الحب والزواج في زمن الوسائط الرقمية ~

07/04/2016 الساعة 22:18 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليقاً

img_3940

.
.

بسم الله الرحمن الرحيم،
.
كنت قد توصلت منذ عدة أسابيع برسالة على موقع الآسك، تطرح مواضيع وقضايا مهمة تمس واقع الشباب في هذه الأيام، وتلامس ما استجد فيه مما لم يكن موجوداً في الزمن الذي مضى، ولقد تأخر جوابي عنها بعض الشيء، إلى أن أعانني الله على تسويد هذه الفقرات التي حاولت أن أسلك فيها طريقاً وسطاً بين تنطع المتنطعين وتسيب المتسيبين…

وأنقل لكم الآن نص الرسالة كما وصلتني، متبوعاً بجوابي عنها والله ولي التوفيق…

.


نص الرسالة:

“أعرف الكثير من الإخوة الطيبين – أحسبهم والله حسيبهم – أعجبوا ببنات طيبات – أحسبهن والله حسيبهن من خلال الإنترنت، ولا أتكلم عمن تفصل بينهم آلاف الكيلومترات التي لا يتيسر لبعضهم قطعها بل القريبات منهن جغرافياً أو من يستطيعون بلوغ دار أهلهن، فلماذا لا يفكرون جدياً في التقدم لهن وطلب يدهن للزواج؟

وكذلك كثير من الأخوات لديهن معرفة جيدة ببعضهن فقد جمعهن درس شرعي أو مشروع دعوي أو غيره ثم توطدت العلاقة بينهن وهن في شبكة متوسعة تغطي الكثير من الدول العربية بل والأجنبية أيضًا، فلماذا أحدكم لا يسأل أختاً ثقة أو يتحرى محرماً لها يعرفه إن كانت تعرف بنتاً يريدها أو بها المواصفات التي يرتضيها؟

ألم يأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أم سليم يقول لها “انظري إلى عرقوبيها”؟ وكذلك الأمر بالنسبة للفتاة إذا أحبت أو أعجبت بشخص وتمنته زوجًا لها فلماذا لا تجعل بينهما واسطة ثالثة عاقلة كما فعلت أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها؟

كثير من الطيبين والطيبات – نحسبهم الله حسيبهم – في هذه المواقع ولا يضع مشكلة ليلتقوا بشكل شرعي – بأمر الله – إلا غياب الخطوة أو الوسيط، أظنني أتحدث بلسان كثير منكم/منكن، اصدقوني القول، أليس كذلك؟ ولكن كل هذا بشرطه وهو السرية التامة ولا تخفى عليكم أهميتها بالتأكيد.

قلتها لكم على الملأ ولا أخشى إلا أن تضيع الأماني أو تطول، أو تهلك من القلوب أو العقول، أو تضيع الأعمار بين التردد المرهق ومبهمات الوصول، قدمت لكم من الحلول ولا أرجو إلا نفع نفسي ونفعكم، وأن أكون سببا في تكوين أنواء مباركات لهذه الأمة، استخيروا الله استعينوا به – سبحانه – ولا تعجزوا.”

.

وهذا كان جوابي مقسماً على فصول معنونة نُشرت جميعاً على صفحة الفيسبوك:

.

القسم الأول – تمهيد: اتركوا مواضيع الشباب للشباب فقط! ~

وهذا النداء الذي أدرجته في هذا العنوان، بأسلوبٍ لعله لا يخلو من إقصائيةٍ وقسوة، هو ليس نابعاً فقط عن فجوة أجيالٍ وصراعٍ بين الأعمار، بل لأني رأيت بعينيَّ، وما زلت أرى، أن تقحُّم كبار السن وضعفاء الخبرة لمجالٍ لا يكادون يعرفون عنه شيئاً، وإعطاءهم للأحكام التعميمية الجاهزة، والمبنية فقط على تمسكهم بالتقاليد البالية والأعراف المتجاوَزة، قد كانت له آثار سلبية وأضرار وخيمة على حيواتنا الاجتماعية، وعلى وعي الشباب بواقعهم ومحيطهم، وقد أبى أولئك الكهول (في السن والفكر) إلا أن يكرسوا نظرتهم العدائية لكل ما هو جديد، وأبوا أيضاً إلا أن يحملوا الشباب حملاً على أن يفكروا بعقولهم ويعيشوا بطريقتهم وأسلوبهم!

