن فقد صار يكتب عن الحب وباسمه، أمثال أحلام مستغانمي، ممن هي محسوبةٌ على العرب والمسلمين، وبدلاً من أن نتمثل في رواياتها مشاهد التسامي بالعاطفة، أو ما يستحق أن نسميه بـ (الحب العذري) أو (الحب الطهري)، صرنا نتمثل فيها ما أحب أن أسميه بـ (الحب العهري)، في أحطِّ أشكاله وصوره، وليس أسوأ منه إلا أن يصير مقبولاً ومبرراً عند القارئات والقراء، بحججٍ وتأويلاتٍ سمجةٍ سخيفة، نجدها دائماً ملفاتٍ مرفقةً لما تروِّج له هذه العميلة الخائنة وغيرها، من قيمٍ وأفكارٍ يحترفون تغليفها بالكلمات البرَّاقة والعبارات الرنَّانة.

وهي دائماً نفس الكلمات، ونفس الأساليب، ونفس السموم المنفوثة، ونفس الضغائن والأحقاد والأمراض النفسية، ونفس الأفكار الجاهلية المتخلفة، ونفس تلك النزعات الهمجية، كل ذلك يتكرر باستمرارٍ دون أي جديدٍ يُذكر أو حسناتٍ تُشكر، بل هو الدوران في حلقة مفرغةٍ آخرُها أولُّها، وقد أبت كاتبتنا المبجَّلة إلا أن تجعل نفسها، بإصرارٍ عجيب، شبيهةً بمخلوق الله ذاك الذي جُعل لكي يدور بالرحى، فهو يمشي مجهداً نفسه، حاملاً أسفاراً، أو أثقالاً مع أثقاله، متوهماً أنه يقطع المسافات ويمضي قدماً، وما هو إلا دائرٌ في حلقته نفسها لا يبرحها، فكذلك هذه!

على أن الحركة قد تتباطئ، وقد ينال التعب من المخلوق بكثرة ما أجهد نفسه من غير طائل، وقد حصل هناك إجماعٌ أو شبه إجماع، من كل محبٍّ لهذه الكاتبة ومبغضٍ لها، ومن كل مؤالفٍ لها ومخالف، أن روايتها الأخيرة، “الأسود يليق بك”، هي أقل جودةً بكثيرٍ من أعمالها السابقة، ومن ثلاثيتها المشهورة، وهذا من وجهة نظرٍ موضوعيةٍ بحتة، مرتبطةٍ بما هو قصصيٌّ وأدبيٌّ وأسلوبي، دون التطرق بشيء مما وراء ذلك مما لا ينظر إليه ولا يعبأ به إلا من رحم الله تعالى.
* * *
تدور قصة هذه الرواية وأحداثها، حول محاور محددةٍ هي دائمة التكرار في روايات أحلام وكتاباتها، وأهمها موضوع الإرهاب والتطرف، ثم موضوع الحب والعشق بأسئلته الكثيرة التي لا تنتهي، ثم موضوع الصراع المفتعل بين المرأة والرجل، وهو الصراع الذي تذكي نيرانه هذه الوضيعة وتشعلها، تماماً كما ينفخ الوزغ في النار، وما أحلام هذه إلا وزغٌ ينفخ في نيران العداوة والبغضاء، والضغائن والأحقاد بين كل رجلٍ وامرأة، حتى صرت تجد الفتاة موتورةً حاقدة، متهكِّمةً متهجِّمة، رقيقة الدين وقد أُشْرِب قلبها من كل الشبهات، فاسدة الطباع والأخلاق، غليظة القلب فظَّة، تمقت كل رجال العالم وتزدريهم، وتعمِّم عليهم جميعاً أقسى عبارات السب والشتم والاحتقار، كل هذا بسبب صورٍ ذهنيةٍ كاذبة، وبعضها مبالغٌ فيه، تخلَّقت في ذهنها وتكوَّنت، بسبب كتابات أمثال هؤلاء الدخلاء الخونة.

