شجرة البؤس – طه حسين

30/05/2019 عند 10:13 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3589

.

رواية: شجرة البؤس
لمؤلفها: طه حسين

.

‪=====‬

أسرعتُ إلى قراءة هذه الرواية يوم علمتُ أن نجيب محفوظ كان شديد الإعجاب بها، وأنها هي التي ألهمته تأليف ثلاثيته العظيمة التي صارت أفضل عملٍ روائيٍّ عربيٍّ على الإطلاق، فكانت (شجرة البؤس) بذلك ثاني قراءاتي لطه حسين بعد سيرته الذاتية (الأيام)، وقد أقبلتُ عليها بشغف أستكشف فيها تلك البذرة الروائية التي أنبتت لنا شجرة (الثلاثية) الباسقة التي لا تضاهى، وظللتُ طيلة قراءتي لها أضع المقارنات بين الشخوص والأحداث علَّني أجد تشابهاً ما، فلم أجد من التشابه إلا أشباحاً ضئيلةً لا تكاد تُرى، والحقيقة أن التشابه ليس في الشخوص ولا في الأحداث ولكن في شيء آخر هو القاسم المشترك بين العملين، ذلك أن نجيب محفوظ استلهم من (شجرة البؤس) كونها (رواية أجيال)، بل هي الأولى في هذا النوع من الروايات على مستوى العالم العربي، إذ تتناول ثلاثة أجيال من المجتمع المصري (الأجداد والأبناء والأحفاد)، وترصد عبرهم تلك التغيرات البطيئة التي دبَّت في المجتمع المصري مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكذلك فعلت ثلاثية محفوظ لكن بشكل أكثر تطوراً وتفصيلاً.

أسلوب الرواية مدهش في جزالته وفصاحته، وهي بحقٍّ غرَّةٌ في جبين الروايات الاجتماعية بل الروايات العربية عموماً، كل جملةٍ فيها سبيكةٌ من الذهب الخالص، ألفاظها درٌّ منثورٌ وتراكيبها أنغامٌ تنعش الروح وتطرب الآذان، وهي فوق ذلك كلِّه أكثر الروايات تشبُّعا بالنفَس الإسلامي الطاغي على كل جنباتها، وأوفرها استشهاداً بالآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة، لا تكاد تجد واحداً من شخصياتها إلا والوازع الديني يحدو قوله وعمله، على أنها رغم ذلك كله لم تقع في فخ (المثالية المطلقة) الذي يقع فيه السطحيون من الكتَّاب، بل إننا نجد فيها لحظات الضعف البشري والاستسلام للغواية الشيطانية، ونلمس في شخوصها التنازع الطبيعي بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة، فكانت بذلك واحدةً من أكثر الروايات عمقاً وصدقاً في تناولها للنفس البشرية وللشخصية المسلمة، أبدع في ذلك طه حسين وأبان عن بصيرةٍ نافذةٍ ومقدرةٍ أدبيةٍ رهيبةٍ يندر أن نجدها عند غيره من الكتَّاب.

إن النوع المفضل لدي من الروايات هو الروايات الاجتماعية، وهذه روايةٌ اجتماعية من أفضل ما قرأتُ على الإطلاق، وهي رغم عنوانها الكئيب إلا أن أحداثها أقلُّ كآبة من عنوانها، وإن كان فيها من كبوة فهي نهايتها المتعجلة بعض الشيء، لكنها من قبل ومن بعد روضةٌ بلاغيةٌ غنَّاء وحديقةٌ أدبيةٌ ذات بهجةٍ لا يُملُّ من التجوال في أرجائها والقطف مما أُترعت به من الأطايب واللذائذ، ولو لم يكن لها من فضلٍ سوى إلهامها نجيب محفوظ تأليف ثلاثيته الخالدة لكفاها بذلك شرفاً تخلد به ضمن روائع الأدب العربي في القرن العشرين.

29/05/2019

قصاصات – سافاري (30) – أحمد خالد توفيق

30/05/2019 عند 09:53 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3586

.

رواية: قصاصات
العدد 30 من سلسلة (سافاري)
لمؤلفها: أحمد خالد توفيق

(( لمـــــــــاذا؟ ))

=====

عددٌ هو من روائع سلسلة (سافاري) التي أعتبرها أفضل ما أنتجه عقل أحمد خالد توفيق طوال حياته…

وهذه المرة سنعيش حرباً ضروساً بين الغريمين في وحدة (سافاري): المصري العربي المسلم (علاء عبد العظيم) والإسرائيلي اليهودي الصهيوني (آبراهام ليفي).

وبعد عدة مناوشاتٍ متفرقةٍ في الأعداد السابقة ظلت دائماً في إطار (الحرب الباردة) التي لا تترك أي أثرٍ إداريٍّ أو قانوني، قادت تجربةٌ علميةٌ على الدماغ البشري إلى مواجهةٍ شرسةٍ يمكن أن أسميها (حرب الذكريات)!

فكرةٌ خياليةٌ لكنها كانت فعالةً لعرض قصاصاتٍ تؤرِّخ للمأساة الفلسطينية عبر التاريخ، وأحداثٍ وُصفت بأسلوبٍ فاجعٍ جداً، بأسلوبٍ كفيلٍ بأن يغير نظرتك حول الحدود القصوى التي يمكن أن يصل إليها الشرُّ البشري…

قراءة روايةٍ كهذه أفضل بكثيرٍ من الحديث عنها، لذا سأترككم مع هذا المقطع التلخيصي المقتبس من بعض صفحاتها الأخيرة…

=====

(( فكر (بارتلييه) قليلاً، ثم قال وهو ينظر خلفه:

– “اسمع يا علاء، ليس من المفترض أن أقول هذا، إن منصبي لا يسمح لي بهذا، وخاصة أن هؤلاء القوم يرفضون انتقادهم بأية صورة. إنهم يتهمون أوروبا بمعاداة السامية طيلة الوقت، ولو عرف أحدٌ أني قلتُ ما قلتُه فلسوف يكلِّفني هذا منصبي…

كلُّ من يلومهم على ذبح الأطفال هو معادٍ للسامية بالنسبة لهم، في رأيهم ليس أمام الفلسطيني إلا لعبةٌ واحدةٌ يلعبها؛ هي أن ينقرض في هدوءٍ وصمت…”

نظر حوله من جديدٍ كأنما هو يتوقع أن يجد (شارون) يقف خلفه، ثم قال:

– “لماذا يا علاء…؟”

نظرتُ له في حيرة وانتظرتُ تفسيراً… فعاد يسأل:

– “لمـــــــــاذا؟

لماذا تركتموهم يفعلون بكم كل هذا؟ أنتم أمةٌ عريقةٌ قدَّمت الكثير، لديكم إمكانياتٌ اقتصاديةٌ هائلةٌ وتعدادكم مخيف، كيف ارتضيتم أن تتحولوا إلى… إلى هذا؟!!!”