إن الكهول وكبار السن، ومن كان في حكمهم حتى من بعض الشباب المتأثر بهم، ينظرون باحتقار وعدوانية لكل ما يمت بصلة إلى الحياة الافتراضية، وهي عدوانيةٌ مبنيةٌ على جهلهم بها، وتأخرهم عن الركب السائر نحو الأمام في تقنيات التواصل الحديثة، فليس غريباً إذاً أنهم لا يكفون – ليلاً ونهاراً – عن التحسر على العلاقات الاجتماعية التقليدية، وليس غريباً أيضاً أنهم يبنون مواقفهم على سوء الظن المطلق تجاه كل كيان فيسبوكي وكل علاقة فيسبوكية، حتى إنه يخيل لك أحياناً أنهم يعتبرون الفيسبوك بأكمله ماخوراً كبيراً، وجميع الفيسبوكيات فيه بنات هوى!

من جهل شيئاً عاداه، وخير ما يفعله الكهول ومن كان في حكمهم، أن يصمتوا قليلاً، وأن يواصلوا ما يفعلونه من نشر الصور القديمة ومقاطع الفيديو المضحكة، وأن يمسكوا ألسنتهم عن الحديث فيما ليس لهم به علم، فقد أفسدوا على الناس وعيهم وفهمهم لحقائق الأمور، وغرسوا في أنفسهم بذور السوداوية والسلبية والانغلاق والرجعية وسوء الظن.
ولهذا أكرر نفس القاعدة التي سبق وقررتها من قبل:

– في أيامنا هذه، كل من تجاوز منتصف الثلاثينيات من عمره فضلاً عن ما بعد الأربعين، لا يحق له مطلقاً وفي أي حال من الأحوال، إعطاء أي رأي بخصوص الحياة الافتراضية وما يتعلق بها من مواضيع وقضايا، وكل رأي يأتي من هذه الفئة العمرية ومن كان في حكمها، هو رأيٌ مرفوضٌ قطعاً، ومضروبٌ به عرض الحائط كائناً ما كان، ودون جدال.
مواضيع الشباب للشباب فقط، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، وما أكثر العجائب التي سمعناها من هؤلاء الذين لم يدخلوا عالم الإنترنت إلا كباراً، فلم يكن عندهم من الوعي ما يكفي لوضع تصورات سليمة للأوضاع، بحيث تساعد على إصدار حكم صحيح.

ولعله لولا خشية التعريض بالأشخاص، ولولا مخافة أن يُشار إلى أصحاب بعض الطوام، لسردت لكم منها ما قد يجعلكم تستلقون على أقفيتكم من الضحك، وخاصة بعد أن تعلموا بأنهم نشروا ما نشروه وهم جادون غير مازحين!
وعليه، فإن هذا عالمنا، وهذه حياتنا، وعلاقاتنا، ومشاعرنا، وقراراتنا، ونحن فقط من يجب أن يحدد القواعد ويضع الأعراف، ونحن فقط نتحمل مسؤولية قراراتنا، وإني إذ أنبه إلى الضرر الحاصل بتقحُّم الكهول لما ليس لهم به علمٌ ولا شأن، فإني أقدم للجميع دعوة نحو الانتقال من القيود البالية إلى الحرية، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن السلبية إلى الإيجابية، ومن تعميم سوء الظن إلى مقاربة أكثر واقعية، دون سوداوية مفرطة وانغلاقية خانقة، وأيضاً دون إيغالٍ في الأحلام الوردية والتصورات الطوباوية…

.

القسم الثاني: بين الشخصية الفيسبوكية والشخصية الواقعية ~

بعد أن تطرقتُ في القسم الأول من هذه الرسالة، إلى موضوع آراء الكهول – ومن كان في حكمهم – في مواضيعنا الشبابية المتعلقة بحياتنا الافتراضية، أجد نفسي مضطراً لمواصلة الحديث عن بعض الآثار السيئة التي خلَّفوها في وعي كثير من الشباب، بسبب ما تتصف به آراؤهم من سطحية شديدة وسذاجة مفرطة… وما دام الحديث هنا متعلقاً بما ورد في الرسالة الأصلية، وهو مرتبط بموضوع (الزواج والفيسبوك)، فإن من الواجب أن نحاول معاً وضع تصور واضح وصحيح لهذا العالم الأزرق الذي يستحوذ على جزء كبير من وقتنا وكياننا، وللمعنى الحقيقي لما يسمى بـ (الشخصية الفيسبوكية)، وإلى أي حد يمكن اعتبارها معياراً يُبنى عليه قرار الزواج من عدمه.

