مغالطات لغوية – عادل مصطفى

30/03/2021 عند 18:10 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: مغالطات لغوية

لمؤلفه: عادل مصطفى

البلد: مصر 🇪🇬

صدر عام: 2016

.

=====

لم أتردد لحظةً في قراءة هذا الكتاب فور أن علمتُ بوجوده، كيف لا وقراءتي لكتابه “المغالطات المنطقية” كانت من أفضل تجاربي القرائية وأكثرها إمتاعاً وإفادة؟ ليس على المستوى العلمي فقط بل حتى على المستوى الأدبي.

“مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة”… عنوان موحٍ بوجود مشكلة لغوية ما، وأسئلة تحتاج إلى إجابات، وأشياء في النفس قد يُحجم عن ذكرها اللسان، وقلقٍ لغوي يرخي بظلاله على حلمات التذوق للعربية وأسلوب الكتابة بها.

كيف نقرأ ما كُتب بالعربية؟ وبأي أسلوبٍ نكتب العربية؟

هل نكون أفضل خدمةً للعربية لو مِلنا كل الميل نحو لغة التراث العتيقة مديرين ظهورنا لكل أسلوب حديث؟ أليست أساليب اللغة الحديثة، بجمالياتها التي لا تُنكَر، شاهدةً على مرونة العربية وقدرتها على التكيف مع متغيرات العصور؟ ما الحد الفاصل بين احترام ثوابت اللغة وتطويرها بما يتلاءم مع مستجدات العصر؟ ما الضرر من بعض “الأخطاء الشائعة” حين يقع إجماع شامل على فهم معناها؟أيُّما أفضل: خطأ مشهور أم صواب مهجور؟ هل نعرِّب الألفاظ الأجنبية ونخضعها لقوالب العربية أم نبحث في قواميسنا التراثية عن أصولها اللفظية رافضين أي تعريب؟ ما موقفنا من العامي الفصيح؟

لماذا نستشعر نغماً جميلاً محبباً إلى النفس في بعض التراكيب العربية المخلخلة نحوياً، في حين تبدو بعض التراكيب “الصحيحة” ثقيلة منفِّرةً تستشعر النفسُ نقصَ شيء فيها أو زيادته؟

أسئلة كثيرة طالما شكَّلت عندي حالة نفسية سمَّيتُها “القلق اللغوي”، على غرار “القلق الفلسفي”، وطالما انعكست بآثار لها على استقبالي لما أقرأ، وأسلوبي فيما أكتب، فجاء هذا الكتاب برداً وسلاماً، وبلسماً مداوياً لأكثر أعراض ذلك القلق، بل أستطيع القول بأن الكتاب “أنقذني” من مزالق كثيرة كدتُ أقع فيها، بل إني وددتُ لو أعدتُ كتابة كثير مما كتبتُ على ضوء ما استفدتُه من سطور هذا الكتاب الذي أخذ بيدي أخذاً رفيقاً، وأعادني إلى فطرتي اللغوية الأولى، إلى تلك السليقة الصافية المتحررة من الأغلال النحوية الثقيلة.

* التضخم اللفظي في اللغة العربية:

وصف الكاتب العربية بأنها لغة جسيمة هائلة الجِرم، لكنه وعلى خلاف الكثيرين لم يفاخر بهذه الضخامة بل انتقدها، وكان انتقاده مبنياً على بحثه في أصولها وأسبابها الراجعة إلى عصر التدوين المتأخر نسبياً؛ فبعد أن اختلط العرب بغيرهم إثر الفتوحات الإسلامية حصلت لهم عُجمة بسبب تأثرهم بلغات الأجانب، لذلك انبرى أناس لتجميع مادة العربية لغرض حفظها من الاندثار، فارتحلوا إلى القبائل العربية المتباعدة، وقابلوا البدويين الذين لم تختلط لغاتهم بالمؤثرات الخارجية، ومضوا يأخذون عنهم ألفاظهم ويدوِّنونها على أنها “لغة عربية سليمة”، ومن ثمَّ حصل تراكم هائل في المترادفات، وفي غريب اللغة وحوشيِّها، وفي الأسماء المتعددة للشيء الواحد، والتي ترجع في الواقع لاختلاف لهجات القبائل.

لقد نشأ بعد ذلك وهمٌ بأن العرب كانوا بالفعل يعرفون مئات الأسماء للأسد والسيف والناقة، لكن الواقع أن أسماء الأسد والسيف والناقة تعددت بتعدد القبائل العربية وتباعدها، وأن لكل قبيلة لهجتها الخاصة التي تشترك وتختلف مع غيرها، وأما وجود لغة عربية شاملة لكل الألفاظ المعجمية، حيث كان عرب زمانٍ ما يتكلمون بها كلَّها فهذا شيء لا وجود له إلا في بعض الأوهام.

يرى الكاتب أن التضخم اللفظي قد أضرَّ باللغة ولم يخدمها، بل إن له شواهد من اقتباسات تراثية تدلُّ على أن عرب القبائل ربما تفطَّنوا لأغراض الرواة الذين يختلفون إليهم لأخذ اللغة عنهم، وربما أكرموهم بالمال أو نحوه، ولما أحسوا بولعهم بالغريب فربما اخترعوا لهم ألفاظاً يرضونهم بها ويستدرُّون كرمهم، مما قد لا يكون له أصل أساساً.

* اللغة العربية بين التوقيف والاصطلاح:

عرض الكاتب لنظريتين محوريتين حول نشأة اللغة؛ التوقيف والاصطلاح.

يرى أصحاب نظرية التوقيف أن اللغة وحيٌ منزَّل من السماء، أنها مخلوق إلهي دال على عظمة الله، وأنْ ليس على الإنسان إلا أن يتأمل فيها بديع صنعه (يستدلون على ذلك بقوله تعالى: “وعلَّمَ آدم الأسماءَ كُلَّها”). وأما أصحاب نظرية الاصطلاح فيرون أن اللغة اختراع بشري لا يختلف في شيء عن العادات والتقاليد، وأن الألفاظ اللغوية لا تعدو أن تكون صوتاً نطق به إنسان قديم ما ليدلَّ به على شيء، ولما فُهم عنه وقع “اصطلاحٌ” على ربط الدال (العلامة اللغوية) بالمدلول (الشيء المسمى).

هذا الاختلاف ليس نظرياً فحسب كما يبدو عليه، وليس من باب الترف المعرفي، بل تترتب عليه آثار فكرية ملموسة، ومواقف لها تأثير مباشر على وضعية اللغة في كل مرحلة من مراحل التطور التاريخي. التطرف في الاعتقاد بنظرية التوقيف سيقود حتماً إلى الجمود اللغوي ورفض أي تطوير، بل قد يصل إلى اتهام المجددين للغة بفساد العقيدة وسوء الطوية، وكذلك فالمغالاة في اعتقاد الاصطلاح قد تلغي أي احترام للغة العربية، وقد تنحو بأصحابها إلى إسالتها ومحاولة تذويبها تمهيداً للقضاء عليها.

بوسع الإنسان بطبيعة الحال أن يتبنى موقفاً وسطاً بين التوقيف والاصطلاح، قد يكون جزءٌ من اللغة وحياً إلهياً حقاً عُلِّمَهُ آدمُ عليه السلام، وقد يكون جزءٌ منها ناتجاً عن الاصطلاحات البشرية، كما أن نظرية التمثيل الصوتي “الأونوماتوبيا” تبدو وجيهة حقاً في التأصيل لكثير من الأفعال التي تبدو مطابقة للأصوات الطبيعية الصادرة عنها، لكن تعميمها على اللغة كلِّها مجازفة وتكلُّف يرفضه العقل.

لا غرابة في أن الكاتب كان أكثر ميلاً نحو نظرية الاصطلاح، لأنها أكثر توافقاً مع نظرية التطور التي يصدِّق بها، وأبعد عن الغيبيات التي تعارض مناهج التفكير المادية المسيطرة عليه، لكن ذلك الميل لم يجنح به -والحمد لله- إلى امتهان اللغة ومحاولة تذويبها، بل لقد أبان رغم ذلك عن احترام عميق لها، وتعظيم لفصاحتها وقدرتها على البيان، وأقر بتفرُّد جذرها الثلاثي العجيب وتفوقها من معظم الوجوه على كافة اللغات الأخرى.