انفجرتُ ضحكاً، للمرة الثانية تغلبني نوبة الضحك الهستيري هذه.

قلتُ وأنا أستجمع أنفاسي:

– “تريد مني أن أشرح لك ما كُتبت مجلداتٌ عنه؟! على كل حال، لن أقضي الوقت في اتهامكم معشر الغربيين ببذل كل ما في وسعكم كي تظل إسرائيل جاثمةً على صدورنا، ثمة جزءٌ لا بأس به قادمٌ منا نحن…”

– “هل توضح أكثر؟”

شهقتُ بعمق وقلتُ:

– “الفُرقة، انعدام الإرادة، الولع بالقول لا بالفعل…

حينما زار (كيسنجر) المنطقة العربية للمرة الأولى لم يكن يعرف حرفاً عن العرب، هكذا طلب من أحد أساتذة الجامعات الأمريكيين أن يعطيه ملخصاً في صفحةٍ واحدةٍ لكيفية التفاوض مع الشخصية العربية، أعدَّ له الأستاذ تقريراً عُرف باسم (السوق والخيمة)، وقد هام (كيسنجر) حباً بهذا التقرير وحمله معه في حقيبته في كل رحلاته المكوكية.

يقول التقرير أن التعامل مع العرب يتمُّ بطريقة السوق الشرقي أو (البازار)، سيقسمون أغلظ القسم وربما يصل الأمر إلى البكاء لكنك تثبت على موقفك وتصرّ، وفي النهاية يتم البيع بسعرٍ أقلَّ مما أرادوه لكن يظل الجميع سعداء.

أما نظرية الخيمة فتقول إنك سترى زحاماً وضوضاء، عليك أن تجد شيخ القبيلة، اتجه إليه ولا تضيع وقتاً مع الآخرين، امدحه واكسب ثقته، عندها ستكون كلمته هي النافذة.”

ابتسم (بارتلييه) لهذا، إنه غربيٌّ يفتنه أي كلامٍ عن الخيام والأسواق الشرقية… ))

11/06/2016

حكاية ثقب – سافاري (29) – أحمد خالد توفيق

29/05/2019 عند 11:34 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3585

.

رواية: حكاية ثقب
العدد 29 من سلسلة (سافاري)
لمؤلفها: أحمد خالد توفيق

(( ثقبٌ في الروح يتَّسع ~ ))

=====

– “ولكن… لماذا أبكي؟ أشدُّ ما يفزعني هو البكاء الذي لا سبب له…

وشعرتُ أن في روحي ثقباً، ثقباً يتسع، ويمتصُّ كل ذكرياتي وحياتي وأحلامي…”

بمثل هذه التمهيد الكئيب استقبلنا د. علاء عبد العظيم بطل سلسلة (سافاري)، ليحكي لنا في صفحات هذه الرواية الرائعة قصة مجموعةٍ من (الثقوب) التي تمتلئ بها دنيانا.

د. علاء عبد العظيم، الطبيب المصري الشاب الذي هاجر من بلده ليبحث عن ذاته في أحراش إفريقيا وسهولها وأمراضها، فالتحق بوحدةٍ تابعةٍ لمنظمة (سافاري) الكائنة بدولة الكاميرون، ليروي لنا مجموعةً من ذكرياته الممتعة ومغامراته التي تحبس الأنفاس في الصدور.

ومرت سنواتٌ على عمله في وطنه الثاني (الكاميرون)، ومع زملائه في وحدة (سافاري) الذين صاروا عائلته الجديدة، خاصة بعد أن تُوِّج حبه للطبيبة الكندية الحسناء (برنادت جونز) بالزواج أخيراً، وها هو ذا ينتظر منها مولوده الأول…

ولكن… لماذا يبكي؟ لماذا تبكي يا علاء؟ ما سرُّ هذا الفراغ الهائل الذي يجتاح روحك؟ ومن أين جاء هذا الثقب الأسود الذي يمتصُّ كل ذكرياتك وأحلامك؟

تعال يا علاء، احك لنا قصة الثقب، أم أنها ثقوبٌ كثيرةٌ متداخلةٌ بين حياتنا وبين هذا الكون الفسيح الذي لا نعرف من أسراره إلا القليل؟

لا ندري بالضبط، لكن هذه هي الثقوب التي حكى لنا عنها علاء في روايته هذه (حكاية ثقب)، وهي روايةٌ ذات طابعٍ حزينٍ مفعمٍ بالأشجان، وأعتبرها من أفضل أعداد سلسلة (سافاري) إن لم يكن أفضلها على الإطلاق…

* * *

الثقب الأول: ثقبٌ في الكون ~

وفيه قدَّم لنا علاء نبذةً تاريخيةً عن اكتشاف الثقوب السوداء الكونية العملاقة، وكيف أنها تمتصُّ كل ما تمرُّ به من الأجرام والنجوم والمواد الكونية، إنها ببساطةٍ نظرية البروفيسور (جون ويلر) آخر معاوني (آلبرت آنشتاين) وأول من اخترع عبارة (الثقب الأسود).

* * *

الثقب الثاني: ثقبٌ في الفضاء ~

والحديث هنا عما يسمى بـ (ثقب الأوزون)، ويروي لنا صديقنا د. علاء عبد العظيم قصة ذلك الوافد الغريب على وحدة (سافاري)، والمسمى (د. جيرار لومبان)، والذي جاء في مهمةٍ محددةٍ تتعلق بأبحاث شديدة الأهمية حول بعض الأمراض المنتشرة على خط الاستواء، يهدف منها لإثبات أن (ثقب الأوزون) مجرد كذبةٍ عظمى، كذبةٍ تذيعها الشركات الكبرى للأدوية لتستغل ما تزعم أنها أمراضٌ ناتجةٌ عن ثقب الأوزون لتبيع أدويتها بأسعار باهظة.