أولاً، وبادئ ذي بدء، فإن أول ما يخطر بالبال عند فتح هذا الموضوع الشائك، هو تلك الفكرة السطحية الشائعة على الألسنة والأقلام، والتي روَّجها أولاً أولئك الكهول المتعالمون، وصدَّقها مع الأسف كثير من الشباب، حتى صاروا أبواقاً تردد – دون وعي – تلك الفكرة لمجرد أنها شائعة، أو لمجرد أنها وافقت عدة تجارب شخصية هنا وهناك! وأعني هنا تلك الفكرة البليدة التي تقول بأن (الشخصية الفيسبوكية وهمية ولا يمكن الوثوق بها مطلقاً، لأن الإنسان قد يرسم لنفسه بسهولة صورة مثالية ملائكية على الفيسبوك، لكنه في الواقع يكون ذئباً متوحشاً وشيطاناً مَريداً)!

هذه الفكرة بالذات، نراها تتردد بإفراط على الألسنة وفي المنشورات، ويريد مروِّجوها – في الغالب – أن يظهروا بمظهر الأذكياء الذين لا ينخدعون، أو بمظهر الخبراء الذين عركتهم الحياة وعرَّفتهم معادن الناس وخفايا نفوسهم… ولستُ هنا أهدف لإسقاط هذه الفكرة وبيان بطلانها، لكن ما أريد قوله هو أنها مجرد (حالة) واحدة من عدة حالات ممكنة، وأنها لا تنطبق على الفيسبوك فقط بل قد نجدها متحققة على أرض الواقع أيضاً، وأن التركيز عليها وحدها، وتضخيمها، والزعم بأنها وحدها القاعدة المطلقة التي تكاد تنطبق على الجميع، هو تعميم ظالم جداً، وحكم غير مبني على أي أساس علمي أو منطقي، علاوة على ما يفتحه من أبواب النفور وسوء الظن واتهام النيات والبواطن دون موجب ولا دليل.

وليس أيسر لبيان بطلان تعميم هذه الفكرة، وتضخيمها إلى هذا المستوى المرَضي الشائع، من أن نعارضها بهذه النقاط الواقعية الملموسة:

– أن ظاهرة (الظهور بمظهر ملائكي مع باطن شيطاني) هي ليست حكراً على الفيسبوك فقط، بل هي ظاهرة ملموسة أيضاً على أرض الواقع، وبشكل أوضح في أغلب الأحيان، فلماذا نعتبرها حكراً فقط على الفيسبوك دون غيره؟

– أن عكس هذه الفكرة قد يكون صحيحاً أيضاً! وكم من إنسان شخصيته الواقعية أجمل من شخصيته الفيسبوكية بكثير، وهذا أمر واقعٌ ومشاهَد ومجرَّب، خاصة وأن الفيسبوك قد يظهر من عيوب الإنسان ما يسهل خفاؤه في عالم الواقع.

فلماذا إذاً نأخذ (حالة) واحدة محددة من بين عدة حالات، ثم نقوم بتضخيمها وترويجها بتعميم ظالم مبني على سوء الظن؟

إن هذه الرؤية السطحية القاصرة خطيرة جداً، وهي من بعض ما جناه الكهول بتطاولهم على ما لا يفقهون، وينبغي – في الواقع – أن تحارَب وتعارَض، بنشر الوعي السليم المبني على النظرة الواقعية للأمور، وعلى البدء أولاً بالإيجابية وإحسان الظن، دون تشاؤم مظلم ودون تفاؤل ساذج.

وليس معنى هذا – على الإطلاق – أن الشخصية الواقعية هي نفسها الشخصية الفيسبوكية، وأننا من خلال إلقاء نظرة على الآثار الفيسبوكية لإنسان ما فإننا نصير مؤهلين لإصدار حكم شامل على سائر جوانب شخصيته… لا! بل إن هناك فرقاً جوهرياً صارخاً بين الكيان الواقعي ونظيره الفيسبوكي، وهو فرق قلَّ من ينتبه له ويأخذه بعين الاعتبار، بسبب أن الفكرة الباطلة التي انتقدتُها قبل لحظة صارت مسيطرة تماماً على العقول، لدرجة أنها تكاد تحجب – ويا للأسف – كل ما عداها.

وقبل التطرق لهذا (الفرق الجوهري) بين الشخصيتين الفيسبوكية والواقعية، أود أولاً أن أميز بين نوعين من الفيسبوكيين؛ وهما (الفيسبوكي الحي) و(الفيسبوكي الميت).

