السكرية – نجيب محفوظ

26/07/2019 عند 18:27 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3697

.

رواية: السكرية
لمؤلفها: نجيب محفوظ

.

“وبدا له الحبُّ من ناحية أخرى (دكتاتوراً) وقد علَّمته الحياة السياسية في مصر أن يمقت الدكتاتور من صميم قلبه… ففي بيت عمَّته جليلة كان يهبُ عطيَّة جسده ثم سرعان ما يستردُّه وكأن ما كان لم يكن، أما هذه الفتاة المستكنَّة في حيائها فلن تقنع بما دون روحه وجسده جميعاً إلى الأبد.”

* * *

“قد يبدو يسيراً أن تعيش في قمقم أنانيتك ولكن من العسير أن تسعد بذلك إذا كنت إنساناً حقاً…”

* * *

“إني أومن بالحياة وبالناس، وأرى نفسي ملزماً باتِّباع مُثُلهم العليا ما دمتُ أعتقد أنها الحقُّ إذ النكوص عن ذلك جبنٌ وهروب، كما أرى نفسي ملزماً بالثورة على مُثُلهم ما اعتقدتُ أنها باطلٌ إذ النكوص عن ذلك خيانة، وهذا هو معنى الثورة الأبدية!”

.

=====

وجاءت رواية (السكرية) لتضع آخر النقاط على الحروف، ولتحملنا جميعاً نحو الخواتم والنهايات المتنوعة، والبدايات الأخرى التي تنطق باستمرارية الحياة…

هي روايةٌ بلون الغروب، تتميز بكونها الأصغر حجماً بالمقارنة مع أختيها، لكنها في الوقت نفسه الأكثر امتداداً على خطِّ الزمن… ففي حين لم تغطِّ رواية (بين القصرين) – وهي الأطول – أكثر من عامين فقط، من عام 1917 إلى 1919، نجد أن رواية (السكرية) تمتد – وهي الأقصر – على مساحةٍ زمنيةٍ قدرها تسع سنواتٍ كاملة، من عام 1934 إلى 1943!

وفي (السكرية) نراقب امتداد الحياة وفقاً للسُّنن الإلهية الكونية… يشيخ الكهل ويكتهل الشاب ويشبُّ الصبي، أفولٌ وموتٌ يقابله إشراقٌ وحياة… انتهى عصر جبروت السيِّد (أحمد عبد الجواد) الذي تحول إلى شيخٍ فانٍ، ومضى في سبل الحياة أبناؤُه وبناتُه وأحفادُه، يواجهون الصعوبات والمحن التي اكتووا جميعاً بنيرانها على كافة المستويات.

وكبر الأحفاد واستووا شباباً، وتفرَّقت بهم السبل الفكرية بين الشيوعية والإخوانية، بين الإلحاد والإيمان، ولكل واحدٍ منهم حججه وبراهينه التي يستدلُّ بها على صحة مذهبه…

.

عاد نجيب محفوظ في (السكرية) إلى استخدام أسلوب السرد الكلاسيكي، وهو الأسلوب الذي تركه في (قصر الشوق) مستبدلاً إياه بأسلوب الخطاب النفسي لكل شخصية، وهكذا نجد أن ضمير المتكلم اختفى في (السكرية) إلا قليلاً، وحلَّ محلَّه صوت الراوي العليم بكل شيء.

تراجع قليلاً دور (كمال أحمد عبد الجواد) الذي زاحمه فيه أبناء إخوته، لكنه ظلَّ مع ذلك أشهر شخصيةٍ تاريخيةٍ روائيةٍ تجسِّد معاني الضياع والحيرة والدوران في مكانٍ واحد، والشكِّ في كل شيءٍ بلا استثناء، جحود الدين والإلحاد، والإصرار على العزوبة لأسباب غير مفهومة، وخيبة الأمل في الحبِّ والفلسفة والقيم والمبادئ، والعمر يمضي فارغاً من أي معنى، والثلاثينيات تدنو نحو نهايتها، والأربعين تقترب منذرةً بتوسُّعٍ أكبر في فراغ الروح ومساحة العذاب والحيرة…

مدرِّسٌ بائسٌ في مدرسةٍ ابتدائية، يكتب مقالاتٍ فلسفيةً معقدةً لا يفهمها أحد، وينشرها في مجلة الفكر التي لا يقرؤها أحد! رفض قديماً السعي وراء المنصب حباً في الأدب والفلسفة، فأسلمه ذلك الحبُّ إلى الفقر والهوان ثم خاب أمله في الأدب والفلسفة… وخاب أمله في الحبِّ نفسه فأسلم جسده إلى دور البغاء وروحه إلى الفراغ المطلق…

.

وما من شكٍّ في أن (كمال أحمد عبد الجواد) ما هو إلا (نجيب محفوظ) نفسه! وقد أقرَّ الكاتب بذلك مصرِّحاً بأن شخصية (كمال) تجسِّد تاريخ أزمته الروحية التي رافقته في فترة شبابه، وإذا ما استثنينا مهنة التدريس التي لم يمتهنها، والشارب الضَّخم الذي اتَّخذه (كمال) ولم يتَّخذه (نجيب)، فإن سيرته الذاتية تكاد تكون مطابقةً تماماً لسيرة (كمال)، بما في ذلك الولادة المتعسِّرة لكليهما، والعزوبة الطويلة التي لم تنته – روائياً – لـ (كمال) رغم دنوِّه من الأربعين، لكنها انتهت – واقعياً – عند (نجيب) بعد الأربعين ببضع سنوات.

وعموماً فإن معظم أحداث الثلاثية وشخصياتها متصلةٌ بالواقع، بل إن معظم روايات (محفوظ) هي قصصٌ واقعية، قدَّمها الكاتب روائياً بعد أن أعمل فيها الخيال والتحوير وتبديل الأسماء وغير ذلك، لكن الشخصيات وهياكل الأحداث كلها واقعيةٌ تماماً، وليست هذه الثلاثية باستثناء، فما السيِّد (أحمد عبد الجواد) إلا جارٌ لأسرة نجيب محفوظ، وكان رجلاً جليلاً معروفاً في حيِّ (بين القصرين) اسمه (محمَّد عبد الجواد)، كان له دكَّانٌ لبيع العطور، ولم يُعرف عنه في الواقع جانبه الماجن، والذي يرجَّح أنه من خيال المؤلف، أو أنه دمجٌ لشخصيتين واقعيتين في شخصيةٍ واحدةٍ خياليةٍ هي السيِّد (أحمد عبد الجواد).

.