فهل تصْدُق (نظرية المؤامرة) هذه التي جاء بها (د. لومبان)؟ وهل حقاً ثقب الأوزون مجرد ظاهرةٍ طبيعيةٍ قديمةٍ لا تأثير لها على الأرض ولم يتسبب بها الإنسان بسبب التلوث؟

لا أحد يعلم الإجابة…

* * *

الثقب الثالث: ثقبٌ في قلب ~

الصديق التونسي العزيز (بسام بو غطاس) ليس على ما يرام…

ضرباتٌ زائدةٌ في قلبه ونوبات ألم وإغماء حادة، بلغت إلى الحد الذي جعله يستشير الطبيب رغم كرهه الشديد لذلك، استنتج علاء أن الأمر خطير جداً.

ما المشكلة مع قلبك يا (بسام)، ولماذا قررت أن تبدأ التدخين منذ مدةٍ بسبب شوقك المحموم إلى وطنك تونس؟!

بسام… ماذا تفعل؟

هل أنت مريض حقاً أم أنك تتظاهر بالمرض لتحصل على بعض الاهتمام؟

وكان الجواب مؤسفاً…

نعم، هناك ثقبٌ في قلب بسام، عيبٌ خلقي وُلد به وعاش به، ولم يعلن عن نفسه إلا في تلك اللحظة.

ظلَّ بسام يمارس دور المريض البطل الذي يوشك على الانتهاء والموت، بينما علاء يحاول إقناعه أن يعيش حياته بشكلٍ طبيعي…

إننا حقاً لا نعرف كم من الثقوب التي تضمُّها أجوافنا، وأيٌّ منها سوف يعلن عن نفسه يوماً على شكل نوبةٍ حادةٍ تسقطنا أرضاً، وتجعلنا عاجزين تماماً نحتاج إلى أيدي الرعاية والاعتناء من الآخرين…

* * *

الثقب الرابع: ثقبٌ في جيب ~

اكتشف علاء أن ثمة ثقباً في جيب سرواله، فطلب من زوجته (برنادت) أن ترتقه له، مستشعراً بأن ثمة شيئاً ما مختلفاً عن المعتاد…

إنها الحقيقة، العلاقة بين علاء وزوجته الحامل (برنادت) لم تعد على ما يرام…

إهمالٌ متزايدٌ من طرف (برنادت) تقابلها عصبيةٌ مماثلةٌ من طرف علاء… ما السبب؟

من أين تأتي تلك الثقوب الكريهة في الحياة الزوجية لتمتصَّ كل ما فيها من التفهم والحب ثم تحولها إلى جحيم؟

لأسباب تافهةٍ جداً نُغِّصت حياة علاء الزوجية، إنه يتصرف بإهمالٍ وبرودٍ متعمدٍ تجاه زوجته، وهي تتصرف تجاهه بإهمالٍ مماثل.

ونشأت بينهما شجاراتٌ كثيرة، وكان كل واحدٍ منهما مستعداً لأن يثور في وجه صاحبه لأتفه الأسباب…

لكن ما بها (برنادت)؟

إن (برنادت) تعاني من شيءٍ صامتٍ ما يجعل مزاجها شائكاً بشكلٍ لا يطاق، ثم لم يلبث أن أعلن النزيف المنهمر عن نفسه…

لم يكن علاء على علمٍ بأمر النزيف عندما انتهرها بعنفٍ قائلاً وهي مستلقيةٌ خائرة القوى وشاردة الذهن: “لو لم أجد ثقب الجيب وقد تمَّ رتقه لدى عودتي، فلسوف أستنتج أن هذا سلوكٌ متعمد.”

ثم خرج إلى وحدة (سافاري) ليكتشف أنه آخر من يعلم بأمر النزيف – ويا للعار – من طرف بعض أطباء التوليد في الوحدة، وعندما هرع إلى بيته جزعاً ليطمئن على (برنادت) وجدها في حالةٍ سيئةٍ وهي تتنفس بصعوبة، وإلى جانبها بنطاله المثقوب وقد فرغت لتوها من خياطة الثقب في جيبه…

لقد تحاملت على نفسها وفعلتها، وخالفت توقعاته في أنها ستركب رأسها وتتعمد عصيان أمره… ولم يستطع علاء إلا أن يجثو على ركبتيه جوار سريرها، ويلثم كفها الباردة وهو يسألها الصفح همساً…

.

=====

الخاتمة:

ثقبٌ في الفضاء: لقد أعلن الدكتور (جيرار لومبان) عن نظريته الخطيرة حول أن ثقب الأوزون مجرد كذبة، ليضيف بتقريره الدسم حول الموضوع وثيقةً مهمةً تقتات منها نظرية المؤامرة المتعلقة بمافيا الأدوية والشركات الكبرى.

ولقد ظل د. علاء متشككاً في الموضوع بسبب رفضه القاطع لنظرية المؤامرة، لكن شكوكه اهتزَّت من مكانها لما عُثر على (لومبان) مقتولاً في غرفته في ظروف غامضة…

* * *

ثقبٌ في قلب: تماثل بسام للشفاء أخيراً، ورغم أن علاء كان قد تدخل برأيه الطبي في الموضوع إلا أنه اتضح أخيراً أن الثقب في قلبه لم يكن السبب الرئيسي في تلك النوبات المؤلمة.

المهم أن بسام علم أخيراً أن قلبه مثقوب، وأن ذلك قد يسبب له متاعب صحيةً مستقبليةً كثيرة، لكنه مع ذلك يجب أن يتعايش مع مرضه ويمارس حياته بشكلٍ طبيعيٍّ ما أمكنه ذلك…

* * *

ثقبٌ في جيب: لماذا لم تخبريني يا (برنادت)؟ لماذا لم تخبريني أيتها البلهاء؟

مع الأسف الشديد، ازدادت حالة (برنادت) سوءاً، وتزايدت نوبات النزيف الحادة، وأعلن الأطباء في قسم التوليد أنها حالة إجهاضٍ منذر.

وذلك ما كان…

وفقدت (برنادت) جنينها الأول، لتتبخر أحلامها في الأمومة وأحلام علاء في الأبوة.

كانت تجربةً محزنةً بحقٍّ لكنك ما تزال شاباً يا علاء، وما زال المستقبل الطويل أمامك ^___^

.

* * *

ثقوبٌ في حياتنا ~

قال علاء بعد انتهاء القصة وهو يتأمل الليل الأفريقي الساحر:

– “ولكن…

لماذا أبكي وأنا تحملتُ فقد الجنين بسهولة؟ لا أعرف… أشدُّ ما يفزعني هو البكاء الذي لا سبب له…

وشعرتُ بأن في روحي ثقباً، ثقباً يتسع، ويمتصُّ كل ذكرياتي وحياتي وأحلامي…

ونظرتُ إلى السماء…

هناك ثقبٌ في الكون، ثقبٌ أسود يمتصُّ المجرات والعوالم كاملة، يمتصُّ الزمن ووجودنا نفسه.