– الفيسبوكي الميت: هو إنسان لا يشكل الفيسبوك جزءاً جوهرياً من حياته واهتماماته، فتجد أن حسابه مقصور على بعض المنشورات العشوائية التي لا تدل على شيء (صور، أدعية وأذكار، ثقف نفسك، هل تعلم، مقاطع فيديو مضحكة، كاريكاتير… الخ)، ومثل هؤلاء ليس عندهم (كيان) خاص على هذا الموقع الأزرق، وليست عندهم (شخصية مستقلة) يمكن أن تُعرف من خلاله، فهم إذاً خارجون قطعاً من دائرة كلامنا ههنا، لأنهم لا يقدمون لنا عبر الفيسبوك أي مؤشر لقياس مدى قابلية التعامل الشخصي معهم في أي موضوع كان، ناهيك عن الرباط المقدس والميثاق الغليظ.

– الفيسبوكي الحي: وهو إنسان له (كيان فيسبوكي) مستقل قائم بذاته، وله (شخصية خاصة) ذات خصائص ومميزات وأبعاد، وقد تتفاوت درجة حرارة حضور تلك الشخصية بحسب حجم النشاط ونوعه، لكن الفيسبوكي الحي في مطلق الأحوال هو إنسان معروف، واضح، مكشوف إلى حد معقول، وعادة ما يكون قد راكم تاريخاً فيسبوكياً طويلاً وشبكة علاقات موسعة، منها ما انتقل من الفيسبوك إلى الواقع ومنها ما انتقل من الواقع إلى الفيسبوك، فهو إذاً كائن فيسبوكي (معروف)، ويسهل الوصول إليه في الواقع لمن أراد ذلك لأن عناوينه مكشوفة للجميع.

وهذا الصنف الثاني، أعني (الفيسبوكيون الأحياء)، من الشباب والفتيات معاً، هو الأكثر قابلية لأن يطرح لنا سؤال (الحب والزواج)، وهل هو ممكن أم لا، وهل هو واقع أم وهم…

وهذه جميعاً أسئلة لن نتمكن من الإجابة عنها إلا إن كنا – قبل ذلك – واعين تمام الوعي بذلك (الفرق الجوهري) بين الشخصية الواقعية ونظيرتها الفيسبوكية، وهو فرق أعمق بكثير مما يروجه السطحيون والسذج من أن الفيسبوكية وهمية والواقعية حقيقية، أو من أن الفيسبوكية مثالية والواقعية شيطانية!

لا… إن الفرق الجوهري بين الكيانين هو متعلق أساساً بالفرق بين (الحالة الفكرية) و(الطبع الشخصي).

الشخصية الفيسبوكية للإنسان تمثل بشكل أكبر (حالته الفكرية)، وأما شخصيته على أرض الواقع فتمثل بشكل أكبر (طبعه الشخصي).

إن الإنسان على الفيسبوك (يأخذه وقته الكافي) قبل النشر، وحتى قبل الإجابة عن المحادثات، فهو إذاً يتمهل، ويفكر، ويرتب الكلمات، ويبحث عن الصور، ويتفنن في النشر، ليكون ما يُظهره للناس على حائطه الشخصي هو (توجهه الفكري) بشكل أخص، فهو إذاً يعرض لنا على الفيسبوك (حالته الفكرية الثابتة والمستمرة)، لأنها تظل سارية المفعول ما لم يتراجع عنها أو يحذفها، وإلا فهي تظل مسجلة تؤرخ للحالة العقلية للإنسان في فترة ما…

وعليه، فإن التجول في الحائط الشخصي لـ (فيسبوكي حي) ما يعطينا – في غالب الأحيان – صورةً عن انتمائه العقلي وتوجه أفكاره وحجم مداركه، وربما تطوراته وتحولاته الفكرية، وهي في الواقع صورة من الأهمية بمكان، ولا ينبغي قطعاً تجاهلها عندما يتعلق الأمر بـ (مشروع زواج ما).

وأما على أرض الواقع، فإن (الحالة الفكرية) تكون ضامرة خافتة الظهور، ويكون أكثر ما يبرز على السطح من الإنسان (طبعه الشخصي)، والمراد به هنا انفعالاته العاطفية الفورية، ردود أفعاله السريعة تجاه المعطيات المفاجئة، أسلوب تعامله الشخصي مع الآخر…

في عالم الواقع لا نرى من الإنسان (حالاته الفكرية) بقدر ما نرى منه ملامح وجهه وتفاعلاتها، نظرات العينين، نبرة الكلام، هزات الرأس، الابتسامات الحوارية، الضحكات، حركات اليدين، لغة الجسد، الانفعالات، الميول الشخصية تجاه الهدوء أو الصخب، تجاه المجتمعات أو العزلة، تجاه الصراع أو المسالمة… الخ.