* التضخم النحوي في اللغة العربية:

لعل كثيراً من المدافعين عن العربية في أيامنا هذه يلجؤون إلى قواعدها النحوية باعتبارها دليلاً على عظمة اللغة وعلو شأنها، وربما نحا بعضهم إلى المغالاة في تخطئة التراكيب وفي “قل ولا تقل”، دون أن يعلموا أنهم بمنهجهم هذا واقعون في تناقض كبير، وأنهم يدافعون عن العربية من منطلق غير عربي.

كان العرب القدماء يتكلمون العربية بالسليقة، إذ هي اللغة التي فتحوا عليها أعينهم ورضعوها مع حليب أمهاتهم، وكانوا يستشعرون أنغامها بفطرتهم، وينظمون الشعر على السجية دون أن يعرفوا بُحوره وأوزانه. ثم جاء في العصر العباسي أناس من الموالي، من غير العرب، فأخضعوا العربية لبحث علمي تجريبي اعتمدوا فيه على المنطق العقلي الأرسطي (وهو غير عربي المصدر)، فاكتشفوا بذلك أوزان الشعر وبحوره، ووضعوا قواعد النثر، وصار للعربية إهاب من القوانين واضح المعالم، من شأنه أن يعصم المتكلم بها من اللحن، وأن يقوِّم الألسنة والأقلام في زمن صارت فيه مهددة بالغزو اللغوي الخارجي.

لقد كان خليقاً بعلم النحو أن يظل في موقعه الطبيعي خادماً للغة، لكن الذي حدث أنه تضخَّم وتعملق وتغوَّل، ثم كبَس على جسم اللغة خانقاً إياها، قاطعاً أنفاسها، فكاد يتركها جثة هامدة محنَّطة لا حراك بها. صار الفرع أصلاً، ووُضعت العربة أمام الحصان، وأمسى النحو حاكماً للغة بدل أن يكون محكوماً بها، وهكذا تولَّدت اختلافات شتى وحروب لغوية ما كان أغنانا عنها، وبتطاول الأزمان توهَّم كثيرون أن حفظ اللغة لا يكون إلا بالتشدد في القولبة النحوية، فكانت النتيجة ظهور دعوات ظاهرُها حماية اللغة وباطنُها تحنيطُها، والتحنيط لا يكون إلا لميت.

يعتقد غلاة النحويين ومن لفَّ لفَّهُم أن اللغة العربية كائن ثابت على حال، وينبغي له أن يظل ثابتاً على ما كان عليه في نقطة محددة من التاريخ (ما هي بالضبط؟!)، فهم يرفضون أي ابتكار في الاشتقاقات اللغوية، فضلاً عن تعريب الألفاظ الأجنبية، ثم إنهم بمغالاتهم في التدقيق اللغوي وتنطُّعِهم فيه يكادون يخطِّؤون كل عبارة، وبإخضاعهم اللغة للمنطق وقعوا في الركاكات وأوقعوا الناس فيها.

هذا واللغة كانت ولا زالت سائرة في دربها، مرنة تتكيف مع كل وضع، وتتطور بتطور الزمان، غير خاضعة لشيء إلا لنواميس الطبيعة التي لا مبدِّل لها.

الروح العربية الحقيقية تقبل التطوير وتستوعبه، وأما علم النحو فقصارى ما يرومه أن يحيط بكلام العرب الفطري، ثم إنه يعجز عن ذلك فيتحوَّل عجزُه إلى تضخُّمٍ مرَضي في القواعد، وتناقضٍ فيها، وحروبٍ نحوية لا فائدة منها، وقد ضرب الكاتب مثالاً على ذلك بمفهوم “الضرورة الشعرية” الذي ينكره، باعتبار أنْ لا ضرورة في الشعر، وأنه ما من لفظ نطق به شاعرٌ إلا وكان بوسعه أن يستبدل به غيره، لكن الشعراء من العرب الأقحاح كان لهم سلطانٌ على اللغة، وهم إذا وضعوا في منظومهم ما يبدو أنه مخالف لقواعد النحو فالأصل ما وضعوه، وليس على النحو إلا أن يسمع ويطيع، وإلا كان فعلهم شبيهاً -مع الفارق طبعاً- بمن يخطِّئ بعض آيات القرآن الكريم بحجة أنها تخالف هذه القاعدة النحوية أو تلك (وفي القرآن “إنَّ هذان” و”حتى يقولُ الرسولُ”).

إن عظمة اللغة العربية كامنة في مدى مرونتها وقابليتها للتطور، وأيضاً في فطريتها وانسيابها، لذلك ينبغي تذكير غلاة النحويين وأتباعهم بأن تحنيط اللغة العربية بحجة الدفاع عنها هو منهج غير عربي الروح، تماماً كما أن النحو وإن كان عربي المنشأ فهو غير عربي المآل، واللغة الفصيحة أغنى منه وأرحب.

* نماذج من تصحيح الصحيح:

عرض الكاتب عدة نماذج مما شاع مؤخراً من تصحيح الصحيح، أو على الأقل من تخطئة ما له وجه يسوِّغه في اللغة، وذلك رداً منه على من أسماهم “هواة قل ولا تقل”، والذين قال عنهم في أكثر من موضع من كتابه: “يوشك هواة (قل ولا تقل) أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول”.

كثير من تلك التخطئات الشائعة جاء نتيجة الغلو النحوي، وأيضاً نتيجة إخضاع اللغة إلى المنطق بشكل مبالغ فيه. نعم للغة منطق، لكنه منطق خاص قائم بذاته، ولا يوافق بالضرورة المنطق العلمي المادي الصارم، المنطق الأرسطي الذي يُمكن أن ننسبه إلى اليونان قديماً أو إلى الغرب حديثاً، لكنه حتماً ليس المنطق العربي. وقديماً قال الجاحظ: “للعرب إقدامٌ على الكلام، ثقةً بفهم المخاطَب من أصحابهم عنهم”.

نعم إن العربية تعتمد على الاستعارة والمجاز، وعلى الجناس والتضاد، وعلى اللمحة الخاطفة، والومضة الساحرة، وعلى التلويح والإشارة، وعلى التحوير والحذف، وعلى ما وصفه الكاتب بـ “تفجير أكبر طاقة من المعاني بأقل كتلة من الألفاظ”، ومن ثمَّ لا تعود المعالجة المنطقية مسعفة دائماً بل لعلها تثقل اللغة بأجسام دخيلة عليها، وما أكثر العبارات التي يتمُّ تصحيحها منطقياً ونحوياً، فإذا بها ركيكة ثقيلة تمجُّها الأسماع وتنفر منها النفوس، ولذلك قال الكاتب: “لكي نفهم الظاهرة اللغوية فإن علينا أولاً أن نتعوَّذ من وَسواس المنطق”.

النماذج التي أوردها الكاتب:

– مُتحف / مَتحف؟

– تقييم / تقويم؟

– نفس / عين؟

– هام / مهم؟

– تخرَّج من المعهد / تخرَّج في المعهد؟

– زوج / زوجان؟

– منسوب الماء / مستوى الماء؟

– يسري الحكم / يجري الحكم؟

– استضاف / أضاف؟

– استبدل القديم بالجديد / الجديد بالقديم؟

– اعتدَّ بنفسه؟

– انطلى؟

– رغم / على الرغم / بالرغم؟

– الرئيسي / الرئيس؟

– جيب؟

– لعب دوراً؟

– قناعة؟

– هل كذا أم كذا؟ / هل كذا أو كذا؟

– بمثابة؟

– كرَّس تكريساً؟

– حار / احتار؟

– بواسل / بسلاء؟

– كلل / كلال؟

– نوايا / نيات؟

– صدفة / مصادفة؟

– مستديم / مستدام؟

– المباشَر / المباشِر؟

– مُفاد / مَفاد؟

– تساءل / سأل؟

– ساهم / أسهم؟

– داهم / دهم؟

– أعتذر عن الحضور / أعتذر عن عدم الحضور؟

– نلعب في الوقت الضائع / نلعب في الوقت بدل الضائع؟

وأختم بمثال طريف لمتنطِّع زعم أن عبارة “ممنوع التدخين” خاطئة، وأن صوابها “التدخين ممنوع”!