وهناك ثقبٌ في الأوزون تمرُّ من خلاله الأشعة القاتلة إلى عالمنا، أو ربما لم يكن!

وهناك ثقبٌ في قلب بسام، يحكي عنه لحبيبته في تونس بلهجةٍ أقرب إلى الفخر.

وهناك ثقب في جيبي جعلني أؤذي (برنادت) وجعلها تتحمل آلامها لترضيني.

ما معنى هذا؟

كل هذه الثقوب لها معنى لكني لا أستطيع الإمساك به…

ما قيمة ثقبٍ في قلبٍ أو ثقبٍ في جيبٍ أو ثقبٍ في حياةٍ كاملة، وما أهميته أمام ثقبٍ كونيٍّ عملاقٍ بهذا الحجم؟

ربما هذه الثقوب ليست عيوباً في حياتنا، ربما هي حياتنا ذاتها!

علينا أن نقبلها، أن نحبها، كما هي…”

05/08/2015

توركانا – سافاري (28) – أحمد خالد توفيق

28/05/2019 عند 14:05 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3584

.

رواية: توركانا
العدد 28 من سلسلة (سافاري)
لمؤلفها: أحمد خالد توفيق

(( عندما تُعشق البدائية ~ ))

=====

رواية (توركانا) من سلسلة (سافاري) للدكتور أحمد خالد توفيق…

قصةٌ رائعةٌ ممتازة الحبكة وتعبِّر عن فكرةٍ نادرة، وكان لها أن تُعرض في قالبٍ أدبيٍّ أكثر ملحميةً لو لم يؤثِّر عليها سلباً قالب روايات الجيب أو ما يسمى بروايات الـ fast food.

تأخذنا هذه الرواية في رحلةٍ ممتعةٍ إلى قبائل (توركانا) البدائية تماماً في كينيا، حيث الرجال السود أصحاب الكروش الضخمة والسلك المغروس في فروة الرأس، وحيث لا يزال كل شيء بكراً لم تعبث به بعد يد الحضارة.

ورغم أن بطل السلسلة د. علاء عبد العظيم غير حاضرٍ في أحداث هذا العدد، والتي وردته في رسالةٍ تلقَّاها من مدير فرع (سافاري) في كينيا، إلا أنها مع ذلك غايةٌ في الإمتاع والتميز.

تحكي لنا الرواية قصة عشق الحضارة للبدائية، متمثلاً في مشاعر الحب الهادرة التي توجَّهت بها عالمة الأنثروبولوجيا النرويجية (مارجريت جيرهادسن) لزعيم القبيلة البدائي (كوباكو لاجا)، لأنها رأت فيه مثالاً فاتناً للرجل الحقيقي في صورته البدائية تماماً قبل أن تطالها يد الحضارة التي امتصَّت رجولة الرجال وأنوثة النساء.

في هذه الرواية سنشاهد (المرأة) وهي تواجهنا بمازوشيتها الفطرية التي يزعمها بعض علماء النفس، وسنشاهد أيضاً كيف افتتنت بنت الحضارة الحديثة بأكثر رجلٍ بدائيٍّ ممكنٍ في عصرنا الحديث!

وهذه اقتباسات من الرواية على لسان بطلتها النرويجية:

* * *

– “بعيداً عن المزاح الذي لا تجده أنت مسلياً، أنا فتَّشتُ في العالم المتحضر كلِّه عن رجلٍ حقيقي، رجلٍ بمعنى الكلمة، رجلٍ كما خلقه الله لم تتلفه الحضارة ولم تجعله مائعاً يقبل أنصاف الحلول، رجلٍ لا يخشى أن يقول لا ولا يخشى أن يقول نعم، رجلٍ لا يخشى أن يكون فظاً، ينذر زوجته أنه سيضربها ثم يضربها.”

* * *

– “كأنك تتوقين إلى رجل الكهف الذي يحمل الهراوة ويجرُّ امرأته من شعرها؟”

– “ولم لا؟ لقد وهبه الله العضلات كي يفعل هذا، ووهب المرأة الشعر الطويل كي يجرَّها أحدهم!”

* * *

– “منذ مليون عام ونصف يعيش هنا على ضفاف البحيرة، لم يتعاقد مع شركة تأمين، ولم يصرف شيكاً في مصرف، ولم يقد سيارة، ولم يقرأ صحيفة…

إنه الإنسان البكر الذي لم يتلوَّث، لن تجد واحداً مثله أبداً…

أنا رأيتُ زنوجاً يرقصون الديسكو، وشاهدت البدائيين في (بابيو غينيا الجديدة) يحملون أقراص الكمبيوتر المدمجة، الهنود الحمر يمثِّلون في السينما، الأستراليون البدائيون يعرضون بدائيتهم طمعاً في المزيد من الجنيهات… باختصار لقد تلوَّث العالم، هذا هو الموضع الأخير، المعقل الأخير الذي ظلَّ يحتفظ ببدائيته الأولى، وهذا الرجل يرمز لهذا الطهر الأول، لهذا أريد أن أتزوجه!”

* * *

– “لقد ركل زوجته أمامنا، وكاد يقتل الأخرى!”

– “هذا هو تعبيره البدائي عن الامتلاك والحب!”

* * *

– “إذاً أنتِ لا تريننا رجالاً؟”

– “كما أنني لا أرى نفسي امرأة!”

14/07/2015

القاهرة الجديدة – نجيب محفوظ

27/05/2019 عند 23:26 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3583

.

رواية: القاهرة الجديدة
لمؤلفها: نجيب محفوظ

.

=====

إنها بداية الرحلة في روايات محفوظ التي تتناول الزمن الذي عاصره إبان كتابته لها، وهو تحديداً النصف الأول من القرن العشرين.

وهي أيضاً أول رواية افتتحت بها مرحلة (الواقعية الاجتماعية) كما يصنفها الباحثون الذين قسَّموا مسيرة محفوظ الروائية إلى أقسام، تبدأ بمرحلة (الروايات التاريخية) ثم تتلوها مرحلة (الواقعية الاجتماعية)، ثم تتبعها مرحلة (الرمزية الفلسفية).

رواية (القاهرة الجديدة) ترسم لنا لوحة إبداعية متقنة تتجلى فيها جملة من الأطياف الفكرية التي تنازعت المجتمع المصري في ذلك الوقت، وهي أطياف تم تمثيلها في شخصيات الطلاب الذين اختلفت مشاربهم الفكرية، ثم تعددت بهم سبل الحياة ليلقى كل واحد منهم مصيره المحتوم…

ولعلي لا أجانب الحقيقة كثيراً لو قلت بأن رواية (شقة الحرية) للراحل غازي القصيبي تجد جذورها في هذه الرواية التي بين أيدينا؛ (القاهرة الجديدة).