أزعجني قليلاً في رواية (السكرية) ذلك الإسراف في عرض التفاصيل السياسية المتعلقة بتلك الفترة الزمنية من تاريخ مصر، وهي تفاصيل كانت لها قيمتها دون شكٍّ بالنسبة للمصريين في تلك الأيام، لكنها ليست ذات قيمةٍ بالنسبة لي بصفتي بعيداً كل البعد عنها زماناً ومكاناً، ولذا كنت أتمنى أن تنتهي تلك الحوارات الطويلة المشحونة بأسماء الشخصيات السياسية المصرية وتفاصيل الأحداث التي لا تعنيني في شيءٍ على الإطلاق…

وفيما عدا هذا، فإن (ثلاثية القاهرة) هي مدرسةٌ حقيقية، في الأدب والأسلوب واللغة والحياة عموماً، وهي دون ريبٍ فخرُ الرواية العربية، والوحيدة الحاصلة على (نوبل) عن جدارةٍ واستحقاق، ولم يُكتب أفضل منها عربياً حتى الآن رغم توالي السنوات وتكثار الكتَّاب والأدباء.

ومن عجبٍ أن تتبوَّأ الثلاثية هذه المكانة العليا في الأدب العربي رغم انتمائها لفئة (الرواية الاستاتيكية)، كما صنَّفها الكاتب والناقد (يحيى حقِّي)، والذي فرَّق بين (الرواية الاستاتيكية – Statique) و(الرواية الديناميكية Dynamique)، بحيث أن الرواية (الديناميكية) تتميز بتفاصيل أقلَّ وأحداث أكثر، وإليها تنتمي روايات الملاحم، وأما الرواية (الاستاتيكية) فهي تتميز بتفاصيل أكثر وأحداث أقل، وتعمد إلى تقديم لوحاتٍ وصفيةٍ مفصَّلةٍ لأوضاعَ ثابتة، ويكون الجانب الوصفيُّ فيها طاغياً على الجانب الحركي.

ولذا نلاحظ أن (ثلاثية القاهرة) هي روايةٌ (استاتيكيةٌ) بامتياز، لأن جانب الأحداث فيها يظلُّ ضئيلاً رغم كل شيء، ولا يكاد يخرج عما هو معتادٌ في الحياة اليومية المستمرة، لكن تعمُّق نجيب محفوظ في عرض اللوحات الوصفية، وخوضه العميق جداً في دهاليز وأغوار النفس البشرية لشخصياته، وتطرُّقه لعددٍ هائلٍ من المواضيع والقضايا النفسية والدينية والاجتماعية والأسرية والسياسية والفلسفية… كل هذا جعل الثلاثية مرجعاً ضخماً لكل قارئ، وما منَّا من أحدٍ إلا وسيجد نفسه أو جانباً منها في إحدى شخصيات الثلاثية أو بعض أحداثها، ومن هنا تنبع أهميتها العظمى التي جعلتها مستحقةً لمكانتها السامية، متربِّعةً على عرش الأدب العربي دون منازع…

أنس سعيد محمد
05/06/2016

الإعلانات

قصر الشوق – نجيب محفوظ

22/07/2019 عند 11:59 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3695

.

رواية: قصر الشوق
لمؤلفها: نجيب محفوظ

.

“أليس عجيباً أن يكون رأي أمه خيراً من رأي أبيه؟ ولكنه ليس برأي، إنه شعورٌ سليم، لم تفسده ممارسة الحياة الواقعية التي أفسدت رأي أبيه، ولعل جهلها بشؤون العالم هو الذي صان شعورها عن الفساد… ترى ما قيمة شعورٍ – وإن سما – إذا كان مصدره الجهل؟”

* * *

“وقد يلتقي الشعور الفطري الساذج بالرأي الحكيم دون أن تهوي سذاجة الفطرة بأصالة الحكمة.”

* * *

“أليس كتابٌ يهزُّ الأرض خيراً من وظيفةٍ وإن هزَّت الأرض؟ كل المتعلمين يعرفون سقراط، لكن من منهم يعرف القضاة الذين حاكموه؟”

.

=====

من أوجه الإبداع الكثيرة التي اشتهر بها أسلوب نجيب محفوظ اختيارُه لخواتم الروايات! تلك الصفحة الأخيرة من الرواية، الفقرة الأخيرة، السطر الأخير، الكلمة الأخيرة! لا بد أن يصدمك الكاتب بما يرجُّك، ويجعلك كالمستفيق فجأةً على صفعةٍ مدوية، فتجد نفسك تعيد قراءة الصفحات الأخيرة مراتٍ ومرات، متأملاً في لآلئ الألفاظ المختارة، وعبقرية توظيفها لختم الرواية…

ولما كانت رواية (بين القصرين) قد خُتمت بمشهدٍ خارجيٍّ انتهى بدخول السيِّد أحمد عبد الجواد إلى بيته محمَّلاً بخبر الموت المؤلم، فإن رواية (قصر الشوق) قد ابتدأت بنفس مشهد دخول السيِّد إلى بيته، غير أنه مشهدٌ داخليٌّ وليس خارجياً، مما يوحي للقارئ بأن (قصر الشوق) هي استكمالٌ مباشرٌ لـ (بين القصرين)، إلا أنه لن يلبث أن يتبين له – بعد أسطرٍ قليلة – بأن الأحداث قفزت خمس سنواتٍ إلى الأمام، وأن الرواية الجديدة إنما تدور في أواسط عشرينيات القرن الماضي، وقد شاخ من شاخ واكتهل من اكتهل وشبَّ من شب، وتغيرت أحوالٌ واستجدَّت مستجدات…

تجاوز السيد أحمد عبد الجواد منتصف الخمسينيات من عمره، وازدادت السيدة أمينة ذبولاً، واستوى كمال على قمة مراهقته وقد تركناه طفلاً، ودنا ياسين إلى الثلاثين، وصار لخديجة ولدان، ولعائشة ثلاثة…

وتوارت بعض الشخصيات فلم يُتطرَّق لها إلا قليلاً، في حين ركز الجزء الثاني من الثلاثية على الأب وولديه، ياسين وكمال، وكيف أن السيد الجبار أحمد عبد الجواد ما زال يفقد سلطته المطلقة شيئاً فشيئاً، وما زالت الحياة تواجهه بما يُضعف سيادته الكاسحة بسبب عوامل داخليةٍ وخارجيةٍ كثيرة، منها خروج أولاده عن طوقه بسبب اقتحامهم لفترات الشباب الجامح، وخروج ابنتيه عن سيطرته بسبب زواجهما، فضلاً عما جرَّته عليه أهواؤه وصبواته الجامحة من التنكيل بمقامه وتمريغ كبريائه في التراب، وبشكلٍ أحبُّ اعتباره صرخةً تحذيريةً مدويةً من الانجرار وراء الأهواء والشهوات المحرَّمة، والتي لن تكون عاقبتها – كما جاء على لسانة (زنُّوبة العوَّادة) – إلا إلى البوار…

وأما كمال أحمد عبد الجواد فقد صار شاباً في السابعة عشرة، وكان له النصيب الأوفر من أحداث الرواية، ممثِّلاً فيها انهيار المثل الدينية والعاطفية بسبب الخيبة الصادمة التي تلت تعلُّقاً عنيفاً بها، وكيف تحول كمال من طفلٍ مؤمنٍ متدينٍ إلى مراهقٍ ملحدٍ شرسٍ بسبب صدمته المتعلقة بضريح الحسين حين اكتشف بأنه خالٍ من رأس الشهيد، وكيف تحوَّل من عاشقٍ يقدِّس الحب بشكلٍ مبالغٍ فيه إلى مستهترٍ حمل نفسه على السير في طريق الرذيلة، بسبب صدمته المتعلقة بمحبوبته التي تزوجت، نازلةً بزواجها إلى مساواة البشر في وظائفهم البيولوجية بعد أن كان رفعها في خياله إلى مقامٍ فوق البشر بكثير!