ثم تكون نتيجة هذا التطرف تطرفاً ذكورياً مقابلاً، حتى إنك لتجد الشاب في المجتمع المسلم فاقداً لثقته بكافة أخواته من الإناث، كارهاً لهن، محتقراً لأخلاقهن وأفكارهن، مستريباً من مظهرهن ومخبرهن، معمِّماً عليهن أقبح الأوصاف وأشنعها، وربما اشتطَّ بعضهم وبالغ، حتى إنه ليتورط في قذف الأعراض ورمي المحصنات بالشبهة والباطل، وكل هذا بدافعٍ من ذلك الحقد الأسود الذي يضطرم في قلوبهم تجاه كل أنثى، ومن ذلك الصراع المفتعل الذي تتولى كبْره أحلام وأمثالها من دواعر الإعلام والأدب، بحجة تحرير المرأة تارة، وبحجة حرب ما يسمونه بالمجتمع الذكوري تارة أخرى، وبحجة مقاومة التطرف الإسلامي والإرهاب تارات!

“هذا الرجل البغيض هو عدوك اللدود، وهو كائنٌ حقيرٌ فاحذريه وحاربيه واطغيْ عليه، واقعدي له كل مرصد!”

هذا هو ملخص الرسالة النبيلة التي أفنت أحلام عمرها المديد لكي تحقنها في عقول قارئاتها، وروايتها هذه هي مجرد حلقةٍ في ذلك المسلسل الطويل، وهي بِرْكة آسنةٌ من كلماتٍ وقحة، خطَّتها أنامل آثمةٌ قذرة، وتدور أحداثها حول فتاةٍ في السابعة والعشرين من عمرها، أطلقت عليها اسم (هالة الوافي)، هي بطلة الرواية النموذجية كما تريدها أحلام، وكما تريد أن تجعل منها قدوةً ومثالاً يُحتذى به من طرف قارئاتها المغفَّلات.

هذه الفتاة (هالة الوافي)؛ شقَّت لنفسها طريقاً من التحرر والانطلاق في مجال الموسيقى والغناء، متحديةً بذلك ضغط الأسرة المحافظة والمجتمع الذي لا يرحم، وتهديد الإرهابيين القتلة في زمن الفتنة، وقد خلعت أحلام على (هالتها) أضواءً من البطولة والشجاعة، من باب أنها وبواسطة ما تحترفه من الغناء؛ تمارس نوعاً من المقاومة التحرُّرية المقدَّسة، وترسِّخ في أذهان القراء صورة تلك الفتاة المغنية، الواقفة على منصةٍ فخمةٍ أمام جمهورٍ عريض، وخلفها جيش الموسيقيين، وهي متبرِّجةٌ خالعة العذار، طارحةٌ عنها ذلك الحد الأدنى من حياء الفتاة المسلمة، ثم تبدأ في الغناء، وتصدح، وتصرخ وتتمايل، وتَزعق وتُصعق، والناس جميعاً يصرخون ويصفقون، والأضواء الكاشفة مسلَّطةٌ عليها، وهي منتشيةٌ بكل ذلك ومستلِذَّةٌ له، وتحسب أنها بهذا المجون الذي تمارسه إنما تجاهد في سبيل تحرير المرأة، وتقف وقفةً شجاعةً مقدامةً تتحدَّى بها المجتمع المحافظ والمتطرفين الإرهابيين.

ولسنا هنا في حاجةٍ إلى بيان أوجه الجهل والسفاهة في هذا الموقف الذي تتبناه أحلام وأمثالها، من اعتبار أن محاربة التطرف الإسلامي لا تكون إلا بالتطرف الليبرالي، وأن مقاومة الإرهاب لا تكون إلا باستعلان الفسق والفجور، والارتماء في أتون العمالة الصارخة للثقافة الغربية بكل ما فيها من الكفر والانحلال والفساد الأخلاقي، فأحلام كما هو معلومٌ لدى الجميع علمانيةٌ محترقة، والحيَّة لا تلد إلا مثلها!

