عرسنا في الجنة – عزام حدبا

30/04/2019 عند 12:15 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3322

.

رواية: عرسنا في الجنة
لمؤلفها: عزام حدبا

.

=====

قرأتُ هذه الرواية منذ سنواتٍ طويلة، وكنتُ يومها في حالة (تعطُّش) للآثار الإسلامية في فنِّ الرواية، فكان أن أثار انتباهي لهذه الرواية كونها مندرجةً تحت ما أسموه (الرواية الإسلامية).

ولستُ أنكر أني استمتعتُ بها بعض المتعة إبَّان قراءتي لها، وكانت تلك فترة بساطةٍ وسذاجة، وشعرتُ بامتنان نحو الكاتب الذي رأيته قد قام آنذاك بخطوةٍ مشكورةٍ نحو (الرواية الإسلامية) التي كنا نعتبرها هدفاً منشوداً قلَّ من يسعى لتحقيقه…

غير أنه مع مضي الوقت وتراكم التجارب والقراءات الأدبية المتنوعة عدتُ أنظر لهذه الرواية نظرة نقصٍ وانتقاد، وقد بدت لي ضعيفة اللغة ركيكة الأسلوب، كثيرة الثغرات في الحبكة القصصية، سطحيةً جداً في طرحها النمطي الذي يصوِّر الخير والشر على شكل (أسود فاحم – أبيض ناصع)، وصرتُ أراها ثغرةً مؤسفةً في تاريخ الرواية العربية، وتسيء حقاً لما يسمونه (الرواية الإسلامية) ولا تخدمها.

وهذا وإني لم أعد مؤمناً أساساً بشيءٍ اسمه (الرواية الإسلامية)، لأسباب يطول شرحها، ومن المؤسف حقاً أن هناك من يعتبر أن الأدب الهادف يجب أن يكون هو وقصص الأطفال سواءً بسواء! وأن الرواية لكي تكون إسلاميةً فيجب أن تكون سطحيةً شديدة السذاجة، نمطيةً جداً في نظرتها للحياة ولمفهوميْ الخير والشر، عديمة الجرأة في تناول المواضيع الإنسانية الحساسة، مثاليةً جداً ولدرجةٍ طفوليةٍ في وصف الشخوص وعرض الأحداث!

وما هكذا تكون الرواية الناجحة وما ينبغي لها، كما أن من المستحيل قطعاً إيجاد حدودٍ فاصلةٍ نميِّز بها بين ما إذا كانت الرواية (إسلامية) أو (غير إسلامية)، فهذا التصنيف وهميٌّ من أساسه، وعلى القارئ الناقد بدلاً من أن يختبئ وراء هذه التصنيفات والعناوين الكاذبة لإصدار أحكام متسرعة كسولة، أن يتمعَّن بعمق في كل روايةٍ من حيث هي، وأن يستخرج ما تريد قوله من طيَّات أحداثها وما بين سطورها، وأيضاً مصائر شخوصها التي هي بحقٍّ مفاتيح شديدة الأهمية لفهم ما يريد الكاتب قوله وإيصاله…

18/08/2016

ذاكرة الجسد – أحلام مستغانمي

29/04/2019 عند 12:09 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3320

.

رواية: ذاكرة الجسد
لمؤلفتها: أحلام مستغانمي

.

=====

إن كان من المعلوم بالضرورة أن كتب الطب تهيِّئ الأطباء، وكتب الكيمياء تهيِّئ الكيميائيين، وكتب الفلسفة تهيِّئ الفلاسفة، وكتب الفقه تهيِّئ الفقهاء… إلخ. فإن كتب أحلام مستغانمي تهيِّئ العاهرات والزوجات الخائنات!

وعلى غرار الكتب التي تباع في الأرصفة بعناوين (كيف تتعلم الإسبانية في خمسة أيام دون معلم)، فإن روايات هذه الكاتبة هي – في حقيقتها – عبارةٌ عن (كيف تصبحين عاهرةً في خمسة أيام دون معلم)، أو (كيف تصبحين زوجةً خائنةً في خمسة أيام دون معلم).

وغنيٌّ عن الذكر أن كل (فتاة) تعبِّر عن هيامها بل وحتى عن إعجابها بكتابات هذه البغيِّ من بغايا الرواية، إنما هي في الواقع مشروع عاهرةٍ مستقبلية، أو مشروع زوجةٍ خائنةٍ إن تزوجتْ…

وقد سبق قديماً الحديث في مخلَّفات هذه المخلوقة العفنة، وصار معروفاً أن كافة كتاباتها السَّافلة تدور حول نفس المحور النسويِّ المثير للاشمئزاز: (المرأة – التمرد – المجتمع الذكوري – الحطُّ من الرابطة الزوجية وتصوير الزوج على أنه حيوانٌ همجيٌّ متوحش – تمجيد الخيانة الزوجية واعتبارها بطولةً أنثويةً مظفَّرة، وتصوير العشيق على أنه فارسٌ نبيلٌ على جوادٍ أبيض).

هذه هي أحلام مستغانمي ببساطةٍ شديدة! وعلى غرارها كل بغايا الكاتبات والروائيات النسويات وعاهرات الأدب، المروِّجات بأقلامهنَّ لكافة أنواع القذارة والدَّعارة.

وأما الصِّنعة الأدبية فلا حديث عنها، ويكفي أن أنقل ما قاله بعض المعلِّقين على هذه الرواية الوسخة وأمثالها: إذ وصفها أحدهم بأنها مجموعة عباراتٍ تافهةٍ تصلح للاقتباس، وقد تمَّ إلصاقها ببعض الغراء القصصي في غير تناسق!

وعجِب آخر من روايةٍ أطول فقراتها لا يجاوز ستة أسطر!

ونصَّ آخر – وهو علمانيٌّ صِرف – على أنه حين يقرأ لأمثال هؤلاء النسويات يتأكد لديه أكثر أن مكان المرأة الحقيقي هو المطبخ!

ومهما يكن من أمرٍ فما هذه بروايةٍ وما لغتها بالعربية، وما كاتبتها بإنسانةٍ تستحق ما يستحقُّ الآدميُّ من احترامٍ لآدميته، وهي لا تبلغ حتى ذلك الحد الأدنى من تلك القواعد (الليبرالية) الرائجة، والتي تقضي بتقدير (الآخر) واحترام (ذوق الآخر)…

لا والله! فتاةٌ تحبُّ كتابات مستغانمي هي غير مستحقةٍ لأي احترام، لا لشخصها ولا لذوقها، وأما أن يحب كتاباتها (شابٌّ) من الشباب فإني – في هذه الحالة – لن أكتفي بنفي الرجولة عنه، بل سأنتقل إلى التشكيك الجدِّيِّ في ذكورته نفسها!

21/07/2016

أخبار الحمقى والمغفلين – الإمام ابن الجوزي

28/04/2019 عند 19:15 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3310

كتاب: أخبار الحمقى والمغفلين
لمؤلفه: الإمام ابن الجوزي رحمه الله

.

=====

حديثي عن هذا الكتاب لن يتناوله بوصفه مجرد كتاب حكاياتٍ وأخبار ونكاتٍ وطرائف، بل إني أراه مقياساً حقيقياً دقيقاً لمدى الانتماء لتراثنا الإسلامي، والتشبُّع بملَكة التذوق للغتنا العربية العظيمة…

ذلك أن التفاعل بالضحك هو واحدٌ من أدلِّ العلامات على التذوق السليم لما يثير الضحك، والتذوق في دنيا الثقافة هو مرحلةٌ متقدمةٌ من التشبُّع بها، وهي مرحلةٌ لاحقةٌ على مجرد الفهم الموضوعي لمعطياتها المجردة.

أن تجيد تهجئة الحروف الإنجليزية شيء، وأن تفهم الكلام الإنجليزي المكتوب هو درجةٌ متقدمة، وأما تذوُّق اللغة الإنجليزية فهو يدل على أن لك نصيبك من (التشبُّع) بثقافة القوم، وأما قدرتك على التفاعل بـ (الضحك) مع العبارات المضحكة بتلك اللغة فهو دليلٌ على أنك في الدرجة الأكثر تقدماً من التذوُّق والتشبُّع وربما الاستلاب!