أسلوب هذه الرواية مختلفٌ بوضوحٍ عن أسلوب (بين القصرين)، من باب أنه اعتمد بشكلٍ شبه كاملٍ على ما يسمى (المونولوغ الداخلي)، فغلب بذلك على صفحاتها ضمير المتكلم وتوارى ضمير الغائب… توارى نجيب محفوظ الذي يصف من الخارج وحلَّ محلَّه نجيب الذي يتكلم بلسان شخصياته، وبعمقٍ عجيبٍ مذهلٍ لا يقدر عليه إلا من استحقَّ أن يتربَّع على عرش الرواية العربية دون منازع.

(قصر الشوق)، الحلقة الأوسط من الثلاثية الروائية الأفضل في العالم العربي، سبقتها (بين القصرين)، وتلتها (السكَّرية)، ويبدو أن الانسحاب الجزئي لشخصيتيْ خديجة وعائشة في (قصر الشوق) هو انسحابٌ مؤقتٌ فقط، ويبدو لي أن العودة إليهما ستكون قويةً في الجزء التالي، بسبب ما ذُكر من أن الفتاتين تقيمان مع زوجيهما من عائلة (آل شوكت) في منطقة (السكَّرية)، عنوان الجزء الثالث والأخير الذي أتطلَّع لقراءة صفحاته بشوقٍ شديدٍ وشغفٍ عارم…

22/05/2016

بين القصرين – نجيب محفوظ

18/07/2019 عند 12:20 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3693

.

رواية: بين القصرين
لمؤلفها: نجيب محفوظ

.

“أعجِب به من رجلٍ يحلُّ لنفسه اللهو الحرام، ويحرِّم على أهله اللهو الحلال!”

“ربما كان فى وسع الإرادة القوية أن تتيح لنا أكثر من مستقبلٍ واحد ،ولكننا لن يكون لنا – مهما أوتينا من إرادة – إلا ماضٍ واحدٌ لا مفرَّ منه ولا مهرب.”

.

=====

رواية (بين القصرين)، وهي الجزء الأول من الثلاثية الأشهر على الإطلاق في تاريخ الرواية العربية، والمكونة من (بين القصرين – قصر الشوق – السكرية)، وجميع هذه العناوين هي لأماكن في القاهرة تدور فيها أحداث الروايات.

تعتبر (ثلاثية نجيب محفوظ) أفضل وأعظم ما كُتب عربياً في مجال الرواية، وما زالت إلى اليوم، ورغم اقترابها من إتمام قرنٍ كامل، محتفظةً بالرتبة الأولى كأفضل روايةٍ عربيةٍ في قائمة اتحاد كتاب العرب.

والحق أنه ورغم ما صرنا نراه من انعدام مصداقية الجوائز والرتب والألقاب الروائية، وعدم تعبيرها عن الجودة بشكلٍ صادقٍ دائماً، إلا أن الثلاثية قد استحقت لقبها عن جدارةٍ لا ريب فيها، بل واستحقت أيضاً أن تحافظ عليه دون منازعٍ كل هذه العقود الطويلة، وإني لفي شكٍّ من ظهور روائيٍّ قادر على أن يرتفع بالرواية العربية لهذه الذروة القصوى من الإبداع والاحترافية.

لم أكن أشعر بمرور الوقت – كالعادة – أثناء القراءة، ولما انتهت الرواية بتلك الخاتمة العبقرية غمرني شعوران متناقضان؛ الأول هو شعور السعادة الغامرة لأني على موعدٍ مع روايتين قادمتين تستكملان نفس الأحداث، والثاني هو شعورٌ بالأسف لأن الثلاثية هي أفضل ما كتب محفوظ، وآخر ما كتب في مرحلة (الواقعية الاجتماعية)، وأن كل ما سيأتي بعدها هو من الروايات الأصغر حجماً، والأكثر إيغالاً في الرمزية والفلسفة، وهذا مع الأسف ليس هو توجهي الروائي المفضل…

.

تبدأ أحداث رواية (بين القصرين) في عام 1917، وتنتقل لتأريخٍ رائعٍ لثورة 1919، وتتمحور مجرياتها حول أسرة السيد (أحمد عبد الجواد) الذي أبدع محفوظ في رسم شخصيته إبداعاً منقطع النظير، كاد أن يرتقي به لمستوى (الشخصية التاريخية)، إذ يصف لنا بأدقِّ التفاصيل المكانية والجسمية وحتى النفسية، صورة الأب وربِّ البيت الجبَّار المتسلِّط، صاحب السلطة المطلقة على زوجته وأبنائه الخمسة، والحامل لبيته على مسلك التزمُّت المفرط المبالغ فيه، وكيف أنه خارج البيت شخصٌ آخر مختلفٌ تماماً، وبشكلٍ صادمٍ للغاية!

ثم يصف لنا – بنفس الدقة المتناهية – شخصية الأم (أمينة) البريئة البسيطة، والخاضعة لزوجها خضوعاً مطلقاً يصعب وصفه، وأيضاً شخصية أبنائه الذكور الثلاثة (ياسين وفهمي وكمال)، وابنتيه (خديجة وعائشة)، وكيف أن تطورات الأحداث المتعلقة بأسرة السيِّد، فضلاً عن الأوضاع السياسية وحمَّى الثورة، ستكون لها آثارٌ معينةٌ على سلطة الأب المطلقة، وعلى استقرار بيته الذي كان متحكماً فيه بقبضةٍ من حديد.

.

رواية (بين القصرين)، رغم حجمها الكبير إلا أني وددتُ لو أنها لم تنته، وما إن توغلتُ في أعماقها حتى تقرر لدي أنها أفضل ما قرأتُ من الروايات على المستوى العربي، كما أنها مستحقةٌ أيضاً لأن أعتبرها ثاني أفضل ما قرأت على المستوى العالمي، بعد رواية (البؤساء).

.

متشوقٌ جداً للبدء في الجزء الثاني من هذه الثلاثية، والتي تؤكد لقارئها بما لا يدع مجالاً للشك أن مؤلفها هو كاتبٌ فوق المقارنة عربياً، إذ لا ينبغي أن نتناول أدب محفوظ إلا بصفته جزءاً لا يتجزأ من روائع الأدب العالمي…

10/04/2016

طبائع النساء – ابن عبد ربه الأندلسي

16/07/2019 عند 11:44 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3692

.