أسلوب الرواية مبهر كالعادة، ولا يسع من يقرأ لمحفوظ إلا أن ينبهر! وأما الشخصيات فقد تباينت بين الشخصية الإسلامية التي تنظر للحياة من خلال الدين، والشخصية التي اعتنقت الفكر الاشتراكي الذي يصر محفوظ على أن يسميه (العلم)، وأما الشخصية الأهم (محجوب عبد الدايم) فهو الشاب الذي قرر أن يضرب بكل شيء عرض الحائط بلا استثناء!

الدين والعلم والفلسفة والأخلاق والمبادئ وكل شيء مما قد يحمل الناس على الخير أو التفكير في الخير، كل ذلك نبذه وراء ظهره وقرر أن دينه الوحيد الذي يعتنقه هو (مصلحته الخاصة) لا أكثر… وهكذا مضى يشق طريقه متخبطاً في عماء الكفر والإلحاد والخيانة والأنانية والطمع والرذيلة، إلى أن لاقى مصيره الذي قاده إليه هذا الاستهتار القبيح.

.

لأنها أول رواية معاصرة للكاتب، فإن هناك من لاحظ بأنها ترسم الخطوط العريضة لمعظم الأفكار والصراعات النفسية التي دارت حولها رواياته المستقبلية، والتي ستفصل لنا المزيد والمزيد مما أسست له هذه الرواية الأولى، والتي نرى أن عنوانها بالفعل هو الأكثر شمولاً (القاهرة الجديدة)، في حين اتجهت عناوين الروايات القادمة على التعمق أكثر في الأمكنة، واختارت لها مواقع ضيقة محددة في الأزقة والأحياء والشوارع…

.

الرواية رائعة وذات أسلوب سلس متلألئ، ويُنصح لمن أراد القراءة لمحفوظ أن يبدأ بها أولاً، ثم يسير إن شاء على ترتيب صدور رواياته التالية…

31/03/2016

بداية ونهاية – نجيب محفوظ

27/05/2019 عند 17:49 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

.

رواية: بداية ونهاية

لمؤلفها: نجيب محفوظ

.

“ليس الفراقُ شرَّ ما في الموت، إنَّ الفراق حزن المطمئن.”

“إن محاولة الغريق اليائسة للنجاة أشبه بأحلام الشقي بالسعادة ، كلتاهما أمنيةٌ ضائعة.”

.

=====

خطرت لي أثناء قراءتي لهذه الرواية المأساوية ذكرى قديمةٌ لصديق، وكان قد قارن بين النجيبين (الكيلاني ومحفوظ)، وجعل الفرق بينهما مطابقاً تماماً للفرق بين تلميذٍ في المدرسة الابتدائية وأستاذٍ جامعيٍّ متخصص!

ولقد بدا لي في ذلك اليوم مبالغاً في مقارنته، حتى غرقتُ في صفحات هذه الرواية، فتقرر لدي أنه كان صادقاً جداً، بل لعله اقتصد!

.

رواية (بداية ونهاية)، وعلى خلاف أمثالها، لم تتخذ من (المكان) عنواناً لها، ولما كانت قصتها الطويلة قد بدأت أول ما بدأت بالموت، فإن القارئ يتوقع أن النهاية ستكون حزينة جداً، بل لعلها تكون أكثر مأساويةً من الموت نفسه…

هي قصةٌ تقتات من الفقر المدقع الذي خلَّفه موت الأب المعيل للأسرة، والذي كان موته بدايةً لقصة كفاحٍ طويلةٍ سار فيها الأبناء الثلاثة وأختهم مسارات تختلف، منها ما كان شريفاً ومستقيماً ومنها ما انحرف عن الجادة، وقد كان لهم جميعاً هدف واحد هو انتشال الأسرة من حضيض الفقر والحاجة، ورفعها إلى مستوى العيش الكريم الذي يضمن لها حياةً مستقرة.

بأسلوبه الأخاذ الذي لا يقارَن، يجعلك نجيب محفوظ تستشعر ذلك (الفقر) بكل جوارحك، وبكل تفاصيله الدقيقة المؤلمة، وكيف قد يدفع بالإنسان إلى التخلي عن مبادئه وقيمه، ثم يجعله – أحياناً – يقدم على كل الرذائل التي يلوح له فيها سراب النجاة من الفاقة المضنية…

ولقد سارت الأحداث وتطورت، وطرحت أثناء تطورها كثيراً من الأسئلة الوجودية والإشكالات العميقة، والتي لم يحتج الكاتب للفلسفة كي يصوغها، بل كان كافياً له أن يعبر عنها في قالب شخصياتٍ وأحداث شعبيةٍ بسيطة، يمكن أن نراها في جميع الأحياء الفقيرة التي تزخر بها مدننا العامرة، ثم إننا بتطور الأحداث ودنوِّ الرواية نحو نهايتها نتنفس الصعداء قليلاً، ويوشك أن يداخلنا بعض الارتياح، ونكاد نرى بوادر نهايةٍ سعيدةٍ قادمة، إلا أن الكاتب يصدمنا في الصفحات الأخيرة بانقلابٍ جذريٍّ مفاجئٍ في مسار الأحداث، يسير بها – ويا للأسف – نحو نهايةٍ محزنةٍ جداً! وتنتهي الرواية وتتركك مصدوماً تردد: قاتل الله الفقر! قاتل الله الفقر!

رواية (بداية ونهاية)، رسالة إنذارٍ حزينةٌ متشائمة، وللقارئ المتبصر في طياتها إشاراتٌ وخفايا تدعوه إلى استنباطها، وإني لأجد فيها تبرئةً للكاتب – فيما بدا لي – من تهم ما يسميه البعض (التحريض على الفساد)، مستدلاً بهذه الرواية وأمثالها! والحق أن هذه التهم عادةً ما تكون بسبب القراءة السطحية للرواية، من طرف أناسٍ بعيدين كل البعد عن الحس الأدبي والنقدي، والذين يكونون في العادة مغرقين في المثاليات الوردية، وينسبون كل خبثٍ موصوفٍ في الرواية إلى نية الكاتب في الترويج له، وهي قرينةٌ غير كافية إطلاقاً للحكم على نية الكاتب، والجزم بخفايا سريرته وطويَّته.

