المغالطات المنطقية – عادل مصطفى

18/07/2020 عند 12:05 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: المغالطات المنطقية

لمؤلفه: عادل مصطفى

صدر عام: 2007

.

=====

يُعدُّ كتاب (المغالطات المنطقية) أحد أهمِّ المراجع العربية التي تناولت أساليب التفكير العقلي وطرائق الاستدلال المنطقي، وكان الدافع إلى تأليفه -كما صرَّح بذلك الكاتب- ما يراه من الانتشار المهول للمغالطات المنطقية في أحاديثنا اليومية وأساليب تفكيرنا وتعاملاتنا الخاصة، وكذا في الإعلام والإعلان والسياسة وشتى مناحي الحياة، فكان هذا الكتاب إسهاماً منه في بيان أساليب الاستدلال السليمة وفرْقِ ما بينها وبين المغالطات المنطقية، وذلك نحو مزيد من صقل العقول وتجويد الأفكار وتحسين طرق التفكير والاستدلال بما يرتقي بالإنسان إلى آفاق أوسع من الوعي بالذات والواقع، ومن ثمَّ إلى مزيد من الاعتدال في الفكر والسلوك.

يضمُّ الكتاب أكثر من ثلاثين مغالطة منطقية تناولها الكاتب بالشرح والتفسير المرصَّع بالأمثلة الميسِّرة للفهم، ولقد كان إبحاري في صفحات هذا الكتاب واحدةً من أجمل التجارب القرائية التي مررتُ بها في حياتي، وذلك لأن الكاتب جمع إلى جمال الموضوع وأهميته سلاسة الشرح وتبسيط الطرح، إضافة إلى أسلوب لغوي شديد العذوبة يرقى إلى أن يكون أسلوباً أدبياً بالغ الإمتاع. فهو إذن كتاب فكري كُتب بأسلوب أدبي، واستطاع أن ينزل بموضوع معقد إلى مستوى يتيح فهمه لكل الأطياف الثقافية والفكرية.

وفيما يلي بعض الملاحظات والخواطر التي خرجتُ بها من الكتاب:

⁃ ينبغي على قارئ هذا الكاتب أن يكون واعياً بأنه لا يقدم الفرق بين صواب (الفكرة) وخطئها، وإنما الكتاب يُعنى بصواب (الاستدلال) من خطئه. بمعنى أن الفكرة قد تكون صحيحةً تماماً لكن الاستدلال عنها استدلالٌ مُغالِط، والاستدلال المُغالِط ثغرة تتيح للخصم إسقاط الفكرة وإظهارها بمظهر التهافت، ومن ثمَّ فالعناية بقوة الاستدلال وتبرئته من المغالطات المنطقية خير وسيلة للانتصار للفكرة وتجلية وجه الحق.

⁃ مهما أمعن الإنسان في دراسة المغالطات المنطقية، فإن نجاته منها أمر مستحيل قطعاً. وقوع الإنسان في التفكير المُغالط حتمية لا مفر منها، والهدف من دراسة المغالطات إنما هو فقط محاولة التقليل منها عبر زيادة الوعي بها، أما البراءة التامة منها فمعناها ارتقاء التفكير الإنساني إلى مستوى يفوق القدرة البشرية، إلى الحياد الكامل والموضوعية المطلقة، إلى مستوى يمكن أن نصفه بأنه (إلهي)، وذلك مستحيل بطبيعة الحال لأن الإنسان ليس إلهاً ولن يكون.

⁃ تنبع المغالطات المنطقية من الأهواء المتأصلة في صميم التكوين البشري، ولا يخلو إنسان من هوى أبداً، ومن ثمَّ فوقوعه في المغالطة المنطقية، لتبرير هواه أمام عقله وضميره، ولو بشكل غير واعٍ، حتمٌ لا مفرَّ منه.

⁃ انتقد بعضهم في الكتاب اشتمالَه على مغالطات منطقية شديدة التشابه، ما يجعل التمييز بينها أمراً عسيراً. وهذا الانتقاد في رأيي لا وجه له، لأن المغالطات المذكورة في الكتاب، مهما تشابهت، فإن بينها فروقاً دقيقة تجعل من كل واحدة منها مغالطة مستقلة بذاتها ولها اسم مختلف، وتطرُّقُ الكاتب إليها مع بيان الفروق الدقيقة بينها هو مما يُحسب له لا عليه.

⁃ انتُقد في الكتاب، أيضاً، خلوُّه مما يدعم (الهوية الإسلامية)، ومما يردُّ شبهات الملحدين، بل على العكس من ذلك، قيل بأن الكتاب قدَّم للملاحدة سلاحاً سهلاً لمهاجمة الإسلام، ورمي المسلمين بالوقوع في المغالطات المنطقية في استدلالاتهم على عقائدهم. وتعليقاً على هذه النقطة أقول بأن من الواضح في أسلوب الكاتب ميلُه نحو الحياد المطلق والتجرُّد التام من كل معتقَد إلا التفكير المنطقي وحده، فضلاً عن تبعيته الفكرية الواضحة للفلاسفة الغربيين، وهو ما جعل الكتاب في عرضه للمغالطات المنطقية كتاباً (محايداً)، بل تغلب عليه النزعة المادية، لا ينتصر للإسلام ولا للإلحاد ولا لأي شيء آخر إلا الاستدلال العقلي السليم، وبذلك فهو لا يقدم للملاحدة سلاحاً لمهاجمة الإسلام إلا بقدر ما يقدم للمسلمين سلاحاً لمهاجمة الإلحاد. بمعنى أنه كتابٌ يُعنى بـ (أدوات التفكير) أكثر مما يُعنى بالأفكار ذاتها.

⁃ كنت أتمنى لو أن الكاتب أبدى ارتباطاً أكثر بهويته الإسلامية، لا سيما وأن له أسلوباً أدبياً يدلُّ على سعة اطلاعه على الآداب العربية والتراث الإسلامي، لكن تعلُّقه بالنزعات الفلسفية المادية كان هو الغالب عليه مع الأسف، وستظهر تلك النزعة بشكل أكثر وضوحاً في كتابه القادم (الحنين إلى الخرافة).

وفي الختام أقول، بأن نواقص الكتاب وما انتُقد فيه، بالحق أو الباطل، لا ينفي كونه واحداً من أجمل الكتب التي يُمكن قراءتها، وأكثرها حفولاً بالفوائد العلمية والمنطقية المقدَّمة بطريقة ميسَّرة، وبأسلوب أدبي عذب جعل من تجربة قراءته متعة حقيقية لا تُنسى.

#أنس_سعيد_محمد

#المغالطات_المنطقية

18/07/2020

كافكا في طنجة – محمد سعيد احجيوج

13/07/2020 عند 09:22 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: كافكا في طنجة

لمؤلفها: محمد سعيد احجيوج

صدرت عام: 2020

.

=====

أول ما يلفت الانتباه في هذه الرواية عنوانُها الموحي، ووجه الإيحاء فيه اشتمالُه على لفظتين مثيرتين للاهتمام وربما للفضول: (كافكا) و(طنجة).

أول ما يتبادر إلى الذهن حين تُقرأ لفظة (كافكا)؛ العوالم الكابوسية المظلمة للكاتب التشيكي (فرانز كافكا)، وأول ما يرد على الخاطر حين تُقرأ لفظة (طنجة) مدينتنا المغربية التي تعوَّدنا أن نرى هيام الأدباء بها حباً. فهي إذن مشاعر من التوجُّس والتناقض تخطر لنا حين نقرأ عنوان الرواية (كافكا في طنجة)، وهو عنوانٌ منذرٌ بشيء غير مريح ما سيمسُّ -مساً أدبياً- مدينة طنجة، وستكون لذلك الشيء علاقة ما بـ (كافكا) ومفرداته المقبضة التي تُعدُّ (الحشرة الآدمية العملاقة) واحدةً من أشهرها.

