وهم الثوابت – عادل مصطفى

06/11/2021 عند 19:01 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: وهم الثوابت

لمؤلفه: عادل مصطفى

البلد: مصر 🇪🇬

صدر عام: 2017

.

====

بعنوان يبدو صادماً للقارئ ينفي الدكتور عادل مصطفى وجود ما نسميه بـ “الثوابت”، وعلى غرار كتابيه “المغالطات المنطقية” و”الحنين إلى الخرافة” يضع المؤلف يده على خللٍ مكينٍ في بُنانا التفكيرية، منطلقاً من تنظيره الفلسفي ومنتهياً بآثاره الملموسة على أرض الواقع.

ليس هذا الكتاب إذن كتاب أفكار مجردةٍ كما قد يبدو، بل إنه يمسُّ شيئاً دفيناً في عمق نماذجنا الإدراكية، ويُهيب بنا أن نعيد النظر في كل ما ظننَّاه من قبلُ رواسخ ثابتة، ومن ثمَّ نرى العالم بمنظور مغاير تماماً بحيث يتبطَّن وعيُنا بالأشياء حقيقتَها المتغيرة، وأنْ ليس لها ماهيةٌ محددةٌ إلا ما تخلعه عليها حاجاتنا التصنيفية، وأنْ ليس ثمة حدودٌ فاصلةٌ بين الألوان بل هي أطيافٌ متدرجةٌ بحيث يصير كل تحديدٍ لنقطة فصلٍ بين اللونين اجتهاداً شخصياً فحسب، غير متعلقٍ بأية بحقيقةٍ مطلقةٍ يستحيل نفيها. 

إنها “نزعة الماهية” أو طرائق “التفكير الماهُوِي” التي سدَّد لها الكاتب سهام نقده. بأسلوبٍ أدبيٍّ رصينٍ ومنهجٍ علميٍّ حصيفٍ عرَّف لنا الكاتب “الإنسان الماهُوي” بأنه شخصٌ ينظر إلى كل شيء على أنه مثولٌ لطبيعة محددة ثابتة لا تمتزج بغيرها ولا تلتئم بسواها. ويعرِّف لنا “نزعة الماهية” بأنها الرأي القائل بأن لكل صنفٍ من الكيانات مجموعةً من الخواص لا بد لكل فردٍ من أفراد هذا الصنف أن يمتلكها كي يندرج تحت هذا الصنف. ثم أكَّد لنا على أن نزعة الماهية هي شيءٌ مدموغٌ في جِبلَّتنا الإنسانية، وأنه لا فكاك للإنسان منها لأنها ضروريةٌ لإدراكه لمحيطه وتعامله معه، فهي إذن خطأ ضروري لنا كالماء والهواء، وخطأ معرفي مفيد يتبطَّن الإدراك في معظمه، وخطأ محتوم لأنه مبيَّت في صميم جهازنا الإدراكي نفسه.

على أن المشكلة تبدأ حين تتجاوز نزعاتنا الماهية حدودها المطلوبة، وتنتقل من كونها أداةً تصنيفيةً مؤقتةً صُمِّمت لتلائم احتياجاتٍ معينةً إلى أن تصير منهج تفكير ضيقٍ يتجاهل الطبيعة المتغيرة للأشياء، وينظر إلى كل الظواهر على أنها ثابتةٌ منفصلةٌ عن محيطها، وعلى أن خصائصها الثانوية هي خصائصُ أوليةٌ تشكِّل جوهر كينونتها.

يرى الكاتب أن النزعة الماهية قديمةٌ في تاريخ البشرية، وأنها استتبَّت ورانت على العقل البشري منذ دفع أفلاطون بنظريته في المُثُل وقفَّى عليه أرسطو بنظريته في التعريف، وهو ما عاق العقل عن التصور السليم لأشياء كثيرة، وعطَّل كثيراً من العلوم (الطبيعية والإنسانية) التي لم تنطلق انطلاقةً حقيقيةً إلا بعد قرابة ألفي عام، حين بدأ العقل البشري يتحرَّر، أخيراً، من غماماته الماهوية التي طالما غشَّته بالأوهام.