ولا ينطبق هذا فقط على اللغة المكتوبة، بل هي قاعدةٌ شاملةٌ لكافة وسائل الإعلام والتواصل البشري المرئية والمسموعة والمقروءة…

وهذا كتاب (أخبار الحمقى والمغفلين)، يُفترض أنه يضم مختاراتٍ من أكثر مرويات العرب والمسلمين طرافةً وإضحاكاً، وهو مكتوبٌ بتلك الفصحى التراثية التي ضاعت في خضمِّ الأساليب العربية المستحدثة، فمن يستطيع إذاً أن يقرأ هذا الكتاب قراءةً يفهمه بها بل ويضحك على ما رُوي فيه؟

القليل جداً مع الأسف، وأما الأكثرية فتُضحكهم البرامج الكوميدية الغربية أو المغرَّبة، والأفلام الغربية والشرقية، الأمريكية والآسيوية، فتجد الواحد من المستلَبين يستلقي على قفاه ضحكاً من عبارةٍ أو مشهدٍ قد لا تجد فيه أنت إلا ركاكةً وابتذالاً، لكنك لو عرضتَ عليه مرويةً من أخبار هذا الكتاب لعانى أولاً من فهم ألفاظها، ثم إذا فهم الألفاظ بعد لأيٍ لم يجد فيها شيئاً يضحكه، لأنها بالنسبة له قادمةٌ من عالم قصيٍّ لا ينتمي إليه ولا يفهمه، فضلاً عن أن يتذوقه ويضحك على طرائفه…

.

ولذا… فإنك إن قرأتَ هذا الكتاب وفهمته وتذوقته لدرجة أن يثير فيك الضحك فهنيئاً لك، لكن سينغِّص عليك صفوك وتسليتك ما ستستشعره من غربةٍ خانقة، إذ لن تجد من تشاركه ما وجدت فيه من دررٍ إلا القليل ممن أنعم الله عليهم بنعمة التذوق للعربية القديمة، ولذلك احذر من أن تبدي الضحك أمام من لا يتذوق تلك اللغة، وإلا فكن على موعدٍ مع الإحراج البالغ! لأنك ستجد نفسك قد نزلتَ من مستوى التذوق الضاحك إلى درجة شرح الألفاظ، وربما تضطرُّ لحكاية الموقف بالعامية ولغة العصر، وعندها سيفقد جوهره ويزول منه عنصر الإضحاك، لتجد نفسك في وضعٍ لا تُحسد عليه…

15/05/2016

اختلاف الإسلاميين – أحمد سالم

26/04/2019 عند 20:28 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | تعليق واحد

IMG_3303

كتاب: اختلاف الإسلاميين
لمؤلفه: أحمد سالم

.

=====

قراءتي لهذا الكتاب كانت مجرَّد (إطلالةٍ) سريعةٍ استثنائيةٍ على ما يُسمى (الكتب الفكرية) التي قرَّرتُ هجرها طوعاً، وقد أعادتني صفحاته إلى أيام الجموح والحماسة والبحوث المتلهِّفة الساعية لاستجلاء وجه الحق وسط تلك الفوضى العارمة، فوضى الشيوخ والتنظيمات والتوجهات والتصريحات والاتهامات والردود ومقاطع اليوتوب وغير ذلك مما شغل البال واستولى على الاهتمام خلال السنوات الأخيرة.

وهو كتابٌ قدَّمه كاتبه على أنه محاولةٌ لفهم (اختلاف الإسلاميين) فهماً صحيحاً مبنياً على الحياد، على اعتبار أن ذلك (الفهم) هو أول خطوةٍ ضروريةٍ في سبيل الإصلاح المنشود الذي ينبغي أن يبدأ من قلوب المختلِفين لينتهي إلى مظاهر الحياة العامة المتفَق على إرادة (أسلمتها) من طرف كل الشخصيات والجهات التي تناولها الكتاب.

الفكرة هذه هي في حدِّ ذاتها (طفوليةٌ جداً)، ولا تختلف في شيءٍ عن حماسة الشباب الصغار في (إصلاح الكون) كلِّه بواسطة خطبٍ رنَّانةٍ وكلماتٍ حارةٍ حول المثاليات والمبادئ السامية، ثم ليكتشفوا بعد سنواتٍ أن الأمر أكبر بكثيرٍ من أحلامهم الساذجة، وأن الواقع أعنف وأشدُّ من أن يصلحه كتابٌ واحدٌ أو حتى مكتبةٌ كاملةٌ من المجلدات المثالية.

وأما هذا الكتاب فقد بناه صاحبه على عملية (استعلاء) متوهَّمةٍ على جميع الشخصيات والتيارات الإسلامية الناشطة في الساحة، فكأن المؤلف قد رفع نفسه إلى برجٍ عاجيٍّ وجعل ينظر إلى الجميع من علُ، فهو إذاً يشرح لنا ما أسماه (خريطة الإسلاميين) في مصر! معتمداً في ذلك على مفاهيم وألفاظ وتسمياتٍ بعضها من عنده وبعضها لا يخلو من تحيُّزٍ واضحٍ لجهةٍ على أخرى.

وإذا كان معلوماً أن (الخريطة) أيَّ خريطةٍ لا يُنظر إليها إلا من (فوق)، فإنه تحصيل حاصلٍ إذاً أن الكاتب قد جعل نفسه في ذلك (الفوق) الذي ينظر منه إلى (خريطة الإسلاميين)، بل لقد نصَّب نفسه واضعاً لتلك الخريطة نفسها وراسماً لها، فكأنه يطلب من القراء أن ينظروا إلى الساحة الإسلامية من منظاره هو وحسب رؤيته وفهمه وتقسيمه لـ (خريطته) التي قدَّها من تصوُّراته وأوهامه!

فهي إذاً نرجسيةٌ عظيمةٌ ظاهرة، لا نجد إزاءها مفراً من تشبيه الكاتب حدث السن بـ (القط يحكي انتفاخاً صولة الأسد)، والحق أن الكاتب غير مؤهلٍ لا بحكم السن ولا بحكم التكوين العلمي لكي يبيح لنفسه هذا الاستعلاء المغرور والتكبُّر الصارخ، وأما (خريطته) فهي غير ملزمةٍ لأحد من المسلمين، ونقضها من أساسها أيسر من أن يُتكلَّف بيانه.

ولو أردتُ التعليق على الكتاب من وجهتيْ نظر (الشكل والمضمون)، فإني أقول:

– من حيث الشكل:

يوهمك الكتاب بضخامة حجمه أنه بحثٌ علميٌّ ثقيلٌ مبنيٌّ على أسُس، حتى إذا ما قرأتَه وجدتَ جلَّه عبارةً عن (قص ونسخ) من بطون الكتب والمقالات، وتفريغاتٍ لمقاطع اليوتوب! فالكتاب معظمه هو مجرد (نقول) مطوَّلة جعلت منه جسماً بديناً مترهِّلاً ينوء بشحوم الحشو الممل، وأما قلم الكاتب فنادراً ما نجده إلا في فواتح الفقرات وخواتمها، ولو أننا حذفنا النقول وأبقينا فقط على إنتاج الكاتب لما بقي من الكتاب إلا صفحاتٌ معدودات! ولبدا أمامنا بحجمه الحقيقيِّ مجرد جلدٍ على عظمٍ لإنسان لا لحم فيه ولا شحم!

هذا إلى أن النقول نفسها وطريقة سوْق الكاتب لها تعطي القارئ انطباعاً أنه جالسٌ في واحدٍ من مجالس الغيبة والنميمة والقيل والقال، فلا فائدة هنالك ترجى إلا الهذر والثرثرة ونشر الغسيل غسيل الجميع، وهذا في الواقع عائدٌ لتلك (الحيلة النفسية) التي يوهم بها الكاتب نفسه وغيره أنه خِلوٌ من التحيُّز مستوصٍ بالحياد والإنصاف، لكن هيهات هيهات…

– من حيث المضمون:

اخترع الكاتب من عند نفسه (خريطة) أسماها (خريطة الإسلاميين)، وسوَّى معالمها بناءً على مفاهيم واصطلاحات وتقسيمات لشتى الظواهر الإسلامية في النموذج المصري، ولعل (السلفية) كانت أوسع تلك التقسيمات إذ ضمَّ تحتها طوائف من التيارات يصل بعضها إلى التنافر التام والمعاداة العنيفة، بل واخترع من كيسه مفهوماً جديداً سماه (السلفية النسقية)!