أيضاً، من الظلال التي يلقي بها العنوان (المتناقض) على الذهن ما قد نتوقعه من رواية تنتمي إلى ما يمكن أن نسميه (الأدب الطنجي)، وإنه لمما يدعو للأسف الشديد أن مدينةً مثل طنجة بمكانتها العالمية المتميزة -تاريخياً وحضارياً وسياحياً- لم تحظ حتى الآن بمحاولات روائية جادة من أبنائها، ما يجعل الحضور الأدبي لطنجة في المشهد العربي باهتاً ضامراً بشدة، حتى إن كل ما نراه من حولنا -في الوقت الحالي- محاولاتٌ صبيانيةٌ موغلةٌ في الضحالة والسطحية، عاريةٌ عن أية قيمة أدبية تُذكر، ومكتفيةٌ اكتفاءً تاماً بالتغني بأمجاد الماضي (حقيقيةً كانت أم متوهَّمة)، والتغزُّل المفرط غير العقلاني بالمدينة، إضافةً إلى ما تتَّسم به من التقوقع الشديد على الذات والشوفينية المرَضية، والأسلوب الكسيح المفتقر لأبسط أبجديات البلاغة العربية. فهل تعزف رواية (كافكا في طنجة) على نفس هذه النغمة النشاز؟ وهل هي امتدادٌ رتيبٌ آخر لذلك اللحن الممل المكرور؟

لكأنَّ عنوان الرواية نفسه يهمس لنا مجيباً عن هذا السؤال بـ: لا. ولكأنَّه يعِدنا بنغمة أدبية جديدة ننظر من خلالها إلى طنجة نظرة مغايرة لما تعوَّدنا عليه في بقية المحاولات الأدبية الضحلة. ويأتي متن الرواية ليؤكد لنا ما وعدَنا به عنوانها، ولنكتشف عبر فصولها وبين سطورها زاوية أخرى للرؤية، ومعالجة أدبية جديدة على مستوى الشكل والمضمون، حيث يقف بنا المسخ الكافكوي الطنجي في أعلى سطح بناية في المدينة، ثم يهبنا -بحيلة سحرية ما- قدرة خارقة على الإبصار البانورامي الشامل المخترق للمسافات والجدران، ليعرِّي لنا واقعاً اجتماعياً أليماً لعله لا يقل إظلاماً وكابوسية على عوالم (كافكا) نفسه…

الرواية صغيرة الحجم، يمكن إنهاؤها في جلسة واحدة أو جلستين، وهي تستعير استعارةً صريحةً مباشِرةً حبكة الرواية الكافكوية الشهيرة (التحول)، مع تغيير غير جوهري في نوعية انمساخ البطل، ثم إنها تسلط لنا الضوء -بعد ذلك- على انعكاس ذلك (الانمساخ) على الأسرة الصغيرة التي يعيش البطل في كنفها، ثم ننتقل إلى زاوية أعرض للرؤية بحيث تتكشَّف لنا قبائح اجتماعية وأخلاقية كثيرة، ويماط اللثام عن ظواهر أليمة ما هي في الواقع إلا أعراضٌ لأمراض متأصلة في المجتمع كالفقر والظلم والاستغلال، وفي النفس البشرية كالطمع والأنانية والخيانة وغير ذلك…

ظلَّت الرواية محافظةً على غموضها، إذ لم نعرف قطُّ سبب انمساخ البطل، كما أن مصيره النهائي ظلَّ غامضاً رغم التطرق له بشكل عابر لا يشفي الفضول.

أسلوب الرواية يتميز بموضوعيته ودقَّته، وهو على جانب من رشاقة العبارة والقدرة على الاختصار وأداء الفكرة بكلمات قليلة كافية، لكنه يفتقر للصور الشاعرية والزخرفات البلاغية، وهو -في الحقيقة- افتقارٌ لم يضرَّ الرواية في شيء لأن أسلوبها الذي كُتبت به جاء ملائماً تماماً لمضمونها، مفصَّلاً على مقاس أجوائها وما تهدف إلى قوله ومصارحة القارئ به.

اختيار عناوين الفصول من أسماء الروايات الشهيرة كانت فكرة جميلة وموحية، وقد رأيتُ هذا الاختيار الفني الموفق في روايتين مغربيتين أخريين سيأتي الحديث عنهما قريباً إن شاء الله.

حاول الكاتب الخروج عن المألوف في شخصية الراوي، فرغم أن الضمير هو ضمير الغائب إلا أن ثمة جانباً ذاتياً للرواي تمت الإشارة إليه في بداية الرواية، إذ أوحى لنا الكاتب بأن روايته تُحكى على لسان كائن شيطاني غامض عابر للعصور، لكن هذه الإشارة ظلَّت مقتصرة على الصفحات الأولى فقط، وسرعان ما تُنسى مع توالي الأحداث، لذلك كان من الأفضل أن يعود الكاتب -بطريقة ما- للإشارة إلى الكيان الشيطاني الغامض للراوي المجهول، وذلك حتى يتذكره القارئ، ولا ينساق مع الأجواء الكلاسيكية المعتادة لـ (الراوي العليم) المجهول المحايد.

يُذكر أيضاً أن الفصول المعنونة بـ (الأيام)، رواية طه حسين الشهيرة، قد كُتبت بضمير المتكلم، في تنويعة موفقة أيضاً لأسلوب الراوي العليم.

وأما فيما يخص الانتقادات؛ فإن أول ما خطر ببالي منها ردود أفعال أفراد الأسرة بعد أن اكتشفوا كارثة (الانمساخ) التي حلَّت بالبطل، وهي ردود أفعال بدت باردة إلى حد كبير، ولا تليق بالحجم الكارثي الهائل للواقعة، حتى إن معظمهم عادوا يتصرفون وفقاً لما اعتادوا عليه في حيواتهم اليومية بسرعة فائقة، وحتى دون أن يُهرَعوا لإسعاف البطل ومعرفة ما حلَّ به. نعم كانت هناك تفسيراتٌ لما حدث بالسحر ومحاولاتٌ لعلاجه بالشعوذة، لكنها جاءت متأخرة وفي جو عام من الاستسلام السلبي المستحيل في الواقع. إن حدثاً كارثياً بذلك الحجم كان يستحق ضجيجاً أكبر وهستيريا نسائية -ورجالية أيضاً- أعظم بكثير مما تمَّ وصفه في الرواية.

وأيضاً، كان ثمة في الرواية من الأوصاف ما يهدف لإثارة اشمئزاز القارئ، وبعض تلك الأوصاف -مثل ما صار يشربه المسخ- لم يكن لها داعٍ على الإطلاق، إذ إن بوسع الكاتب أن يؤدي المعاني الكابوسية المظلمة دون مبالغة في إثارة اشمئزاز القارئ.

نلاحظ أيضاً حضور الرواية الأصل (التحول) في روايتنا هذه، وقد روى لنا الكاتب ملخَّصها بطريقة مباشرة (حرقتها) على من لم يقرؤوها بعد، لذلك كان من الأفضل برأيي الاكتفاء بالإشارة البعيدة إليها دون روايتها كاملة وكشف نهايتها للقارئ.

ومما انتقدته أيضاً في الرواية تحوُّلها عن موضوعها الأساسي إلى قصص جانبية لا تفيد حبكتها في شيء رغم أخذها مساحة كبيرة من صفحاتها، لا سيما وأن ذلك كان على حساب منعطفات جوهرية لم تأخذ حقها الكافي من الوصف، ما أوقع الرواية في خلل درامي (التطويل في قصص جانبية مع الاختصار في القصة الرئيسة). وأعني هنا تحديداً استرسال الكاتب في سرد قصة حياة والد البطل، مسلطاً عليه بذلك من الأضواء ما لم يحظى به البطل نفسه، لا سيما وأن نهاية البطل جاءت مختصرة وغامضة لا تروي فضول القارئ.

لستُ ضد القصص الجانبية والاسترسال في الوصف والسرد، لكن ينبغي أن يكون ذلك بحيث يُحفظ للرواية توازنُها، وبحيث تحظى كل شخصية (رئيسية أو ثانوية) بحضور يناسب حجمها وأهميتها في الرواية. ولقد كانت الرواية قصيرة من أساسها، قليلة عدد الصفحات، لذلك كان بوسع الكاتب أن يسترسل أكثر في توصيف مصير البطل، لأنه يظل في النهاية (البطل) ويجب أن يظل دائماً في مركز الضوء لا سيما في النهاية.

وفي الختام أعود إلى ما بدأتُ به هذه المراجعة، وأقول بأن رواية (كافكا في طنجة) تشكل (تحولاً) جوهرياً في نمطية الأدب الطنجي، وهو تحوُّلٌ صحيٌّ ومطلوبٌ جداً، لا سيما في زمن الانفتاح على العالم والتعامل مع دور النشر التي تضمن الانتشار الواسع في مكتبات العالم العربي. ولأنها أول رواية منشورة للكاتب فإني أعدُّها خطوةً أولى في طريق صحيح، وأؤكد كذلك على أني متفائلٌ بجديد الكاتب، ومراهنٌ على قدرته المساهمة في نقل الأدب الطنجي من التقوقع النوستالجي والشوفينية المرَضية إلى آفاق أرحب وأكثر نضجاً وانفتاحاً على الذات وعلى العالم…

#أنس_سعيد_محمد

#كافكا_في_طنجة

12/07/2020

صائد اليرقات – أمير تاج السر

13/06/2020 عند 12:07 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: صائد اليرقات

لمؤلفها: أمير تاج السر

صدرت عام: 2010

.