وهذه (الطباع الشخصية) هي ذات أهمية قصوى أيضاً، بل لعلها أن تكون أوثق عروة بعلاقة الزواج حتى من (الحالات الفكرية) نفسها، لأنها أكثر مساساً بواقع الحياة اليومية المستمرة.

فهنا إذاً قطبان، كفتا ميزان: (الحالة الفكرية = الفيسبوك)، و(الطبع الشخصي = الواقع)، وما أحوجنا إلى أن يترسخ في وعينا بأن العلاقة بين الكيانين (الفيسبوكي والواقعي) هي علاقة تكامل وليست علاقة تناقض وتنافر، وأن هذا الموقع الخطير (فيسبوك) قد قدم لنا خدمة عظيمة، وبُعداً جديداً للتأمل، وزاوية ملائمة نتعرف بها بشكل أوضح على جوانب من الأشخاص الذين نتعامل معهم، قد لا يكون من اليسير الاطلاع عليها عبر التعامل الواقعي فقط.

فالمسألة إذاً هي منظار يتكون من عدستين؛ الأولى فيسبوكية = الحالة الفكرية، والثانية واقعية = الطبع الشخصي.

ختاماً، ورغم أن هذا الكلام قد يبدو بعيداً عن موضوع الرسالة، إلا أن هذه تمهيدات أراها ضرورية لقول ما أريد قوله، وسيكون لنا لقاءات نطور فيها الموضوع بشكل أكبر – إن شاء الله – في الأقسام القادمة من هذه الرسالة، وإلى أن ألقاكم في المنشور القادم بحول الله، أترككم في رعاية الله وحفظه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ^__^

.

القسم الثالث: الواقع هو الأهم ~

تم في القسم السابق من هذه الرسالة، بعون الله وتوفيقه، وضح محاولة تمييز مختصرة بين النوعين الأساسيين من الشخصيات الفيسبوكية، وهما (الفيسبوكي الميت) و(الفيسبوكي الحي)، بحيث أن (الفيسبوكيين الأحياء) هم فقط الذين يمكن أن يكونوا موضوع نقاش حول علاقة الفيسبوك بالحب والزواج، وعددهم قليل جداً بالمقارنة مع (الفيسبوكيين الأموات) الذين يشكلون الغالبية العظمى من مجتمع الفيسبوك.

ولقد تم أيضاً بيان الفرق الحقيقي والدقيق بين الشخصية الفيسبوكية والواقعية؛ بحيث أن الشخصية الفيسبوكية الحية تكشف لنا عن (الحالة الفكرية) للشخص، وأما الواقعية فتكشف لنا عن (طبعه الشخصي)، فهما إذاً زاويتان متكاملتان وليستا متناقضتين، ولعل ذلك يتجلى بوضوح في أن الحساب الفيسبوكي لأي شاب يَخطب أو فتاة تُخطب، لا بد أن يخضع لعملية بحث وتفتيش طويلة ومعمقة، وفي هذا دليل على أن الناس صاروا اليوم بالفعل يأخذون الفيسبوك على محمل الجد، ويعرفون أن تحليل حساب إنسان ما سيجيب حتماً عن مجموعة من الأسئلة التي قد يستعصي الحصول على إجاباتها واقعياً، وهذا توجه صحيح يجب أن ندعمه وأن نلتفت إليه، لأن الحساب الفيسبوكي الحي هو – دون أدنى شك – يقول الكثير…

وكم من إنسان لو التقيته على أرض الواقع وتعاملت معه بناءً على طبعه الشخصي فقط، فإنك – ربما – لن تجد فيه ما يريب، لكنك إن قمت بجولة في جداره الفيسبوكي وجدتَ ما يصدمك ويسوؤك! كأن يكون مثلاً من أهل الإلحاد والإباحية والعلمانية، أو أن يكون من مناصري التشدد والتطرف الديني والجماعات الإرهابية المجرمة، أو أن يكون من ساقطي المروءة المجاهرين بالميوعة والخلاعة، أو أن يكون من أهل النرجسية وعشق الذات والأنانية المفرطة… وجميع هذه أمور تبدو متجلية بوضوح شديد في بعض الحسابات الفيسبوكية الحية، وهي ولا بد ذات تأثير مباشر على اتخاذ قرار الارتباط من عدمه.

ولعل من الإجحاف والظلم الكبيرين اللذين يمارسهما المجتمع المريض على شبابه، بسبب الانطلاق أساساً من سوء الظن، أنه إذا رأى خيراً على الفيسبوك نفاه وألغاه وأعرض عنه، ووصفه بأنه وهم وكذب وانتحال وتمثيل، لكنه إذا رأى شراً وسوءاً سارع فوراً للإدانة به، ولم يعتبره وهماً، بل حقيقة ثابتة ودليل إدانة يصدر بموجبه حكم الإعدام!