لكن الذي يؤلم القلب حقاً، هو ما نراه من ذلك الإعجاب الغريب والاستحسان الغامض لأمثال هذه النماذج الذهنية الفاجرة المنشورة في روايات أحلام وغيرها، من طرف فتياتٍ مسلماتٍ غير محسوباتٍ على التحرر والانحلال الخلقي، بل إن بعضهن محسوباتٌ على أهل التدين والصلاح، ومع ذلك صار يلاحَظ في بعض تعليقاتهن وردود أفعالهن؛ ذلك الانبهار الأبله، وذلك الإعجاب الدفين المعبَّرَ عنه بالتصريح أحياناً، وبالتلميح أحياناً أخرى، بتلك النماذج (الأحلامية) الفاسدة، بطريقةٍ مريبةٍ تجعل الواحد يستحضر ذلك الشعار المرفوع في بعض دول الغرب، من طرف أصحاب التيار الإباحي، والذي يقول “أخرجي العاهرة التي بداخلك”، فهذه تكاد تكون من تلك، أو هي منها فعلاً، غير أننا لا نشتطُّ ولا نبالغ، ولا نتهم المرأة بما لم تقله، بل نلتزم في التعبير بما هي عليه فعلاً، ونكتفي وصفاً لما نراه من النتائج الملموسة المؤسفة، بأن نعتبر أن الشعار الأحلامي في الكتابة الأدبية هو: “أخرجي الفاسقة التي بداخلك! ”
* * *
بدأ نجم (هالة الوافي) يسطع في سماء الغناء، وفُتحت لها أبواب القنوات التلفزية والمقابلات الصحفية، والتي عبَّرت فيها أحلام على لسان بطلتها، عن بعض ما تعتقده من خزعبلات وترَّهات، وفلسفاتٍ فارغة، كانت سبباً في لفت انتباه رجلٍ من الرجال، وهو بطل الرواية الثاني وعقدتها، وقد جعلته الكاتبة شخصيةً مميزةً بكافة تفاصيلها، حتى أني أزعم أنها أجادت وصف تجاويف روحه وأسرار شخصيته بأسلوبٍ أفضل من وصفها لبطلتها الأنثى. والواقع أن تلك الشخصية الذكورية في هذه الرواية إنما تجسد العقدة النفسية المتأصِّلة في تلك الأعماق المظلمة الخربة للكاتبة، بحيث أنها قد صنعتْ رجلاً على مزاجها ومثال مخيلتها المريضة، وضخَّمته إلى الحدود القصوى للضخامة، ثم هوت به إلى أسفل سافلين، وختمت له بالخزي والمهانة والاحتقار، كل هذا بأسلوبٍ انتقاميٍّ وضيعٍ ينمُّ عما تنطوي عليه نفسها من خسَّةٍ ودناءة، وينضح به قلبها من غلٍّ وحقد.

هذا الرجل، وهو كهلٌ قد عاش أكثر من نصف قرن، لفتت انتباهه المطربة الشابة (هالة الوافي)، بأشياء كانت تقولها في بعض مقابلاتها التلفزية، فعزم على أن يمتلكها ويستحوذ عليها، ويقرِّبها منه بأسلوبه الخاص، وكان فاحش الثراء بشكلٍ يصعب على الوصف، فبدأ يستدرجها بأسلوبٍ خاصٍّ فريدٍ من نوعه، يختلف عن كل أنواع الاستدراج المعروفة لدى الفقراء والأثرياء معاً، أسلوبٍ يليق برجلٍ يلعب بالأموال الطائلة كيف يشاء، وليس غير المال ما يملك، فبدأ بإرسال باقات الورود المتميزة، المختلفة عن تلك الباقات المعتادة التي تتلقاها المطربات من المعجبين، ثم عمد إلى إرسال بطاقاتٍ أنيقةٍ مع الباقات، تحتوي على عباراتٍ اختيرت ووُضعت بعناية، ومنها عنوان الرواية نفسه “الأسود يليق بك”، ثم واصل أساليب تقرُّبِه من الفتاة واستدراجه لها، بطرقٍ سينمائيةٍ مبتذلة، حتى حصل على رقم هاتفها وحصلت هي على رقم هاتفه، ووقع الاتصال الأول، المكالمة الأولى، ثم الموعد الأول…