=====

رواية (صائد اليرقات) لمؤلفها السوداني (أمير تاج السر)، ابن أخت عبقري الرواية العربية (الطيب صالح).

رواية صغيرة الحجم لا يتجاوز عدد صفحاتها 150 صفحة، تحكي قصة مخبر سابق أحيل على التقاعد بعد أن تعرَّض لحادث مهني أفقده ساقه، ما اضطره للاعتماد على ساق خشبية (بذيئة). يقرر المخبر السابق (عبد الله حرفش) أو (عبد الله فرفار) أن يكتب رواية! هكذا وقعت الفكرة على رأسه دون مقدمات فاستولت عليه، فاندفع إلى عالم الأدب -دون أي خبرة سابقة- باحثاً عن أفكار وشخصيات يكتبها، وتقرب من المحيط الخاص بأحد الروائيين ليدرس الأدب والأديب، وليقع على (الخلطة السحرية) التي يقوم بها الكتَّاب لتأليف رواياتهم. وهكذا تمضي الرواية في مجموعة من المنعطفات الدرامية والمواقف الطريفة والمفارقات المضحكة، لتنتهي نهاية ساخرة وإن كانت متوقعة ويسهل التنبؤ بها.

الرواية هي ضربٌ من (الكوميديا السوداء)، مفعمةٌ بالمشاهد الهزلية المضحكة، لكنها تنطوي رغم ذلك على انتقاد قاس لحالة (الاستسهال الأدبي) المتفشية، وأيضاً لعلاقة السلطة بالأدب ولأسلوب التفكير السلطوي بشكل عام.

اعتماد الكاتب في السرد على ضمير المتكلم كان موفقاً جداً، لأنه أتاح لنا أن نتجول في الأعماق النفسية لشخصية (مخبر الشرطة)، وأن نعرف كيف تفكر هذه الفئة من الناس وكيف تنظر إلى الآخرين بل وإلى الحياة عموماً. لقد أجاد الكاتب تقمص شخصية (رجل السلطة) المُفاصل للناس والمجتمع، والذي ينظر إليهم نظرة متعالية مفعمة بالشك وسوء الظن، ويعتبر كل شيء وكل أحد تقع عيناه عليه مشروع (ملف أمني) جديد، ثم نرى كيف لم يستطع الخروج من هذه الشخصية المترسبة في أعماقه حتى بعد تقاعده وإقباله على الأدب، وكيف أثَّرت شخصية (الشرطي) فيه على محاولاته الأدبية الأولى (يرقاته الميتة).

ومن جهة أخرى، تأخذنا الرواية في جولة ممتعة إلى عوالم الأدب المسحورة، وتعرفنا على طرائق تفكير الأدباء ومن أين يأتون بالأفكار لرواياتهم، وكيف ينتقون شخصياتهم من الواقع المحيط بهم، ثم كيف يخلعون على شخصياتهم المنتقاة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً من نحت خيالهم. كما تسلط الرواية الضوء أيضاً على (ذباب الأدب) و(ذباب المسرح) و(ذباب الفن) عموماً؛ أولئك الفارغين المتحذلقين الذين يرغبون في اقتحام المجال الأدبي والفني بالقوة، رغم عدم تمتعهم بأية مواهب تؤهلهم لذلك.

الرواية ممتعة ومسلية، وتنتهي (رغم أجوائها المضحكة) بصدام مرير بين السلطة والأدب. ومع أن الموضوع الرئيسي للرواية هو فن الرواية نفسه، إلا أني أرى أن أهمَّ ما فيها هو وصفها لدواخل الشخصية الأمنية، وإعارتها للقارئ نظارته القاتمة المتشككة التي ينظر بها إلى الناس والحياة.

أنصح بقراءتها، وإن كنتُ أرى أن ترشحها إلى القائمة القصيرة للبوكر أمراً مبالغاً فيه بعض الشيء…

#أنس_سعيد_محمد

#صائد_اليرقات

13/06/2020

كافكا على الشاطئ – هاروكي موراكامي

12/06/2020 عند 15:12 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: كافكا على الشاطئ

لمؤلفها: هاروكي موراكامي

ترجمة: إيمان رزق الله

صدرت عام: 2002

.

=====

أكتب هذه المراجعة بعد مضي عدة أيام (ربما أسابيع) على انتهائي من قراءة رواية (كافكا على الشاطئ)، ومرة أخرى أقع في ذلك الخطأ الذي لا أسلم منه إلا نادراً: التأخر في كتابة الانطباعات على ما أقرأ، إلى أن يمرَّ وقت أكون فيه قد أُنسيت كثيراً من التفاصيل والأحداث.

ولعل لهذا التأخر ميزة ما، رغم كل شيء، هي أنه يضعني أمام ما ترسَّب في ذاكرتي من مذاق الرواية، بحيث لا يبقى في الذهن إلا خلاصة الخلاصة، بعد أن تتلاشى التفاصيل في النسيان، وتلك الخلاصة المترسبة هي من الأهمية بمكان، بل هي الأكثر أهمية كما يرى بعضهم، ممن يعرِّفون الثقافة بأنها (ما يبقى في الذهن بعد نسيان كل شيء).

(كافكا على الشاطئ) هي قراءتي الأولى لـ (هاروكي موراكامي)، لكني مع ذلك لم أدخلها جاهلاً كل الجهل بعوالم الرجل، فقد كنت على اطِّلاع مسبق بأبرز خاصيتين يتميز بهما أدبه: الخيال الجامح (العجائبية)، والتماهي التام مع نمط الحياة الغربي. لذلك كنتُ موطِّناً نفسي قبل القراءة، ومستعداً لاستقبال الخيال مهما جمح، وغير منتظر إطلاقاً أن أتعرف على الثقافة اليابانية وتقاليد اليابانيين.

تبدأ الرواية بداية (طبيعية) إلى حد ما، عارضةً خطين متوازيين من السرد دون رابط واضح بينهما، ثم ينتقل بنا الكاتب انتقالاً (مفاجئاً) من الواقعية إلى الخيال، ومن مراهق يفرُّ من بيت أبيه إلى قطط تتكلم وسماء تَهاطَل بأسماك السردين. حينئذ يجب على القارئ أن يضع منطق الحياة الذي يعرفه جانباً، وأن يُسْلم نفسه إلى منطق جديد تماماً أو إلى اللامنطق، كأنما يشاهد فيلم أنيمي من إنتاج استوديو (جيبلي) وإخراج (هاياو ميازاكي).

أسلوب السرد في الرواية ممتع، بل فائق الإمتاع! رواية تشدُّ القارئ إليها بقبضة قوية وتقذف به في عوالمها فلا يعود راغباً في الخروج. نستطيع أن نرى بوضوح ومنذ الصفحات الأولى من الرواية أننا أمام روائي حقيقي، متمكن من أساليب الكتابة وأفانين التشويق، فضلاً عن ثقافته الموسوعية وخياله المجنون، وقدرته على التلاعب تلاعباً احترافياً بشخصيات وحبكات وأحداث وعوالم كثيرة متباينة دون أن يفقد الخيط الناظم لها، ودون أن يختل إيقاع السرد بين الاختصار المخل والتطويل الممل.

أكثر ما شدَّني في الرواية دقة الوصف، للأماكن والشخصيات والحالات النفسية والتفاصيل الدقيقة… ألفاظ منتقاة بعناية فائقة، وقدرة عجيبة على نقل الشعور بالأجواء إلى القارئ وكأنه يعيش في داخلها، (خصوصاً في حديثه الممتع ووصفه الدقيق بشكل استثنائي للأدغال)، وهذا يدلُّ على وضوح الرؤية لدى المؤلف وطواعية اللغة له، كما يعود الفضل كذلك إلى الترجمة الاحترافية الممتازة التي قدمتها (إيمان رزق الله)، والتي أعطت النص حقه كاملاً من التدقيق في انتقاء الكلمات والحرص على جودة الصياغة، فجاءت فقرات الرواية قوية متماسكة فصيحة، لا تكاد تجد فيها خطأ لغوياً إلا نادراً. وفي الحقيقة ستظل رواية (كافكا على الشاطئ) واحدة من أكثر الروايات رسوخاً في ذهني وذاكرتي، لأنها واحدة من الروايات القليلة التي استطاعت أن تنقل إلي شعوراً قوياً شديد الوضوح بالأشياء والشخصيات والأماكن، يكاد يكون ذاكرة جديدة تضاف إلي، وحتى لكأني أرى الأشياء أمامي رأي العين، وألمسها بأناملي، وأشم روائحها، وأسمع أصواتها، وأتأمل شخصياتها كما لو كانوا أناساً حقيقيين من لحم ودم لا مجرد شخصيات وهمية متخيَّلة.