كتاب: طبائع النساء
لمؤلفه: ابن عبد ربه الأندلسي

.

=====

إن أردتَ أن تعرف أكثر عن طبائع النساء وظننتَ أن هذا الكتاب – بسبب عنوانه – سيروي فضولك فأنت مخطئ!

عنوان الكتاب – للأسف – خادعٌ جداً، حتى أني لم أجد فيه من عنوانه إلا النَّزر اليسير، ولو أن اسمه كان (أخبار النساء) لكان أقرب لمضمونه…

يضمُّ الكتاب مجموعةً من القصص والأخبار المروية عن نساء العرب قديماً، إضافةً إلى الكثير الكثير من الأشعار التي قلنها أو قيلت فيهنَّ، وأغلب تلك الأخبار والأشعار صعبة القراءة بسبب وعورة لغتها الشديدة، وفهمها عسيرٌ متمنِّعٌ يحتاج إلى رويةً وبحثٍ وبذل مجهود.

ويضمُّ الكتاب أيضاً، إضافةً إلى الأشعار القديمة والقصص التراثية، قاموساً لغوياً ثرياً لأوصاف المرأة الخَلقية والخُلقية.

والحق أني (تكرشختُ) ضحكاً في صفحاته الأخيرة من بعض تلك الألفاظ والمصطلحات العجيبة جداً، والتي لم نعد نستعمل في عصرنا هذا إلا القليل منها، وربما على غير وجهه ومعناه، وأما أغلبيتها العظمى فتنتمي إلى تلك العربية القديمة المنقرضة التي لم تعد تُستعمل، ولم يبق لها وجودٌ إلا في كتب التراث التي نقرؤها على سبيل الاستئناس لا أكثر…

30/12/2015

رواء مكة – حسن أوريد

11/07/2019 عند 20:40 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_0976

.

رواية: رواء مكة
لمؤلفها: حسن أوريد

.

=====

كان قرار قراءة (رواء مكة) قراراً فورياً جاء عقب نشر أحد الأصدقاء رابط تحميلٍ مباشرٍ الرواية، ولولا أني ضغطتُ على الرابط فوجدتُ الرواية جاهزةً للقراءة في جهازي لما فكرتُ في قراءتها ولما بحثتُ عنها.

ولا سبب لذلك إلا لأن عندي نفوراً شديداً من كلِّ ما له علاقةٌ بما يسمى (الترند) أو (البوز)، وأيضاً لأني أعيش حياتي الأدبية على افتراض أنه لا وجود – حتى الآن – لروائيٍّ مغربيٍّ حقيقيٍّ جديرٍ بأن يُنسب إلى فن الرواية! وهذه (رواء مكة) روايةٌ جمعت بين (البوز) وبين مغربية كاتبها، فكانت بذلك محتويةً على كافة عناصر التنفير التي من شأنها أن تبعدني عن قراءتها تماماً، لكني قرأتُها في نهاية الأمر على سبيل (الإطلالة السريعة) على الجديد الأدبي العربي عموماً والمغربي خصوصاً، مخالفاً بذلك عادتي وما درجتُ عليه.

والحق أني قرأتُ الرواية كاملة قبل أن أستمع لحديث المقرئ الإدريسي عنها والذي كان سبباً في شهرتها، وما من شكٍّ في أن المقرئ بالغ في وصفها مبالغةً شديدة، لكن ذلك لا يمنع من كونها روايةً ذات أهميةٍ كبيرة، وأهميتها نابعةٌ من موقع كاتبها نفسه حسن أوريد، بوصفه شخصيةً سياسيةً مثيرةً للجدل، ولأنه عاد من حيث لم يعد أحد تقريباً، فلذلك أمسى جديراً بكلِّ ما يكتبه أن يلفت إليه الأنظار، وأن يستثير فضول الجميع علَّهم يجدون بين سطوره من الأسرار والخفايا ما يشبع فضولهم النهم للاطِّلاع على الخبايا والكواليس السياسية المضروب عليها ستارُ الكتمان.

ولأني لا علم لي – إطلاقاً – بشأنٍ من شؤون السياسة، ولا اهتمام لي بها، وليست لي معرفةٌ مسبقةٌ بالكاتب ولا قراءةٌ لشيءٍ من أعماله، فإن قراءتي لـ (رواء مكة) هي قراءةٌ مبتورةٌ تماماً عن أي سياقٍ مرتبطٍ بها، ومراجعتي لها هي بالتالي مراجعةٌ انطباعيةٌ عابرةٌ لا أقل ولا أكثر.

تذبذتُ أثناء قراءتي لـ (رواء مكة) بين الحماسة حيناً والملل حيناً آخر، وهي في الواقع ليست (رواية) بقدر ما هي أشلاءٌ مبتورةٌ مجمعة من الخواطر والسيرة الذاتية، أو ما يمكن أن نسميه بـ (المكاشفات)، وفيها يروي لنا حسن أوريد مراحل انتقاله من الإلحاد إلى الإسلام عبر رحلةٍ سيق إليها إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج، وأستطيع أن أجمل انطباعاتي حولها في النقاط التالية:

– الرواية جميلة عموماً، ومليئةٌ بالإشارات الإيمانية العميقة والوصف الدقيق للتحولات النفسية، لكنها بالتأكيد دون ما وصفها به المقرئ الإدريسي، إذ يمكن أن نجد في بابها ما هو أفضل منها.

– أسلوب الرواية يتميز بالفصاحة وجزالة الألفاظ والاعتزاز الواضح باللغة العربية، ورغم أن كاتبها ذو أصلٍ أمازيغيٍّ إلا أنه أفصح بكثير من بعض العرب الخُلَّص، ولقد تعمَّد الكاتب التأكيد على هذه الحقيقة باستعراض عضلاته اللغوية على طول الرواية، وإتيانه بالغريب من الألفاظ العربية الفصيحة غير المشهورة، ولأن تراكيب الرواية في مجملها عصريةٌ وليست تراثية، فقد بدت تلك الألفاظ غريبةً مقحمةً على الأسلوب والسياق، كأنما وُضعت في مواضعها خصيصاً لجذب انتباه القارئ وحمله حملاً على الاعتقاد بثراء البضاعة اللغوية للكاتب.

– معظم (أحداث) الرواية تدور في داخل نفس الكاتب، فهي تُسمعنا الصدى أكثر من الصوت نفسه، لذلك نجد أن الأحداث والمواقف التي أثَّرت في الكاتب هي مواقف أخلاقيةٌ بسيطةٌ جداً، وشديدة الانتشار في المجتمعات الإسلامية، وربما يمرُّ بها معظمنا مرَّ الكرام، لكن صداها في نفس الكاتب هو ما جعلها مستأهلةً الكتابة عنها ووصفها وتسجيلها للتاريخ.