ومهما يكن من أمر، ولكي أدخل أكثر في صلب الموضوع كما ورد في السؤال الأصلي، فإني أود قبل ذلك أن أشير لمسألة مهمة؛ وهي أن كل ما قلته في هذا الموضوع من قبل، وكل ما أقوله الآن، وكل ما قد أقوله لاحقاً، لا علاقة له إطلاقاً بمسألة نجاح الزواج أو فشله… احتمالات النجاح والفشل، كما أثبتت ذلك تجارب الحياة، مفتوحة دوماً على مصاريعها، ومفتوحة أيضاً بشكل كامل على المفاجآت الصادمة من أي نوع! وكم من زواج بني على أسوأ الطرق المرفوضة مجتمعياً، ومع ذلك حقق نجاحاً مفاجئاً، وكم من زواج بني على المبالغة في الدراسة والتحليل والتنظير، ومع ذلك فشل فشلاً ذريعاً! وكم من زيجات للعوام البسطاء الجاهلين نجحت، وكم من زيجات للمثقفين والمشاهير الذين صدَّعوا رؤوسنا بالثرثرة عن الحب، انتهت على أسوأ حال…

نتيجة الزواج في كل حال هي مفاجأة لا يمكن توقعها، والارتباط مغامرة مهما دُرست تظل مفتوحة الاحتمالات على النتائج، وليس للإنسان – مهما فكر وقدر – إلا أن يتوكل على الله وحده، وأن يسأله التوفيق والسداد والبركة…

إذاً… كل كلامي هذا غير معني إطلاقاً بالنتائج، وإنما أتحدث فقط عن بعض الوسائل المعينة، والاحتياطات اللازمة، وأما نتيجة الزواج فهي دائماً في حكم الغيب المجهول، فأرجو من جميع القراء وضع هذه النقطة في عين الاعتبار وعدم إهمالها، فهي من الأهمية بمكان…

* * *

أعود الآن لما تطرقت إليه الرسالة التي أحاول الإجابة عنها، وهي متمحورة حول إثبات وجود مشاعر متبادلة بين الجنسين على الفيسبوك، وأن الكثيرين هنا يتوقون لبعضهم بعضاً، وأنه لا ينقصهم سوى الوسيط الذي يعينهم على الإفضاء بمكنونات القلوب، تمهيداً لفتح السبيل أمام الانتقال إلى علاقة ارتباط جاد.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو متعلق بهذه (المشاعر الرقمية) نفسها، والتي إن كانت موجودة بلا شك، فهل هي بالفعل مشاعر حقيقية تكفي للتفكير في قرار الارتباط؟ أم أن الكيان الفيسبوكي وحده غير كاف للتفكير في هذا الاتجاه؟

وجوابي عن هذا السؤال هو: لا، قطعاً!

المشاعر الفيسبوكية والرقمية عموماً – ومهما بلغت شدتها – هي ليست من الواقعية بما يكفي للتفكير في اتجاه الزواج، ورغم أن هذا الرأي قد يبدو مخيباً لآمال أنصار (زواج الفيسبوك) إلا أن هذه هي الحقيقة التي لا مفر منها…

المشاعر الرقمية مبنية دائماً على (صورة ذهنية خيالية) للطرف الآخر، وتلك الصورة تتشكل من خلال منشوراته وكتاباته وأفكاره، وقد يكون فيها جانب من الانجذاب الشخصي في حالة نشره لصوره، على أن تلك الصور نفسها قد تكون خادعة وإن كثُرت، وأما مقاطع الفيديو فهي أقرب من الصور لتكوين صورة أوضح، لكنها مع ذلك غير كافية لتكوين انطباع صادق.

إن جانب النقص الأبرز في (المشاعر الفيسبوكية) هو أنها مبنية فقط على (الحالة الفكرية)، في حين أن الزواج – كما ذكرتُ من قبل – يعتمد بشكل أكبر على (الطبع الشخصي) الذي لا يمكن التعرف عليه إلا في الواقع.

ولذا، فإن أي مشاعر أو انطباعات مبنية فقط على الكيانات الرقمية، هي واهمة وقاصرة ولا بد، وإن الأشخاص على حقائقهم مختلفون بشكل كبير عن كياناتهم الفيسبوكية، ومما ينبغي التأكيد عليه أن دقيقة واحد من اللقاء الواقعي قد تنسف تلك الصورة المتخيَّلة فيسبوكياً بشكل كامل، حتى وإن شُكِّلت على مدى سنوات طوال من العلاقة الرقمية المقربة.