* اللغة العامية والازدواج اللغوي:

ليست العامية بالضرورة مظهراً من مظاهر الانحطاط اللغوي، بل ما العامية إلا شكلٌ من أشكال التطور الطبيعي، والتلقائي، للغة الفصيحة. وهو تطور لا مفرَّ منه لأنه لصيق بالناس في أحوالهم الاعتيادية وحيواتهم اليومية.

لم يفرض أحدٌ على الناس قواعد لغاتهم العامية، وإنما ابتُكرت أساليب الكلام العامي عن طريق أشكال من الاقتصاد اللفظي والذهني، عبر إلغاء الإعراب وتسهيل الصرف، وعبر حذف بعض الحروف والكلمات أو إدغام بعضها ببعض. ثم إنها رغم تحررها من القواعد الفصيحة تؤدي مهمة التواصل على الوجه الأكمل، بل لقد انتهت إلى أن تكون لها جمالياتها الخاصة التي يعرفها الزجَّالون وكتَّاب كلمات الأغاني، والتي تجلَّت كذلك في الأمثال الشعبية التي لم تزل تتناقلها الأجيال كابراً عن كابر.

لا معنى على الإطلاق لمعاداة العامية من حيث هي لغة تواصل طبيعي، ولا سبيل بالطبع إلى إزالتها أو إلغائها، بل على العكس من ذلك، ينبغي تأمل العامية تأملاً عميقاً، فهي ليست لغة تخلَّقت من العدم، بل ما من لفظ عامي إلا وله أصل ما في اللغة، العربية أو غيرها، علمه من علمه وجهله من جهله. تتيح لنا العامية أن نتحسَّس نبض الأعماق، وأن نفهم عن الناس بعيد شجونهم، وربما أفادتنا في العربية الفصحى إفادة عظمى حين تحملنا ألفاظها على البحث في المعاجم، ويا للدهشة حين نكتشف أن جلَّ ما ننطق به بعاميتنا ما هو إلا فصحى تحوَّرت.

لم تتطور العامية ولم تشِع إلا لأنها تسهِّل التواصل، وتقتصد في أدواته، ولها دون شك مستوياتها الصوابية الخاصة، وبوسع الأدب بطبيعة الحال أن يعمل على سدِّ الفجوة بينها وبين الفصحى عبر التقريب بينهما، وعبر استيعاب الألفاظ العامية الموافقة للقوالب الفصيحة، وبذلك تصير العلاقة بين العامية والفصحى علاقة إفادة متبادلة دون عداوة ولا بغضاء، كل هذا مع مراعاة أنَّ لكل مقام مقالاً، وأن لكلتا اللغتين مجالاً حيوياً تنشط فيه بحيث لا ينبغي أن يقع بينهما تداخل واصطدام (الفصحى في الحياة اليومية مستحيلة، والتفاصح مع العوام وخيم العواقب، كما أن السرد الروائي بالعامية جريمة أدبية يجب أن يعاقب عليها القانون).

* لغتنا العالية، لغة العلم والأدب:

“إذا كانت اللغات جميعاً لغاتٍ تمشي فإن العربية لغةٌ تطير”.

ختم الكاتب كتابه بفصول بديعة في الانتصار للعربية والاعتزاز بها، مؤكداً على أنها لغة العلم، وأن تعريب العلوم ضرورة ملحة لتحقيق التقدم المنشود.

يقول الكاتب: “يسيء الظنَّ بالعربية من يخشى على العربية من لغة العلوم. العربية لغة شديدة المرونة هائلة الجِرم تتطور من داخلها، تهضم العلم ولا يهضمها العلم، وكل ما يتمُّ في العربية من ترجمة أو تعريب هو رصيدٌ يضاف إلى العربية ويثريها، ويفتق فيها عوالم جديدة، وينقل إليها أجواءً ومناخاتٍ مغايرة، ولا ضير البتة من أخذ اللفظ الأجنبي كما هو وتعليمه العربية، أعني تعريبه، أي تطويعه للمقتضيات الصوتية والصرفية للغة العربية، بحيث “يستعرب” ويصبح عربياً ونكاد ننسى أصله الأجنبي”.

العربية لغة ساحرة بكل تفاصيلها، بحروفها التي تحمل الفتح والضمَّ والكسر والسكون، وبما يضاف إلى تلك الحروف من المُدود وبما يُحدث ائتلافها من الأصوات المتناغمة. تُضمُّ الحروف إلى الحروف والكلمات إلى الكلمات، فإذا بآفاق من المعاني مترامية الأطراف لا يحدُّها البصر.

العربية لغة تستوعب كافة المعاني، وتهضم كافة الألفاظ من سائر اللغات، صالحةٌ لكل زمان وكل مكان، ومحفوظةٌ بحفظ الله لكتابه العزيز.

لقد أبان الكاتب في خاتمة كتابه عن انتماء عربي عميق واعتزاز بالعربية لا أنكر أني دهشتُ له، لما أعرفه عنه من التأثر الواضح بالفلسفات الغربية المادية، لكنه في كتابه هذا كان جريء الطرح مستقلَّ الشخصية، وقد خاض في مواضيع قلَّما تُطرح في ساحتنا الأدبية هذه الأيام، معتمداً في ذلك على المنطلقات التالية:

⁃ الرؤية الوسطية للغة العربية، والتي تجمع بين البعد عن التقديس المفرط الذي يؤدي إلى الجمود والتحنيط، وبين الاعتزاز العميق والصادق بالانتماء لهذا اللسان العربي المبين.

⁃ محاولة إنقاذ اللغة من جناية النحو عليها، عبر الاستقراء التاريخي لنشأة التزمت النحوي وتطوره، وكيف انتهى إلى أن يصير منهجاً دخيلاً على اللغة خانقاً لها.

⁃ التأكيد على رحابة اللغة وتسامحها، ومرونتها الشديدة واستيعابها للتعريب والاشتقاق، وأن كل إضافةٍ إلى العربية إثراءٌ لها.

⁃ محاولة عقد الصلح بين العامية والفصحى، وأن تكون بينهما علاقة تبادلية دون طغيان إحداهما على مجالات الأخرى.

⁃ التأكيد على ضرورة تعريب العلوم، وإخضاع المصطلحات العلمية الأجنبية للتعريب.

⁃ الدعوة إلى التمسك بالعربية، والاعتزاز بها، إلى تعليمها وتعلُّمها، وإلى أن نعتبرها “جيناً” من جيناتنا، ومكوناً أصيلاً من ذواتنا وأرواحنا. بذلك لن نكون أذيالاً لغيرنا، نتنفَّج بلغتهم، ونقلدهم في حركاتهم وسكناتهم، وما عندنا أفضل مما لديهم.

(مغالطات لغوية) كتاب قيم جريء الطرح، بالغ الإمتاع والإفادة. كانت قراءته واحدة من أنفع تجاربي القرائية على الإطلاق، وأقول عنه كما قلتُ عن أخيه (المغالطات المنطقية): كتاب يجب أن يُقرأ ويُقرأ، وأن تعاد قراءته، وأن يصير مرجعاً يُرجع إليه…

#أنس_سعيد_محمد

30/03/2021

الخبز الحافي – محمد شكري

20/03/2021 عند 15:48 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الخبز الحافي

لمؤلفها: محمد شكري

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 1972

.

=====

مقدمة:

سمعتُ عن هذه الرواية وعن مؤلفها الكثير، وحين حملني فضولي الأدبي إلى قراءتها صُدمتُ بحجمها الصغير قياساً إلى شهرتها الطاغية. كنتُ ظننتُ في البداية أن “الخبز الحافي” مجلد ضخم من عدة أجزاء دسمة، فإذا هي رواية صغيرة بالإمكان التهامها في جلسة قراءة واحدة. طبعاً لستُ ممن يربطون جودة الأدب بحجم المكتوب إذ كنتُ قرأتُ ستيفان زفايغ وغسان كنفاني، لكن المنطق يخبرنا أن الضجة الكبرى حين تثيرها رواية صغيرة الحجم فلا بد أن ثمة أسباباً وجيهة لذلك.