إن محاكمة الكاتب إلى روايته لا تستند فقط على انحرافات بعض الشخوص، أو على عباراتٍ وأقوال موضوعةٍ على ألسنتهم، أو على توصيفاتٍ دقيقةٍ لوقائع موجودة، بل إن الأمر أعمق من ذلك بكثير، وينبغي للنقد أن يرتقي إلى مستوى تفسير الرموز، وينبغي عليه أن ينظر أيضاً في (مصائر الشخصيات)، فإن تلك المصائر هي ما يمكن أن يقدم لنا الدلالة الأكثر وضوحاً على توجه الكاتب وما يريد قوله…

ونحن لو تأملنا (مصائر الشخصيات) في رواية (بداية ونهاية)، فإننا سنلمس بوضوحٍ أن الفقر ليس مبرراً للرذيلة، وأن الفساد والانحراف لا يمكن أن يؤدي إلا لأوخم العواقب، ثم نلاحظ أن أفضل المصائر كانت من نصيب الشخصيتين الأكثر عفَّةً واستقامة، وهما (حسين) و(بهية).

إلا أن النقد المتسرع عادةً ما يُغفل تماماً مسألة (النظر في المصائر) هذه، ويتعلق بقشورٍ وتفاصيل جانبية ينبغي أن تُطلب لغيرها لا لذاتها، وأن يُنظر إليها نظرةً كليةً علويةً في داخل السياق الشامل الذي جاءت فيه.

وقد انتبه أحد النقاد لهذه الحقيقة في روايات نجيب محفوظ، وأشار إلى أن مسارات أحداثها ووقائعها الخيالية مرتبطةٌ دوماً بالمبدأ الإسلامي الذي تعبر عنه الآية الكريمة: “فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه.”

04/04/2016

رجال في الشمس – غسان كنفاني

24/05/2019 عند 19:06 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3563

.

رواية: رجال في الشمس
لمؤلفها: غسان كنفاني

.

=====

كان أول ما فاجأني في هذه الرواية حجمها الصغير جداً، فعدد صفحاتها أقل من مئة صفحة، وبالإمكان إتمامها في جلسة واحدة، وهي رغم حجمها الصغير حاصلةٌ على الرتبة الخامسة في قائمة أفضل مئة رواية عربية، تلك القائمة العجيبة التي تجد فيها عناوين روائية ضخمة جنباً إلى جنب مع أعمال هزيلة مثل (قنديل أم هاشم)، ومع أعمال تستحق القذف بها في أقرب صندوق قمامة مثل (ذاكرة الجسد)! كما تخبرنا القائمة أن حجم الرواية ليس شفيعاً لها في التقييم بدليل أن رواية (رجال في الشمس) بصفحاتها الـ 96 تقع في الرتبة الخامسة، وأما ذيل القائمة (الرتبة 105 والأخيرة) فقد تُرك لخماسية (مدن الملح) العملاقة!

ومهما يكن من أمر فالحديث هنا ليس عن القائمة بل عن رواية (رجال في الشمس)، الرواية التي حققت نجاحاً نقدياً وشهرة واسعة وتم تحويلها إلى فيلم سينمائي بسبب رمزيتها المعبرة، وهي رمزيةٌ قد لا تبدو ظاهرة للقارئ العابر بقدر ما تحتاج لربطها بسياقها التاريخي وحمولته السياسية والاجتماعية. ولأنه من الصعب الحديث عن قصة الرواية البسيطة القصيرة دون حرقها على من لم يقرأها فإني أكتفي بالقول بأنها قصة ثلاثة رجال يمثلون مختلف شرائح المجتمع، جمعت بينهم الرغبة في الهجرة من فلسطين إلى الكويت لهدف واحد هو جمع المال، وسنقرأ عن الصعوبات التي واجهوها في رحلتهم المرعبة التي ستنتهي نهاية مأساوية مفجعة.

لم أنسجم في البداية مع أسلوب الرواية بسبب القفزات الزمنية المفاجئة التي طبعت الفصول الأولى (فصول التعريف بالشخصيات)، لكنني سرعان ما انسجمت مع الرواية حين اختفت القفزات وبدأ السرد المباشر للأحداث، ولم أستطع تركها حتى أتيتُ عليها!

أسلوب الرواية فصيح بسيط جميل، فُصِّل على مقاس الأحداث تفصيلاً حسناً دون تمطيط ولا إطالة ولا حشو، وبالإمكان أن نلمس قدرة الكاتب على اختيار اللفظ المناسب في المكان المناسب، وأما مقدرته على إحداث التشويق وشدِّ الانتباه ودقة الوصف فهي مقدرة عالية بلا شك، حتى إنك لتكاد تشعر بلهيب الحمم التي تصبُّها شمس أغسطس الحارقة على الرؤوس والأجساد.

(رجال في الشمس) رواية تستحق القراءة، فهي رغم حجمها الصغير جزء مهم من الثقافة الروائية لما تركته في هذا المجال من أثر لا ينكَر، ولما تشير إليه من إمكانية صناعة عمل روائي ناجح مؤثر من خلاص عناصر قليلة وبسيطة.

24/05/2019

ناقص واحد!

24/05/2019 عند 09:25 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

حدَّثني صديقٌ قال:

– “اعلم يا صديقي أن تجربة الزواج الفاشل تجعل الإنسان موسوساً شديد التطلُّب مبالغاً في الحذر، دقيق الملاحظة سيِّئ الظن لا يكاد يرضيه شيء… وقد استفحلتْ فيَّ هذه الأعراض بعد طلاقي حتى خفتُ أن تتحول إلى عقدةٍ نفسيةٍ تقضي عليَّ بالعزوبية الأبدية! فعزمتُ على أن أقاوم نفسي وأن أبحث عن فرصةٍ جديدةٍ ومحاولةٍ ثانيةٍ لعلها تُصلح في نفسي وحياتي ما أفسدته المحاولة الفاشلة الأولى.

وقد توسَّط لي أحد الأفاضل ولفت انتباهي إلى (فتاة ما) ذكرها لي بخير، فقلتُ لم لا أتوكل على الله وأجرِّب؟ وطلبتُ صورتها فجيء لي بها، ووقعتْ من نفسي موقعاً حسناً، لكن كذا كان الشأن مع الأولى وهكذا بدت لي، لتتكشَّف بعد الزواج عما تكشَّفت لي عنه مما لم أفق من صدمته العنيفة حتى اليوم…

أخبرتُ السيد الفاضل بحسن نيتي، وطلبتُ إليه أن يعقد لي معها موعداً أوَّل للتعارف الأساسي قبل رفع الأمر إلى الأهل، فربط لي الاتصال مع الفتاة وكان في نيتي أن ألتقي بها في جلسة بريئة نجسُّ فيها نبض الانطباعات الأولى.