ثم يمضي الكاتب فيقول بأن خطورة التفكير الماهُوي غير مقتصرةٍ فحسب على تعطيل العلوم، بل إننا نجدها كامنةً وراء بعضٍ من أفظع ويلات تاريخنا البشري، وهو ما يجعل من دراسة هذه الظاهرة موضوعاً حيوياً لصيقاً بوقائع الحياة، وليس مجرد تنظيراتٍ فلسفيةٍ تليق بالأرائك الوثيرة. وأسوق هنا بعض الأمثلة التي عرَض لها الكتاب لمواضيع طالما تأثرت سلباً بالنزعات الماهُوية:

في علم البيولوجيا: يرى الكاتب أن نظرية دارون في تطور الأنواع ثورةٌ عظمى على التفكير الماهُوي، وأن تأخر اكتشاف التطور عائدٌ إلى أننا أُشربنا نزعاتنا الماهوية التي حملتنا على افتراض نماذج أفلاطونية ثابتة للأحياء، معلقةٍ هناك في فضاء تصوُّري، وهو ما حال بيننا وبين أن نتصور الكائنات الحية على أنها حلقات في سلسلة تطورية ممتدة على آلاف السنين، وأنه ليس ثمة نموذجٌ قياسي يمثل ماهيةً ثابتةً لأي كائن حي.

في علم الجينات: يشير الكاتب إلى أن ثمة حملةً إعلاميةً مغرضة، مشحونةً بالمبالغات الدعائية، تهدف إلى تضخيم دور الجينات في تشكيل هويتنا ومصيرنا، وأننا ما إن نتلقَّف معلومة -ولو كانت غير موثوقة- حول الصفات الجينية حتى تشرئبَّ نزعاتنا الماهوية الدفينة، دافعةً إيانا نحو التسليم بأن مصيرنا محتومٌ في جيناتنا، لنجد أنفسنا وقد وقعنا فريسة معتقداتٍ جبريةٍ تنفي وجود إرادةٍ حرةٍ للإنسان.

الماهوية اللغوية: يخبرنا الكاتب أن لغتنا العربية من أكثر اللغات التي تضرَّرت بالتفكير الماهُوي، والذي يَفترض أنها لغةٌ توقيفيةٌ منزَّلة، تامة منتهية، وأن ثمة روابط طبيعيةً بين الدال والمدلول، ومن ثمَّ وقع تجاهلٌ تامٌّ للطبيعة الاصطلاحية للغة، نجم عنه رفضٌ قاطعٌ لتطويرها لتتلاءم مع حاجيات التواصل المتجددة، وما التنطُّع النحوي والنقدي الذي تعاني منه حياتنا الأدبية إلا تمثُّلٌ لماهُوية لغوية راسخة.

تقسيم الاضطرابات النفسية: يبيِّن الكاتب كيف أننا كثيراً ما ننخدع بالتصنيف في عمومه، ونتوهَّم أن فئاتنا التصنيفية تمسي جزءاً من ماهية الأشياء المصنَّفة، وأن الطب النفسي كثيراً ما يقع في هذا المنزلق حين تقوده أعراض معينة للتأشير على خانات تصنيفية قد لا تعبِّر عن حقيقة المرض بالضرورة.

الحروب العنصرية: النزعات العنصرية التي أقيمت على أساسها سياسات ظالمة وأريقت بسببها دماء كثيرة، ما هي إلا نتيجة تفكير ماهُوي يفترض حقيقةً ثابتةً في الانتماء العرقي، والحق أن من المستحيل وضعُ حدود للهوية العرقية إذ نحن جميعاً “مخلَّطون” إلى حد ما، واشتراكُنا في الأصل الإنساني مقدَّم على كل هوية عرقية غالباً ما يكون نقاؤها موهوماً.

الأخلاقيات الطبية: يتساءل الكاتب حول أثر الماهُوية في قضايا الإجهاض والقتل الرحيم، فما هي حدود الحياة والموت لدى المصاب بحادثٍ أدَّى إلى موت دماغه؟ وفي أية لحظة يصير الجنين شخصاً متمتعاً بحق الحياة؟ وهل هناك أساساً لحظةٌ كهذه؟

حقٌّ علينا إذن، على ضوء ما سبق، أن نراجع عقولنا ونسائل طرائق تفكيرنا، وأن نتعقَّب تحيُّزاتنا الماهوية وأن نواجهها بشجاعة، مدركين لآثارها على التفكير الذي يُنتج السلوك، ومن ثمَّ على السلوك الذي يُنتج الواقع.

#أنس_سعيد_محمد

12/07/2021

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.