ورغم ادعاء الكاتب التزامه الحياد في رؤيته لخريطته المزعومة، إلا أن رؤيته في الواقع شديدة التحيز بشكلٍ واضحٍ جداً، وما تقسيمه للسلفية أو السلفيات إلا نسخةٌ طبق الأصل عن التقسيم الإخواني لها، فهو ينظر إلى مفهوم (السلفية) من وجهة نظرٍ إخوانيةٍ صريحةٍ شديدة الوضوح، وأما انتقاؤه للتسميات فكان أيضاً من التحيُّز بحيث لم يراع موقف التيار المسمَّى من التسمية المخلوعة عليه، فقد اعتمد – مثلاً – تسمية (السلفية الجهادية)، فكأن ذلك إقرارٌ منه بـ (جهادية) ذلك التيار! ثم اعتمد لتيارٍ آخر اسم (السلفية العلمية)، وأعظِم بالعلم من انتماء! ثم نجد عنده (السلفية الحركية) ولا أدري ما موقف المنتسبين لهذا التيار من نسبتهم إلى (الحركية)! ثم نجد (السلفية المدخلية) وقد نسب التيار لشخص عالمٍ واحد، ومعروفٌ رفض أتباع هذه المدرسة وصفهم بـ (المدخلية)! وأيضاً هناك (السلفية السرورية) التي يرفض أتباعها بدورهم وصفهم بـ (السرورية)!

ثم إن الكاتب جعل جميع هؤلاء تحت مظلةٍ واحدةٍ هي (السلفية)، فـ (الداعشي) عنده و(المدخلي) سلفيان معاً! وهي قسمةٌ لن يوافقه عليها جميع من نسبهم إليها، كيف وهم جميعاً يُخرجون بعضهم بعضاً من مسمى (السلفية) التي يحتكرها كلٌّ لنفسه؟! فكيف يأمل الكاتب إذاً أن يسلِّم له أحدٌ بقسمته الخاصة هذه؟! وكيف يظن أنه بها يساهم في رأب الصدع في حين أنه لا يزيد الأوضاع إلا تمادياً واحتقاناً؟!

بل ما هي في الواقع إلا قسمةٌ (إخوانية) واضحة، وما من شكٍّ في أن الكاتب ينظر إلى مفهوم (السلفية) من منظار إخوانيٍّ لا ريب فيه، وكل تقسيماته لمن أسماهم (السلفيين) كانت بلسانٍ إخوانيٍّ فصيح.

ثم إن الإخوان أنفسهم لم يسلموا من نشر غسيلهم من طرف الكاتب، وحزب النور أيضاً، وكذلك من سماهم (الدعاة الجدد) والمؤسسة الدينية الرسمية… وينبغي أن ننتبه هنا إلى أن الكاتب لن يجني من كتابه هذا إلا تكثير أعدائه من جميع التيارات، إذ لا تيار منهم سيوافقه على ما قال عنه فيه، بل سيهاجمه السلفي والإخواني وحزب النور والقاعدي والداعشي والسروري والمدخلي والأزهري والحركي جميعاً، وذلك بسبب طبيعة الكتاب (المستفزَّة) للجميع بلا استثناء.

ولو أن الكاتب تعرض بالفعل لهجماتٍ شرسةٍ أجمعت عليها كل تلك التيارات لغمرته نشوةٌ عظيمةٌ ولأسكره تلذُّذٌ لا مثيل له، ولصاح قائلاً وهو يعزف على وتر المظلومية: “أرأيتم كيف هاجموني جميعاً على اختلاف مشاربهم؟! إن هذا هو الدليل الدامغ على أني مفكرٌ حرٌّ مستقلٌّ غير متحيِّز، وعلى أني قدمتُ عملاً فكرياً عظيماً غير مسبوق!”

إن كتاباً كهذا ما هو إلا محاولةٌ صبيانيةٌ مشاغبةٌ لاستفزاز الجميع، ويخطئ كل الخطأ من يظن أن أثراً سيكون له في توحيد الصف الإسلامي وإصلاح الأحوال الفكرية للأمة، بل كل ما سيحققه الكتاب هو إضافة رصيد ضخم جديد لحساب نرجسية الكاتب وتلذُّذه الشخصي وانتشائه الذاتي بدور المستعلي القادر على النظر إلى الجميع من فوق، من برجه العاجي الذي يتوهَّم أنه تبوأ مكاناً علياً في سدَّته…

وفي الختام أقول: ينبغي أن يكون هذا الكتاب وأمثاله مادةً تصلح لإجراء دراسةٍ نفسيةٍ واجتماعيةٍ على ظاهرة (مشايخ الآسك والفيسبوك) التي انتشرت بشكلٍ سرطانيٍّ في الآونة الأخيرة، وأبطالها صبيانٌ عابثون نصَّبوا أنفسهم (شيوخاً وعلماء)، ويتَّصفون جميعاً بدرجةٍ مهولةٍ من النرجسية وتعظيم الذات واحتقار الغير، فلا ينبغي إذاً أن يُنظر إلى كتاب (اختلاف الإسلاميين) أو (سمادير أحمد سالم) إلا على ضوء هذه الظاهرة الجديدة، ولا شيء آخر.

16/04/2017

دمعة وابتسامة – جبران خليل جبران

25/04/2019 عند 15:59 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3290

 

كتاب: دمعة وابتسامة
لمؤلفه: جبران خليل جبران

.

=====

لي مع هذا الكتاب ذكرياتٌ خاصة، وله فضلٌ عليَّ لن أنساه ما حييت، فهو من أوائل الكتب التي صعقتني بتلك الشحنة الكهربائية الدافعة للقراءة أولاً، ثم للكتابة بعد ذلك…

وإني لأذكر ذلك اليوم الربيعي الدافئ من عام 2009، حين حملتُ حقيبتي وهممتُ بالخروج سعياً وراء القطار المسافر إلى الدار البيضاء، ومررتُ بمكتبة والدي باحثاً عن شيءٍ – أي شيء – أقرؤه، فلمحتُ هذا الكتاب مهملاً وسط أحد الرفوف، فتناولتُه وذهبتُ… وفي مقصورة القطار أخرجتُه من الحقيبة يحدوني فضولٌ لاكتشافه، وفتحتُه قارئاً له وقد اهترأ غلافه واصفرَّت أوراقه، وكانت الصعقة الكهربائية التي أبقتتي مخدَّراً بلا حراك، حتى أوشكتُ على إتمامه دفعةً واحدةً بلا توقُّفٍ ولا انقطاع!

وما كان ذلك إلا لأن قراءاتي القليلة الماضية لم تكن قد اتَّسعت لمثل ذلك النوع من الأسلوب، والذي بدا لي حينها شديد الغرابة والتميز، ومازجني أثناء القراءة شعورٌ بأني أمام نصوصٍ غير أرضيَّة، وتحولتِ الحياة في عينيَّ إلى عوالم من الرموز والألوان والظلال والأبخرة، والخيالات السماوية والغيوم الشفَّافة، والستائر السديمية المتراقصة في دنيا الأحلام البعيدة…

واستبدَّ بي الفضول لمعرفة الكاتب أكثر فلم أجد ساعتها مرجع بحثٍ يشفي غليلي، وتساءلتُ عن ديانته فلم أجد في الكتاب ما يدلُّ عليها، وتساءلتُ عن موطنه فأجابني أحد نصوصه بأنه من لبنان، وتساءلتُ عن عمره فأدهشني نصٌّ آخر يقول بأنه – يوم كتابته للكتاب – لم يكن قد جاوز الخامسة والعشرين!