إضافة إلى ذلك ، فقد ضخَّ (موراكامي) في روايته شحنات ثقافية كثيرة تنوعت بين الأساطير القديمة وقضايا الأدب والفن والحياة، مع تركيز واضح منه على (بتهوفن) وموسيقاه الكلاسيكية التي نعلم أن للكاتب اهتماماً شخصياً خاصاً بها. وعموماً فإن (الهوية الغربية) حاضرة في الرواية حضوراً يفوق بكثير (الهوية اليابانية)، وهذا معروف عن (موراكامي) ومنتقَد فيه بشدة، لكني مع ذلك أحسستُ على نحو خفي بـ (يابانية) المؤلف حاضرةً في أسلوب حديثه عن تفاصيل الحياة الغربية، إذ لو دققنا النظر فسنجد أنه، ورغم تماهيه الظاهر مع الحضارة الغربية، إلا أنه محتفظ بمسافة معينة منها، وينظر إليها نظرة عملية فيها شيء من التعالي، وبشكل يناقض تماماً غرور الغربيين بأساليب حياتهم وانبهارهم الهوَسي بها.

الشخصيات في الرواية مرسومة بعناية فائقة، داخلياً وخارجياً، رغم الفوارق العمرية الواسعة بين بعضها، ما دل على حيوية الكاتب ومواكبته لروح العصر، وقدرته على الوصف الدقيق لنفسية المراهقين وعوالهم الخاصة رغم أنه غادر المراهقة بل والشباب منذ عقود طويلة.

وأما أكثر ما كرهته في الرواية؛ فهو جانب (الجنس) فيها. ولستُ بطبيعة الحال ضد الجنس في الرواية، بل أومن بأهميته فيها حين يكون السياق القصصي يستدعي معالجته، لكن (موراكامي) في روايته هذه تجاوز كل حدود الانحراف في التأليف والفجاجة في الوصف، بدءاً بالهوية الجنسية الشاذة لشخصية (أوشيما)، وانتهاءً بعلاقة (كافكا) بـ (ساييكي). نعم سيبرر بعضهم ذلك بالفلسفة والخيال وبأن ثمة إسقاطات ما لكل ذلك الحضور الجنسي الشاذ في الرواية على أفكار معينة، لكني في النهاية سأظل أنظر إلى الأمر من وجهة نظري الخاصة الموافقة لهويتي وانتمائي، وسأرى من واجبي وأنا أكتب هذه المراجعة أن أنبِّه إلى أن الرواية لا تصلح إطلاقاً لكل الذين يرفضون الأوصاف الإباحية العارية الفجة، وكذا الشذوذ الجنسي بأنواعه وزنا المحارم، وكل ما يخالف الذوق السليم والفطرة السوية.

فيما عدا ذلك، تظل رواية (كافكا على الشاطئ) زاخرة بالفن، محفزة للخيال، إضافة إلى كونها مدرسة أدبية ثرية بأساليب السرد والوصف والحوار، ولئن كانت أول عمل أقرؤه لـ (موراكامي) فمؤكد أنه لن يكون الأخير…

#أنس_سعيد_محمد

#كافكا_على_الشاطئ

12/06/2020

الجريمة والعقاب – فيودور دوستويفسكي

06/06/2020 عند 14:11 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الجريمة والعقاب
لمؤلفها: فيودور دوستويفسكي
ترجمة: سامي الدروبي
صدرت عام: 1866

.

=====

اقتنيتُ رواية (الجريمة والعقاب) بجزئيها من معرض الكتاب عام 2016، لكنها مع ذلك ظلَّت حبيسة رفوف مكتبتي طيلة هذه السنوات، حتى جاءت أيام الحجر المنزلي هذه في عام 2020.

وكان الذي يمنعني من قراءتها -إضافة إلى ضيق الوقت المخصص للقراءة الورقية- تلك الرهبة المعتادة التي نشعر بها أمام الكتب والروايات الضخمة حجماً أو شهرة، لذلك بقيتُ أؤجل قراءتها عاماً بعد عام، بل إنني فضَّلتُ أن أبدأ ببعض الأعمال القصيرة لدوستويفسكي على سبيل التمهيد والاستئناس بأسلوب الرجل وأجوائه الروائية قبل اقتحام عمل (ضخم) مثل (الجريمة والعقاب).

وكان غريباً أن ما قرأتُه من روايات دوستويفسكي القصيرة (لم يدخل رأسي)، بل إني لم أكمل قراءتها إلا على مضض، حتى إذا شرعتُ في قراءة (الجريمة والعقاب) فوجئتُ بأني أكاد أنهي جزءها الأول في وقت قياسي جداً، وأني لا أترك قراءتها إلا مرغماً وبي شوق شديد للعودة إليها في أسرع وقت ممكن!

لقد جعلتني رواية (الجريمة والعقاب) أختبر حالةً قرائيةً فريدةً من نوعها؛ أن تتململ من الروايات القصيرة لمؤلف ما، في حين تلتهمك روايته الطويلة التهاماً.

لن أنسى أبداً أعصابي المشدودة وعينيَّ المثبتتين على الورق وأنا أقرأ مشهد القتل بأنفاس مقطوعة، مع شعور قوي عنيف بأنك حاضر مع (راسكولنيكوف) في بيت المرابية العجوز، بل بأنك أنت نفسك (راسكولنيكوف) يخفي أداة الجريمة في معطفه، ويتحيَّن اللحظة المناسبة للإجهاز على ضحيته بوحشية نادرة.

الرواية ليست (بوليسية) بالمعنى التقليدي للروايات البوليسية، فهي لا تطرح سؤال (من فعلها؟) ولا حتى (كيف فعلها؟) أو (متى فعلها؟)، بل السؤال الجوهري في الرواية هو (لماذا فعلها؟)، وهنا تمضي الرواية في معالجتها الدرامية للأغوار النفسية السحيقة للقاتل، وتجعلنا نواكب أعمق مشاعره الداخلية وأدقَّ خواطره التي يُفهم بعضها ولا يُفهم بعضها الآخر، لتظلَّ الرواية مفتوحة دائماً على سؤال (الإنسان المجهول) الذي يستحيل مهما تعمَّقنا في تحليله أن نقف على حقيقته، وأن نفهم الأسباب الصميمة وراء تصرفه على نحو يخالف المنطق.

لكل إنسان اختلالاته النفسية الخاصة التي تحمله حملاً على أن يخالف المنطق في بعض تصرفاته دون أن يشعر بذلك، وربما تعجَّب الآخرون منه لأنهم لا يعانون من نفس اختلاله النفسي أو لا يعرفون ذلك الاختلال أصلاً، ولو نظرنا لوجدنا أن لأولئك المتعجبين أنفسهم اختلالاتهم النفسية الخاصة التي تحملهم على مخالفة المنطق، ودون أن يشعروا بذلك أو ينتبهوا إليه.

نُشرت (الجريمة والعقاب) على شكل فصول مسلسَلة، ونلاحظ أن (دوستويفسكي) استوصى بالتقنيات (التجارية) التي يهواها القارئ، بحيث اعتمد على الإثارة والتشويق وكسر التوقعات، كما لم يفته أن يختم كل فصل بمفاجأة غير متوقعة تحبس الأنفاس وتشوِّق إلى الفصل القادم.

وكعادة الروايات الكلاسيكية، نلاحظ أن هنالك استطرادات كثيرة وإطناباً في الوصف واستكثاراً من التفاصيل والحوارات الجانبية المطوَّلة، ما سيضايق دون شك فئات عريضة من قراء العصر الحديث الذين تعوَّدوا على الوجبات الروائية السريعة.

لا أخفي كذلك أني شعرت بشيء من التراجع في الرواية في جزئها الثاني وفصولها الأخيرة، وبأن بعض الشخصيات الفاعلة لم يُختم حضورها بنهايات درامية تليق بها، إذ اختفى بعضها فجأة دون أن تجتمع خيوط الحبكة كلها في نقطة التقاء واحدة نهائية. نعم هذا أقرب إلى الواقعية وإلى منطق الحياة، لكننا في الرواية نحب أن نرى اجتماع الخيوط وأن تحظى كل شخصية بنهاية (مُشبعة) تليق بها.