حاولتُ ما أمكن أن ألزم الحياد أثناء قراءتي، وألا أتأثر بالانطباعات المسبقة، والشائعة، التي تحفُّ بشكري وروايته، والمتمركزة أساساً على اللغة الجريئة للرواية، وحفولها بالأوصاف الصريحة والألفاظ النابية الغريبة عن عالم الأدب، والتي لا نجدها إلا في العوالم السفلية المظلمة للسكارى والمشرَّدين وروَّاد دور الدعارة.

ينتقد المحافظون فرط البذاءة في روايات شكري، ويبرِّر آخرون تلك البذاءة بأنها جزء من “الواقع”، وأن شكري صوَّر عالمه الذي عاش فيه دون مساحيق تجميل، وأنه يستحق التقدير والاحتفاء بشجاعته الأدبية وإقدامه على التصريح بما يُسكت عنه. وعموماً فإن محمد شكري صار “ظاهرة” متميزة تستحق الوقوف عندها وتأملها، مع التأكيد على أن “الظاهرة” لا ترتبط بشكري وحده بوصفه كاتباً صعد من القاع إلى القمة، وإنما بعوامل خارجية كثيرة تتجاوز شكري نفسه، هي التي صنعت لنا صنماً أدبياً شامخاً ربما لا يجرؤ كثيرون على المساس به أو انتقاده ولو بكلمة.

محمد شكري صنم طنجة الأدبي:

محمد شكري صنمٌ أدبيٌّ صنعته أيدٍ خارجية. لقد رُفع من مستوى إنسانيته إلى مستوى الرمز، القيمة المطلقة، ولارتباطه بمدينة طنجة (رغم أنه ليس من أهلها) لم يعد مستغرباً أن نجده مثلاً أعلى لمن أسلوبهم أفضل منه، أو أن نجد من يمجِّده ممن لم يقرؤوا له حرفاً، وعموماً نستطيع رصد نوعين من الراكعين أمام صنم شكري الأدبي هما:

– النوع الأول: الشوفينيون الطنجيون؛ أولئك المتعصِّبون لطنجة تعصُّباً مرضياً، ولكل ما ارتبط بها من رموز مشهورة دون تمييز. أولئك المصابون بفرط الحنين إلى الماضي، والذين ينشرون صور طنجة قبل مئة عام حيث لا يظهر في الصورة إلا تلال ترابية عديمة اللون يتصاعد منها الغبار ثم يعلقون عليها قائلين: “أيام العز ليتها تعود”. أولئك الذين لا شغل لهم إلا التنقيب في الكتب القديمة والوثائق التاريخية عن أي ذكرٍ لكلمة “طنجة”، وعن أي مشهور أجنبي زارها في زمن مضى وكتب عنها كلمة مديح، ثم يطيرون بما وجدوه كأنما يضيف قيمة ما إلى نرجسيتهم الخاصة. هؤلاء ربما لم يقرأ الواحد منهم حرفاً واحداً لشكري، لكنه يحتفي به ويمجِّده، ويرفعه إلى مصافِّ عظماء التاريخ، لماذا؟ لسببين بسيطين مرتبطين؛ الأول أنه مشهور، والثاني أنه عاش في طنجة.

– النوع الثاني: السكارى، مدمنو الخمر وأحلاس الحانات، والروَّاد الدائمون لدور الدعارة. وهؤلاء ينقسمون بدورهم إلى قسمين: القسم الأول غير راض عن حياة الفساد التي يعيشها، ويأمل أن يأتي يوم يتوب فيه عن ذلك كلِّه ويعود إلى الاستقامة، والقسم الثاني يرى في أسلوب الحياة ذاك نموذجاً أعلى للحرية المنشودة، وهؤلاء هم المجاهرون بكل تلك الموبقات، بل والمستحلُّون لها ربما، والذين يحبُّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. لا عجب إذن أن يرى هؤلاء في محمد شكري مثلاً أعلى، ورمزاً أدبياً مطلقاً، لأنه منهم وفيهم، ويعبِّر عنهم ويتكلم بلغتهم، ومن ثمَّ فتمجيد هؤلاء لشكري غير مرتبط، على الإطلاق، بأية اعتبارات أدبية، بل فقط بالمضامين المنحلَّة الواردة في أعماله الروائية.

القيمة الأدبية لروايات محمد شكري:

ما الذي أكسب “الخبز الحافي” وغيرها من روايات شكري قيمتها الأدبية؟ أهو الأسلوب اللغوي أم المضمون القصصي؟ أم أنها تلك الاعتبارات الأخرى المتعلقة بطفولته الأليمة وبأنه لم يتعلم القراءة والكتابة إلا حين بلغ العشرين؟

لو جرَّدنا أنفسنا من سطوة الرموز المشهورة، وقرأنا “الخبز الحافي” قراءة محايدة دون اعتبار لكاتبها، فلا شك أن الرواية ستبدو لنا عملاً مبتدئاً كتبه طفلٌ في مراحله الأولى؛ لغة مهلهلة هي فوق العامية بقليل ودون الفصحى بكثير، أخطاء بالجملة، تراكيب ركيكة للغاية، سرد مشتت غير متماسك، انعدام في الترابط كاد يجعل منها مجموعة قصصية وليست رواية، انتقالات زمنية غير منطقية، شخصيات تظهر وتختفي فجأة دون مقدمات، فقر شديد في وصف الشخوص، لا شيء تقريباً سوى المذكرات الجنسية، مع الكثير الكثير من الألفاظ النابية والأوصاف القذرة. هذه الآراء ستغضب بالتأكيد مريدي شكري، ونتوقع هنا أن نسمع تعليلين شهيرين لظاهرة شكري الأسلوبية هما:

– التعليل الأول: أن الكاتب لم يتعلم القراءة والكتابة إلا في سن العشرين، ويرى أصحاب هذا التعليل أن هذه الحقيقة تغفر لشكري ضعف أسلوبه في الكتابة، وأنها إضافة إلى الأهوال التي عانى منها في طفولته تجعله مستحقاً لـ “ظروف تخفيف نقدية”. ما نفهمه من هؤلاء أن علينا أن نعامل أدب شكري كما نعامل الأعمال الفنية التي يقوم بها المعاقون؛ مقطوع اليدين الذي يرسم بقدميه، الأصمُّ الذي يؤلف المقطوعات الموسيقية والأعمى الذي يعزفها بإتقان على البيانو… إلخ. فكأنهم يقولون: “نعم إن روايات شكري مليئة بالأخطاء الأدبية وجوانب الضعف، نعترف بذلك. لكن رفقاً به، المسكين، فهو لم يتعلم القراءة والكتابة إلا متأخراً، كما أنه عاش طفولة أليمة جداً”.

قد نستطيع أن نتقبَّل رأي هؤلاء رغم انتمائه إلى “مغالطة استدرار العطف”، وقد كان شيء من التعاطف حاضراً في وجداني أثناء قراءتي لـ “الخبز الحافي”، لكن بالنظر إلى مجمل مسيرة الكاتب، وخاصة إلى آرائه التي عبَّر عنها في كتابه المتحذلق “غواية الشحرور الأبيض”، فإن أي تعاطف مع “الخبز الحافي” يصير موضع نظر، بل يتعيَّن علينا أن ننظر بجدية أكبر إلى أصحاب التعليل الثاني.

– التعليل الثاني: أن أدب شكري يجب أن يُنظر إليه بمنظار الحداثة، وهو ما عبَّر عنه صبري حافظ في قراءته النقدية حين قال ما معناه بأن روايات شكري جاءت حداثية بالفطرة، ودون أن يقصد كاتبها ذلك، بل إنها بلغت في الحداثة مبلغاً جعلها متاخمةً لما بعد الحداثة.

لا أميل إلى أمثال هذه التصنيفات النقدية المضللة، كما لا أملك تصوراً دقيقاً واضحاً عن معنى الحداثة وما بعدها، لكن أعتقد أن لديَّ تصوراً ما، وإن يكن غائماً بعض الشيء، حول مفهومي “الصلابة” و”السيولة”. إذا ما اعتبرنا أن الحداثة الغربية بطبعها تنزع نحو السيولة، فلا غرابة إذن أن تحظى رواية “الخبز الحافي” بكل ذلك الاحتفاء الغربي الهائل، وأن تُترجم إلى اللغات الأجنبية وأن تُنشر بها قبل العربية، وأن تُعتبر واحدة من رموز الأدب الحديث.

