الملف 42 – عبد المجيد سباطة

24/12/2020 عند 18:26 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الملف 42

لمؤلفها: عبد المجيد سباطة 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

(عودة الذات)، أو (العودة إلى الذات)… هذا ما يمكن أن أصف به، بأكثر الكلمات إيجازاً، العمل الروائي الثالث للصديق عبد المجيد سباطة، بعد عمليه الأولين اللذين سبقت مراجعتهما.

لم يحدِّثنا الكاتب عن روايته الثالثة، لا تصريحاً ولا تلميحاً، إلا حين أعلن اكتمالها وجاهزيتها للنشر قُبيل معرض الكتاب السابق، وقبل ذلك سُئل في إحدى المقابلات التلفزيونية عن مشاريعه القادمة فأجاب، بنبرة تأكيدية قاطعة، أنه ومهما كان عمله القادم فلن يكرر نفسه، وهو ما فهمتُ منه -آنذاك- أن روايته القادمة لن تتطرق إلى حرب ما، ولن تعتمد على الثيمة العسكرية والسياسية على غرار روايتيه السابقتين.

عنوان الرواية الجديدة: “الملف 42” يوحي لنا بأجواء (بوليسية) نوعاً ما، لكنه يظلُّ مبهماً رغم هذا الإيحاء الباهت الذي تلقي به نبرة العنوان التقريرية بل و(الإدارية)، وهو ما فتح الباب لمفاجآت شتى تنتظر القارئ حين يتوغل في الرواية، ويكتشف عوالمها التي ثبت فعلاً أنها أصلية وغير مكررة، وأن الكاتب قد اقتحم، بشجاعته الأدبية المعهودة، مناطق وعرةً من التجريب السردي، على مستوى الشكل والمضمون معاً.

* على مستوى الشكل:

– لقد ظلَّ الكاتب، رغم توسُّعه في التجريب السردي، وفياً للأسس العامة التي اختارها لنفسه، والمتمثلة في السرد بالتناوب، والحديث على لسان الشخصيات (ضمير المتكلم)، والانتقال الأفقي العريض بين الأزمنة والبلدان… إلخ. كما نلاحظ أيضاً أن تجربة (السرد بالتناوب) قد شهدت توسعاً فرعياً لافتاً للانتباه؛ إذ لم يكتف بالتناوب بين الشخصيات المتكلمة، بل انتقل إلى التناوب بين سرد الأحداث على ألسن الشخصيات وبين سردها عن طريق (القصاصات).

– أسلوب (القصاصات) ليس جديداً في الأدب كما قد يظن بعض القراء الشباب، بل وليس منتمياً إلى تيار (ما بعد الحداثة)، بل هو في حقيقة الأمر قديم جداً، وموجود في بعض الكلاسيكيات الخالدة، بل إن (أدب الرسائل) في صميمه ينتمي إلى أسلوب القصاصات هذا، وهو قديم جداً كما هو معلوم. والحق أن أسلوب القصاصات محببٌ إلى نفسي جداً، وأجد له قوة تأثيرية عاطفية عجيبة، إذ بوسع قصاصة مقتطفة من جريدة ما، ومهما كان أسلوبها تقريرياً جافاً، أن تخفي وراء جفاف أسلوبها طاقة شاعرية ودرامية هائلة قد تصل إلى درجة المأساة، ودون أن يضطرَّ الكاتب إلى تكلُّف الألفاظ المؤثرة والتعابير العاطفية المبكية للقارئ. وإني أذكر في هذا السياق رواية (البؤساء)، تحفة (فيكتور هيغو) الكلاسيكية الخالدة، فقد اعتمدت هذه الرواية أسلوب القصاصات في غير ما موضع، وكان من أشدِّها تأثيراً نقل قصاصات من الجرائد التي نُشرت عقب القبض على (مسيو مادلين) عمدة (مونتروي سور مير) بعد انكشاف حقيقة أنه (المجرم جان فالجان). لقد كانت قصاصاتٍ مكتوبةً بأسلوب الجرائد، ذلك الأسلوب التقريري الجاف البارد، لكنها مع ذلك كفيلة بأن تستدر الدموع من عيون القراء لما تعبِّر عنه من النكران والجحود والتنكر لأفعال الخير الثابتة العظيمة مقابل تهمٍ وشكوكٍ قد تثبت وقد لا تثبت.