أخطر ما في الرواية، وأجمل ما فيها أيضاً، أنها تمسُّ في القارئ شيئاً مظلماً شديد العمق في نفسه، وأعني هنا تحديداً مشاعر (راسكولنيكوف) بعد أن ارتكب الجريمة… إنه ذلك الظلام الدامس الذي يعمُّ النفس ويفيض على الوجود. شعور التوجس والخوف والقشعريرة، وبأنك ارتكبت فعلاً خطيراً مدمراً، وبأنك لست في كابوس في كوابيس المنام بل تعيش في اليقظة بكل ما فيها من تحفز الحواس… النظرات الزائغة والشك في كل ما حولك ومن حولك، وذلك الشعور الكئيب المرعب بأن أمرك سيُكتشف وبأنك ستفقد كل شيء، وبأنك على موعد مع الألم والحرمان بل ومع العدم نفسه… لقد نجحت الرواية في أن تضخَّ في قارئها شحنات رهيبة من الشعور بالإثم وتأنيب الضمير، مع أحاسيس أقرب ما تكون إلى البدائية الأولى أو (الخوف الأولي)، ما قد يذكرنا بأول (فعلة) شنيعة فعلناها في أيام طفولتنا القديمة، وكيف استبدَّت بنا قشعريرة الخوف من أن يُكتشف أمرنا ويقع علينا العقاب المبرح أو الحرمان الأليم…

نهاية الرواية غريبة حقاً! بل قد يخيَّل للقارئ أنها مستعارة من نمط روائي آخر… نهاية رومانسية تعِد بسعادة قادمة، وبشكل يناقض تماماً الأجواء السوداوية القاتمة لكل الأحداث السابقة. نهايةٌ بدت لي مثل رشَّة الماء التي يُنضح بها على وجه الغائب عن الوعي ليفيق من غيبوبته… استيقظ! انهض! سيكون كل شيء على ما يرام! الأمر لم يكن خطيراً كما كنت تظن، قصتك ليست مأساوية إلى هذا الحد! وبالفعل جعلتني النهاية أعيد النظر في أحداث الرواية كلِّها بعين أخرى، فوجدتُ أن الجانب المأساوي في الرواية هو تحديداً الجانب الداخلي، النفسي، الجوَّاني. أما لو نظرنا إليها نظرة خارجية متجردة، واكتفينا بتقييم أحداثها البرَّانية فقط، فإن عنصر المأساة فيها سيتضاءل جداً بل سيكاد يختفي، ولن نرى في القصة سوى شابٍّ ارتكب جريمة حمقاء في مطلع شبابه، وأنه حين سينهي فترة عقوبته سيكون بعدُ في عنفوان الشباب، بل سيكون لديه من الدوافع ما يحدوه إلى بدء حياة إيجابية جديدة…

أهمُّ ما نستفيده من رواية (الجريمة والعقاب) أن وراء كل سطح خارجي للإنسان أعماقاً يستحيل أن يُسبر غورها، وأن المأساة الخارجية مهما عظُمت فهي ليست شيئاً أمام المأساة الداخلية التي لا يكتوي بنارها غير صاحبها الذي ينطوي صدره عليها: ذلك الإنسان المجهول…

06/06/2020

الذوق الأدبي – أرنولد بينيت

17/05/2020 عند 18:04 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: الذوق الأدبي

تأليف: أرنولد بينيت

صدرت عام: 1909

ترجمة: علي محمد الجندي

.

=====

قرأتُ من هذا الكتاب نسخةً صفراء مهترئة الورق، أظنها الصادرة عام 1957 حين تُرجم الكتاب أول مرة، وقد أعيدت ترجمته بعد ذلك ونُشر في نسخة أخرى أحدث.

وهو كتابٌ ضئيل الحجم عظيم الفائدة، يتناول فيه مؤلفه موضوعاً يهمُّ كل طالب للأدب قراءةً أو كتابة، فلا قراءة مثمرةً ولا كتابة يُعتدُّ بها إلا بذوق أدبي مصقول، مبني على أسس متينة من سعة الاطلاع ورقة الشعور.

ويمكن تلخيص محتوى الكتاب في النقاط الرئيسية التالية:

⁃ انتقد الكاتب في البداية ذلك الرأي السائد الذي يعدُّ الأدب ضرباً من الحليِّ أو (إكسسوارات الزينة)، أو شيئاً الهدف منه التسلية فقط! وأكَّد على أن الأدب ضرورة لا غنى عنها للرقي الإنساني وشرط أساسي للحياة الكاملة كما يجب أن تكون.

⁃ تحدث الكاتب حول علاقة الإنسان (القارئ) بالكلاسيكيات الأدبية، وحلَّل تلك العلاقة تحليلاً نفسياً عجيباً فريداً من نوعه، ثم عرَّج على خصائص الأدب الكلاسيكي، وفرْق ما بينه وبين الأعمال المعاصرة، وكيف أن القارئ قد يشعر بشيء من خيبة الأمل حين يطالع الكلاسيكيات أول مرة، وقد يرى أنها لا تمنحه المتعة التي كان ينتظر أو التي تتناسب مع شهرتها.

⁃ حذَّر الكاتب المبتدئين في الأدب من الإعراض عن الكلاسيكيات والإقبال فقط على الأعمال الحديثة رغم النشوة الحارقة التي قد تمنحهم هذه الأخيرة، لأن ذلك مفسدٌ في الغالب لذوقهم، ولأن الذوق السليم يجب أن يبنى أولاً على مطالعة الأعمال المجمع على جلالها وعظمتها، فإذا ما تشبَّع المرء بالأعمال العظيمة جاز له أن يطَّلع على جديد الأعمال، وكان له من سلامة الذوق ما يتيح له أن يأخذ منها ويدَع، ويقبل منها ويرفض.

⁃ ليس معنى النقطة السابقة أن كل عمل قديم عظيم، وأن كل عمل جديد سيئ. بل لقد نصَّ الكاتب على أن نسبة الأعمال الجيدة مقارنةً بمجموع الأعمال هي نفسها في كل عصر، لكن الكلاسيكيات القديمة قد تجاوزت امتحان الزمن وحازت الخلود المستحَق، أما الأعمال الجديدة فركامٌ مختلط، ولن يمتاز غثُّه من سمينه إلا بعد مرور أجيال يذهب فيها زبد الأعمال الرديئة جُفاءً، ثم لا يبقى إلا الأعمال التي ستستحق لاحقاً أن تتوَّج بلقب (الكلاسيكية) المشرِّف.

⁃ ذكر الكاتب أهمية اقتناء الكتب، وأن تكون للإنسان مكتبة حقيقية في منزله يراها ويمرُّ بها كل لحظة، فإن لوجود المكتبة وحده تأثيراً عظيماً ودافعاً إلى القراءة والاطلاع، كما اقترح على المرء أن يخصص 5% من دخله لاقتناء الكتب.

⁃ أنكر الكاتب الفكرة القائلة بالتفريق بين الموضوع والأسلوب، حيث توصف بعض القطع الأدبية بأنها (ذات مواضيع جيدة لكن عُبِّر عنها بأسلوب رديء). لا فرق إطلاقاً -في نظر الكاتب- بين الشكل والمضمون، وبين الفكرة والأسلوب، وذلك لأنه من المستحيل لغوياً التعبير عن الشيء الواحد بطريقتين مختلفتين، وأن كل اختلاف مهما دقَّ في الألفاظ أو التراكيب لا بد أن يترتب عنه اختلافٌ ما في المعنى. ومن ثمَّ فإن الركاكة في الأسلوب تنتج عن أن الكاتب لا يدرك فكرته إدراكاً واضحاً، ولا يعي كل الوعي ما يتحدث عنه، فلذلك يأتي أسلوبه ركيكاً ضعيفاً، ولو أنه كان قادراً على تصور فكرته تصوراً واضحاً لطاوعته الألفاظ والتراكيب، ولعبَّر عن فكرته بأسلوب حسن سليم.

⁃ وضع المؤلف مكتبةً افتراضيةً رآها ضروريةً لكل طالب أدب، تتضمن عناوين الكتب التي لا غنى عنها، مع تكلفة تلك الكتب، والمنهج السليم لقراءتها، لكن المترجم أسقط القائمة ولم يدرجها في نسخته، لأنها موجَّهة حصراً لطالب الأدب الإنجليزي، وبذلك فهي غير ذات نفع للقارئ العربي.