بإمكاننا إسقاط الخصائص الفيزيائية للصلابة والسيولة على الفن والأدب؛ الصلابة تعني الانتصاب وأخذ حيِّزٍ واضح من المكان، تعني الثبات والجمود وصعوبة الزحزحة والتغيير والانتقال، أما السيولة فتوحي بالميوعة والانسياح، بفقدان الكتلة وسهولة التنقل في المكان والانسراب في الثقوب الضيقة. على مستوى اللغة؛ تعني الصلابةُ الثباتَ على المبادئ البلاغية القديمة مع رفضٍ عنيدٍ للتجديد، وأقصى الصلابةِ لغةُ العرب القديمة التي لم تعد مفهومة اليوم. وأما السيولة فتعني التساهل مع التراكيب المخلخلة والألفاظ المخترعة إضافة إلى الاستخفاف بالقواعد اللغوية وأساليب البلاغة، وأقصى السيولةِ اللغةُ العاميةُ في أكثر أشكالها انحطاطاً.

رواية “الخبز الحافي” تتميَّز بقدر كبير من السيولة اللغوية والأدبية، تلك السيولة التي توافق الأهواء الحداثية الغربية، وهذا ما يفسِّر احتفاءهم بها ومثلُهم أذيالُهم من العرب. هي رواية سائلة من الناحية الأخلاقية، إذ تصادم مصادمةً فجةً ما تواضع عليه المجتمع المغربي المسلم، وتقذف في وجهه بأكثر ما يُستحى منه من الألفاظ والأوصاف والتصوير الفاحش لواقع العوالم السفلية، كما أنها سائلة من الناحية اللغوية، إذ تتعامل مع العربية باستخفاف شديد، غير عابئة بالقواعد اللغوية، غير مترددة في الإلقاء بالألفاظ والتراكيب كيفما اتفق، ليس من باب الجهل باللغة أو الاعتراف الخجول بالضعف فيها، لكن من باب السخرية بها والحطِّ من قدرها والانتصار للركاكة والتفاهة.

الأسلوب الأدبي في روايةالخبز الحافي“:

عُرض قبل سنوات برنامج هزلي عنوانه “الخواسر”، على وزن “الكواسر” و”البواسل”، وقد اشتهر البرنامج بلغة الحوار الدامجة بين العامية والفصحى على نحو يسخر من الفصحى، حتى صار أصحاب الأساليب الركيكة يوصفون بأنهم يكتبون بـ “لغة الخواسر”. لقد خطرت “لغة الخواسر” ببالي أكثر من مرة أثناء قراءتي لـ “الخبز الحافي”، لأنها شبيهة بها إلى حد ما وإن لم تكن تصل إلى مستواها.

لم تكن اللغة -على ما أظن- هاجساً لشكري أثناء كتابته، وقد امتدح بعض النقاد ما سمَّوه بـ “عدم التحذلق اللغوي” (يقصدون بعدم التحذلق الألفاظ النابية طبعاً)، وسواء أكان شكري يصدر إبان كتابته لـ “الخبز الحافي” عن عفوية في السرد أم عن نية مبيتة، فإن سيولته اللغوية نُسبت فوراً إلى الحداثة، واعتُبرت فيها قيمة مضافة ثمينة.

تميَّز أسلوب شكري في روايته بالمضارعة للأحداث، وقد نجح في إشعار القارئ بأن ما يقرؤه يحدث الآن وليس في الماضي، كما أن ثمة جانباً طفولياً ما في أسلوبه يناسب مرحلته العمرية التي يروي عنها رغم أنه كتب عن تلك الذكريات في وقت لاحق، وهذه من أبرز نقاط القوة في الرواية برأيي. لكن ذلك الجانب الطفولي اختفى تماماً أو كاد في عمليه اللاحقين “زمن الأخطاء” و”وجوه”، وهما عملان تميزا بقدر هائل من ذلك “التحذلق اللغوي” الذي امتُدح بالابتعاد عنه في عمله الأول. وطبعاً لا حاجة لأن نذكر بأن النقاد سيظلُّون على موقفهم الإيجابي من أعمال الرجل رغم هذا التناقض الكبير؛ فسواء أكان متحذلقاً لغوياً أم لا، فإن التحذلق اللغوي نفسه مفهوم سائل يمكن تشكيله حسب الحاجة؛ حين يكتب الكاتب بفجاجة وإباحية وبذاءة نثمِّن عدم تحذلقه اللغوي والتصاقَه الصريح بالواقع، وحين يتحذلق لغوياً نثمِّن شاعريته وعمقه وابتعاده عن السطحية.

محمد شكري عاش حياة منحلَّة بدأت من طفولته واستمرَّت حتى وفاته، لذلك فانحلاله العام سينعكس ولا بد على أسلوبه اللغوي. إذا كان الكاتب لم يلتزم في حياته بأية قواعد أخلاقية أو أحكام دينية فهل ننتظر منه أن يلتزم بالقواعد اللغوية؟ لذلك نجد أن شكري تعامل مع اللغة بحرية تامة بل واستسهال مفرط، يخترع الألفاظ من عنده، وينقل من العامية إلى الفصحى، ويستحدث اشتقاقاته اللغوية الخاصة، وهذا إن كان مما يروق الحداثيين (أصحاب النيات السيئة) فإن ثمة مسألة مهمة تنبغي الإشارة لها؛ وهي أن تطوير اللغة أمر واجب وليس مرفوضاً، كما أن استعمال فصيح العامية حاجة ملحة، وأيضاً فالاجتهاد الاشتقاقي مطلوب بقوة، غير أن هذا الحقل الحرج ليس كلأ مباحاً للجميع، بل يجب أن يقيَّض له أهلُ الثقة من المعظِّمين للغة العربية، والذين يسعون عبر هذه الجهود إلى خدمتها وتطويرها، لا أن يوكَل إلى الحداثيين الغربيين والمستشرقين وأذنابهم، أو إلى الجهلة من العرب والضعاف في اللغة، ومن يحملون في أعماقهم حقداً دفيناً على المقدرات الثقافية للأمة.

حين نتأمل بعض ما اشتقَّه شكري في روايته من الأفعال والأسماء والجموع، نجد أن بعضها صحيح لغوياً وإن كان غريباً في السمع أو يبدو عامياً (غالباً بالصدفة، أو رمية من غير رام)، كما أن كل الألفاظ النابية التي استخدمها هي ألفاظ فصيحة تماماً، موجودة في القواميس العربية، ونجدها جميعاً بلا استثناء في عدد من كتب التراث القديمة. فهل تبرِّر الأصول الفصيحة للألفاظ النابية ووجودها في كتب التراث استخدامَها في الأدب المعاصر؟ وهل يُسمح لأيٍّ كان بالعبث باللغة كيفما شاء بحجة تطويرها؟

مربط الفرس هنا هو النية ولا شيء غيرها، والعملُ مهما كان فرعٌ عن النية، ونحن إذ نلمس جانباً طفولياً داعياً إلى التعاطف في “الخبز الحافي”، فإن قراءتنا لما جاء بعدها، وخاصة لـ “غواية الشحرور الأبيض”، تكشف لنا أن شكري كان، أو صار، واعياً بالأهداف الحداثية التخريبية لأدبه، وأنه -بأسلوبه المتحذلق المتكبِّر إلى درجة وحشية في النقد- يستحق لقباً آخر غير “صعلوك الأدب العربي” هو “بلطجيُّ الأدب العربي”، كما يصير واضحاً أيضاً أنه يسير جنباً إلى جنب مع الآراء المعادية للمحافَظة الأخلاقية والبلاغة العربية، والداعية إلى القطيعة مع أدب التراث الغربي نفسه بله العربي، ولهذا لوازم لا تخفى على أي عاقل يتمتع بشيء ولو قليل من الانتماء لدينه وأمته ولغته.