ربطتُ الاتصال مع الفتاة، وسألتُها أي المقاهي تحب أن نلتقي فيه؟ فاقترحتْ علي واحداً من تلك المقاهي الراقية الباهظة التي لا يغشاها إلا الأثرياء أو العابثون أو أهل الريبة… وافقتُ على اقتراحها رغم عدم ارتياحي له، وقلتُ في نفسي وأنا أداري شعوراً غريباً لا أدري ما هو… ناقص واحد!

قدمتُ إلى المقهى قبل الموعد، وجلستُ منتظراً أن تأتي خطيبة المستقبل وأنا أجيل بصري في الجالسين والجالسات… ما شاء الله! عشَّاقٌ بلا حساب، ومتبرجاتٌ كاسياتٌ عارياتٌ ومدخِّنات سجائر! جاءت الفتاة أخيراً ودخلت المقهى مرتديةً معطفاً طويلاً، ووضح لي من سلوكها الحركي وإيماءاتها ونظراتها أنها من المعتادات على أمثال هذه المقاهي، وأنها بها عالمةٌ خبيرة، فتضاعف عدم ارتياحي لها وقلتُ في نفسي… ناقص واحد!

جلست الفتاة على مقعدها أمامي ومدَّت يدها إليَّ مصافحة… إذاً فهي من المصافحات للرجال… صافحتُها وأنا أقول في نفسي… ناقص واحد!

وهفَّت عليَّ من ناحيتها نسمةٌ عطريةٌ ذات نغمة عذبة تفعل في الحواسِّ والغرائز الأفاعيل، وركبني الذعر إذ علمتُ أنها متعطِّرة، وتيقَّنتُ من أنه وجب علي الآن أن أرتدي في جلستي معها قناعاً من المجاملة الكاذبة أداري به حقيقة مشاعري الحقيقية وا أسفاه… ناقص واحد!

تبادلنا ما اعتيد تبادله من أحاديث المجاملات والسؤال عن الأحوال وما يتصل بذلك من الحديث عن أحوال الطقس وغيرها من العموميات، ثم انساب بنا الحديث وتشعَّب، وكنتُ أتأملها في أثناء الحديث محاولاً التفرُّس في ملامحها وأحوالها، وقد كانت – والحق يقال – على قدرٍ من الملاحة والجمال لا يخفى، لكني انتبهتُ إلى أن قدراً من ذلك الجمال قد صُنع في وجهها صناعة! الكحل المبالغ فيه يطوِّق عينيها، وشفتاها مدهونتان بشيء لا أدري ما هو، وفي خدَّيها حمرةٌ ما غير طبيعية… قدر لا بأس به من (الماكياج) يغلِّف هذا الوجه أمامي… ناقص واحد!

مضى على جلستنا بعض الوقت، فإذا بها تنتبه فجأة لشيء وتقول: (الجو حارّ، أليس كذلك؟)، قالتها وقامت تنزع معطفها الطويل، ثم عادت لجلستها وليس عليها إلا قميصٌ خفيفٌ يصف ما انحنى من مفاتنها وما انساب وما استدار، وأما السروال فقالبٌ يصف ساقيها وصفاً لا مزيد عليه… ناقص واحد!

ضقتُ بالمجلس ورغبتُ في الانصراف، ونظرتُ إلى الساعة فإذا بها تدور في التاسعة مساءً والظلام يكاد يُطبق على المدينة، ولم أشأ إنهاء الجلسة بأسلوبٍ يحرجها فداورتُها قائلاً: (لقد تجاوزت التاسعة، لعله آن الوقت للانصراف حتى لا تتأخري عن بيتك وأهلك فيقلقوا عليك، ولا تنسي الظلام وطول الطريق)… فنظرتْ في ساعتها ولوت شفتيها وهي تهزُّ كتفيها باستهانة وتقول: (التاسعة والنصف؟ لا بأس أبداً! ما زال الوقت مبكراً)! ابتسمتُ ابتسامةً صفراء محتضرة، وخُيِّل إليَّ أن مخزوني من الصبر وتمثيل اللباقة موشكٌ على النفاد… ناقص واحد!

خرجنا من المقهى في وقتٍ متأخرٍ تحت جنح الظلام، أوصلتُها إلى حيث تركب، صافحتُها مودِّعاً وفي نيتي أن هذا اللقاء الأول سيكون الأخير لا محالة، ومضيتُ إلى حال سبيلي ولم أعقِّب…”

24/05/2017

قنديل أم هاشم – يحيى حقي

24/05/2019 عند 09:20 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3560

.

المجموعة القصصية: قنديل أم هاشم
لمؤلفها: يحيى حقي

.

=====

كان عليَّ أثناء انطلاقي في قراءة (الرواية القصيرة) المسماة (قنديل أم هاشم) أن أقاوم مقاومةً شديدةً تلك الدوافع النفسية الخفية، والتي تنزع بي إلى (إحسان الظن الأدبي) بكل عمل قديم اصفرَّت أوراقه، وإساءته بكل عمل جديد كُتب في قرننا هذا.

نعم إن الغالب على أدب القرن العشرين الجمال والجزالة، والغالب على (أدب) قرننا هذا الانحطاط والسفالة، لكن ليس بممتنعٍ أن يحصل بين أيدينا عمل قديم رديء، وعمل حديث جيد. لذلك حاولت جهدي أن أقرأ (قنديل أم هاشم) قراءة متجردة ما أمكنني ذلك، وأن أخلِّص وقوعها في نفسي من هالة (القديم الجميل) التي ربما شوَّشت على موضوعية التناول وحيادية القراءة.

لماذا اندفعتُ إلى ذلك؟ لأنني، وبصراحة تامة، لم أندمج مع أسلوب الرواية، ولم أستمتع بتراكيبها وألفاظها، وأغاظني مضمونها كأشدِّ ما تكون الإغاظة! فهي من حيث الشكل رواية قصيرة النفَس في الوصف متقطعة التراكيب على نحو مزعج للقارئ، ولم يزايلني طيلة قراءتي لها أنها أقرب ما تكون لـ (مسوَّدة) غير مكتملة تسرَّع كاتبها في نشرها، وكان أولى به أن يعود إلى صقلها ونحتها بما يقيم عودها ويشدُّ من بنيانها. وأما من حيث المضمون فهي السخف والابتذال مجسداً! والانتصار الصريح للخرافة والشرك والبدع، بل والإزراء بمن يحارب هذه الآفات العقائدية ووصفهم في نص الرواية، وعلى لسان الكاتب نفسه، بالمتعالمين!