⁃ ختم المؤلف كتابه بفصل سمَّاه (الجرد العقلي)، والمراد بالجرد أن يتوقف القارئ كل فترة، وأن يراجع نفسه ويسائلها عما استفاد من مقروئه، وهل حصل له تطور في ذوقه وملكته أم أنه يدور في نفس الحلقة المفرغة. وهنا أكَّد الكاتب على أن الهدف من الأدب ليس المتعة فقط، وإن كانت المتعة هدفاً مشروعاً، بل إن الهدف هو تكوين الإنسان والارتقاء به نفسياً وأخلاقياً وجمالياً واجتماعياً، ومن ثمَّ فإن المستفيد الحقيقي من الأدب هو الإنسان الذي يلمس من نفسه رقةً في الطبع وحسناً في الأخلاق، وحساسيةً مرهفةً تجاه مواطن الجمال وقدرةً على التقاط ما خفي منها، وأما لو لم تزده القراءة إلا جفاوةً في الخُلُق وتبلُّداً في الطبع فما هو من الأدب في شيء ولا الأدب منه في شيء، بل إن ذلك يدلُّ على خلل أصيل في نفسه أو في ما يقرأ أو في منهجه للقراءة.

كتاب (الذوق الأدبي) كتاب مفيد ممتع يجمع بين حديث الأدب والتحليل النفسي، اختار له مؤلفه أسلوب المخاطَب كي يحسَّ القارئ وكأن المؤلف يجالسه ويوجه كلامه إليه، ما ضخَّ في سطوره وصفحاته دفءاً وألفة، وهو من الكتب التي تستحق أن يُرجع إليها وتُقرأ أكثر من مرة، لأن كل قارئ أو كاتب سيجد نفسه في شيءٍ منه ولا بدَّ.

#أنس_سعيد_محمد

17/05/2020

الساعة الخامسة والعشرون – قسطنطين جيورجيو

27/04/2020 عند 15:35 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الساعة الخامسة والعشرون

تأليف: قسطنطين جيورجيو

صدرت عام: 1949

ترجمة: فائز كم نقش

.

=====

صرتُ ألاحظ، من خلال قراءاتي الروائية المتنوعة، أن هناك انقساماً حاداً بين توجهين روائيين كبيرين؛ الأول يمكن أن أسميه (الرواية الوجدانية)، أما الثاني فهو (رواية الأحداث).

(الرواية الوجدانية) تخوض في أعماق النفس البشرية، وتصف بدقة خفايا المشاعر التي تنتاب الشخصيات، فهي بذلك لا تعتمد على الأحداث بالدرجة الأولى، وكثيراً ما تكون الأحداث فيها قليلة جداً، وسطحية غير ذات خطر، ومع ذلك يتعمَّق الكاتب في وصف أحاسيس شخصياته، ويسوِّد من أجل ذلك صفحات طويلة، وربما تحول الحدث العادي، العابر، وحتى التافه ربما، إلى حدث خطير تُسلَّط عليه الأضواء، ويُتوقَّف عنده، ويُتعمَّق في وصف آثاره على نفسية الشخصيات ومشاعرها الداخلية.

أما (رواية الأحداث) فلا تكاد تُعنى بمشاعر الشخصيات وما يدور في داخل نفوسهم… هي رواية لا تملك هذا الترف ولا الفراغ الكافي لمثل هذه الأوصاف، لأن مساحتها مترعةٌ بالأحداث الخطيرة السريعة المتلاحقة، وغالباً ما تغطي هذه الرواية مساحة زمنية شاسعة، ويتم الانتقال فيها بين أماكن وحبكات متعددة، وتُشعر القارئ بأنه يركض لاهثاً وراء الأحداث المهرولة، والتي يكاد يُقتصَر فيها على الوصف المادي المجرد للوقائع دون كثير مساس بمشاعر الشخصيات ودواخلهم النفسية.

وهذا الانقسام المذكور هو انقسامٌ طبيعي، بحيث لا يكون من العدل أن نلوم (الرواية الوجدانية) على خلوِّها من الأحداث الكبيرة، ولا أن نلوم (رواية الأحداث) على تجرُّدها البارد وجفافها المشاعري، إذ يصعب جداً الجمع في الرواية بين النمطين، ولأسباب متعلقة بحجم الرواية غالباً، وإلا كان علينا أن نأتي برواية بحجم (البؤساء) أو أكبر من ذلك!

.

رواية (الساعة الخامسة والعشرون) من أنصع الأمثلة على النمط الثاني؛ فهي رواية تُشعرك منذ صفحاتها الأولى بأنها رواية راكضة، مهرولة، متدفقة كالسيل الجارف بالأحداث العنيفة المتلاحقة التي تحبس أنفاس القارئ، وتوطِّنه على توقع الأسوأ دائماً، وعلى أن ينسى ترف انتظار الأوصاف الشاعرية والتطرق لأحاسيس الشخصيات، لأن الوضع أكثر خطورةً من ذلك بكثير.

هي ملحمة روائية صيغت بأسلوب كلاسيكي مباشر، مع قدر ملحوظ من التجريد يُشعر القارئ بأن الكاتب حاول تجاوز الإطار الزمكاني للأحداث، وأنه أراد أن يجعل من روايته وثيقة صالحة لجميع الأزمنة والعصور، ويمكن النظر من خلالها إلى كل نظام شمولي متطرف يجرِّد البشر من إنسانيتهم، ويحوِّلهم إلى أرقام لا قيمة لها، إلى نسخ كربونية متطابقة، إلى عبيد محتقَرين لنظام مهيمن بلغ في قسوته مبلغاً يتجاوز الطبائع البشرية.

في الرواية حديث مفصل عن الغربة الإنسانية في عصر ساحق لكل ما هو إنساني، عن أزمة الهوية الخانقة، عن الاستكبار البشري الذي يبلغ درجة ادعاء الألوهية، عن نهاية التاريخ وعن دمار كل شيء وتبدُّد كل قيمة.

ربما لا يجدي أي حديث عن هذه الرواية لوصفها، لكني أكتفي بالقول بأنها خرجت مع رائعة جورج أورويل (1984) من مشكاة واحدة، لذلك فهي عنوانٌ لا محيد عنه لجميع محبي الروايات المتحدثة عن الأنظمة الشمولية، وعن نقد الحضارة الغربية، وأدب السجون، وأزمات الهوية، والقسوة البشرية حين تصل إلى حدودها القصوى…

27/04/2020

خلف جدار العشق – عبد المجيد سباطة

10/03/2020 عند 10:43 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

.

رواية: خلف جدار العشق

لمؤلفها: عبد المجيد سباطة

صدرت عام: 2015

.

=====

تأخرت هذه المراجعة كثيراً، بل لعلها تأتي الآن بعد فوات الأوان بكثير، وكان الذي أخَّرها حالةُ إحباط طويلة المدى مررتُ بها في فترة قراءتي لهذه الرواية، فبقيتُ أؤجل كتابة انطباعي حولها يوماً بعد يوم، ثم تتالت الأسابيع، والشهور، والسنوات، حتى جاءت هذه اللحظة التي أخطُّ فيها هذه الكلمات والرواية بين يديَّ، لأستعيد -عبر مراجعة سريعة خاطفة- بعض أحداثها وأجوائها، ولأرسِّخ في ذهني الأفكار العامة التي علقت به عقب قراءتي لها، والتي لم أنسها على كل حال رغم مرور هذا الوقت الطويل.

رواية (خلف جدار العشق)… حدَّثني مؤلفها الصديق عبد المجيد عنها في أول لقاء جمعني به في طنجة عام 2015، وكانت آنذاك لم تُنشر بعد، وحين أعطاني نبذة عنها لم أخفِ عنه استغرابي الشديد من اختياراته الأدبية الصعبة، وخصوصاً مسألة (تأليف أحداث في بلد لم يزره الكاتب)، وصارحتُه بتخوفي من هذا الأمر فأجابني بلهجة واثقة بأنه مقتنع بقراره، وبأنه لم يدَّخر جهداً في إجراء كافة الأبحاث اللازمة لتمكينه من الكتابة عن البلدان الأخرى كما لو أنه زارها بالفعل.