خاتمة:

لا أنكر أن محمد شكري ظاهرة إنسانية ذات أهمية خاصة، لكن تلك الأهمية في رأيي تتعلق بدراسات الدماغ البشري أكثر منها بالدراسات الأدبية؛ ذلك أن من المثير للاهتمام حقاً، من وجهة نظر علمية وطبية، أن يصل إنسان لم يتعلم القراءة إلا في العشرين من عمره إلى مستوى مكَّنه من تسويد مئات الصفحات القصصية بل والنقدية، والدالة على اطلاع واسع وتغلغُل في أعماق العوالم الأدبية. نعم تطرح هذه الحقائق أسئلة كثيرة حول قابلية الدماغ البشري للتعلم والإبداع، وهل بالإمكان أن نستخرج من أي إنسان كان، حتى المشرَّدين والأميِّين ممن تقدمت بهم الأعمار، طاقاتٍ إبداعيةً كامنة.

ربما يجب أن نبتعد ما أمككنا عن مغالطة استدرار العطف، وأن نضع محمد شكري في سياقه الصحيح من حيث الدراسات الدماغية، أما من الناحية الأدبية البحتة فلا معنى لإعطاء “الخبز الحافي” أكبر من حجمها، خاصة في ظل التطور الكبير الحاصل في الميدان التقني الذي أتاح لنا الاطلاع على روائع أدبية حقيقية، عربية وغربية وقديمة وحديثة. لقد ناصر شكري فكرة هدم الأصنام الأدبية القديمة، لذلك أعتقد أن من الصواب أن يُتعامَل معه بالمثل، بمنطق هدم الأصنام الأدبية، لا سيما إن كانت غير قائمة بذاتها، بل بغيرها من الأيادي الخارجية التي وراءها ما وراءها…

#أنس_سعيد_محمد

20/03/2021

الحب في زمن الكوليرا – غابرييل غارسيا ماركيز

10/03/2021 عند 15:49 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الحب في زمن الكوليرا

لمؤلفها: غابرييل غارسيا ماركيز

البلد: كولومبيا 🇨🇴

ترجمة: صالح علماني

صدرت عام: 1985

.

=====

طال انتظاري لدوري في إحدى المصلحات، فعنَّ لي أن أتصفَّح أي شيء موجود في هاتفي لتزجية الوقت، فتحتُ التطبيق فوقع بصري -عشوائياً- على رواية “الحب في زمن الكوليرا”، لا أذكر متى حمَّلتُها لكنها موجودة بطريقة ما، شرعتُ في قراءتها بعينين ناعستين، تلقيتُ من صفحاتها الأولى انطباعاً بأنها رواية بوليسية، لكن ما إن تجاوزتُ عشرين صفحة أو نحوها حتى طار النعاس من عيني، واعتدلتُ في جلستي، ومضيتُ أقرأ في انتباه كامل متمنياً أن يطول انتظاري أكثر.

ثمة روايات يستشعر القارئ العادي أنها أكبر منه بكثير، أحياناً بسبب حجمها الهائل وأحياناً بسبب الهالة المحيطة بعنوانها وباسم كاتبها. غالباً ما أجد بعض التهيُّب بإزاء هذه العناوين الروائية الكبيرة، وهو تهيُّبٌ قد يغذِّيه الضجيج النقدي المصاحب لها، وكثرة التصنيفات الأدبية وأسماء التيارات التي تتطاير هنا وهناك كلما ذُكرت الرواية، والتي ما إن طالعتُ نبذة عنها قبل الاستمرار في قراءتها حتى وجدتُ نفسي في متاهات الحديث حول “الأدب اللاتيني” و”الواقعية السحرية”. بحثتُ عن معنى الواقعية السحرية وقرأتُ بعض ما كتب عنها فلم أستفد شيئاً يعينني على تذوُّقٍ أفضل لما أقرأ، وهذه مشكلةٌ أعاني منها مع كل التيارات الأدبية التي تُنسب إليها هذه الرواية أو تلك؛ إذ يصعب علي غالباً، أو دائماً -ربما بسبب قصورٍ حادٍّ في إدراكي الأدبي- أن أطابق بين التيار الأدبي (النظرية) والرواية (التطبيق العملي). كل تيار أدبي أقرأ خصائصه فلا بد أن أجد تلك الخصائص تنطبق بشكل أو بآخر، وبدرجات متفاوتة، على كل رواية بلا استثناء. ما من رواية إلا وفيها خليط من الكلاسيكية والواقعية والرومانسية والعجائبية وتيار الوعي والحداثة وما بعدها… إلخ. وعلينا من ثمَّ أن نفكك الرواية تفكيكاً شاقاً إلى أصغر أجزائها، ثم نجري عمليات حسابية معقدة لنعرف أي الجوانب أغلب عليها لنُلحقها به، ولنصمها بأنها “رواية (…)ـية”. 

لمثل هذا التشويش لا أحب النقد الأدبي، وأراه في الغالب عائقاً يحول دون الاستمتاع بتذوق النص بلا خلفيات مرهقة للذهن، لذلك قررتُ أن أمضي في قراءة الرواية مديراً ظهري لكل ما كُتب عنها، مغمَض العينين عن تصنيفاتها النقدية، مسلماً حواسي إلى جماليات الوصف والسرد فقط، باحثاً عن تجربة انطباعية ذاتية ممتعة هي كل ما أريد من القراءة.

تقع الرواية في فصول كبيرة تتألف غالباً من خمسين صفحة كثيفة دسمة، غير مقسمة إلى فصول فرعية، لذلك فالانتقال بين مواضيعها السردية كان مباشراً وسلساً بين الفقرات دون سابق تمهيد؛ أي أن الكاتب يسترسل في الحديث عن شخصية ما على امتداد صفحات، ثم يرجع إلى السطر فينتقل إلى شخصية أخرى قافزاً بالقارئ إلى مكان وزمان آخرين، والعجيب أن هذه الانتقالات المفاجئة ظلَّت سلسة تماماً دون أن تسبب أي إرباك للقارئ.

أما أحداث الرواية فتدور في مدينة لم يُذكر اسمها على ساحل الكاريبي، ويغطي مجالها الزمني نصف قرن تقريباً بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. توحي الرواية في صفحاتها الأولى بأنها رواية بوليسية، لكن سرعان ما نكتشف أنها ليست كذلك إطلاقاً، وأن الكاتب سيرحل بنا إلى الماضي البعيد للشخصيات التي ظهرت في فصلها الأول، ليسرد لنا قصص حياة كاملة بكافة تفاصيلها، وبشكل يضعنا عنوة في أجواء الكلاسيكيات والرومانسيات الأوروبية الخالدة، حين كانت الرواية تدور حول “الإنسان” بوصفه محوراً للكون.

تناقش الرواية موضوع الحب الأعمى، الحب الجارف اللاعقلاني، رابطةً إياه بمراحل حياة الإنسان بدءاً من مطالع الشباب حتى أواخر الشيخوخة. هي قصة شاب مراهق أخرق “له ملامح كلب مضروب”، يقع في حبٍّ جنونيٍّ لفتاة بادلته الهوى زمناً قبل أن تصدَّ عنه دون أسباب. تتزوج الفتاة طبيباً مرموقاً فيقيم العاشق المتروك منتظراً موت الزوج، وهو الانتظار الذي سيطول أكثر من نصف قرن، ليواجه العاشق “فتاته” الأرملة في جنازة زوجها، مقدماً نفسه لها وهما فوق السبعين من العمر.

في الرواية ثلاث شخصيات رئيسية هي العاشق والفتاة والزوج، وعدد كبير من الشخصيات الثانوية التي رافقتها في رحلة حياتها الطويلة. اعتمد الكاتب على سرد مترع بالتفاصيل لكل شيء؛ للأشخاص والأماكن والأجواء ولأشياء شديدة الدقة في النفس والحياة، حتى ليخيل إلى القارئ أن الكاتب عايش تلك الفترة الزمنية وتلقى بكافة حواسه تفصيلاتها الدقيقة. تفاصيل… تفاصيل… تفاصيل… هذه هي السمة الأبرز للرواية، والتي أضفت عليها طابعاً شديد الواقعية رغم جنونية حب البطل وخروجه عن أي منطق يمكن تصوره. هنالك مَشاهد عاطفية تذكرنا رأساً بالحب الطاهر الذي جمع بين “كوزيت” و”ماريوس” في رواية البؤساء، أجواء الحدائق والأشجار الظليلة والمقاعد تحتها وعبارات الحب المتوجسة، مع وجود شيخ متصلب مثل “جيلنورمان” جدِّ “ماريوس” يعوق استمرار ذلك الحب. لكن ما إن نندمج مع هذه الأجواء ونستسلم لحفيف الأشجار وزقزقة العصافير حتى يصدمنا ماركيز بواقعية مفرطة في قبحها؛ فإذا به يصحبنا إلى وكر دعارة قذر، ويسهب في وصف علاقات جنسية شديدة الانحطاط، وعلى نحو ما كنا لنجد مثله في “البؤساء” وأمثالها إلا بشكل عابر وبأكثر الألفاظ تهذيباً.