ولا يحتاج القارئ الكريم إلى أية إشارةٍ لطبيعة الحوارات بين الشخصيتين، وإلى أن نذكر بأنها متشبعةٌ بهراء الحداثيين ورطانة المتفلسفين، وكل تلك التقعُّرات الغبية في الكلام والتي يسمونها (عمقاً)، وهي في الواقع (عقمٌ) في الفكر واللغة، وعادةً ما يكون ذلك العمق، أو ذلك العقم بتعبيرٍ أصح، سبباً في تبادل الإعجاب والانبهار بين الطرفين.

ثم صارت الأحداث إلى علاقة حبٍّ غامضة، أقامتها الكاتبة على مرتكزين؛ الأول ذلك الترف المادي الباذخ الذي لا حدود له، والذي كان يتمتع به الرجل، ويغطي به فراغات روحه ومواطن ضعفه، مما جعله يسحب (هالة) إلى عالمه الخاص المحلِّق عالياً فوق تلك الأبراج السامقة المشيَّدة بالأوراق النقدية.

والثاني تسلُّطُ الرجل وسطوته، وممارسته لأساليب الطغيان والجبروت على محبوبته هالة، وتدخله السافر في كل شأنٍ من شؤون حياتها، وسلوكه معها بطريقة الآمر الناهي، معتمداً على قوة المال والمنصب، وكانت هالة في كل مراحل الرواية تنهزم أمام حبها لهذا الرجل، أو أمام تلك الرهبة الغريبة لحضوره الطاغي، لدرجة أنه وبدافعٍ من غيرته من نجوميتها الصاعدة، قد نجح في حرمانها من ممارسة الغناء الذي يسلبها منه، بحجة أنها أكبر من أن تغني في أمثال تلك الحفلات الوضيعة، وأن مكانها مع عمالقة الموسيقى وأساطين الغناء.

واستمرت الرواية على هذا النحو، انهزاماتٌ واستسلاماتٌ من البطلة، وممارساتٌ متفرِّدةٌ متميزةٌ للتعبير عن الحب أو السيطرة أو العمق من طرف الرجل، قِوامها المال والثراء والمنصب. وكان بين العاشقين نوعُ تحدٍّ، وما كان الرجل قد شفي من موقفٍ قديمٍ مُرِّغتْ فيه كرامته في التراب، بعد أن فشلت الفتاة في امتحانٍ تعجيزيٍّ وضعها فيه يوم الموعد الأول، إذ امتحنها بأن تتعرف عليه في المطار الذي ستنزل فيه، ولم تفلح في ذلك، وظلَّت تتفرَّس في وجوه (الرجال) بحثاً عنه، ولم تعبأ بوجوده رغم أنه كان على بعد خطواتٍ منها، في دلالةٍ واضحةٍ صادمةٍ على أنه (لا يساوي شيئاً) من دون جيبه ومنصبه.