ولأنه عمرٌ كنتُ في تلك الأيام قريباً منه، فقد أفدتُ من انبهاري الطارئ ذاك قوةً تحليليةً أردتُ بها النفاذ لأعماق تلك النصوص، والتي رأيتُها قصيرةً لا تتعدى بضع فقراتٍ أو بضع صفحات، وهي في أكثرها خواطر وتخيلاتٌ شفَّافة، لكنها مع ذلك مشحونةٌ بالطاقة القادرة على إبهار قارئٍ مثلي! واشتعلت في داخلي عزيمةٌ على الاستزادة من القراءة، ورغبةٌ جامحةٌ في الاجتراء على القلم، وألحَّ علي سؤال الكتابة أهي سهلةٌ أم صعبة؟! وهل بإمكاني أن آتي بنصوصٍ قصيرةٍ أجمعها حتى تصير قابلةً للنشر بين دفَّتيْ كتاب؟! وإن لم يكن ذلك بإمكاني فلماذا أمكن هذا الكاتب أن ينشر دمعته وابتسامته؟! ولم لا أفعل مثله وما هي إلا خواطر ونصوصٌ أُطلِق فيها العنانُ للتخيل والوصف؟!

وظلَّت أشباح هذا الكتاب معشِّشةً في ذهني زمناً طويلاً، وكانت من أكثر العوامل إلحاحاً عليَّ لدخول عالم القراءة والكتابة، وإني أعلم من نفسي الآن أني لو أعدتُ قراءة هذا الكتاب لما انبهرتُ به كالسابق، ولبدا لي متوسطاً أو عادياً، لأني عرفتُ لاحقاً تصنيفه والخانة التي يندرج تحتها، وعلمتُ أن الأسلوب الذي أبهرني يومذاك إنما يسمى (الجملة الإنجيلية)، وهي بعيدةٌ تماماً عن الفصاحة العربية التي لا أعدل بها شيئاً، وعن (الجملة القرآنية) التي ما عاد يطربني سواها في أعمال الكاتبين بها من المؤلفين والروائيين…

ومهما يكن من أمر اتِّساع المدارك وتغيُّر الأذواق، إلا أني أظلُّ شاكراً لمجموعة (دمعة وابتسامة) ذلك الإبهار الأول البكر، والذي لولاه لما انفتحتُ على عوالم الحرف العربي قراءةً وكتابة…

11/06/2016

الطنطورية – رضوى عاشور

24/04/2019 عند 10:54 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3265

رواية: الطنطورية

لمؤلفتها: رضوى عاشور

.

=====

تختلف الروايات فيما بينها وتتباين من حيث نقاط القوة والضعف، وقد تتفاوت في الرواية الواحدة نقاطٌ متعددةٌ كالموضوع والحبكة والقصة والأسلوب اللغوي والشخصيات والحوارات وغير ذلك، ولذلك نجد أنفسنا مضطرِّين أثناء تقييم روايةٍ ما إلى الفصل بين تلك النقاط وتمييزها، والإشارة إلى أيِّها كان عامل قوةٍ وأيِّها كان عامل ضعف.

وأيضاً، وحين نقرأ روايةً ثانيةً لمؤلفٍ ما بعد روايةٍ أولى ناجحةٍ أثارت إعجابنا الشديد، فإننا لا نستطيع أن نتخلَّص من داعي المقارنة بين العملين، وأيضاً من اعتبار أن العمل التالي للكاتب لا بد أن يكون أفضل من العمل السابق، وقد لا نقبل منه حتى استقرار المستوى، بل إننا نطالبه بالتفوق الدائم على نفسه في كل روايةٍ جديدةٍ يصدرها… ولذا فإن كل روايةٍ يصدرها كاتبٌ ما هي في الواقع سقفٌ يفرضه على نفسه، ويجب أن يتوقع دائماً أن القراء لن يقبلوا منه في التالي إلا ما يتفوق على ما سبق…

ولهذا السبب لم أتوقف طيلة الفترة التي أمضيتها في قراءة رواية (الطنطورية) عن عقد المقارنات بينها وبين (ثلاثية غرناطة)، وهي الرواية الناجحة التي حازت على إعجابٍ كبيرٍ مستحَقّ، ووجدتُ نفسي أستعرض نقاط القوة والضعف في الروايتين، وأحاكم الثانية إلى الأولى، وأنتظر أن تنتزع (الطنطورية) مني – على الأقل – نفس الإعجاب الذي انتزعته أختها الكبرى (ثلاثية غرناطة)، وهو الأمر الذي لم يحدث مع الأسف الشديد، وللأسباب التي سيتم ذكرها فيما يلي:

أول ما يلفت الانتباه في رواية (ثلاثية غرناطة) الصعوبة الشديدة لموضوعها، لكونها روايةً تاريخيةً وقعت أحداثها في زمنٍ قديمٍ لم تعشه الكاتبة ولم تره، مما يعني أنها كانت مضطرةً لإعمال خيالها الخاص استناداً على الوثائق المكتوبة المستخرجة من بطون الكتب، وإنها لمهمةٌ عسيرةٌ شديدة الصعوبة، محفوفةٌ بالمخاطر، إذ ليس من السهل إطلاقاً أن تفترض عالماً كاملاً قائماً بذاته في زمنٍ مضى، بعد أن تستصفي منه كل آثار المخترعات الحديثة التي لم تكن فيه، وأن تقرَّ فيه كل الأوضاع الصناعية والعمرانية والاجتماعية التي ميَّزته، وأن تفترض فيه شخوصاً خياليةً تتحرك وتتصرف وتتكلم وفقاً لمعطيات زمنها الغابر… فهي كما ترون مهمةٌ شديدة العسر، إلا أن الكاتبة استطاعت، وباحترافيةٍ متناهية، أن تمسك بكل تلك الخيوط بأصابع ماهرةٍ مقتدرة، وأن تسافر بنا عبر الزمان والمكان في رحلةٍ توشك أن تكون حقيقية، بل وأن تمدَّ في حبل الزمن مداً طويلاً ناهز قرناً ونصف! وهو ما أعتبره إنجازاً روائياً عظيماً قلَّ أن تجود الأقلام بمثله.

ثم إن الكاتبة قد اعتمدت في (ثلاثية غرناطة) أسلوب الراوي الخارجي العليم بالأحداث، منتهجةً نمط السرد الخطِّي، وأعني بالسرد الخطِّي انطلاق الأحداث من نقطةٍ زمنيةٍ معينةٍ إلى النقاط التالية بترتيبٍ مباشر، عبر خطٍّ مستقيم، بعيداً عن المقاطع الاستباقية والاسترجاعية.

فرواية (ثلاثية غرناطة) استمدَّت قوَّتها من صعوبة موضوعها، ومن المعالجة الاحترافية للعامل الزمني، ومن طبيعة الأحداث المأساوية الموجعة نفسها، ولو كان لها من نقاط ضعفٍ فهي الأسلوب اللغوي نفسه، إذ إن الأسلوب لم يكن مبهراً في الحقيقة، بل لو جرَّدناه لصار عادياً جداً، بين المتوسط وما دون المتوسط، لكنها نقطة ضعفٍ تمت تغطيتها بفظاعة الأحداث ومأساويتها، وهو ما جعل القارئ يغتفر الضعف النسبي للأسلوب في روعة الأحداث وتفاصيلها المؤلمة التي أثارت تعاطفه واستدرَّت دموعه.