– رغم كل ذلك، تنبغي الإشارة إلى أن من المغالطة العظيمة اعتبار هذه الرواية فتحاً إسلامياً، أو النظر إليها على أنها تقدِّم صورةً صافيةً صحيحةً للإسلام، ذلك لأننا نلمس فيها خلطاً شديداً لدى الكاتب بين الدين الإسلامي والمجتمع التقليدي الذي عايشه في طفولته، حتى إنه لم يفتأ يرجع بنا إلى وصف مجتمعه التقليدي حتى في أواخر الصفحات، في إشارةٍ منه إلى أن عودته إلى الإسلام تجد جذورها في انتمائه الأصلي للقرية الساذجة، وهنا نلاحظ عند الكاتب ضبابيةً في الرؤية، وخلطاً بين التوحيد والشرك، وتهويناً من شأن التقاليد والأدعية الشركية التي ساقها في روايته بحسبانها جزءاً من التراث الذي عاد إليه بعد غياب، وإني لأعجب شديد العجب من المقرئ الإدريسي الذي لم يشر أي إشارةٍ لهذا الأمر في معرض تقريظه المبالغ فيه للرواية وصاحبها!

– لم يعجبني، إطلاقاً، ما فعله الكاتب في ختام روايته من الحديث على لسان بعض الصحابة الكرام. ووضعُ الأحاديث على لسان الأنبياء والصحابة شيءٌ مرفوضٌ تماماً، فكيف إذا كان ذلك خدمةً لأفكار الكاتب وآرائه السياسية؟ نعم لا يمكن أن يُقبل بحالٍ من الأحوال أن يُنطِق الكاتب صحابياً جليلاً بتوجُّهاته الخاصة، ويزداد الأمر نُكراً حين يكون ذلك بلغةٍ عصريةٍ لا تليق – مهما بلغت – بعصور الإسلام الأولى، ولقد ظللتُ مستمتعاً بالرواية حتى جاءت تلك الفقرات في ختامها فنغَّصت علي قراءتها، خاصةً وأني شممتُ فيها (رائحةً سياسيةً) خبيثةً كانت قد بدأت خافتةً في الصفحات الأولى، ثم فاحت قويةً نافذةً في الصفحات الأخيرة.

رواية (رواء مكة) هي روايةٌ ذاتيةٌ تخفي حمولةً سياسيةً ثورية، ومن الخطأ اعتبارها مرجعاً إسلامياً أو أخذُ ما فيها على أنه تعبير عن صورة الإسلام الحقيقية، وإنما هي أحداث ومواقف وخواطر تخصُّ كاتبها وحده، قد شاركنا إياها مشكوراً، وبلغةٍ عربيةٍ ثريةٍ أنيقةٍ يُستفاد منها، رغم كل ما في السطور وما بين السطور من إشاراتٍ ومواضيع تطرح كثيراً من علامات الاستفهام، وعلامات التعجُّب.

11/07/2019

دروس في التاريخ الإسلامي – محمد الخضري بك

01/07/2019 عند 11:52 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3669

.

كتاب: دروس في التاريخ الإسلامي (من البعثة الشريفة حتى مطلع القرن الرابع عشر الهجري) ~

لمؤلفه: الشيخ محمد عفيفي الباجوري المعروف بالشيخ محمد الخضري بك.

=====

هذا كتابٌ كنت اقتنيته من معرض الكتاب في الدار البيضاء عام 2011، وأتممت قراءته في المخيم الصيفي الذي انقطعت فيه بشكل كلي عن العالم الافتراضي.

استغربت كثيراً عندما لم أجد لهذا الكتاب ذكراً ولا أثراً في الإنترنت رغم تعدد الكلمات المفتاحية التي جرَّبتها، لكني وجدت عدة كتب للمؤلف أكثر تعمقاً وتفصيلاً في موضوع التاريخ الإسلامي.

هذا الكتاب صغير الحجم (333 صفحة بالفهارس)، لكنه مع ذلك يغطي التاريخ الإسلامي منذ البعثة الشريفة وحتى مطلع القرن الرابع عشر الهجري، وهو الزمن الذي عاش فيه المؤلف رحمه الله.

والحق أني استفدت من هذا الكتاب استفادة عظمى، لأنه ببساطته واختصاره البالغ للتاريخ الإسلامي قدَّم لنا مشهداً بانورامياً واضحاً لهذا التاريخ، وصار بوسع من يقرأه أن يضع نصب عينيه تصوراً مبسطاً واضحاً للدول التي تعاقبت على المسلمين في مختلف الأمكنة والعصور حتى مطلع القرن الرابع الهجري، وهذا كما ترون عمل نافع جداً للناشئة والمبتدئين من أمثالنا، وما أحوجنا إلى تكوين الصور العامة المجملة قبل الدخول في الأبحاث المتعلقة بالتفاصيل.

يبدأ الكتاب بحديث مختصر عن تعريف العرب وأصلهم وتاريخهم وطباعهم ومعيشتهم… الخ. ثم ينتقل بنا إلى الحديث عن البعثة النبوية وما بعدها مع لمحات خاطفة من السيرة العطرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبعدها الخلفاء الراشدون، ثم الدولة الأموية بأسرتيها السفيانية والمروانية، مستعرضاً كافة الخلفاء الأمويين حتى آخرهم وهو مروان بن محمد الذي سقط عام 132 هـ.

ثم يأخذنا الكتاب إلى الأندلس مستعرضاً كافة الدول التي تعاقبت عليها، وهي الدولة الأموية ثم العامرية ثم ملوك الطوائف ثم المرابطون وبعدهم الموحدون ثم دولة بني الأحمر، إلى أن سقطت غرناطة على يد الصليبيين عام 896 هـ.

وبعد الأندلس يعود بنا الكتاب إلى المشرق وإلى عام 132 هـ، مستعرضاً كافة خلفاء الدولة العباسية بدءاً من السفاح الذي أسسها وانتهاءً بالمستعصم الذي أهلكه التتار في بغداد عام 656 هـ.

ومن ثم يحدثنا الكتاب عن الدول التي قامت زمن العباسيين وفي إبان خلافتهم؛ وهي (دولة بني بويه)، و(الدولة السلجوقية)، و(دولة آل سبكتكين).

وبعد ذلك يتوجه الكتاب نحو مصر ليحدثنا عن تاريخها بشكل خاص، مستعرضاً إياه منذ الفتح وإلى كافة الدول التي حكمت مصر على طول التاريخ الإسلامي إبان العباسيين وبعدهم؛ وهي (الدولة الطولونية) وبعدها (الدولة الفاطمية) ثم (الدولة الأيوبية)، ثم (دولة المماليك) و(دولة الشراكسة) التي تلتها (الدولة العثمانية) وبعدها دخول الفرنسيين، إلى أن نشأت (الدولة المحمدية العلوية) التي أسسها محمد علي باشا.

وهكذا كما ترون، استعرض لنا الكتاب في صورة بانورامية مجملة ماتعة كل هذا التاريخ الطويل مرتباً بتواريخه وميسراً لمن يريد استيعاب خطوطه العريضة وأحداثه المفصلية، وكل ذلك في عدد من الصفحات لا يتجاوز الثلاثمئة صفحة.