– نعم يمكننا أن نجد (القصاصات) في الكثير جداً من الروايات القديمة والحديثة، ومن قراءاتي الخاصة أذكر وجودها في عدد من روايات إبراهيم نصر الله، مثل (شرفة العار) و(شرفة الهذيان)، كما أن هناك عدداً من سلسلة (سافاري) للراحل أحمد خالد توفيق، قد كُتب بالكامل على طريقة القصاصات، وأعني العدد 42 المعنون بـ (هُم). لكن ما تجدر الإشارة إليه في رواية (الملف 42) أن المؤلف كان يطمح إلى شيء أكبر بكثير من مجرد عرض القصاصات، فقد حاول استغلال فن الطباعة إلى أقصى حد ممكن، كأنما أراد أن يستخرج من المداد والورق ما يستحيل استخراجه من المداد والورق، وهو ما يحيلنا من جديد إلى جدلية (النشر الورقي) و(النشر الرقمي)… لقد صارت لدينا اليوم إمكانيات نشر رقمي هائلة؛ هواتف ذكية بشاشات واسعة، أجهزة لوحية بحجم الكتب ذات القطع الكبير، شاشات لمسٍ متعددٍ تفاعلية… إلخ. لكن الكتاب الورقي ظل محتفظاً بهالة قداسته الخاصة رغم كل هذه البهرجة الرقمية السائدة، وبشكل يكاد يخالف المنطق، وما رواية (الملف 42) إلا دليل آخر على انتصار النشر الورقي على الرقمي رغم كل ما للرقمي من امتيازات تفاعلية، ورغم كل ما يتميز به الورقي من محدودية وبساطة. ما فعله الكاتب في روايته يعبر عن الحرب الدائرة بين (الصلابة الورقية) و(السيولة الرقمية)، ويمكن أن نستنتج منه أن الكاتب يكاد يجد نفسه مشدوداً، على رغمه، إلى تلك الصلابة الورقية التي لن يحفظ حقوقه إلا بها، ولن ينتزع الاعتراف الثقافي بمجهوده الأدبي إلا عن طريقها، لكنه مع ذلك أعلن ما يشبه أن يكون (ثورة على الورق من داخل الورق)، وحشد لثورته كل ما استطاع من حيل الإدهاش البصري في حدود ما يسمح به الورق، وبشكل يجعلك تحسُّ أن الكاتب تمنى لو استطاع أن ينتقل، بطريقة سحرية ما، من الأبعاد الثنائية للعرض إلى الأبعاد الثلاثية، وأن تتشكل أمام القارئ، فور فتحه للرواية، كائنات مجسمة تطفو على الورق يمكن سماعها ولمسها، والنظر إليها من كل اتجاه… يا ترى هل بلغ العلم ما يكفي لصناعة أوراق تفاعلية (يمكن أن يكون اسمها “النانو-ورق” أو شيء من هذا القبيل) لها نفس شكل الأوراق العادية وملمسها، ويمكن صنع كتاب منها لا يبدو مختلفاً عن أي كتاب آخر، لكن كل ورقة منها هي شاشة لمس تفاعلية كاملة، يمكن من خلالها عمل (زووم) لتكبير الكتابة، وعرض الصور بالألوان، وتشغيل الفيديو والملفات الصوتية؟ إن كان شيء كهذا موجوداً فأنا أجزم أنه سيكون بيئة مثالية لنشر رواية (الملف 42)، إذ سيتحقق ما أحسب أن الكاتب أراده وتطلَّع إليه، وسيمكننا أن نحرك قطع الشطرنج لنتعلم خطة الدفاع الصقلية، وأن نتصفح البريد الإلكتروني لبعض الشخصيات، وأن نمرر أصابعنا على الصفحة لنقرأ كافة تعليقات القراء على الموقع الإلكتروني…