وصدرت الرواية ومضيتُ في قراءتها، واكتشفتُ أن (الكتابة عن بلدان أخرى لم يزرها الكاتب) لم تكن المغامرة الوحيدة التي خاضها الروائي، بل إنه اقتحم غماراً صعباً وحقل ألغام من المجازفات الأدبية لا يجرؤ عليه في العادة إلا من رسخت أقدامهم في الرواية، ومن النادر جداً أن نجد روائياً شاباً يقحم نفسه، وفي باكورة أعماله، في اختيارات أدبية شائكة مثل (ضمير المتكلم)، و(تعدد الرواة)، و(الحديث على لسان الجنس الآخر)، و(السرد المتوازي والتلاعب بالخط الزمني)… إلخ. ما جعلني في النهاية أرفع القبعة احتراماً لشجاعة الكاتب وجرأته وارتفاع سقف طموحه، رغم اختلافي معه في عدد من اختياراته أبرزها (الكتابة عن أماكن لم يزرها) و(الحديث على لسان الأنثى).

لقد جرت العادة بل لعلها قاعدة راسخة، أن يبدأ كل كاتب بالسيرة الذاتية، وأن يكون لها حضور طاغ في العمل الأول، وبالنظر إلى (خلف جدار العشق) نجد أنها تحتوي على مزيج معقد من السيرة الذاتية والخيال الثري المتدفق.

عند قراءة الفصل الأول من الرواية نلاحظ أن عبد المجيد نفسه يتكلم، بتفاصيل مطابقة تماماً لحياته الخاصة واهتماماته المترددة على لسانه وقلمه (الحياة الجامعية، الحديث الساخر عن المسلسلات التركية المطولة، الاهتمامات السياسية والعسكرية، كراهية باولو كويلو، الانتقاد العنيف للأنثى…)، مفردات وتفاصيل يعرفها عنه كل أصدقائه، وإذا ما استثنينا تغيير التخصص الجامعي من الهندسة المدنية إلى هندسة الاتصالات، فإن القارئ يجد نفسه مضطراً للمطابقة بين الكاتب والراوي في الفصل الأول من الرواية، ويزداد التطابق حين يخبرنا الراوي أنه مواظب على كتابة مقالات يعلِّق فيها على تطورات الأحداث السياسية، وأنه يوقِّعها بالحروف الأولى من اسمه (ع. س)… (عثمان سليم)… (ع. س)… (عبد المجيد سباطة)! حركة لطيفة وذكية أغلب الظن أنها مقصودة من الكاتب.

لكن الأجواء القريبة المألوفة للحياة اليومية والسيرة الذاتية للكاتب لن ترافقنا على طول الرواية، بل سرعان ما استخدم الكاتب ذلك المفتاح الروائي السحري: (ماذا لو؟)، وهكذا نقل نفسه، بخياله، إلى عوالم أخرى ومغامرات كثيرة سافرت به إلى أطراف الأرض وعرَّضته للأهوال، ويمكننا القول هنا أن الكاتب وضع نفسه، متقمصاً شخصية (عثمان سليم) في عوالمه المفضلة التي يهتم بها ويولع بها؛ عوالم الحروب والسياسة والحياة العسكرية والتطورات الميدانية وما إلى ذلك.

بذل الكاتب جهداً واضحاً في البحث عن تفاصيل الأماكن التي جرت فيها أحداث روايته، وأستطيع القول أنه تعامل بذكاء مع مجازفته هذه، بحيث أبقى نفسه في مساحة من الأمان عبر عدم الإسراف في الوصف والاكتفاء بأماكن يسهل تصورها ولا تختلف كثيراً عن أمثالها في كل دول العالم، وهكذا لم يورط نفسه في تفاصيل كثيرة توقعه في تناقضات أو أخطاء هيكلية تتعلق بمسارح الأحداث.

لغة الكاتب سليمة عموماً، يعرف ما يريد قوله ويعرف كيف يقول ما يريد، متمكن من الأدوات اللغوية الروائية على مستوى السرد والحوار، وإن كانت اللغة من المباشَرة والبساطة بحيث تُشعر القارئ بأنها ليست من أولويات الكاتب، وبأنها مجرد وسيلة يجسد بها الأحداث التي يمنحها الأهمية العظمى. بمعنى أن القارئ للرواية سيجد عبارات سليمة تؤدي المعنى بشكل واضح تماماً، لكنه لن يجد من الزخارف البلاغية والمحسنات الأسلوبية ما يشبع رغبته إن كان من عشاق البلاغة، بقدر ما سيجد لغة تقريرية إخبارية تسير على تردد واحد وتدل على أن رهان الكاتب إنما هو على الأحداث لا على اللغة.

أكثر ما انتُقد في الرواية، من خلال آراء القراء على غوودريدز؛ كثرة المصادفات التي تخللت حبكتها القصصية. ونعم بقراءة الرواية نجد قدراً من المصادفات فوق المعدل المسموح به في الواقع أو في ما تحاوله الرواية من إيهام بالواقع. وأشير هنا إلى أن الكاتب تجاوز هذا الأمر في عمله الثاني.

إذا ما تجاوزت الحديث عن عدم اتفاقي مع تقمص الكاتب الذكر شخصية الأنثى أو العكس، فإن من أهم القواعد الروائية أن يمنح الكاتب لكل شخصية (صوتاً) معيناً تتميز به عن بقية الشخصيات، وهو ما لم ألمسه في حوارات الرواية، بحيث أحسست أنها جميعاً تتحدث بنفس النبرة، وأن المؤلف هو الذي يتحدث وليست الشخصية، إضافة إلى طابع عام من اللباقة والتبرير والرسمية اصطبغت به معظم الحوارات، ما أثر بشكل سلبي على عفوية الحوار وسلاسته و(آدميته).

وتلخيصاً لما سبق، أستطيع القول بأن نقاط القوة في رواية (خلف جدار العشق) هي جرأتها في التناول والمعالجة، على مستوى الموضوع وأيضاً على مستوى الشكل الأدبي الشجاع والطموح، وكذلك الجهود البحثية الكبيرة الواضحة المبذولة من طرف الكاتب، فيما يخص الجوانب التاريخية والجغرافية والسياسية والعسكرية. أما نقاط الضعف فمتعلقة باللغة التقريرية أكثر من اللازم، وبالحوارات أحادية الصوت، واللبقة جداً في معظم الأحيان، والتي سلبت الشخصيات تميزها وعمقها، وصبغتها بطابع تسطيحي واحد لم يتح لنا أن نتعمق في دواخلها النفسية بما يكفي.

وغني عن الذكر طبعاً أن نقاط القوة في الرواية هي الراجحة، وأنها بوصفها باكورة أعمال الكاتب قد دلَّت على روائي شجاع وطموح، ومثقف ثقافة واسعة جداً، وفي جعبته دون شك الكثير والكثير من الإبداع القادم الذي سيرفع رأس الرواية المغربية عالياً، لتتخذ لها مكاناً تستحقه في خارطة الإبداع الروائي العربي، بعد موسم جفاف طويل جداً…

10/03/2020

سرب طيور بيضاء – ياسوناري كاواباتا

03/02/2020 عند 15:59 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: سرب طيور بيضاء

تأليف: ياسوناري كاواباتا

ترجمة: بسام حجار

.

=====

روايةٌ تفوح من أوراقها رائحة الشاي!

هذا ما أستطيع أن ألخِّص به انطباعي حول هذه الرواية التي قرأتُها منذ بضعة أشهر، والتي حال الكسل بيني وبين أن أكتب مراجعةً عنها فور إتمامي لها.

ربما نسيتُ تفاصيل الأحداث لكن الأجواء اليابانية العابقة من الرواية لا تزال في ذهني، كما أن ترجمة (بسام حجار) كانت موفقة جداً، واستطاعت أن تحافظ بدقة على الخصوصية اليابانية التي تتميز بها الرواية.

تدور أحداث القصة في مجتمع ياباني تقليدي جداً، حتى ظننتُ لوهلة أني أقرأ رواية تاريخية، لولا أن ظهرت بعض مفردات العصر الحديث -كالهاتف مثلاً- فذكَّرتني بأني في القرن العشرين!

لا أتحمس عادةً للآداب المتخصصة في شعوب أخرى بعيدة عن واقعي القريب، لكن الاطلاع على بعض تلك الآداب يفتح أمام القارئ نوافذ يطل منها على الفروق الشاسعة بين الثقافات الإنسانية. وطيلة قراءتي لـ (سرب طيور بيضاء) كنت متعجباً من البنيات الثقافية والأخلاقية الثقيلة والصارمة للمجتمع الياباني القديم، وكيف أنهم يعطون أهمية عظمى، مبالغاً فيها جداً، لكل صغيرة وكبيرة، بل لكل حركة وسكنة، وحتى أكواب الشاي وأوعيته لها قانون صارم وتقاليد تخضع لها بدقة، بحيث يُعتبر الخروج على تلك التقاليد (كارثة أخلاقية) عظيمة بمقاييسهم.