وأما رواية (الطنطورية) فشيءٌ آخر مختلفٌ تماماً! إذ يمكنني القول بأنها روايةٌ تجرَّدت من كافة نقاط القوة التي ميَّزت (ثلاثية غرناطة)، فبقيت نقاط الضعف وحدها عاريةً مكشوفةً لا يسترها شيء، ومردُّ ذلك إلى الاختيارات الخاطئة للكاتبة في معالجة موضوعها الروائي، ومجازفاتها المتهوِّرة غير الموفَّقة، وهو ما جعل عيب (ضعف الأسلوب) واضحاً بارزاً جداً، غطَّى على كل الاعتبارات التقييمية الأخرى…

وبالحديث عن الموضوع الروائي، فإن القضية الفلسطينية، وهي موضوع (الطنطورية)، لا تقلُّ أهميةً عن القضية الأندلسية، موضوع (ثلاثية غرناطة)، فالموضوعان مهمَّان جداً، ويستحقان معالجاتٍ روائيةً عالية المستوى، غير أنه لو أردنا عقد مقارنةٍ على مستوى (صعوبة الموضوع) فإن الكفة سترجح لصالح الثلاثية قطعاً، لأن موضوعها أصعب بكثيرٍ من موضوع (الطنطورية) الأسهل نسبياً، وذلك لكون قصتها تقع في زمنٍ حديثٍ يكاد يكون معاصراً، بل هو معاصرٌ بالفعل، ومعنى ذلك أن الوثائق موفورةٌ بأنواعها، بما فيها الصور ومقاطع الفيديو الملونة وغير الملونة، فضلاً عن إمكانية أخذ الشهادات المباشرة من أناسٍ عايشوا المأساة، وكثيرٌ منهم لا يزالون أحياء إلى اليوم…

كل هذه عوامل تجعل تأليف (الطنطورية) مهمةً أسهل بكثيرٍ من تأليف (ثلاثية غرناطة)، لكننا مع ذلك نفاجأ بأن الكاتبة نجحت في المهمة الصعبة وفشلت في المهمة السهلة، والسبب – كما قلتُ – عائد للاختيارات الخاطئة والمجازفات المتهوِّرة.

وأول تلك الاختيارات الخاطئة كان اعتماد ضمير المتكلم، وجعل الرواية عبارةً عن مذكرات سيدةٍ تقمَّصتها الكاتبة وتكلَّمت باسمها، وقد كان لهذا الاختيار السيئ أثرٌ سلبيٌّ واضحٌ على سير الأحداث وطرق التعبير عنها، ولو أن الكاتبة حافظت على أسلوب الراوي الخارجي لكان أفضل بكثير…

ثم نلاحظ، ومنذ الصفحات الأولى من الرواية، ذلك الاضطراب الزمني الهائل الذي لا يكاد يُحتمل! فمن فقرةٍ لأخرى وربما من سطرٍ لآخر تقفز الكاتبة إلى سنواتٍ عديدةٍ في المستقبل، ثم تعود فجأةً دون سابق إنذارٍ إلى سنواتٍ عديدةٍ في الماضي، ثم لا تتورع عن (حرق الأحداث) بعباراتٍ لا داعي لها من قبيل (سأعلم لاحقاً أن…)! لتكون النتيجة ضياع القارئ في ضباب الزمن، وفقدانه بوصلة التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل، واضطراره في أحيان كثيرة إلى الرجوع فقراتٍ وصفحاتٍ إلى الوراء سعياً لإمساك الخيط الزمني بشكلٍ صحيح…

وأذكر أيضاً أن حجم الرواية لا يتناسب إطلاقاً مع المساحة الزمنية الهائلة التي قامت بتغطيتها، والتي تمتدُّ من أربعينيات القرن الماضي إلى الألفية الجديدة، وهو ما اضطرَّ الكاتبة إلى عرض الأحداث بطريقةٍ متعجِّلةٍ بشكلٍ مبالغٍ فيه، فإذا أضفنا على ذلك كثرة التلاعبات الزمنية والقفزات العشوائية بين الماضي والحاضر والمستقبل، تأكد لدينا أن المحطات المأساوية في الرواية لم تحظ بالقدر الكافي من الدراما اللائق بها، بل أستطيع القول إنه قد مُرَّ على أخطر تلك المحطات مرور الكرام، فلم نستشعر مآسي عام 1948 ولا عام 1967 ولا غيرهما من تلك المحطات، بل كل ما قرأناه هو عرضٌ عشوائيٌّ متعجلٌ لأحداث بدت وكأنها عابرة، لنتفاجأ بعد لحظات أن الكاتبة طارت بنا لزمنٍ آخر بعيدٍ تماماً، وأخذت في مواضيع أخرى لا فائدة منها على الإطلاق…

وأما شخصيات الرواية فهي كثيرةٌ ومبعثرةٌ بشكل مزعجٍ جداً، ومن العسير جداً تذكرها والتمييز بينها، خاصةً وأن الكاتبة أقحمتها في الأحداث إقحاماً دون أي تمهيدات ضرورية، ودون أن تكلِّف نفسها عناء رسم تلك الشخصيات وتوصيفها جسدياً ونفسياً، ثم وبسبب العشوائية الزمنية صار على عاتق القارئ مهمة استنتاج أعمار الشخصيات في كل مرةٍ تظهر فيها، فهي أحياناً كبيرةٌ وأحياناً صغيرةٌ وأحياناً لم تولد بعد! فلانٌ الآن في الأربعين وبعد فقرةٍ يصير في العشرة، وقبل فقرتين لم يكن قد وُلد بعد، وبعد ثلاث فقراتٍ سيكون في الخامسة والثلاثين، واحسب أنت يا قارئ واجمع واطرح واستنتج إن أردت أن تفهم الأحداث وتسايرها!

خلاصة القول، ولو أردنا أن نجمع كل ما سبق في كلمةٍ واحدةٍ نصف بها الرواية، فإن تلك الكلمة ستكون (مبعثرة)، بل (مبعثرة جداً) في حقيقة الأمر! مبعثرة الأحداث، مبعثرة الشخصيات، مبعثرة الأزمنة والأمكنة، مبعثرة الأسلوب، مبعثرةٌ وتبعثر القارئ حتى يفقد نفسه تماماً في عشوائياتها التي لا يضبطها شيء…

وقد حاولتُ في بداية قراءتي لها أن أضبط خيوطها ما أمكنني ذلك، فانتهى بي الأمر إلى التعب العقلي دون جدوى، ولما بلغتُ صفحتها المئة كنت قد وصلتُ لمرحلة (اليأس التام)، فأكملتُ قراءتها بدافع تأثير (القصور الذاتي) فقط! وأما الأحداث فقد تبعثرت في ذهني تماماً، وأما الشخصيات فقد تناثرت حتى ما عدتُ أعرفها، وما عدتُ أذكر حتى روابط القرابة بينها، لكني مع ذلك أجبرتُ نفسي إجباراً على إتمامها، ولم أتنفس الصعداء إلا بعد أن بلغتُ صفحتها الأخيرة، وأحسستُ ساعتها وكأنني تحررتُ من سجنٍ وخرجت من زنزانة!

لهذه الأسباب تكوَّن لدي الرأي الذي أشرتُ إليه آنفاً، والذي مفاده أن (الطنطورية) قد تجرَّدتْ من كافة نقاط القوة التي ميَّزت (ثلاثية غرناطة)، فلم يبق منها إلا نقاط الضعف مكشوفةً عاريةً لا يسترها شيء، بل إني أجزم أن الأسلوب نفسه أضعف بكثيرٍ من أسلوب الثلاثية، وأحياناً بلغ درجاتٍ من الإزعاج لا تطاق، وخاصةً عندما كُتبت فقراتٌ بأكملها على شكل كلماتٍ وأسماء وأفعال يتيمةٍ مجرَّدةٍ تفصل بينها نقطة! وكأن الكاتبة من استعجالها لم تتكلَّف عناء كسوة الأفعال والأسماء ببعض أدوات الربط الضرورية لتكوين (جملةٍ مفيدة)!

بعد رائعتها المتميزة (ثلاثية غرناطة)، يؤسفني القول بأن (الطنطورية) كانت خطأً في حسابات الكاتبة، ولو أنها تمهلت قليلاً وأنضجتها على نارٍ هادئةٍ تليق بالموضوع التاريخي المهم الذي عالجته، لخرجت بحلَّةٍ أفضل بكثيرٍ مما هي عليه…

03/07/2016

ثلاثية غرناطة – رضوى عاشور

23/04/2019 عند 21:07 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3263

 

رواية: ثلاثية غرناطة

لمؤلفتها: رضوى عاشور

.