ثم انتهى الأمر إلى أن يتأكد فعلاً، في نهاية الأمر، من أنه (لا يساوي شيئاً) دون ذلك المال ودون ذلك المنصب، وقد اختارت أحلام أن تجعل نهاية الرواية (المأساوية) بحيث تكون أنثاها هي البطلة البريئة، التي أحبت الرجل بصدقٍ رغم كل عيوبه القاتلة، ومنحته ثمرة قلبها ومساحاتٍ من جسدها، غير أنه وبسبب سوء فهمٍ منه لبعض تصرفاتها مما هو ظاهره الخيانة، وليس كذلك في الحقيقة، أو إهانتها لماله وهو ما يعتبره إهانةً له، وما كانت تريد إلا التعبير عن مشاعر الحب نحوه بإعداد مفاجأةٍ له، قد ثار عليها وانفجر في وجهها، وسلَّط عليها سكاكين ألفاظه الجارحة، وألقى بها إلى القعر بعد أن كان رفعها إلى أعالى السماء.

أمضت (هالة) زمناً طويلاً من الانهيار النفسي، بعد أن انسحبت من عالمه الباذخ كسيرةً محطَّمة، وأبتْ إلا أن تمعن في إهانته وتمريغ كرامته في التراب، بعدم الاتصال به والسعي لتسوية الأوضاع معه، ثم تماثلت للشفاء منه، وعادت إلى ممارسة عملها (الثوري) الذي أحبته من كل قلبها: الغناء.

وتنتهي الرواية بنفس ذلك المشهد السابق وصفه، والذي تعبِّر فيه أحلام عن منتهى ما يمكن أن تصل إليه أنثاها النموذجية المتحررة الثائرة؛ ذلك الوقوف على منصة الغناء أمام الجمهور الغفير، ووراءها جيش الموسيقيين، بذلك التبرج السافر والعذار المخلوع، والحياء المراق أرضاً، ثم رفع الصوت بالغناء، وهو مشهدٌ – كما ترى – بطوليٌّ خارق، تهدف أحلام إلى وصفه بطريقةٍ تقدِّسه بها، وترتقي به إلى أن يكون (رمزاً) للتحرر الأنثوي من كل تلك الأشياء (البغيضة) التي لا تكون الأنثى حرةً إلا إن تمردت عليها، وحبذا بالغناء! وتلك الأشياء هي: الدين، والأخلاق، والقيم، والأسرة، والرجل!

تقول أحلام في إحدى الصفحات الأخيرة من روايتها:

– “صوتها الليلة يغني لحريتها، يصدح احتفاءً بها، صوتها الليلة لا يحبُّ سواها، لأول مرة تقع في حب نفسها.

هي ليست معنيةً بالذين يصفقون لها واقفين، ولا بالذين يتابعونها في بيوتهم جالسين أمام شاشات تلفازهم. حتى هو، ما عاد يعنيها أن يكون الآن يشاهدها في أحد بيوته، وقد خلعتْ ما كان يسمِّيه (لونهما).

هو يمجِّد سوادها، كان يريد أن يديم استعبادها، فأثناء ذلك، كان يخونها مع عشيقته الأزلية، تلك الشهية التي لا ترتدي حداد أحد: الحياة.”
* * *
أذكر أني قلت قديماً، في تعليقٍ مختصرٍ على كتابٍ سابقٍ لكاتبتنا الحيزبون هذه، هو (نسيان كوم)، والذي تدَّعي صاحبته فيه أنها صارت شيخة طريقةٍ في العشق! (وهي “شِيخةٌ” فعلاً)! قلتُ واصفاً تقحُّم العجوز لما ليست له بأهلٍ ولا تعلم عنه شيئاً: “فاقد الشيء لا يعطيه.”

وكنت أعني يومها أن فاقد العلم بالحب لا يعطي العلم بالحب، ويبدو لي الآن أني كنت كثير الترفق بها إذ اكتفيتُ بهذا الوصف المختصر، وإلا فلو أردتُ أن أصف حالتها بدقةٍ أكثر، فإني أستحضر عبارةً باللهجة العامية المغربية، أحبُّ أن أعيد صياغتها بالعربية الفصحى توصيفاً لحالة أحلام وعلاقتها بالحب الذي تسرف في الثرثرة عنه، وليفهم العبارةَ من يفهمها، ومن لم يفهمها وكان مهتماً بمعرفة معناها فليسأل، وتلك العبارة هي: “ما يُفهِم الأتان في الزنجبيل؟!”