هذا التفاعل الفريد في نوعه بين فرط الرومانسية وفرط الواقعية قدَّم لنا مخلوقاً أدبياً عجيباً أقرب إلى الكاريكاتير، ما جعلني أتصور معادلة غريبة هي كالآتي: “الرومانسية + الواقعية = الكوميديا”. من المعروف أن الأدب الرومانسي في احتفائه بالإنسان ومشاعره السامية يلغي غالباً نقائصه البشرية، يتجاهلها تماماً على حساب جوانبه البطولية التي يسلِّط الضوء عليها، وأما هذه الرواية فتوحي للقارئ برومانسية محمومة، لكنها لا تلبث أن تعرِّي بشرية بطلها بشكل يبعث على الضحك. ولكم أن تتصوروا موعداً رومانسياً يبدع الكاتب في وصف الجماليات الحافَّة به، ثم يخبرنا فجأة أن الموعد فسَد بسبب إسهال شديد أصاب البطل! ثمة جانب ساخر في هذا، وجانب مستحيل في تصوير بطل مقيم على حبه الجنوني حتى الشيخوخة، رغم استغراقه في العلاقات الجنسية، بكافة أنواعها وبكثافة، طيلة حياته.

نعم من المستحيل أن نتصور بطلاً كهذا إلا أن يكون مختلاً عقلياً، لكننا نستسلم لإبداع الكاتب في الوصف واسترساله في العزف على نغماته الأدبية العجيبة، فنرتمي طائعين في عوالمه المحمومة متقبِّلين بصدر رحب كافة المبالغات التي يكذِّبها العقل وينفيها واقع الحياة كما نعرفه.

“الحب في زمن الكوليرا” رواية كُتبت لتمجيد الحب والشيخوخة، تنتمي لزمن أدبي جميل سابق لعصر الفساد الروائي هذا، وهي بمبالغاتها الأدبية كأنها تحثُّ القارئ على حراسة الذاكرة، ذاكرة القلب والمشاعر، على أن يحتفظ بجذوة الشباب الملتهبة، المقدسة، وأن يحملها في قلبه كاملة مصونة إلى قمة العمر، وحينئذ سيستطيع رغم آفات الشيخوخة أن يرقص، وأن يحب، وأن يضحك ملء فيه، وأن يرتكب الحماقات، وأن يتأمل الجمال في كل ما حوله، وأن يبحر عكس التيار أو بلا وجهة مدفوعاً بشغف الاستكشاف وحده، مجيباً عن كل من يسأله حتَّام تستمر في هذا بجواب جاهز منذ عشرات السنين: مدى الحياة…

#أنس_سعيد_محمد

10/03/2021

المشي في حقل الألغام – صلاح الدين أقرقر

03/03/2021 عند 12:22 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: المشي في حقل الألغام

لمؤلفها: صلاح الدين أقرقر

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

سبق أن نشرتُ مراجعةً حول الرواية السابقة للكاتب “ملاكان وشيطان”، سلَّطتُ فيها الضوء على بعض الخصائص التي تميَّز بها اشتغاله الروائي، كما لم تخلُ من انتقادات حول بعض التفاصيل، وأحب أن أحيل القارئ عليها قبل الشروع في هذه المراجعة لروايته الأخيرة، لأنها -بشكل ما- مبنية عليها، وقد يصحُّ أن تُعتبر تكملة لها، أو متكاملة معها.

أخبرني الكاتب عقب نشري للمراجعة الأولى أنه تلقى بعض ما ورد فيها من ملاحظات من أكثر من قارئ، وأنه عمل على تجنبها في روايته هذه (المشي في حقل الألغام). والآن أستطيع القول، بعد قراءتي لها، أنها تشكِّل فعلاً تطوراً ملموساً للكاتب، وأنه استفاد من أخطاء عمله السابق استفادة قصوى، وأنه تغلَّب على نفسه وقدَّم عملاً يتجاوز سابقه بمراحل.

وإليكم الآن، كما جرت العادة، باقة من الآراء والانطباعات حول رواية (المشي في حقل الألغام):

– بوسع القارئ المتمرس أن يستشعر في كل رواية يقرؤها منطلقات الكاتب الأولى؛ تلك الخطوط الأعرض التي تشكل الأساس الأول لعمله الروائي. ثمة روايات انطلق كتَّابها من عنصر “الشخصية”، وأخرى انطلقوا فيها من “الحدث التاريخي”، وأخرى من “المعلومة الثقافية”، وأخرى من “الأسطورة”، وأخرى من “المذهب الفلسفي”… إلخ. وذلك بحيث تنبثق عن ذلك النبع الأول كل عوالم الرواية من شخوص وأحداث وحوارات وحبكات ومصائر. ونحن حين نقرأ لصلاح الدين نستشعر أن مُنطلقه الأول للكتابة هو “الموضوع الاجتماعي”. نعم لكأني به يجلس أول ما يجلس إلى دفتر فارغ، ثم يخطُّ عليه أولاً -قبل الشخصيات والحبكة وكل شيء- قائمة بالمواضيع الاجتماعية التي ينوي معالجتها، ثم يصير “الموضوع الاجتماعي” هو النبع الذي تتدفق منه الشخوص والأحداث والحبكات والمصائر. هذا النوع من الاشتغال الروائي صار نادراً في أيامنا هذه، بل لقد صار منبوذاً محتقراً مع الأسف الشديد، لذلك لا أملك إلا أن أشيد باقتحام الكاتب هذا الميدان المهجور، ومحاولته إعادة الاعتبار للرواية الاجتماعية التي تعاني اليوم فراغاً مأساوياً على حساب أنماط روائية أخرى هي دونها في القدرة على التأثير والنفاذ إلى الأعماق الإنسانية في النفس والمجتمع.

– استطاع الكاتب رغم تعدد مواضيعه المعالَجة أن يؤلف بينها بحبكات متماسكة دلَّت على تمتعه بحس التنظيم والهيكلة. ليس الكاتب بالذي يبدأ الفصل مطلقاً العنان لقلمه غير عالمٍ إلى أين سيقوده، بل إن وراء الشكل المكتمل لروايته هياكل ومخططات وأسهماً متداخلة، نقاط بداية ونقاط انتهاء وجداول زمنية، إلى غير ذلك مما لا يراه القارئ في العمل النهائي، ولا يكشفه الكاتب أبداً، لكن بالإمكان استشفافه من وراء الصفحات، والاستدلال به على اشتغال جاد ومنظم بريء من العشوائية والتشتت.

– اعتمد الكاتب تقنية “تعدد الأصوات”، وبشكل قد يبدو في البداية غير متناسق، إذ احتلَّ صوت “فاطمة البوكيلي” معظم جسم الرواية، مع قسم وافر في بدايتها لـ “أحمد الناصري”، أما الفصول الأخيرة فقد تكلمت على لسانها شخصياتٌ ثانويةٌ متعددة. بطبيعة الحال لستُ مؤيداً لحديث الكاتب على لسان الجنس المغاير إلا في أضيق الحدود، كما أن تعدد الأصوات مغامرة خطيرة أفضِّل في الغالب عدم اقتحامها، لكن استمتاعي بالأحداث، وباللغة السليمة والأنيقة للكاتب، جعلني أتجاهل في النهاية هذه الاختلافات. كما أشير أيضاً إلى أن حرص الكاتب على إبراز مجهوده في بناء الشخصيات، حتى الثانوية منها، قد أوقعه أحياناً في خطابات تبريرية أثقلت الرواية دون أن تخدمها.