– اعتمد الكاتب، كعادته، على ضمير المتكلم متحدثاً على لسان شخصياته المختلفة، وإن كنتُ قد صرحتُ من قبل بعدم استحساني حديث الكاتب أو الكاتبة على لسان شخصية من الجنس المغاير، لاستحالة تقمصها بشكل صحيح، فإني أضيف اليوم ملاحظة أخرى تتعلق بالحديث على لسان شخصية شريرة، أو شخصية تقوم بأفعال شريرة. لقد استشعرتُ شيئاً خاطئاً ما في مشهد اغتصاب الخادمة، إذ لم تكن هناك ملاءمةٌ بين المشهد الذي يصف فعلاً شريراً جداً، وبين أسلوب (ضمير المتكلم) الذي سُرد به. إن ضمير المتكلم بطبعه ينطوي على قدر من النرجسية، وكلُّ متحدث عن نفسه لا بد أن ينسب إليها قدراً من البراءة، أو على الأقل أن ينفي عنها الشرور أو يبررها بألوان من التبرير، لهذا تبدو السير الذاتية مثيرة للتعاطف مع مؤلفيها حتى لو كانوا من أبشع السفاحين في التاريخ، ولهذا أيضاً كنتُ أفضل أن يُسرد مشهد الاغتصاب بأسلوب الراوي العليم، أو بأي أسلوب آخر غير ضمير المتكلم. أذكر هنا أن ضمير المتكلم هو الأسلوب الوحيد الذي اعتمده الكاتب في كافة رواياته السابقة، وأن المرة الوحيدة التي استخدم فيها أسلوب الراوي العليم هي في عرضه لمقتطفات من رواية (أحجية مغربية) التي تُعدُّ رواية (قديمة) عتيقة الطراز، فهل نفهم من هذا اعتقاد الكاتب -واعياً أو غير واع- بأن ضمير الغائب أسلوب سردي عتيق ينتمي إلى الماضي، وأن ضمير المتكلم أسلوب حديث ينتمي إلى الحاضر؟