=====

كتاب: دروس في التاريخ الإسلامي.
لمؤلفه: الشيخ محمد الخضري بك.
عدد الصفحات: 333 صفحة.

تم اقتناء الكتاب من معرض الكتاب بالدار البيضاء بتاريخ 13/02/2011.
تم الانتهاء من قراءته بقرية السطيحات نواحي تطوان بتاريخ 14/06/2015.

والحمد لله رب العالمين.

مثل إيكاروس – أحمد خالد توفيق

26/06/2019 عند 18:29 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3663

.

رواية: مثل إيكاروس
لمؤلفها: أحمد خالد توفيق

.

=====

كما هي العادة وكما كان متوقعاً من الكاتب… برهوش! (*)

وقد علمتُ من قراءتي لمراجعات الـ goodreads أني لم أكن وحدي الذي تشاءمتُ من إهداء الكاتب روايته هذه لذلك البرهوش الآخر أحمد مراد، لكن وعلى رأي المثل: البراهيش على أشكالها تقع!

.

“نبيذٌ تالفٌ يغمرك بالهلاوس ولا يجعلك تنتشي!”

عبارةٌ من متن الرواية أراها خير ما يصف الرواية… وهذه المرة جاءنا الكاتب يلبس مسوح الحكيم الذي ينطق بالعبارات المبهمة التي تحذِّر البشرية من الكوارث والأخطار والويلات القادمة عما قريب، لأنه (ارتقى إلى أعلى الجبل) ورأى إلى البعيد الذي لم يره الآخرون! كُشفت له حُجب الغيب كلُّها وصار يقرأ في السجلَّات والألواح المحفوظة خبر ما كان وما هو كائنٌ وما سوف يكون!

وحتى نعرف مستوى (السَّفاهة) الذي انحطَّت إليه هذه الرواية فإني أخبركم أن قصتها تقوم على أن بطلها (محمود السمنودي) قد عثر على مجلداتٍ من كتب السحر توارثتها أسرته ولم يعبأ بها أحدٌ سواه، ثم وما إن استغرقتْه قراءتُها حتى طرأت عليه التغييرات الناشئة عن استقباله لطاقةٍ غامضةٍ عظمى، فإذا به وقد كُشفت له أستار الغيب وصار ينظر إلى الماضي والحاضر والمستقبل، ويلقي (نبوءاته) بعباراتٍ غامضةٍ متكلفةٍ على طريقة مخابيل المشعوذين!

ولو لم يكن من أمر الرواية إلا أنها مبنيةٌ على فكرةٍ تافهةٍ كهذه لاستحقت بذلك وحده إلقاءها في أقذر زاويةٍ من مكبِّ النفايات، فماذا إذاً لو أخبرتكم أن مما رآه (محمود السمنودي) من مشاهد المستقبل البعيد أن حكم الأرض سيؤول للصراصير، وأن الوجود البشري سيصير مضمحلاً مهدداً بالانقراض، لأن نوع الصراصير تطوَّر وصار حاكماً لكوكب الأرض؟!

فتصوروا إذاً هذا الدرك الهابط الذي انحطَّ إليه خيال الكاتب، وانظروا إلى هذا الاستخفاف بالعقول الذي يصل لدرجة استحمار القارئ ومخاطبته على أساس أن له أذنين طويلتين وعقلاً بحجم حبة الفول…

لست ضد الخيال الروائي والخيال العلمي والخيال الموجه للأطفال، لكن الخيال أيضاً له قواعد وأخلاقياتٌ يجب أن تُحترم وتُراعى، وما قدمه الكاتب في مهزلته الروائية هذه هو أدنى وأحقر حتى من أن يستحق تصنيفه ضمن أي نوعٍ من أنواع الخيال، الروائي أو العلمي أو حتى الخيال الموجه للأطفال!

وغنيٌّ عن الذكر أيضاً أن الكاتب كان يقصد نفسه بـ (محمود السمندوري) – أو أياً كان اسمه -! وليست هذه هي المرة الأولى التي يحاول فيها التظاهر بأنه حكيم زمانه وأنه جاء إلى هذا العصر لينذر البشرية بالويلات القادمة التي ستنسفها نسفاً! إنها تلك اللعبة السمجة (التظاهر بالحكمة) التي يحبُّ الكاتب ممارستها ليتيه على المراهقين، ومن أسفٍ أنه يجد في عقولهم الضحلة وأذواقهم النيِّئة مجالاً خصباً يرتع فيه بسخافاته وترَّهاته، ويستخلص من جيوبهم ما قدر على استخلاصه من الملاليم والجنيهات!

فيا له من غرورٍ مريضٍ ذاك الذي جعل الكاتب يشبِّه نفسه بإيكاروس، حين اقترب من شمس الحقيقة أكثر مما ينبغي فاحترق جناحاه! وأي حقيقةٍ باهرةٍ تلك التي اقترب منها الدكتور (إيكاروس خالد توفيق)؟! إنها (حكم الصراصير للأرض بعد أن تطورت وأوشك البشر على الانقراض)!!!

ويا له أيضاً من مستنقعٍ آسنٍ قذرٍ ذلك العقل الذي أفرز كل هذا القدر من السوداوية المريضة، وكأنه لا بد من الإسراف في التشاؤم المرَضي كي نبدو حكماء! أو كأنه لا بد لنبدو بمظهر المستبصرين للمستقبل أن نخاطب الناس بلهجة التنفير والتحذير والنذير بالويل والثبور والجحيم الأسود الذي سيجتاح البشرية عما قريب!

لقد أكَّد الكاتب في روايته هذه ما أثبته في روايتيه السابقتين من أن عقله مزبلةٌ عظمى منتنة الريح، وأن المداد الذي خُطَّت به هذه الرواية قد قُطِّر هو أيضاً من (عصارة الأزبال) العفنة تلك.

وأما المرأة فقد كان له معها في هذه الرواية شأنٌ وأي شأن! فقد اخترع شخصية (سلوى عمران) ليمثِّل بها كل أنثى على وجه الأرض، ثم عمد إلى تفريغ أحقاده المريضة في هذه (الأنثى) ببذاءةٍ وعنفٍ شديدين، حتى ليخيَّل إليك أن صدر الكاتب كان عامراً بالسباب والشتائم والكراهية التي كان يودُّ تفريغها في الأنثى كل أنثى، فاخترع لهذا الغرض (سلوى عمران) بصفتها نموذجاً أنثوياً قياسياً، ثم صبَّ عليها جام كراهيته وحقده وبذاءته وشتائمه بأسلوبٍ همجيٍّ وضيعٍ لا يتردَّى إليه إلا من لا خلاق له.

.

رواية (مثل إيكاروس) لمؤلفها (إيكاروس خالد توفيق)، لو كانت بين يديَّ لما أرضاني إلا أن أطوِّح بها – وباحتقارٍ شديد – نحو مزبلة الكتب والروايات التافهة المنحطَّة، لتستقر في زاوية تلك المزبلة بجوار أختيها (يوتوبيا) و(السنجة).