“لا فائدة من وراء هذه المساعي، فكيف ينصفك عدوك؟! وكيف تتوقع أن يجيرك من المصائب من سبَّبها لك؟!”

“فلما غضَّ الطرف عرف أن روحه هي التي تعلَّقت.”

.

=====

(ثلاثية غرناطة) هي أكثر من مجرَّد رواية! إنها رحلةٌ حقيقيةٌ ملموسةٌ عبر الزمان والمكان، وذاكرةٌ جديدةٌ عميقة الألم، ملتهبة الأشجان، وأكثر من قرنٍ كاملٍ يضاف إلى عمرك القصير…

لقد نجحت الكاتبة المتألقة في بناء ملحمةٍ أندلسيةٍ متكاملةٍ ممتدةٍ عبر الزمن، بلغةٍ رقراقةٍ وأسلوبٍ احترافيٍّ شديد العمق، وحواراتٍ متقنةٍ وألفاظٍ مختارةٍ بعنايةٍ فائقة.

أسلوب الكاتبة في الوصف والحوار يجعلك تستشعر أعماق ما يعتمل في نفوس الشخصيات من أحاسيس وأفكارٍ ودوافع، ولا ينجح في إنجازٍ كهذا إلا كاتب محترفٌ متمكنٌ من قيادة القلم.

أحداث الرواية كئيبةٌ مؤلمة، وتصف بشكلٍ مروعٍ مأساة العرب والمسلمين في بلاد الأندلس السليبة بعد السقوط، ولا أشكُّ لحظةً في أن هذه الرواية وإن كانت خيالية الأحداث إلا أنها تستحق أن ترقى لتكون (وثيقةً تاريخية) لتلك الحقبة الزمنية المنسية من تراث أمَّتنا.

أدهشني امتداد زمن الأحداث في الرواية ليغطِّي حوالي مئةٍ وخمسين عاماً! الأمر الذي يرتفع بالقارئ إلى تلَّةٍ عاليةٍ يُشرف منها على حيواتٍ كثيرةٍ وأعمار عديدةٍ بكافة تفاصيلها النفسية والحياتية والاجتماعية.

فذلك الطفل الذي بدأت به الرواية سيكبر ويشيخ، ويبلغ الثمانين ويموت، ثم ستقرأ قصة حياة الأولاد كاملةً والأحفاد، بل وأبناء الأحفاد إلى أن يكبروا ويقتربوا من الستين!

(ثلاثية غرناطة) مكسبٌ تاريخيٌّ وأدبيٌّ وجماليٌّ لكل من يحب القراءة، وهي إضافةٌ قيمةٌ جداً للأدب العربي تستحقُّ الاحترام والإشادة…

18/07/2014

الإسلام بين الشرق والغرب – علي عزت بيجوفيتش

23/04/2019 عند 09:04 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3260

.

كتاب: الإسلام بين الشرق والغرب

لمؤلفه: علي عزت بيجوفيتش

.

=====

(( لم أكد أصدِّق وأنا أنقل تعليقي على الكتاب من موقع goodreads، أني أتممتُ قراءته في عام 2012!

حقاً إن الوقت يمضي بسرعةٍ رهيبة، سرعةٍ مرعبةٍ تفوق الوصف… ))

.

=====

في البداية وقبل قراءتي له، ظننتُ موضوع الكتاب مطابقاً حرفياً لعنوانه، لكن بعد قراءتي له تبين لي أن عنوان الكتاب إنما هو في الواقع تعبيرٌ مجازي…

فقد ظننتُ أن الكاتب يتحدث عن أوضاع الإسلام في البلدان الشرقية والغربية ويقارن بينها، لكن الكتاب أكثر عمقاً وتعقيداً بكثير من ذلك، ويتحدث عن مواضيع مختلفةٍ تماماً! ذلك أن المقصود بالشرق والغرب في عنوان الكتاب هو (المادة والروح).

يعالج الكتاب بعمقٍ فكريٍّ مبهرٍ حقيقة المادة وحقيقة الروح، وكيف تطرَّف الإنسان عبر التاريخ في تناوله لهاتين الحقيقتين؛ عبر الانحياز لإحداها دون الأخرى، وكيف أن كل انحرافات العالم منذ بداية الإنسان وحتى عصرنا الحالي هي نابعةٌ فقط من ذلك التطرف تجاه المادة على حساب الروح، أو تجاه الروح على حساب المادة.

ثم يبين لنا الكتاب كيف أن الإسلام هو الدين الوسطي الذي يحقق التوازن الإنساني الكامل بين ما هو ماديٌّ وما هو روحي ، وانطلاقاً من ذلك التوازن يصل الإنسان إلى درجة الكمال الجائز في حقه، والتي لا يمكن الوصول إليها إلا بواسطة الإسلام الصحيح المتوافق كلياً مع فطرة الإنسان ومراد الله من خلقه.

.

الكتاب غنيٌّ جداً، عميقٌ جداً، وصعبٌ جداً في الوقت نفسه! إن من ذلك النوع من الكتب الذي تخرج منه شخصاً آخر غير الذي كنته قبل أن تدخل فيه.

إنه يرتقي بنفسك وبفكرك وبعقلك، ويفتح لك مجالاتٍ شاسعةً من التفكير الشمولي الذي يتسامى بك بعيداً عن الجزئيات التي كثيراً ما تصرف الإنسان عن الفهم الصحيح لكليات الأمور.

.

أسلوب الكتاب صعبٌ ووعر، فهو نخبويٌّ إلى حدٍّ ما، ويحتاج حمولةً ثقافيةً ثقيلة، وتركيزاً عقلياً شديداً لفهمه فهماً كاملاً، فضلاً عن أنه يحتاج لأكثر من قراءة واحدة لالتقاط أفكاره التقاطاً صحيحاً مبنياً على الانتباه والتريث.

لذلك فإني لا أدعي لنفسي إحاطةً بكل ما ورد في الكتاب، لكن ما أقر به هو أني استفدتُ منه كثيراً، وإن كانت تلك الاستفادة هي بقدر ما يسمح به عقلي القاصر وثقافتي المتواضعة…

10/10/2012

فتاة من ورق – غيوم ميسو

22/04/2019 عند 20:21 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3259

 

رواية: فتاة من ورق
لمؤلفها: غيوم ميسو

.

“استطعت الحديث مع بعض الممثلين والمغنين والكتاب الذين كنت أذهل لرؤيتهم وكأني في حلم حينما كنت مراهقاً، لكن هذه اللقاءات اصطدمت بجدار الخيبة وزوال الافتتان.

كان من الأفضل عدم معرفة كل ما يجري في كواليس مصنع الأحلام ذاك… في الحياة (الفعلية)، لم يكن أبطال مراهقتي في الغالب سوى منحرفين، انخرطوا في مطاردة منهجية يمسكون أثناءها بفتيات / طرائد يفترسونهن ويلقون بهن فوراً، بعد إشباع نهمهم، ثم الاندفاع نحو لحم أكثر طراوة.

والمحزن أيضاً؛ بعض الممثلات اللاتي كانت على الشاشة تطفح سحراً وسرعة بداهة كانت تنتقل في الواقع بين جرعات الكوكايين، وفقدان الشهية وحقن البوتوكس وشفط الدهون.”

.

=====

بعد كل شيء، أستطيع القول بأنها روايةٌ استمتعتُ بقراءتها وبما قدمته من غموضٍ وإثارةٍ وتشويق…

وهي روايةٌ سيستفيد منها حتماً كل كاتب، لأن موضوعها شديد الارتباط بعالم الكتابة ومشاكل الكتَّاب وبعض ما قد يحصل معهم. ولأن حقيقة الأحداث لن تتضح إلا في الصفحات الأخيرة، فإن الكاتب قد نجح نجاحاً باهراً في خداع القارئ وتضليل فهمه لحقائق الأمور عبر حبكةٍ متقنةٍ واحترافيةٍ للغاية.