– بالحديث عن جدلية (القديم) و(الجديد)، فإن من المعروف عن الكاتب نزعاته التجديدية الواضحة، وافتتانه الشديد بالأساليب السردية الحديثة الثائرة على السرد الخطي الكلاسيكي، والمعتمدة على وسائل الإبهار والتلاعب بالقارئ، وقد كانت رواية (الملف 42) ممارسةً مكثفةً منه لشغف الألعاب السردية، وخلاصة اطلاع موسع على أفضل وآخر ما جدَّ في هذا المجال من الروايات الغربية. والحق أني لا أعارض هذه الأساليب السردية الجديدة، وأقرُّ بجماليتها وذكائها، لكن كانت لي مخاوف حقيقية من وقوع الكاتب في فخ ازدراء الأساليب الأخرى، الكلاسيكية الخطية وغيرها، وهو فخٌّ وقع فيه كثيرون مع الأسف الشديد ممن تناولوا خصائص روائية معينة تخصُّ مدرسة ما، ثم عمَّموها على الأدب الروائي بأكمله، مدَّعين أن خصائص مدرستهم المفضلة هي الصواب الوحيد، وأن كل ما عداها يعتبر من الأخطاء الروائية التي ينبغي تجنبها، وعلى هذا الأساس بُنيت دورات تعليمية كاملة، تَنسب إلى الخطأ أساليب اعتمدها كبار الكتَّاب قديماً وحديثاً، فقط لأنها تخالف ما هو سائدٌ في السوق في أيامنا هذه… لقد كنتُ قلقاً من انجرار الكاتب في هذا المنزلق، لكن قلقي تلاشى حين جمعني به لقاءٌ بُعيد معرض الكتاب السابق، وجرت بيننا أحاديث أدبية معمقة -كنتُ في معظمها مستمعاً كعادتي- علمتُ من خلالها أن الكاتب، ورغم افتتانه بالألعاب السردية إلى حد الهوس، لم يقع في فخ ازدراء الأساليب العتيقة، وأنه مؤمن بأن الشكل السردي هو شيء يتحدد من خلال مضمون الرواية نفسه، وأن هناك مضامين روائية لا يصلح معها إلا السرد الكلاسيكي، كما أن ثمة مواضيع أخرى لا تصلح معها إلا التقنيات المعاصرة، هذا إضافة إلى أن اختلاف الأزمنة والبنى الاجتماعية والأمزجة الأدبية له ثقله الذي لا يمكن أن يُنكَر. وعلى العموم فقد أبان الكتاب من خلال مجهوده الكبير الواضح في روايته هذه، وكذا في اطلاعه الواسع جداً والذي تكرَّس له، أنه بلغ درجة عالية من النضج الأدبي، وأن انتقاءه لأي شكل سردي كيفما كان، هو نابع عن وعي عميق بما يناسب مضمون روايته، وليس انجراراً -بأي شكل كان- وراء ما هو سائدٌ في السوق التجارية الأدبية…

* على مستوى المضمون:

– بدا واضحاً، بشكل عام، أن الكاتب مستمعٌ جيد لآراء القراء حول أعماله السابقة، وأنه يحسن الاستفادة منها لتطوير نفسه وتلافي أخطائه السابقة، ويمكنني القول أن التجربة الأدبية للكاتب، حتى الآن، هي من التجارب النادرة التي نجت من (لعنة العمل الأول)، وأن كل رواية أصدرها كانت أفضل وأنضج من سابقاتها. في روايته هذه تجنب الكاتب تكرار ثيمة الحرب التي سبق وعالجها في روايتيه السابقتين، كما تحاشى أيضاً الترهل المعلوماتي الذي عانت منه رواية (ساعة الصفر)، وكذلك فقد كان في (الملف 42) أكثر قرباً من بلده المغرب وقضاياه الاجتماعية، رغم توسُّعه كعادته في خريطة العالم. هذه المرة لن نعيش مغامرة عسكرية في خضم حرب ما، لكننا سنتعرف على بعض الآثار الوخيمة للحرب على المجتمع، وذلك عبر قضية الزيوت المسمومة التي حاول نفض غبار الإهمال عنها، واستخراجها من دهاليز النسيان، واستعراضها أمام الجميع مذكِّراً بها من نسيها، ومعرِّفاً بها من يجهلها، طارحاً بها، وبلهجة صريحة مشبعة بالمرارة، سؤال الكرامة الإنسانية الممتهنة لشعب قد تصير حقوق أبنائه وكرامتهم، بل وأرواحهم، رخيصة مبذولة في سبيل الحسابات السياسية الضيقة.

– تنوعت الرواية في مضمونها القصصي بين شخوص وحكايات وأماكن قد يبدو في البداية أنْ لا رابط يربط بينها؛ طالب مغربي ينتقل إلى روسيا، كاتبة أمريكية تنتقل إلى المغرب، شاب مغربي يلتقي بالكاتبة وتجمع بينهما رواية غامضة… وتتحرك خيوط القصة المعتمدة على ما يسمى بـ (التحقيق الأدبي)، والمسرودة بالتناوب المتعدد إلى أن تلتقي أخيراً في نقطة واحدة، لنعرف في النهاية ما هو المشترك بين عوالم ظلَّت طوال الرواية تبدو لنا متنافرة يستحيل أو يصعب الجمع بينها.