لقد ثرثرت أحلام كثيراً طيلة عمرها المديد عن الحب وشؤونه، وحُقَّ لي وللجميع أن نتساءل الآن؛ ما القيمة المضافة التي منحتها رواياتها لهذا الموضوع الدقيق والحساس في حياة الإنسان؟ هل أفادت أحلام الحب والمحبين في شيءٍ يصلح أن يوضع في ميزان الحق؟ أم أن ما تكتبه كان وما زال سبباً في نشر المشاكل والأحزان والأحقاد والضغائن؟

إني أناشد الله جميع المنصفين أن يتأملوا بقلوبهم هذا السؤال، ثم ليجيبوا عنه بصراحةٍ فيما بينهم وبين أنفسهم، هل كان للآثار الأدبية والفكرية لأحلام مستغانمي أثرٌ إيجابيٌّ بنَّاءٌ على النفوس والعقول والأخلاق، أم أن الأثر كان سلبياً هدَّاماً؟

إني أترك الإجابة عن هذا السؤال لإنصافكم، وصدقكم مع أنفسكم، ويقظة ضمائركم، بل وحسِّكم الأدبي والجمالي أيضاً، ولست أشكُّ في أن من أوتي ذرواً من الذوق الفني والحساسية الأدبية، بمستطيعٍ أن تمرَّ عليه عبارات أحلام وأساليبها دون أن تمجَّها نفسه، وتلفظَها فطرته، ومعلومٌ ما في أسلوبها من الإسفاف باللغة العربية، والحطِّ من قدرها، واستخدام العبارات التي لا تليق أدباً ولا شرعاً، وجرأتها على التجديف العقائدي، ووصف البشر بالآلهة والأنبياء، وذلك موجودٌ ومتكررٌ في روايتها الأولى (ذاكرة الجسد)، والتي يكثر فيها وصف بطلها بـ (النبي) استخفافاً، وفي روايتها هذه (الأسود يليق بك)، ويكثر فيها وصف الرجل بـ (الإله) انتقاصاً وتحقيراً.

ولست أدري كيف بلغ الأمر بأتباع المرأة ومحبِّيها، من الفتيات والشباب، إلى أن يُطمس على قلوبهم إلى هذه الدركة، إلى الحد الذي ما عادوا معه يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فهم يمجِّدون الكاتبة ويعظِّمون رواياتها، وبعضهم محسوبٌ على الالتزام الديني، ولست أدري كيف صاروا يغفلون أو يتغافلون، عما تفعله الكاتبة من جعل الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، والحلال حراماً والحرام حلالاً، وكيف غاب عنهم أن ينظروا إلى جميع أمور الحياة، بما فيها الآثار الأدبية، بعيون هويتنا العقائدية والأخلاقية، وتأسيساً عليها يحاكمون النص الأدبي ويقيِّمونه، فهل من المقبول عندهم – مثلاً – أن تنحطَّ الكاتبة في ازدراء مؤسسة الزواج، ووصفها بما لا يليق تحقيراً لها وحطًّا من قدرها، ثم إذا وصفت فاحشة (الزِّنا) خلعت عليها طقوس القداسة وعبارات التعظيم والتمجيد؟!

وهل يهون عليهم كل ذلك التطبيع الذي يمارسه القلم القذر مع الخنا والفجور، والفسق والانحلال، وتبرُّج الإناث وغنائهن الماجن، واستمراء التبذير وشرب الخمور، ثم توصف كلُّ هذه الفواحش وصفاً تريد الكاتبة به أن تجعلها أمراً عادياً مقبولاً، بل ودليلاً على الرقي والتقدم والارتفاع عن القيم البالية للدين والأخلاق والمجتمع؟!