تعرَّف رقمياً إن شئت على إنسان لمدة سنوات، ثم التق به في الواقع، وسترى أن الدقيقة الأولى في الواقع ستعيد تشكيل صورتك عن الشخص بشكل جذري، نحو الأحسن ربما، أو نحو الأسوأ، المهم أن انطباعك عنه سيتغير دون أدنى شك في ذلك…

وعليه، فإن أي قرار خطبة أو زواج مبني على الانطباع الفيسبوكي وحده دون أي تدخل للانطباع الواقعي، هو قرار أراه منافياً للحكمة، ليس لأن الفيسبوك ماخور وكل من فيه بنات هوى – معاذ الله! -، بل فقط لأني أراه – وبكل بساطة – قراراً مصيرياً ضخماً لكنه مبني على معلومات ناقصة وغير كافية.

وبناءً على هذا، فإني أؤكد بشدة على ضرورة الحضور الواقعي قبل اتخاذ أي خطوة جدية نحو الارتباط، وأعني بالحضور الواقعي أن يكون قد حصل لك لقاء للطرف الآخر أو رؤية عينية له في مكان ما… في المدرسة، في الجامعة، في ملتقى ما، في زيارة عائلية، في صدفة من الصدف كيفما كانت… الخ، لا تهم التفاصيل، فالأقدار الإلهية المتعلقة بلقاء الأزواج متعددة بتعدد الناس أنفسهم، المهم أن تكون حصلت (رؤية عينية حقيقية ومباشرة)، لأنها شرط أساسي لا محيد عنه للانجذاب المفضي لاتخاذ قرار الخطبة، ثم يأتي الفيسبوك بعد ذلك ليدعم ذلك الانطباع الواقعي أو يهدمه، وإن له لأهمية تفرض نفسها أيضاً، لكنها لا تحل أبداً محل الانطباع الواقعي الأكثر أهمية.

فهي إذاً مقاربة وسطية معتدلة واقعية أدعو إليها، وهي مبنية على إعطاء الفيسبوك حجمه الحقيقي دون تضخيم ولا تبخيس، ودون إفراط ولا تفريط.

بعيداً عن إفراط من يعتبر الفتاة ذات الحساب الفيسبوكي رجساً من عمل الشيطان، ومطعونةً في عفتها وشرفها وكرامتها، وأن مجرد امتلاكها لحساب، أو كونها في قائمة صداقتك، هو مانع نهائي من الارتباط بها بأي شكل كان وتحت أي ظرف!

وبعيداً أيضاً عن تفريط من يسارع إلى التحليق في فضاءات الخيال الوردي الحالم، ويسعى عازماً على خطبة فتاة فيسبوكية لأن (منشوراتها دينية صالحة) أو لأن (أسلوبها الكتابي جميل) أو لأنها (جميلة من خلال صورها المنشورة) أو لأنها (من أهل الصلاح بسبب حجابها أو خمارها أو نقابها)!

.

في القسم القادم إن شاء الله، وعسى أن يكون عنوانه (معالم الطريق)، سأنطلق من فرضية أن الشروط المذكورة في هذا القسم قد تحققت، وسيكون فيه حديث عن الوسيط للزواج والاعتراف بالمشاعر بواسطة المراسلة، وأيضاً اقتراحات لأساليب وطرق آمنة تمهد الطريق نحو تحقيق خير ما يُرى للمتحابين، فانتظرونا ^__^

.

القسم الرابع: معالم الطريق (1) ~
بعد أن تحدثت في القسم الثالث من هذه الإجابة عن (المشاعر الرقمية) واصفاً لها، ومميزاً بينها وبين المشاعر المبنية على انطباعات واقعية، اشترطتُ لاتخاذ قرار الارتباط أن تكون قد حصلت بين الطرفين ومضة واقعية ما؛ نظرة، لقاء، صدفة، أي شيء! لأن ذلك أدعى لأن يكون الانطباع العام أصدق وأدنى إلى الحقيقة.

وأعتقد أنه حان الوقت الآن للانتقال إلى مستوى آخر من هذا الموضوع، ألا وهو التطبيق العملي، والطريق التي يمكن اتخاذها لتحقيق الاقتراب المنشود، وقد اقترحت صاحبة الرسالة الأولى تعزيز مسألة (الوسائط) في هذا الموضوع، بمعنى أن يكون هناك أشخاص أو هيئات مهمتها الأساسية التوسط بين الشاب والفتاة، بحيث تنقل لأحدهما رغبة الآخر فيه، وتسعى للتقريب بينهما وتيسير سبل لقائهما تمهيداً للخطبة الرسمية.