– قصة الشاب المغربي الذي واجه الأهوال في روسيا، بل وقضية الزيوت المسمومة نفسها، ما هي في الواقع إلا واجهات قصصية، وسائل مساعدة لم يردها الكاتب لذاتها، وإنما أراد بها التعبير عما يختلج في صدره من ثورة حانقة على الفساد المستشري في بلادنا على أصعدة كثيرة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً وأدبياً. لقد كانت نبرة الاحتجاج واضحة جداً، وأعلى من كل ما سبق للكاتب أن قدَّمه من أعمال روائية، بل ليس من المبالغة القول إن الرواية تنطوي على صرخة متمردة هائلة، امتزجت فيها الذات بالموضوع، وتعانق فيها الإحباط والسوداوية والأمل الخائب بهوس شبه صوفي بعوالم الأدب والرواية.

–  نعم إن الأدب هو الموضوع الرئيسي للرواية، وقد قدَّم لنا الكاتب فيها وجبة دسمة من الاقتباسات والعناوين الأدبية ما يجعلها مرجعاً يُلجأ إليه لمن أراد الاطلاع على الروائع الروائية، بل وضمَّنها كذلك دروساً شديدة النفع في تقنيات الكتابة الروائية ستفيد كل كاتب أو طامح إلى الكتابة، ولا شك أن الكاتب كان أثناء تأليفه لروايته هذه في قمة انطوائه على ذاته، وابتعاده عن العالم الخارجي، وانغماسه المطلق في شغفه المحموم بالأدب الروائي. لم يكن من قبيل الصدفة أن تحضر رقعة الشطرنج في رواية (الملف 42)، بل هي إحالة صريحة إلى رواية ستيفان زفايغ الرائعة (لاعب الشطرنج)، والتي حدَّثتنا بعمق شديد حول ظاهرة الشغف الحارق الذي يتحول إلى هوس يصهر الروح. حين قرأتُ رواية (لاعب الشطرنج) في الآونة الأخيرة تذكرتُ (الملف 42) على الفور، ليس بسبب موضوع الشطرنج في حد ذاته، ولكني لأني استشعرتُ أخيراً كيف أن المؤلف كان أثناء كتابته للملف 42 في حالة نفسية أشبه ما تكون ببطل رواية زفايغ، وعرفتُ سرَّ تلك الحرارة اللاهبة المنبعثة من بعض الصفحات، حتى إنها لتكاد تحرق أطراف أناملك أثناء تقليبها، والآتية من مكان ما هناك في العمق، ليس بين السطور بل تحتها، وتحت ذلك السطح الأسلوبي الذي لم يختلف في تقريريته ومباشرته عما هو معتاد من الكاتب. لقد بلغ الكاتب في روايته هذه درجة التوحد الكامل إلى حد الانصهار بين ذاته والأدب، وقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى ابتداءً من الصفحة 383، والمستهَلَّة باقتباس معبر جداً عن ذلك الوهج المقدس: “اقرأ إلى أن تكفَّ عن التمييز بين النص ونفسك”، ولسوف نرى فعلاً كيف كفَّ المؤلف عن التمييز بين النص ونفسه، وكيف خلط الأوراق خلطاً امتزج فيه الواقع بالفانتازيا، حتى لم نعد ندري هل ما نقرؤه رواية داخل الواقع، أو واقع أو داخل الرواية، أو سيرة ذاتية تجمع بين هذا وتلك.