أجواء غريبة جداً بالمقارنة مع عصرنا هذا المتسم بالسرعة واللامبالاة والسيولة المفرطة وعدم الاكتراث بشيء. لذلك يجب على من يقرأ هذه الرواية أن يتهيأ لها قبل ذلك، وأن ينعزل عن إيقاع الحياة في أيامنها هذه، وأن يوطِّن نفسه على نمط آخر من الحياة بطيء جداً، صلب جداً، وثقيل جداً! لدرجة أن (إعداد الشاي وتقديمه) يخضع لطقوس معقدة صارمة مسربلة بالتقديس.

حصل مؤلف الرواية على جائزة نوبل للآداب في أواخر ستينيات القرن الماضي، ومات منتحراً بعد حصوله على الجائزة بثلاث سنوات تقريباً! قرأتُ بأن دوافع انتحاره ظلت غامضة (إذا ما استثنينا ولع اليابانيين بالانتحار طبعاً!)، وأن نتاجه الأدبي لم يعالج موضوع الانتحار معالجة وافية، رغم وجود (شخصية منتحرة) في روايته هذه (سرب طيور بيضاء)، والتي كانت تجربة جميلة استمتعتُ فيها بتغيير الأجواء الأدبية والسفر عن الزمان والمكان معاً، وأيضاً بالترجمة العربية الممتازة والدقيقة لها.

30/01/2020

أنا نجيب محفوظ – إبراهيم عبد العزيز

28/01/2020 عند 11:41 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_4013

.

كتاب: أنا نجيب محفوظ
لمؤلفه: إبراهيم عبد العزيز

.

=====

رفض نجيب محفوظ أن يؤلف سيرة ذاتية، وحين سئل عن ذلك أجاب بأنه لا يرى في حياته شيئاً متميزاً يستحق أن يؤرخ له!

لذلك تبارى الكتاب خلال حياة محفوظ وبعد موته في التنقيب عن تفاصيل سيرته وحياته، والتقصي عنها في مظانِّها من الآثار المتعلقة به قديمها وجديدها، على المستويين الشخصي والأدبي معاً. وصدرت كتب عديدة تؤرخ لحياة محفوظ انطلاقاً من رواياته وكتاباته عموماً، والأحداث البارزة التي وقعت خلال عمره المديد الذي جاوز التسعين ببضع سنوات.

وهذا الكتاب (أنا نجيب محفوظ) يعد أبرز الكتب التي أرَّخت لحياة الأديب الكبير، وأجمعها لتفاصيل سيرته، وأشملها لجوانب تاريخه الشخصي والأدبي.

لقد اعتمد إبراهيم عبد العزيز في تأليفه لهذا الكتاب منهجاً يقوم على تجميع كل ما امتدت إليه يده من تصريحات نجيب محفوظ، في الصحف والمجلات والإذاعات وقنوات التلفزيون، ثم بعد تجميع المادة قام بترتيب مضامينها ترتيباً زمنياً بما يتوافق ومراحل حياة الإنسان (طفولة وشباب وكهولة وشيخوخة)، وهكذا تحصلت له (سيرة ذاتية) مكتملة الأركان على رغم تواضع نجيب محفوظ ورفضه تأليف تلك السيرة بنفسه!

يتوارى مؤلف الكتاب (إبراهيم عبد العزيز) منذ الصفحات الأولى، ويفسح المجال لنجيب محفوظ ليتحدث عن نفسه من خلال تصريحاته، بضمير المتكلم طبعاً. وبهذا بدا الكتاب بالفعل (سيرة ذاتية إجبارية)، تسير على نسق موحد، حتى أن القارئ قد ينسى فيظن أنه أمام نص واحد متكامل، ثم يتذكر فجأة أن ما يقرؤه هو عبارة عن أشلاء مجلات وقصاصات صحف وتفريغات برامج تم تجميعها وإلصاقها معاً، حتى بدت من تجانسها وانسجامها كأنها نص واحد مسترسل.

يروي لنا نجيب محفوظ عبر هذا الكتاب قصة مولده وطفولته، والأسرة التي عاش في كنفها والحي الذي درج في أزقته، وثورة 1919 التي أدركها وهو دون العاشرة. ثم يحدثنا عن بداياته الأدبية وكتاباته الأولى، ونتعرف على الأصول الواقعية لرواياته الاجتماعية، وكيف أنها جميعاً نبتت من بذرة واقعية ما؛ فأبطال (خان الخليلي) و(زقاق المدق) و(السراب) هم أناس حقيقيون من لحم ودم، اقتنص نجيب محفوظ قصصهم الخاصة وأعاد كتابتها معملاً فيها خياله الروائي وأسلوبه الأدبي، فخرجت النتيجة روايات قرأها أبطالها فمنهم من لم يعرف نفسه كبطل (خان الخليلي)، ومنهم من حمل مسدساً وسعى لقتله كبطل (السراب)، ومنهم من خاصمه وازورّ عنه كصاحب القهوة في (زقاق المدق). وأما الثلاثية فصرح الكاتب بأن 99% من شخوصها هم من معارفه وأقاربه.

ثم يأتي الحديث عن (أولاد حارتنا) والجدل العظيم الذي أثارته. ثم عن المرحلة الرمزية الفلسفية وما صاحبها من الأحداث السياسية والتغيرات الجذرية الجسيمة في نظام الحكم والمجتمع المصري. ثم وبكثير من التفصيل حول جائزة نوبل وحيثياتها والجدل المثار حولها. ثم جاءت محاولة الاغتيال وتداعياتها. ثم أقبلت الشيخوخة بوهنها وضعفها وما تنذر به من الأفول القريب لشمس الحياة.

في طيات هذا الكتاب فوائد أدبية عظمى، وأزعم أن كل كاتب وروائي عليه أن يقرأ هذا الكتاب، لما يزخر به من النصائح والتوجيهات والأسرار والدقائق الأدبية المفيدة جداً، والتي قد لا توجد حتى في الكتب المخصصة لتوجيه الكتَّاب وتعليمهم أسس الإبداع الأدبي والروائي.

هنا نجيب محفوظ يحدثك بنفسه، يبوح لك بأسراره الأدبية، ويدلُّك على الطريق الروائي القويم بكافة مستوياته اللغوية والبلاغية والدرامية. في هذا الكتاب أنت تأخذ تعاليمك الروائية من مصدرها الأعلى مباشرة، وما من شك في أن كل كاتب سيجد في تلك التصريحات شيئاً من نفسه، لأنها تصبُّ جميعاً في وصف (حالة الكتابة)، ذلك المشترَك السري الغامض بين الكتاب على اختلاف أعمارهم وبلدانهم ومشاربهم ومستوياتهم.

كما نقترب أيضاً خلال هذا الكتاب من شخصية نجيب محفوظ الحقيقية، بعيداً عن التمويهات الروائية التي يذوب فيها الكاتب وسط شخوصه وأحداث قصصه. بل إننا نجد أنفسنا أمام تصريحات عفوية تلقائية، مكتوبة بأسلوب بسيط وبعضها بالعامية، تشعرك أنك بالفعل في جلسة هادئة في أحد مقاهي خان الخليلي تستمع لنجيب متحدثاً عن نفسه وحياته وأدبه.

لفت انتباهي أيضاً أنه على الرغم من طابع (الحنين إلى الماضي) الملحّ جداً في أعمال محفوظ الأخيرة، إلا أنه أدبياً لا يتصف بأي تصلب في الموقف أو حنين متعصب إلى تيارات أدبية مندثرة. بل لاحظت في طيات كلامه انفتاحاً شديداً وقبولاً عجيباً للجديد لا يكون في العادة إلا عند الشباب! ولعل هذا ما يفسر إقباله الدائم على التجريب في كافة أطوار حياته، حتى أنه كتب في كل لون أدبي كلاسيكي وحداثي معاً بل لعله اخترع أنماطاً أدبية جديدة لم يُسبق إليها من قبل.

ختاماً، يظل كتاب (أنا نجيب محفوظ) من أفضل ما قرأت خلال العام الماضي، وهو جهد مشكور جداً لمؤلفه إبراهيم عبد العزيز، ولقد أفدت منه إفادة عظمى على كافة المستويات، واستمتعت بكل تفاصيله حتى أني حزنت لانتهائه رغم طوله وتشعبه.

24/01/2020

الصفحة التالية «

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.