تدور قصة الرواية حول كاتبٍ شابٍّ صار مرموقاً وحقق نجاحاً عالمياً باهراً بفضل سلسلته الروائية، لكنه سينهار تماماً بفعل خيبةٍ عاطفيةٍ ألمَّت به، وسيفقد على إثرها كل رغبةٍ في الكتابة، وسيُغرق نفسه في الوحدة والعزلة وكل العادات السيئة القاتلة.

ويزداد الأمر سوءاً عندما يصاب بنكسةٍ ماليةٍ حادةٍ ستشرف به على الإفلاس، ليزداد تردياً بعد ذلك في هاويته السحيقة التي انتهت به إلى محاولة انتحارٍ لم تنجح…

وذات ليلة، وفي حدثٍ فريدٍ من نوعه، فوجئ الكاتب الشاب المحبط والمنهار بوجود فتاةٍ ملقاةٍ في غرفته! وقد أخبرته الفتاة بأنها إحدى شخصيات روايته وقد سقطت من الكتاب الموضوع على الرف! وبالطبع اعتبرها معجبةً مخبولةً تتماهى مع شخصيته الروائية، وهمَّ بطردها من بيته، لكنها أقنعته بما لا يدع مجالاً للشك بأنها فعلاً تلك الشخصية الروائية نفسها! وأنها – بسبب خطأ ما – انتقلت من عالم الخيال إلى عالم الواقع…

ومن هنا تبدأ مغامراتٌ مثيرةٌ يخوضها الكاتب مع شخصيته الحبرية التي نزلت إلى عالمه فجأة، ويمرَّان معاً بعددٍ من الصعوبات والمواقف الشيقة والورطات التي لا نهاية لها… ويكون الهدف من ذلك كله هو إعادة الفتاة الحبرية إلى عالمها الخيالي، لأنها تصير مهددةً بالموت لبعض الأسباب (التقنية) المذكورة في الرواية.

بشكلٍ عام… الرواية ممتعةٌ ومشوقةٌ ومفيدةٌ حتماً للكتَّاب، لكنها – في النهاية – تظل عبارةً عن (فيلم سينمائي أمريكي) أكثر منها روايةً أدبية، وبكثير!

جميع أجواء الرواية وشخصياتها وأحداثها وحواراتها هي سينمائيةٌ خالصة، وبعيدة عن الواقع تماماً، بل بعيدة عن الأدب نفسه! ورغم أن براعة الكاتب الفائقة في الوصف تجعلك تتخيل المشاهد بوضوحٍ شديدٍ وكأنها أمامك، إلا أنك لا تستطيع تخيلها بوصف آخر غير كونها فيلماً أمريكياً من أفلام الحركة والمطاردات والرومانسية التمثيلية.

جميع المواقف وردود الأفعال والحوارات الساخرة في الرواية جعلتها عبارةً عن (سيناريو) جاهزٍ لفيلم، وهي أبعد ما تكون عن (الأدب الروائي) في صورته المعروفة والقريبة – ما أمكن – من الواقع المعاش.

في الختام…

تظل الرواية ممتعةً لو قرأناها على سبيل مشاهدة فيلمٍ مكتوب أو مطالعة سيناريو لفيلم قادم، لكنها حتماً ليست من الروايات التي ستحقق الخلود الأدبي، رغم أن الأدب هو موضوعها الرئيس الذي تتمحور حوله جميع أحداثها وشخصياتها، ورغم أن فكرتها مبتكرة بحقٍّ وعبقريةٌ إلى أبعد مدى!

18/10/2015

 

الأيام – طه حسين

21/04/2019 عند 11:11 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

الأيام

.

رواية السيرة الذاتية: الأيام
لمؤلفها: طه حسين

.

=====

من أسباب قراءتي لهذه الرواية، إضافةً إلى شهرتها الطاغية، كون كاتبها مكفوف البصر! وقد كان عندي دائماً – وما زال – اندهاشٌ عظيمٌ من المكفوفين الذي حقَّقوا إنجازاتٍ في العلم والفكر والأدب، وإن كنتُ بشكل عام، وهذا طبيعي، قليل الثقة جداً في ما يقرِّرونه من الأفكار والآراء، ولا سيما منهم الذين عمُوا في سنٍّ مبكرةٍ جداً.

وهذا طه حسين، كُفَّ بصره في الرابعة من عمره بسبب رمدٍ حادٍّ لم ينفع معه علاج، وهو عمرٌ صغيرٌ لا تكاد الذاكرة تحتفظ فيه بشيء، وهو ما يعني أن إدراك طه حسين للحياة، بأكمله، مبنيٌّ فقط على حواس السمع واللمس والشم والذوق، وأما البصر فهو لم ير شيئاً قط، لا في مصر ولا في إيطاليا ولا فرنسا ولا في أي مكانٍ زاره على الإطلاق، بل إنه لم ير حتى نفسه وأساتذته وأقاربه وزوجته وأبناءه وكل من اتصلت أسبابه بأسبابهم طيلة حياته المديدة التي جاوزت الثمانين عاماً…

ونحن كما هو معلوم، نعتمد على حاسة البصر بشكلٍ أساسيٍّ جداً لا غنى عنه، لتكوين الرؤى والتصورات والأفهام التي نصدر عنها لإعلان آرائنا وانطباعاتنا في شتى نواحي الحياة المختلفة، فهي حاسةٌ أساسيةٌ وأكثر أهمية من غيرها، وعلى أساسها يتكون الجزء الأكبر من مداركنا، ولا نستطيع أن نتصور – مجرد تصور – أننا قد نفهم ما يدور من حولنا فهماً صحيحاً دون هذه الحاسة العظيمة التي لا حياة حقيقيةً بدونها.

فحُقَّ لنا أن نعجب إذاً، حين تُؤخذ آراء طه حسين وأفكاره على محمل الجد، وحين يُتكلف الرد على ما اعتُبر منه (دعوةً إلى التغريب)، أو (دعوةً إلى الأَوْرَبة)، وذلك على أساس أنه سافر إلى فرنسا فانبهر بالحضارة الغربية ثم عاد إلى مصر داعياً إليها مبشراً بها! فأي انبهارٍ يمكن أن يكون بحضارةٍ لم ير شيئاً منها قط؟! والمعروف أن أكثر انبهار المنبهرين بالغرب مردُّه إلى حاسة الإبصار، وإلى ما (رأوه) هناك من النقوش والزخارف وعجائب البناء والعمران والأضواء المتلألئة والحسان المتبرِّجات وحرية الملذَّات المحرَّمة… إلخ.

فما الذي رآه طه حسين في حياته كلها؟ الجواب هو (لا شيء)! مجرد سوادٍ مطلقٍ مطبقٍ على الكون كله، سوادٍ مستمرٍّ في اليقظة والمنام لا يتخلَّله لونٌ ولا شعاع نور، وسواءٌ أكان في فرنسا أو في مصر أو في أي مكانٍ آخر فهو لم ير شيئاً مما حوله، وكل إدراكه لمحيطه مبنيٌّ على ما سمعه من الآخرين، وعلى ما اتصل بجسده مما لامسه، أيادٍ وجدرانٌ ومقاعد وفرشٌ وأطعمةٌ وأشربةٌ ومركوبات!

فهل يكفي شيءٌ من هذا لتكوين تصورٍ سليمٍ للمحيط على نحوٍ يُنبهَر به، ثم يصدر عن ذلك الانبهار رأيٌ داعٍ للتغريب؟ بالطبع لا! ومهما كان ما قاله طه حسين في هذا الباب فما كان ينبغي أن يُؤخذ على محمل الجد، وكان يكفي أن يقال (مكفوف البصر لم ير شيئاً ولم يعرف شيئاً) وكفى!

لكن أغلب الظن أن الرجل لم يكن وحده، بل كان مَقُوداً مُستغَلاً من غيره ممن وراءه، وما من مكفوفٍ إلا ووراءه من يقوده، وإلا فليس من المعقول أن نعبأ برأي إنسانٍ أعمى في مواضيع لا يدرك أبعادها إلا المبصرون…

.