– في روايته السابقة (ساعة الصفر)، أخفى الكاتب ذاته إخفاءً تاماً، متملصاً حتى من شخصية الراوي نفسه، لكن روايته هذه، وعلى العكس تماماً، شهدت عودة عنيفة ومكثفة للذات، وبشكل يفوق حتى روايته الأولى (خلف جدار العشق). حين نشر المؤلف على فيسبوك أول اقتباس تشويقي لروايته، حسبتُه في البداية منشوراً عادياً يتحدث فيه عن تجربته الشخصية، إلى أن اتضح لي أخيراً أن ما قرأتُه اقتباسٌ من الرواية الجديدة. استغربتُ في البداية، ولفت انتباهي أنه هذه المرة لم يتكلف حتى تغيير تخصصه الدراسي من (الهندسة المدنية) إلى (هندسة الاتصالات) كما فعل في روايته الأولى، وقد كان علي أن أنتظر حتى أقرأ الرواية الجديدة كاملة، كي أعرف ما موضع ذلك الاقتباس من الإعراب، وكيف أن الكاتب هو شخصية من شخصيات روايته، ظهرت في البداية ظهوراً يوحي بأنها المؤلف نفسه لكن دون تصريح بالاسم، ثم لتعود في النهاية عودة صريحة لا غبار عليها، حتى إن الكاتب بشخصيته الحقيقية قد ابتعد قليلاً عن شخصيته الروائية فكأنما نسخ نفسه، ثم جعل يتأمل نسخته الروائية مع القراء ناظراً إليها بعيون غيرها، متحدثاً عنها بضمير الغائب، بل ومنتقداً لها أيضاً.

لقد ذكرتُ في مراجعتي للرواية السابقة أن ذلك الاختفاء الكامل للذات له سبب نفسي أكثر منه أدبياً، وأذكر في هذه المراجعة أيضاً أن هذا الحضور القوي للذات، والتوكيد الشديد عليها، له كذلك دواع نفسية أكثر منها أدبية… نبرة الاحتجاج والتمرد، السوداوية والإحباط وخيبات الأمل، المستقبل الغائم المكفهر، الانقسام الأليم بين التخصص الدراسي والشغف الأدبي، الغضب النرجسي، مقاومة النكران والحرب ضد النسيان، كلها مشاعر اصطرعت في نفس الكاتب وكان لها في أعماقه حرب ضروس أحرقته في أتونها، وقذفت به في عمل أدبي كتبه وانكتب به، وزجَّ بنفسه فيه واحداً من شخوصه، صائغاً روايته بحيث تشير كل أسهمها إليه في خلاصتها النهائية، لتكون الكلمة الأخيرة في الاقتباس التشويقي المنشور، والتي طُبعت في الغلاف الخلفي للرواية: “أنا”.

* الخاتمة:

حين نقول بأن العمل الأدبي العظيم لا بد أن يخرج من رحم معاناة عظيمة، فليس بالضرورة أن نقصد بالمعاناة ما يمسُّ التجارب الجسدية فقط مهما قسَت. بين يدينا في هذه الرواية عمل خرج من رحم معاناة عظيمة، لكنها معاناة نفسية بالدرجة الأولى، معاناة أدبية منبثقة من الشغف، تشبه في جوهرها معاناة لاعب الشطرنج الذي أزعم أنه ليس سوى ستيفان زفايغ نفسه.

لقد وضع عبد المجيد سباطة نفسه أمام تحد صعب جداً، إذ ليس من اليسير التغلب على رواية مثل (الملف 42)، لا سيما وأنها استنزفته كثيراً واستخلصت منه عصارة روحه في مرحلته هذه، لكن الإنسان يستمر في الحياة ما دام له نصيب من العمر، وما دام الكاتب حياً فهو في استقبال دائم للتجارب الحياتية والوجدانية معاً، والذي لا شك فيه أن الكاتب الجيد هو الذي يعرف بدقة متى تحين لحظة الكتابة، ومتى يكون قد امتلأ بمخزون كافٍ من التجارب يسمح له بإمساك القلم من جديد.

رواية (الملف 42)، رواية للقراءة وإعادة القراءة. من أفضل قراءاتي خلال هذا العام، بل لن أبالغ لو قلتُ بأنها أفضل رواية مغربية قرأتُها حتى الآن…

أنس سعيد محمد

24/12/2020

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.