الذوق الأدبي – أرنولد بينيت

17/05/2020 عند 18:04 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: الذوق الأدبي

تأليف: أرنولد بينيت

صدرت عام: 1909

ترجمة: علي محمد الجندي

.

=====

قرأتُ من هذا الكتاب نسخةً صفراء مهترئة الورق، أظنها الصادرة عام 1957 حين تُرجم الكتاب أول مرة، وقد أعيدت ترجمته بعد ذلك ونُشر في نسخة أخرى أحدث.

وهو كتابٌ ضئيل الحجم عظيم الفائدة، يتناول فيه مؤلفه موضوعاً يهمُّ كل طالب للأدب قراءةً أو كتابة، فلا قراءة مثمرةً ولا كتابة يُعتدُّ بها إلا بذوق أدبي مصقول، مبني على أسس متينة من سعة الاطلاع ورقة الشعور.

ويمكن تلخيص محتوى الكتاب في النقاط الرئيسية التالية:

⁃ انتقد الكاتب في البداية ذلك الرأي السائد الذي يعدُّ الأدب ضرباً من الحليِّ أو (إكسسوارات الزينة)، أو شيئاً الهدف منه التسلية فقط! وأكَّد على أن الأدب ضرورة لا غنى عنها للرقي الإنساني وشرط أساسي للحياة الكاملة كما يجب أن تكون.

⁃ تحدث الكاتب حول علاقة الإنسان (القارئ) بالكلاسيكيات الأدبية، وحلَّل تلك العلاقة تحليلاً نفسياً عجيباً فريداً من نوعه، ثم عرَّج على خصائص الأدب الكلاسيكي، وفرْق ما بينه وبين الأعمال المعاصرة، وكيف أن القارئ قد يشعر بشيء من خيبة الأمل حين يطالع الكلاسيكيات أول مرة، وقد يرى أنها لا تمنحه المتعة التي كان ينتظر أو التي تتناسب مع شهرتها.

⁃ حذَّر الكاتب المبتدئين في الأدب من الإعراض عن الكلاسيكيات والإقبال فقط على الأعمال الحديثة رغم النشوة الحارقة التي قد تمنحهم هذه الأخيرة، لأن ذلك مفسدٌ في الغالب لذوقهم، ولأن الذوق السليم يجب أن يبنى أولاً على مطالعة الأعمال المجمع على جلالها وعظمتها، فإذا ما تشبَّع المرء بالأعمال العظيمة جاز له أن يطَّلع على جديد الأعمال، وكان له من سلامة الذوق ما يتيح له أن يأخذ منها ويدَع، ويقبل منها ويرفض.

⁃ ليس معنى النقطة السابقة أن كل عمل قديم عظيم، وأن كل عمل جديد سيئ. بل لقد نصَّ الكاتب على أن نسبة الأعمال الجيدة مقارنةً بمجموع الأعمال هي نفسها في كل عصر، لكن الكلاسيكيات القديمة قد تجاوزت امتحان الزمن وحازت الخلود المستحَق، أما الأعمال الجديدة فركامٌ مختلط، ولن يمتاز غثُّه من سمينه إلا بعد مرور أجيال يذهب فيها زبد الأعمال الرديئة جُفاءً، ثم لا يبقى إلا الأعمال التي ستستحق لاحقاً أن تتوَّج بلقب (الكلاسيكية) المشرِّف.

⁃ ذكر الكاتب أهمية اقتناء الكتب، وأن تكون للإنسان مكتبة حقيقية في منزله يراها ويمرُّ بها كل لحظة، فإن لوجود المكتبة وحده تأثيراً عظيماً ودافعاً إلى القراءة والاطلاع، كما اقترح على المرء أن يخصص 5% من دخله لاقتناء الكتب.

⁃ أنكر الكاتب الفكرة القائلة بالتفريق بين الموضوع والأسلوب، حيث توصف بعض القطع الأدبية بأنها (ذات مواضيع جيدة لكن عُبِّر عنها بأسلوب رديء). لا فرق إطلاقاً -في نظر الكاتب- بين الشكل والمضمون، وبين الفكرة والأسلوب، وذلك لأنه من المستحيل لغوياً التعبير عن الشيء الواحد بطريقتين مختلفتين، وأن كل اختلاف مهما دقَّ في الألفاظ أو التراكيب لا بد أن يترتب عنه اختلافٌ ما في المعنى. ومن ثمَّ فإن الركاكة في الأسلوب تنتج عن أن الكاتب لا يدرك فكرته إدراكاً واضحاً، ولا يعي كل الوعي ما يتحدث عنه، فلذلك يأتي أسلوبه ركيكاً ضعيفاً، ولو أنه كان قادراً على تصور فكرته تصوراً واضحاً لطاوعته الألفاظ والتراكيب، ولعبَّر عن فكرته بأسلوب حسن سليم.

⁃ وضع المؤلف مكتبةً افتراضيةً رآها ضروريةً لكل طالب أدب، تتضمن عناوين الكتب التي لا غنى عنها، مع تكلفة تلك الكتب، والمنهج السليم لقراءتها، لكن المترجم أسقط القائمة ولم يدرجها في نسخته، لأنها موجَّهة حصراً لطالب الأدب الإنجليزي، وبذلك فهي غير ذات نفع للقارئ العربي.

⁃ ختم المؤلف كتابه بفصل سمَّاه (الجرد العقلي)، والمراد بالجرد أن يتوقف القارئ كل فترة، وأن يراجع نفسه ويسائلها عما استفاد من مقروئه، وهل حصل له تطور في ذوقه وملكته أم أنه يدور في نفس الحلقة المفرغة. وهنا أكَّد الكاتب على أن الهدف من الأدب ليس المتعة فقط، وإن كانت المتعة هدفاً مشروعاً، بل إن الهدف هو تكوين الإنسان والارتقاء به نفسياً وأخلاقياً وجمالياً واجتماعياً، ومن ثمَّ فإن المستفيد الحقيقي من الأدب هو الإنسان الذي يلمس من نفسه رقةً في الطبع وحسناً في الأخلاق، وحساسيةً مرهفةً تجاه مواطن الجمال وقدرةً على التقاط ما خفي منها، وأما لو لم تزده القراءة إلا جفاوةً في الخُلُق وتبلُّداً في الطبع فما هو من الأدب في شيء ولا الأدب منه في شيء، بل إن ذلك يدلُّ على خلل أصيل في نفسه أو في ما يقرأ أو في منهجه للقراءة.

كتاب (الذوق الأدبي) كتاب مفيد ممتع يجمع بين حديث الأدب والتحليل النفسي، اختار له مؤلفه أسلوب المخاطَب كي يحسَّ القارئ وكأن المؤلف يجالسه ويوجه كلامه إليه، ما ضخَّ في سطوره وصفحاته دفءاً وألفة، وهو من الكتب التي تستحق أن يُرجع إليها وتُقرأ أكثر من مرة، لأن كل قارئ أو كاتب سيجد نفسه في شيءٍ منه ولا بدَّ.

#أنس_سعيد_محمد

17/05/2020

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.