الرواية تلعب على وتر الصراع الموهوم المفتعل بين الدين والعلم، ويبدو أن تلك موجةٌ ركبها جلُّ كتَّاب ذلك العصر، ربما بسبب الصدمة الحضارية التي دهمتهم على حين غرة، أو لأغراض علمها عند الله! ومهما تكن الأسباب فإن هذا الصراع المفتعل وفي كل أشكاله الأدبية ليس سوى نتيجة للجهل المطبق بالدين، أو العلم المشوَّه به والذي لا يميز بين الدين الأصلي والخرافات الشركية العالقة به، ولذلك نجد أن كاتب (قنديل أم هاشم) ومن حيث أراد الانتصار في نهاية روايته للدين والعلم معاً، وإبراز التكامل المنشود بينهما، فإنه ما انتصر في الواقع إلا لخرافة شركية بائدة مثيرة للشفقة، لا تمتُّ للدين الإسلامي بأي صلة ولا يربطها به أي سبب.

هذا وإنَّ لي حاسةً داخليةً خاصةً أستشعر بها النبرة المختفية وراء الأسلوب، وإني لأهتدي بتلك الحاسة في الانجذاب لهذا الكاتب أو النفور من ذاك، وسواء أكانت حاستي تلك صادقةً أم كاذبةً فإنها نفَّرتني من أسلوب (يحيى حقي)، ولم أستشعر فيه تلك العاطفة الإنسانية الدافئة التي تشدُّ قلبي نحو الكتَّاب، بل استشعرتُ من أسلوبه قسوةً شديدةً وعنفاً بارداً، بدا لي الكاتب من خلاله كمن (يصفِّي حساباً) مع المجتمع المصري الذي لم يترك فرصة إلا واهتبلها لرميه بأشنع النعوت وأقبح الصفات.

ولا يفوتني رغم هذا النقد الموجه للقصة الرئيسية في المجموعة أن أعبر عن إشادتي بقصة (كُن… كان)، فهي القصة الوحيدة التي استمتعتُ بقراءتها وأعجبني مضمونها العميق المستحق للتأمل، وأما بقية القصص فهي بين المتوسطة والضعيفة.

23/05/2019

زقاق المدق – نجيب محفوظ

23/05/2019 عند 18:57 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3559

.

رواية (زُقـاق الـمِدَقِّ)
لكاتبها: نجيب محفوظ

(( وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيِه … ولا القلب إلا أنه يتقلَّبُ ))

=====

لأني قرأت رواية (زقاق المدق) بعد إتمامي لـ (خان الخليلي)، فقد كان عندي في البداية تخوفٌ من أن يكرر نجيب محفوظ نفسه، وأن يُشعرني بالملل بسبب روايتين تدور أحداثهما في سياق متقارب، لكن الروائي المبدع أثبت لي أنه قادر على التجدد بشكل رهيب في كل عمل من أعماله، ومهما بدا لك أنه سيكرر نفسه يفاجئك برواية تلتهمها مهما طالت دون أي شعور بالملل!

مهما تكرر الحديث عن الأحياء الشعبية ودكاكينها وباعتها وحرفييها، ومهما تكررت تلك الفتاة الفاتنة التي يقوم الصراع حولها، ومهما تكررت تلك المبارزة بين ما هو تقليدي محافظ وما هو تحرري معاصر، دائماً هناك جِدَّةٌ ما، ودائماً هناك ما يجعل لكل رواية طعمها الخاص المختلف تماماً عن أختها، مهما بدا التكرار والتشابه بادياً لعينيك قبل خوضك لغمار القراءة.

(زقاق المدق)، لوحة وصفية شديدة الإتقان والواقعية لأحد الأزقة الشعبية المصرية القديمة، وأثبت فيها الكاتب أنه على معرفة كاملة بخفايا وأسرار تلك الطبقة المسحوقة من المجتمع، بكل فضائلها ورذائلها، بكل مطامعها وأحلامها، وحتى بكل انحرافاتها وشذوذاتها أيضاً!

بقلم آسر وأسلوب أخاذ، يخوض نجيب محفوظ في أعمق الأغوار النفسية لشخصياته، ويخرجها للعلن على شكل عبارات جزلة شديدة الإحكام، ومن شأنها أن تثير دهشتك بسبب قدرتها الفائقة على توصيف الحالة النفسية العميقة بعدد ضئيل محدود من الكلمات، وهو ما يدل على التمكن الشديد للكاتب من ناصية اللغة، واقتداره على تطويعها بين أنامله كما يشاء بسهولة بالغة وسلاسة ساحرة.

يلاحَظ في هذه الرواية أيضاً، وكما هي عادة محفوظ، أن جميع شخصياته أو معظمها شاذة بشكل أو بآخر، ويندر أن تجد في روايات محفوظ كلها شخصية سوية سليمة من انحراف ما، والذي أثار دهشتي في هذه الرواية بالذات أنها تعرضت لأنواع من الشذوذات النفسية لعلها لم تكن مطروقة بعمق في أربعينيات القرن الماضي (زمن كتابة الرواية)، وهي مرحلة سابقة لاستواء علم النفس الحديث على قواعده المعاصرة، ولعل أبرز تجلٍّ لذلك هو شخصية (زيطة) صانع العاهات.

نجيب محفوظ رسام أدبي بارع، ميال كعادته إلى الرمزية في سريان الأحداث ومصائر الشخصيات، بل وحتى في اختياره لأسماء تلك الشخصيات، إذ وراء كل اسم لشخصية سر ما ورمز يحتاج لمن يكتشفه!

ثم إنه أكثر براعة في إخفاء نفسه وسط ضباب الأحداث في رواياته، ومهما حاولنا اكتشاف الميول الشخصية للكاتب فإنه يصدمنا بحياده الوصفي التام، وهو حياد لا يخلو من تعالٍ، إذ يخيل إليك أن نجيب محفوظ يجلس في برج عاجي مرتفع، ويكتب واصفاً شخصياته المقيمة في أحياء مصر الشعبية، متعالياً عليها، بل ومستهزئاً بها في حقيقة الأمر، إذ لم يخْفَ علي أثناء قراءتي لهذه الرواية أن كاتبها كان يسخر من كل شخصياته ويهزأ بها!

.

07/03/2016

الصفحة التالية «

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.