بهذه العين يجب أن ينظر المسلم الذي لم تتلوث فطرته لأمثال هذه الأمور، حتى لو كان هو نفسه واقعاً في جميع هذه الذنوب سالفة الذكر، إلا أن هذه الدعوة السافرة إليها، والمحاولة الحقيرة للتطبيع معها وإلباسها لباس القبول بل والرقي، لأمرٌ عظيمٌ جللٌ لا ينبغي أن يُقبل ولا أن يُسكت عنه، فضلاً عن أن يُحترم ويُقدَّر ويُمدح، فضلاً عن أن يُعظَّم ويمجَّد، وإلى الله المشتكى.

إن المشهد الذي تريد الكاتبة به أن تصف جلسةً باذخةً مترفةً يسيل لها اللعاب، هي في الواقع ليست أكثر من جلسة خمريةٍ فاجرةٍ تتنزَّل عليها لعنات الله ويحلُّ بها غضبه، والخمر كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الخبائث، وفيها اجتمع الشر كله، وهي محرمةٌ في الكتاب والسنة تحريماً قطعياً، وملعونٌ كل من يباشرها بأي شكلٍ من أشكال المباشرة.

وذلك المشهد الذي تصف فيه الكاتبة تلك البطولات الأنثوية في ميدان الحب والعشق، عندما تنجح الأنثى في مناوراتها للأهل والمجتمع، وتختلس في النهاية ليلةً تخلو بها مع حبيبها، فإن الكاتبة تصوِّر هذا المشهد على أنه (بطولةٌ ونجاح)، وانتصارٌ للحب المقدَّس على القيود والأغلال، وأما في الواقع والشرع فاسمه (فاحشة الزِّنا)، وهو انحطاطٌ وقذارةٌ ورذيلة، وقد وصفه ربنا عز وجل بأنه كان فاحشةً وساء سبيلاً، ويعاقَب فاعله بعذابٍ أليمٍ في الدنيا والآخرة إن لم يتب الله عليه، فهكذا ينبغي أن نسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، وأن ننظر إلى الأمور بهذه العين التي تعطي لكل شيءٍ قدره الحقيقي وتضعه في نصابه الذي يستحق.

وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز، قولاً ينطبق على هذه الفاجرة وأمثالها في سورة النور: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾.

فأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن تكون هذه الرواية آخر ما تخطُّه أحلام بأناملها الآثمة، وأن يقطع الله يدها عن كتابة المزيد مما تضلُّ به الناس وتفسد عقائدهم وعقولهم، وقلوبهم وأخلاقهم، فهي عندي ليست إنسانةً سوية الفطرة والنفس، وما أشك للحظةٍ في أنها مصابةٌ بأحد أنواع السُّعار الجنسي، أو (داء الكلَب الأنثوي)، ورواياتها الصادرة عنها ليست أعمالاً أدبيةً في الحقيقة، وإنما هي (نوباتُ صرعٍ) بغيضة، وصرخاتٌ ناشزةٌ زاعقةٌ تؤذي الأسماع، وأوراقٌ وسخةٌ رُشَّ عليها مدادٌ عفنٌ تتلوَّث به رفوف المكتبات وجلود المحافظ.

وهي من قبل ومن بعد، وبكلِّ ما كتبته منذ أول كلمةٍ خطَّتها بقلمٍ وحتى آخر ما نُشر لها، لا تساوي وزنها رملاً، ولا ثمن الثياب التي ترتديها، وأولى بها أن تخضع هي وغيرها من أمثالها، لخبرةٍ طبيةٍ بيطرية، لتشخيص الداء ووصف الدواء، والحمد لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه، وفضَّلنا على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، ونسأله تعالى الشفاء العاجل لجميع مرضى المسلمين، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل…

02/08/2014

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.