وستكون هذه – بإذن الله – قراءتي الأخيرة لهذا الكاتب خارج السلسلتين، فليس مما يسرُّ الإنسان أن يفني ساعاتٍ من عمره قرب بركةٍ آسنةٍ متَّسخة تفوح منها أقذر الروائح التي يمجُّها ويشمئزُّ منها كل ذي ذوقٍ سليم!

05/08/2016

===

(*) البرهوش: لفظة من العامية المغربية معناها (الطفل) بلهجة قدحية.

السنجة – أحمد خالد توفيق

26/06/2019 عند 18:21 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3661

.

رواية: السنجة
لمؤلفها: أحمد خالد توفيق

.

=====

ما سأقوله عن هذه الرواية هو امتدادٌ لما قلته بالأمس حول رواية (يوتوبيا)، ذلك لأنها أيضاً تنتمي لصنف (القاذورات الأدبية) الملفوفة في غلافٍ والمعروضة للبيع!

ويبدو أن أحمد خالد توفيق قد أعجبته فكرة تدمير رصيده السابق من احترام القراء له بسبب سلاسله الروائية، وأبى إلا أن يصرخ بأعلى صوته محاولاً إثبات أنه بدوره قادرٌ على أن يكون (قذراً) مثل غيره من الكتاب الوسخين…

وكأنه قد ساءه أن يظل محصوراً في خانة (الأدب النظيف) فأراد أن يثبت (جدارته) في (الأدب الوسخ)، وأنه يستطيع أن يكون جريئاً ووقحاً وسوقياً كما يليق ببلطجية الروايات الذين ملؤوا الأسواق وسيطروا على الساحة الأدبية في عالمنا العربي.

أتعرفون ذلك الطفل الذي تطرأ عليه مرحلة المراهقة على حين غرة؟ فيحاول أمام أصدقاء الحي أن يثبت (رجولته) وأنه قويٌّ مثلهم وشاطرٌ وقادرٌ على الأذى والإيذاء، فيقوم بتمزيق ملابسه والتمرغ في الوحل وافتعال الشجارات وإيذاء الجيران والمارة، ويتعلم السباب والشتائم والكلمات البذيئة والألفاظ النابية، ويظل يرددها في كل مناسبةٍ ليظهر أنه يعرفها ويستعملها، ثم يتعلم التدخين ويمسك بالسيجارة منتشياً وهو ينفش صدره ويلقي على الآخرين نظرةً علويةً مفتخراً بهذا (الإنجاز الرجولي) العظيم!

لا شك أنكم جميعاً قد رأيتم أطفالاً من هذا النوع في بداية سن المراهقة… فهذا بالضبط ما ينطبق على الكاتب في روايته هذه وغيرها!

انظروا إلي! أرأيتموني؟! أنا لست صبياً مهذباً كما كنتم تظنون، أنا أيضاً قادرٌ على أن أكون سوقياً وبذيئاً مثل بقية الأدباء! أرأيتم؟!

هذا كان لسان حال هذه الرواية والتي قبلها، وهو ما يثبت أكثر أن الكاتب أبدى مستوى (مبرهشاً) إلى حدٍّ كبير، بحيث لا تستحق هذه (السنجة) مكاناً أفضل من أقرب مكبِّ نفايات، جنباً إلى جنب مع مثيلاتها من الأزبال الأدبية التي تتكاثر في مكتباتنا كالأورام السرطانية والطفيليات السامة…

19/06/2016

يوتوبيا – أحمد خالد توفيق

26/06/2019 عند 18:14 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3662

.

رواية: يوتوبيا
لمؤلفها: أحمد خالد توفيق

.

=====

كنت قد راكمتُ كمية لا بأس بها من الاحترام والتقدير لهذا الكاتب بسبب سلسلتيه الممتعتين (سافاري) و(ما وراء الطبيعة)، وأردت – بدافع حب الاستطلاع – أن أخرج من أسوار السلسلتين وأطلع على رواية أخرى للكاتب، ولسوء الحظ كانت هذه (القذارة الأدبية) هي أول ما وقع في يدي!

رواية كانت نتيجتها أنها هوت بجزء عظيم من الاحترام الذي كنت أكنه لكاتبها، وبسببها بدا لي مجرد (برهوش) تافه سطحي مبتذل، وأصدق وصف للرواية هو ما كتبه أحدهم في مراجعته لها حين قال: “رواية تخاطب جيوب المراهقين وليس عقول الناضجين.”

يزعم الكاتب في (قيئه الأدبي) هذا أنه يقدم رؤية مستقبلية لمصر في عام 2023، وهو ما جعل البعض يدافع عن الرواية باعتبارها ضمن صنف (ما بعد الكارثة) أو (آبوكاليبس)، والحق أنها بعيدة كل البعد عن أن تكون (رواية) أصلاً، فضلاً عن أن تندرج تحت أي تصنيف روائي كيفما كان…

بلغة ضعيفة جداً، وبإغراق مقزز في السوقية والابتذال والبذاءة والقذارة اللغوية، يستعرض الكاتب مجموعة من الأحداث التافهة التي لا يربط بينها أي رابط قصصي معتبر، وإنما الهدف الأول – والوحيد ربما – هو إثارة مشاعر التقزز والاشمئزاز في نفس القارئ إلى أقصى حد ممكن، وهو ما أشهد أن الكاتب قد نجح فيه عن جدارة واستحقاق لا مثيل لهما!

أن تتخيل بلدك بعد سنوات على أسوأ حال من القذارة، ثم تتفنن في وصف تلك القذارة بأسلوب بالغ الانحطاط، هو أمر لا يدل – إن دل – إلا على أن الكاتب قد أفرغ بعض صديد نفسه على الورق ثم لفه في غلاف وباعه للقراء!

ويا لها من دناءة أن يفعل كاتب شيئاً كهذا، لكنه فعله ويا للأسف…

18/06/2016

العبرات – مصطفى لطفي المنفلوطي

23/06/2019 عند 21:31 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3651

.

المجموعة القصصية: العبرات
لمؤلفها: مصطفى لطفي المنفلوطي

.

=====

كان كتاب (العبرات) من أوائل الكتب التي قرأتُها في طفولتي المبكرة، وكان – إلى جانب كتاب (النظرات) – هو البوابة التي دخلتُ عبرها إلى عالم الأدب، وإني لأحمد الله أن تفتَّح وعيي الأدبي أول ما تفتَّح على المنفلوطي، فإن للبوابة الأولى التي يلج الإنسان عبرها إلى الأدب أثراً عظيماً لا يزايله مهما تقدم به العمر ومهما تعدَّد اطِّلاعه وتشعَّبت قراءاته، ذلك أن القراءات الأولى تشكِّل في وعي الإنسان (نقطة مرجعية) هو ولا بدَّ عائدٌ إليها في تقييمه لكل ما سيقرأ بعدها، فهو لا يفتأ يقيس عليها ويقارن بها، ويعتدُّها – واعياً أو غير واعٍ – نقطة الارتكاز التي يتوازن عليها مهما تمايل هكذا وهكذا، ذات اليمين وذات الشمال.