– على خلاف روايته السابقة التي عمَّت تماماً عن الزمان والمكان، فإننا نجد في روايته هذه حضوراً عابراً لبعض البلدان والمدن والسنوات والأحداث التاريخية الحقيقية، ما جعلها متداخلة بعض الشيء مع الواقع وليست منعزلة عنه تماماً في عالم من المجرَّدات الرمزية. بيد أن ذلك التداخل ظل سطحياً مع ذلك، إذ إن الطبيعة الاجتماعية للرواية تدفعها تلقائياً نحو التعميم، ومن ثمَّ نحو إلغاء قيمة الزمان والمكان بل والرافد المعلوماتي عموماً، لكن هذا الإلغاء أثر سلباً، وبشدة مع الأسف، على معالجتها لموضوع “الإرهاب” الذي لا يمكن الفرار فيه من الرافد المعلوماتي بحال من الأحوال، وهو ما سأتناوله بمزيد من البسط بعد قليل.

– يدرك الكاتب إدراكاً عميقاً أنه يقدم لنا قصصاً خيالية لأخذ العبرة، لذلك فهو لا يتكبد عناءً كبيراً في محاولة “الإيهام بالواقع”، هو يعرف والقارئ يعرف أن تلك الأحداث لم تقع، وأن الشخصيات لا وجود لها إلا في الخيال، وأن الرواية في صميمها مجرد ضربٍ للأمثلة، لذلك تغلب على السرد نبرة “مبتسمة” إن صحَّ التعبير، أسلوب الكاتب يشبه ابتسامته الهادئة الموحية بسلامة الصدر، وبأنه يأخذ أمور الحياة ببساطة ويُسر. أحداث الرواية مأساوية أحياناً نعم، لكنها خيالية فلا داعي للتفجُّع، ولا حاجة لتلك التراكيب التي تجهد نفسها لإيهام القارئ أنه يقرأ شيئاً حقيقياً، بل لا أخفي أني استلقيتُ ضحكاً في ثلاثة مواضع من الرواية؛ في الصفحتين 22 و23، وفي الصفحة 75، ثم في الصفحتين 316 و317. ثمة في أعماق الكاتب “حكواتي” على الطراز القديم، من النوع الذي يتصدَّر المجلس وحوله المستمعون، ثم يشرع في حكاية القصص مبتسماً، مرصِّعاً سرده بالحكم والمواعظ والتأملات الأخلاقية، وهو ما يظهر جلياً في معظم فصول الرواية التي لا تبدأ بسرد الأحداث بل تبدأ بخلاصتها، بعصارتها الأخلاقية، لا بد من فقرة “وعظية” في مستهل كل فصل، توحي بأن كل ما سيُسرد من الأحداث ما هو إلا مثال مضروب على تلك الفقرة، وقصة متخيَّلة توضع لاستخلاص العبرة.

– موضوع الإرهاب موضوع شائك في غاية العمق، وأرى أنه لم يحظ حتى الآن بمعالجة روائية لائقة رغم استحقاقه لذلك، ذلك أن كثيراً من “الروائيين” الذين ادَّعوا تطرقهم لموضوع الإرهاب لم يفعلوا شيئاً أكثر من نفث أحقادهم على كل مظهر ديني، دون تمييز بين ما هو من صميم الشريعة الإسلامية وما هو من التفسيرات العوجاء للجماعات المتطرفة. في روايتنا هذه محاولة بريئة لمعالجة موضوع الإرهاب، إذ ليس الكاتب قطعاً من النوعية السالف ذكرها، لكنها للأسف محاولة غير موفقة تماماً، وذلك لما يلي:

إن الإرهاب بوصفه سلوكاً إجرامياً هداماً، موجهاً نحو المجتمع وأحياناً نحو الذات، هو نتيجة عملية لمقدمات نظرية. يخضع الإرهابي أولاً لغسيل دماغ، لأدبيات متطرفة تُحشى في رأسه وتملأ دماغه بالأوهام، ثم بعد التشبُّع بتلك الأدبيات الهدامة يُنتقل إلى التنفيذ. عند المعالجة الروائية لموضوع الإرهاب لا بد أن نتطرق أولاً لأسسه النظرية، لجذوره الأولى، لمنابعه التي تضخُّه، ثم حين الانتقال إلى جانبه العملي يجب أن نحاكي الواقع ما أمكن، وأن تكون أفعال الإرهابيين في الرواية مشابهة لأفعالهم في الواقع. هنا نعود للحديث عن “الرافد المعلوماتي” الذي ذكرتُه آنفاً، والذي إن كان غير ضروري في معظم المواضيع الاجتماعية فإنه في موضوع الإرهاب يصير مُلحاً بشدة. لا يمكن الحديث عن الإرهاب بمعزل عن رافده المعلوماتي، عن الأحداث التاريخية المتعلقة به، وعن النصوص الشرعية التي فُسرت خطأ، وعن أسماء شخصيات حقيقية وعناوين كتب مثيرة للجدل. كل هذا لم يتطرق له الكاتب، ولم ينفذ إلى عمق الأسباب والمؤثرات التي أدت إلى تحول الشخصية الإرهابية، بل مرَّ على ذلك كله مراً سطحياً لنجد أن الشخصية أمست إرهابية فجأة دون تأسيس مقنع. هذا فيما يتعلق بالجانب النظري، وأما الجانب العملي فأيضاً لم يكن دقيقاً، ولا يشبه الواقع؛ ذلك أن “العملية الإرهابية” التي أوردتها الرواية تمثلت في محاصرة فندق وتهديده بالسلاح دون الإفصاح عن أي هدف محدد أو مَطالب واضحة، وهذا في الغالب لا يشبه العمليات الإرهابية ذات الميول الدينية المتطرفة، النزَّاعة إلى التفجير بالقنابل أو العمليات الانتحارية، بل هو أقرب إلى “عملية سطو مسلح” لغرض السرقة لا أكثر، كما أن وجود امرأة ضمن المهاجمين هو أمر غير متصوَّر في أفكار الإرهابيين وأفعالهم.

هذه المعالجة المتسرعة، والمهتزة، لموضوع الإرهاب، هي خللٌ صميمٌ في بنية الرواية، وتدلُّ على أن الكاتب لم يعدَّ لها عدَّتها من البحث المعلوماتي، منساقاً في ذلك وراء بقية المواضيع التي عالجتها الرواية معالجة ناجحة، لأنها بطبيعتها، وعلى خلاف موضوع الإرهاب، تقبل التجريد والتعميم والتحرر من ثقل المعلومات.

– حرص الكاتب على وضع نهايات مقنعة لكافة شخصياته، تنطوي غالباً على نوع من “العدالة الشعرية”، حيث تُفتح أبواب الأمل أمام الطيبين وينال الأشرار جزاءهم العادل. من الجميل حقاً أن ننتصر للعدالة في رواياتنا، لكن الأجمل أن تكون هناك رابطة سببية بين الأبطال وبين تحقيقها. بعض أشرار الرواية نالوا جزاءهم جرَّاء أحداث خارجية بالإمكان دون شك ربطُها بالعقوبة الإلهية، لكن بعضها لم يخلُ من تكلُّف ينافي الإقناع؛ كمثل مصير مصطفى الذي خسر قدرته الجنسية نتيجة حادث سيارة لم توصف ملابساته بدقة. كان بالإمكان قتل فحولة مصطفى وإدخاله السجن بطرق أكثر إقناعاً دون أن تتنافى مع مفهوم العدالة الشعرية أو العقوبة الإلهية.

ختاماً، ورغم كل هذه الملاحظات، إلا أن (المشي في حقل الألغام) رواية جميلة تضمن لقارئها متعة أدبية على مستوى اللغة وحتى على مستوى الحبكة والأحداث، ولكونها رواية اجتماعية فأنا أشدُّ بقوة على يدي كاتبها، شاكراً له ومشجعاً إياه بحرارة، لما أرى من أنه يسدُّ مسداً أدبياً في غاية الأهمية، ويعيد الاعتبار، باشتغال جاد يستحق الثناء، لمجال روائي صار اليوم للأسف الشديد منبوذاً محتقراً، يكاد يفقد الاعتراف به من الناشرين والنقاد بل وحتى من القراء، رغم احتوائه على مساحات إبداعية شاسعة طالما صال المبدعون فيها وجالوا، حين كان “الإنسان” هو محور الاهتمام الأدبي، والانتصار له هاجس الروائيين الأول.

#أنس_سعيد_محمد

03/03/2021

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.