الساعة الخامسة والعشرون – قسطنطين جيورجيو

27/04/2020 عند 15:35 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الساعة الخامسة والعشرون

تأليف: قسطنطين جيورجيو

صدرت عام: 1949

ترجمة: فائز كم نقش

.

=====

صرتُ ألاحظ، من خلال قراءاتي الروائية المتنوعة، أن هناك انقساماً حاداً بين توجهين روائيين كبيرين؛ الأول يمكن أن أسميه (الرواية الوجدانية)، أما الثاني فهو (رواية الأحداث).

(الرواية الوجدانية) تخوض في أعماق النفس البشرية، وتصف بدقة خفايا المشاعر التي تنتاب الشخصيات، فهي بذلك لا تعتمد على الأحداث بالدرجة الأولى، وكثيراً ما تكون الأحداث فيها قليلة جداً، وسطحية غير ذات خطر، ومع ذلك يتعمَّق الكاتب في وصف أحاسيس شخصياته، ويسوِّد من أجل ذلك صفحات طويلة، وربما تحول الحدث العادي، العابر، وحتى التافه ربما، إلى حدث خطير تُسلَّط عليه الأضواء، ويُتوقَّف عنده، ويُتعمَّق في وصف آثاره على نفسية الشخصيات ومشاعرها الداخلية.

أما (رواية الأحداث) فلا تكاد تُعنى بمشاعر الشخصيات وما يدور في داخل نفوسهم… هي رواية لا تملك هذا الترف ولا الفراغ الكافي لمثل هذه الأوصاف، لأن مساحتها مترعةٌ بالأحداث الخطيرة السريعة المتلاحقة، وغالباً ما تغطي هذه الرواية مساحة زمنية شاسعة، ويتم الانتقال فيها بين أماكن وحبكات متعددة، وتُشعر القارئ بأنه يركض لاهثاً وراء الأحداث المهرولة، والتي يكاد يُقتصَر فيها على الوصف المادي المجرد للوقائع دون كثير مساس بمشاعر الشخصيات ودواخلهم النفسية.

وهذا الانقسام المذكور هو انقسامٌ طبيعي، بحيث لا يكون من العدل أن نلوم (الرواية الوجدانية) على خلوِّها من الأحداث الكبيرة، ولا أن نلوم (رواية الأحداث) على تجرُّدها البارد وجفافها المشاعري، إذ يصعب جداً الجمع في الرواية بين النمطين، ولأسباب متعلقة بحجم الرواية غالباً، وإلا كان علينا أن نأتي برواية بحجم (البؤساء) أو أكبر من ذلك!

.

رواية (الساعة الخامسة والعشرون) من أنصع الأمثلة على النمط الثاني؛ فهي رواية تُشعرك منذ صفحاتها الأولى بأنها رواية راكضة، مهرولة، متدفقة كالسيل الجارف بالأحداث العنيفة المتلاحقة التي تحبس أنفاس القارئ، وتوطِّنه على توقع الأسوأ دائماً، وعلى أن ينسى ترف انتظار الأوصاف الشاعرية والتطرق لأحاسيس الشخصيات، لأن الوضع أكثر خطورةً من ذلك بكثير.

هي ملحمة روائية صيغت بأسلوب كلاسيكي مباشر، مع قدر ملحوظ من التجريد يُشعر القارئ بأن الكاتب حاول تجاوز الإطار الزمكاني للأحداث، وأنه أراد أن يجعل من روايته وثيقة صالحة لجميع الأزمنة والعصور، ويمكن النظر من خلالها إلى كل نظام شمولي متطرف يجرِّد البشر من إنسانيتهم، ويحوِّلهم إلى أرقام لا قيمة لها، إلى نسخ كربونية متطابقة، إلى عبيد محتقَرين لنظام مهيمن بلغ في قسوته مبلغاً يتجاوز الطبائع البشرية.

في الرواية حديث مفصل عن الغربة الإنسانية في عصر ساحق لكل ما هو إنساني، عن أزمة الهوية الخانقة، عن الاستكبار البشري الذي يبلغ درجة ادعاء الألوهية، عن نهاية التاريخ وعن دمار كل شيء وتبدُّد كل قيمة.

ربما لا يجدي أي حديث عن هذه الرواية لوصفها، لكني أكتفي بالقول بأنها خرجت مع رائعة جورج أورويل (1984) من مشكاة واحدة، لذلك فهي عنوانٌ لا محيد عنه لجميع محبي الروايات المتحدثة عن الأنظمة الشمولية، وعن نقد الحضارة الغربية، وأدب السجون، وأزمات الهوية، والقسوة البشرية حين تصل إلى حدودها القصوى…

27/04/2020

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.