وأما كتابه (الأيام) وهو سيرةٌ ذاتية، ففيه يصحبنا طه حسين إلى حيِّز عماه، ويجعلنا ننظر إلى الحياة بذلك المنظار الأسود القاتم، فليس في الرواية ألوانٌ ولا أوصافٌ للمرئيات، وإنما هي حواس السمع واللمس والذوق فقط…

وقد اعتمد الكاتب في سيرته هذه ضمير الغائب لا ضمير المتكلم، وكنَّى عن نفسه بـ (صبيِّنا، الصبي، الفتى…)، ولعله أراد من ذلك أن يخرج من الذاتية التي تصبغ عادةً أمثال هذه السير، والتي تجبر كاتبيها على الرفق بأنفسهم وإضفاء مظاهر الكمال عليها، وحجب النواقص البشرية التي تعتريهم، وبالفعل فقد نجح طه حسين – إلى حدٍّ ما – في الخروج من ذاته بهذا الأسلوب، ورأيناه يتحدث عن نفسه كما لو كان يتحدث عن شخصٍ آخر، ولم يتردد في أن يدرج في روايته شتى النقائص والعيوب النفسية التي اعترت (صبيَّنا) في مراتٍ كثيرة، من الخبث والغش والحسد وغير ذلك، وهو ما أضفى على الرواية نوع تجردٍ في تناول الذات ما أندر ما نشاهده في الكاتبين بضمير المتكلم.

ولما كانت (الأيام) منقسمةً إلى ثلاثة أجزاء، فإني سأذكر انطباعي حول كل جزءٍ على حدة، لأن الأجزاء بدت لي مختلفة حقاً بما يكفي لهذا التفريق…

– الجزء الأول:

هو الأصغر حجماً، وفيه تطرق طه حسين إلى أطوار طفولته الأولى في القرية قبل رحيله إلى الأزهر… وقد اعترتني دهشةٌ عظيمةٌ من الأسلوب دعتني في البداية إلى الضحك! لأن الأسلوب بدا لي – على فصاحته – إنشائياً بسيطاً جداً كأشدِّ ما تكون البساطة، وعلى نحوٍ أعاد إليَّ شعور قراءة النصوص المدرسية في أيام الطفولة!

غير أن الأسلوب – رغم بساطته – قد تميز بفصاحةٍ محبَّبة، وازدانت الصفحات بالألفاظ الأنيقة والتعابير الممتعة، وأمضيتُ في قراءته وقتاً جميلاً نهلتُ فيه من منبع العربية الفصيحة التي نراها الآن – مع كامل الأسف – آيلةً للانقراض…

– الجزء الثاني:

هو الأكبر حجماً والأكثر تعداداً في الصفحات، لكنه الأكثر مللاً وتكراراً والأقل تنوعاً رغم ذلك!

ولستُ أدري هل تغير الأسلوب عما كان عليه في الجزء الأول أم أنني فقط تعودتُ عليه، إلا أني دهشتُ من كمِّ الأحداث المتكررة والتفاصيل غير المهمة التي شكَّلت معظم هذا الجزء، والذي مضى معظمُه في وصف يومياتٍ باردةٍ مكررةٍ في الأزهر وفي مكان إقامة (الصبي)، وما كان فيها من تفاصيل الذهاب والإياب واليقظة والنوم والأكل والشرب وما شاكل ذلك مما لا غَناء فيه… ويضاف إليه وصفٌ مملٌّ آخر لمجالس الأساتذة والشيوخ وجيران السكن وباعة الشوارع، وما كان من أمر هؤلاء الناس من الصفات والعادات المضحكة والخصومات البسيطة التي تعددت أسبابها، وكل ما سبق ذكره لا يخرج بحالٍ من الأحوال عن طابع (الحياة اليومية) الروتينية المكررة.

ولو أن أي واحدٍ منا تطرق لأكثر فترات حياته الدراسية مللاً ورواها لنا في كتاب، لما جاء بشيءٍ مختلفٍ عما في هذا الجزء من (الأيام)، بل وربما تضمنت إثارةً أكبر!

ولعل عمى الكاتب قد ضاعف من ملل الوصف، خاصةً وأن القارئ يجد نفسه يتصور الشخصيات والأحداث من حيِّز العمى ذاك، فهو يقرأ وصفاً للروائح والأصوات وبعض الملموسات فقط، ولا يكاد يجد وصفاً مرتبطاً بحاسة البصر، وإن وُجد فلأن الكاتب سمعه من غيره لا لأنه رآه بنفسه…

الجانب المهم الوحيد في هذا الجزء هو (الجانب الدراسي والعلمي)، وما كان فيه من القراءة والأبحاث والخصومات العلمية وواقع بعض الشيوخ والأساتذة والطلاب، وهو جانبٌ يثير الدهشة حين نلاحظ كيف أن الله فتح على المكفوف بصرُه من أبواب الحفظ والضبط والذاكرة والتأليف والتفوق فيه ما لم يفتحه على كثيرٍ من المبصرين.

– الجزء الثالث والأخير:

أقل حجماً من سابقه وأكبر من الجزء الأول، فهو في منزلةٍ بينهما، وثمة اختلافٌ آخر هو أن فصوله قد تضمنت عناوين! ولست أدري أهي عناوين أصليةٌ من الكاتب نفسه أم أنه تمت إضافتها لاحقاً، خاصةً وأن العناوين قد نطقت بضمير المتكلم رغم أن الجزء قد سار على غرار سابقيه في الاعتماد على ضمير الغائب، وهو أمرٌ أثار استغرابي أن أجد من تلك العناوين (حين دعا عليَّ أستاذي بالشقاء) أو (المرأة التي أبصرتُ بعينيها)، ثم إذا أخذتُ في قراءة الفصل وجدته مستمسكاً بضمير الغائب (الفتى)!

مهما يكن، فقد كان هذا الجزء أكثر إثارةً من سابقه وأقل مللاً، وقد روى لنا الكاتب فيه ما كان من أمر سفره إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، وكيف قاتل بشراسةٍ من أجل انتزاع موافقة الجامعة المصرية على ضمِّه إلى البعثة رغم عاهته البصرية، ثم كيف كافح في طلب العلوم متغلباً على عماه حتى استطاع أن يدرس ويحفظ ويؤلِّف، ثم ليظفر بالشهادات العليا ودرجات التفوق، ثم روى لنا أيضاً تعرفه على زوجته الفرنسية (سوزان بريسو) وكيف أنها كانت له خير معينٍ على البحث والدراسة والطلب، إذ كان لا بد للمكفوف ممن يقرأ عليه الكتب مهما طالت، ومن يكتب له ما يمليه عليه مهما أطال!

وسبحان الله، لم يحرم الله عبداً حاسة البصر إلا وعوَّضه عنها حدةً في بقية حواسه، وما زلتُ مندهشاً من قدرة المكفوف على التفاعل مع محيطه بشكلٍ عام، حتى في أبسط أشكال التفاعل، وأما الدراسة وطلب العلم والتفوق فيه والتأليف والرواية وارتقاء المناصب العليا التي بلغ فيها طه حسين منصب الوزارة، فهو أمرٌ لا أخفي عليكم أني أجد – بصراحة – صعوبةً في تصوره، فسبحان الله القادر على كل شيء! وإن الاطلاع على مثل هذه السير لمما يدلُّ على أننا لا نعرف إلا القليل على هذا الكائن الموغل في غموضه (الإنسان)، وعن قدراته التي حباه الله إياها، والتي يبدو أن إدراك وتصوُّر الأشخاص العاديين من أمثالنا لا يبلغ إلا النزر اليسير منها…

كتاب (الأيام) سيرةٌ ذاتيةٌ مفيدةٌ بلا شك، وإن كان مما يعاب فيها بعض الملل والإسراف في عرض تفاصيل غير مهمة، كما قد لاحظتُ أيضاً نوعاً من (تضخيم المشاكل والأحزان) في غير ما مقطع، وهو ما دلَّ على درجةٍ معينةٍ من نرجسية الكاتب، لم يتمكن من طمرها كلَّ الطمر عدولُه عن ضمير المتكلم، واعتماده – مبتعداً عن ذاته وخارجاً منها – ضمير الغائب الذي يُنظر إليه من بعيد…

31/07/2016

الصفحة التالية «

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.