ولقد أعدتُ قراءة (العبرات) فكأن الزمن قد طوي وكأني عدتُ إلى تلك الطفولة المبكرة، فإذا بي أتذكر وأتخيل القصص والمشاهد الموصوفة كما كنتُ أتخيلها في قراءتي الأولى، بيد أني نظرتُ إليها في عمري هذا نظرةً تختلف عن نظرة الطفل الذي لم يقرأ غيرها، ثم ذهبتُ أطلع على آراء الناس فلم أكد أجد في معظمها غير السخرية والاستهزاء بتلك القصص المأساوية الساذجة، والتي لا يُتصوَّر حدوث مثلها في عصرنا هذا ولا في أي عصر قبله.

وإني لأتفهم هذه الآراء المعاصرة الشائعة في كتابات المنفلوطي التي صارت متجاوَزة تماماً، شكلاً ومضموناً، بمقاييس عصرنا هذا الذي تختلف روحه اختلافاً جذرياً عن عصر المنفلوطي وما قبله. واختلافُ روح العصر ينعكس ولا بدَّ على الأساليب المتبعة في التعبير على الأفكار والمشاعر، فكتاب (العبرات) مثلاً يضمُّ مجموعة قصص بعضها موضوعٌ وبعضها مترجم، ولولا الأسماء الأجنبية لما أمكن التمييز بين القصص الموضوعة والمترجمة، إذ يؤلِّف بينها أسلوب المنفلوطي المتفرِّد إضافةً إلى انتمائها للتيار الأدبي الرومانسي الذي كان شائعاً في أوروبا آنذاك.

ثم تغيرت الدنيا تغيراً جذرياً وتغير الأدب معها، فصار كتابٌ كـ (العبرات) في ميدان الأدب أشبه بقطع (الأنتيكة) في عالم الأثاث، نتأملها بإعجاب وربما بانبهار، ونتنسَّم فيها عبق الماضي الجميل المفقود، لكننا في النهاية ننظر إليها بتعال، ولا نأخذها على محمل الجد ولا يفكر أحدنا في استحيائها والعودة لاستعمالها، وإنما تظلُّ قطعاً للزينة والتأمل لا أكثر.

يغلب على قصص (العبرات) طابعٌ كئيبٌ مفرطٌ في سوداويته، حتى إنك لتشعر أحياناً أن الكاتب يلوي عنق الأحداث لياً كي ينتهي بها نهايةً مأساوية، وفي رأيي أن النهاية المأساوية الحقيقية هي أن قصص (العبرات) بعد أن كانت مضرباً للمثل في قدرتها على استدرار الدموع واعتصار الكآبة في قلب القارئ، فإنها صارت اليوم شيئاً أقرب للكوميديا! وإني لأقرأ المشهد في القصة يُفترض أنه يمزِّق نياط القلوب، فلا يثير فيَّ إلا الابتسام والضحك! ولا سيما حين أقرأ الجملة المنفلوطية الشهيرة التي تتكرر في كل قصصه، وربما تكررت أكثر من مرة في القصة نفسها: (وصرخ صرخةً عظمى ثم سقط مغشياً عليه)!

وليس شيءٌ من ذلك لأن القلوب قست، ولكن لأن انفعال الإنسان المعاصر بالأدب يختلف عن انفعال الإنسان القديم، واليوم قد تصدر رواياتٌ مبكيةٌ لكنها حتماً لن تكون كـ (العبرات) ولن يكون أسلوبها كأسلوب المنفلوطي.

على أنني وإن وجدتُ نفسي أنساق وراء موجة الضحك والسخرية من قصص (العبرات) وأسلوب المنفلوطي عموماً، إلا أن ذلك – علم الله – لا ينطوي على شيء قليل ولا كثير من التنقُّص أو الازدراء، وفي رأيي أن الذين يسخرون من (العبرات) وكاتبها إنما قرؤوها منتظرين أن يجدوا قصصاً تصف الواقع كما هو، فلذلك وقعوا في المقارنة بين الموصوف في القصص والواقع المُعاش، وكان المفروض أن تُقرأ (العبرات) على أنها قصصٌ (فانتازية) لها قانونها الخاص القائم بذاته، وباستيعابنا لهذا القانون نستطيع أن نُدخل أنفسنا في جوِّ القصص تماماً كما ندخل في جوِّ أيِّ رواية خيالية أو مسلسل فانتازي نشاهده.

هذا ومكانة المنفلوطي محفوظةٌ لا يُنال منها، وأياديه البيضاء على الأدب أعظم من أن تُنكر، وحسبه فضلاً أنك إلى يوم الناس هذا لا تسأل كاتباً ولا روائياً ولا أديباً عن بداياته إلا ويجيبك بأنه دخل الأدب من باب المنفلوطي، وأن هذا الرجل هو الذي حبَّب إليه القراءة ورغَّبه فيها، وقدح فيه من ذلك رغبة الكتابة، وما زلنا إلى اليوم لا يُذكَر الأدب العربي المعاصر إلا ويُذكر المنفلوطي في كبار روَّاده بل في أوائل مؤسِّسيه.

وأختم بهذه الملاحظات الطريفة الباسمة التي قيَّدتُها أثناء قراءتي للعبرات، وفيها توصيفٌ عامٌّ لملامح أسلوب المنفلوطي الذي طبع كل نتاجه الأدبي من القصص القصيرة والروايات الموضوع منها والمترجم:

– كل القصص قصص حبٍّ عنيفٍ تنتهي نهايةً مأساوية.

– كل القصص تنتهي بالموت، يموت البطل وتموت البطلة، ولو كان هناك راوٍ خارجيٌّ للقصة فسيموت هو أيضاً!

– كل الشخصيات تمرض مرضاً شديداً وتقع طريحة الفراش حين يُحال بينها وبين من تحب.

– كل الشخصيات تصرخ صرخةً هائلة وتقع مغشياً عليها حين تتلقى صدمةً عاطفيةً أو خبراً مؤلماً.

– ليس هناك حواراتٌ قصيرةٌ بين الشخصيات، الحوار هو عبارةٌ عن خطبٍ مطوَّلةٍ تلقيها كل شخصية على مسامع الأخرى، وبلغة عربية شديدة الفصاحة والبلاغة، بل قد تتخلَّلها أبيات شعرية!

– الشخصيات حين تبكي لا تكتفي دموعها بالسيلان على الخدود فقط، بل تنهمر انهماراً وتسقي تربة الأرض (في إحدى القصص انصرفت شخصيةٌ باكيةٌ فأتى الراوي إلى مكانها فوجد تراب الأرض مخضلّاً بدموعها)!

21/06/2019

الصفحة التالية «

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.