والحق أن مسألة (الوساطة) في الزواج هذه هي محل انتقاد شديد عندي، وقد سبق ووضحت في منشورات سابقة أسباب رفضي التام للوساطة، وأنها – في حقيقة الأمر – شيء لا داعي له، ويمكن تجاوزه بسهولة من طرف الشباب خصوصاً، بل إنها قد تكون سبباً في فتح أبواب من الشر ما أحوجنا إلى أن تظل مغلقة موصدة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الواسطة نوعان؛ النوع الأول يكون مبنياً على اختيار شخصي حر للطرف الآخر، فيقوم الشاب مثلاً بإرسال الإشارات عبر قنوات من الأهل أو أصدقاء والد الفتاة أو وليها أو غير ذلك مما يراه بحسب ظروفه، وهذه أراها مقبولة لا عيب فيها، وأما النوع الثاني فهو المبني على (البحث عن الشريك) أساساً، كما تفعل بعض مواقع (ابحث عن زوجك/زوجتك المستقبلي/ة)، وكما فعل (مستر عنُّوب) في مبادرة (سوق النخاسة) إياها…

وإن السبب الرئيسي وراء رفضي لمسألة (الواسطة) هذه، سواء أكانت فيسبوكية أو واقعية، هو أنها تجرد الارتباط من أجمل وأقدس ما فيه؛ ألا وهو الانجذاب الشخصي والاقتناع التام بالآخر، ولعل أسلوب الواسطة يجد له ترحيباً حاراً من طرف فئة (الكهول) تلك، لأن هذه الفئة لا تزال مؤمنة – في الأغلب الأعم – بالزواج التقليدي البائس الكئيب، والذي يلغي من اعتباره إلغاءً تاماً جانب العواطف والمشاعر والأحاسيس، وهي أهم ما في الموضوع أساساً!

وهذا النوع من الزواج أسميه (زواج الكاتالوغ)، لأنه مؤسس فقط على مواصفات قياسية موضوعية جامدة، فهو إذاً (كاتالوغ) يضم مجموعة من المواصفات، وهي إذاً (استمارة) لو ملأتها أي فتاة في محيط الشاب لصارت مرشحة لأن يتقدم لها، دون النظر – إطلاقاً – لميل القلب والإحساس! وهو ما أراه أمراً فظيعاً يدل على تبلد في المشاعر وتحجر في القلب، فضلاً عما فيه من أنانية مفرطة شديدة القبح…

فالزواج إذاً هو قرار شخصي، حر، يؤسس على عمودين هما (المواصفات الموضوعية) و(ميل القلب)، وإلغاء أحد هذين العمودين خطأ فادح قد تكون له نتائج لا تُحمد عقباها.

كما أن الفتاة ليست (سلعة) تباع وتشترى، وإني لأعجب كيف بلغ الذل والهوان ببعض الفتيات أن يقبلن الانضمام لمبادرة سوق النخاسة، وأن تجعل الواحدة منهن نفسها رقماً في قائمة أرقام، طويلة، وسطراً في جدول يضم مجموعة من المواصفات الموضوعية، بحيث يأتي الشاب فيتبضَّع من تلك القائمة فتاة ما قد تكون هي وقد تكون غيرها!

وليس رجلاً أيضاً من تزوجه أمه، أو من تُختار له زوجته، ولا يملك قلباً من يسلم زمام اختيار شريكته لآراء الآخرين ووسائطهم واقتراحات المقترحين!

جميع هذه أمور حاطة من الكرامة الإنسانية، ولا يقبلها من الشباب أو الفتيات من أوتي ذرواً من عزة النفس ورفعتها…

ولو أننا فرضنا أن كافة الشروط سالفة الذكر قد تحققت، من وجود الانجذاب العاطفي الأولي، والمبني على مزيج الانطباعين الواقعي والرقمي، فكيف السبيل إذاً إلى الاقتراب والمكاشفة؟ وما هي الطريق الأمثل لتحويل الخيال إلى حقيقة؟

وهل يستوي الطريق بين الشاب والفتاة أم أن هناك اختلافاً بين الطريقين؟

إننا بتأملنا لهذا الوضع بتعمق، وفي ظل المعطيات التي يتميز بها عصرنا الحاضر، فإن من المؤسف حقاً القول بأن الأبواب هي أكثر انفتاحاً أمام الشباب منها أمام الفتيات، وأن الشاب إن تيسرت أموره المادية فإنه لن يعدم أن يجد طريقاً سالكة توصله إلى فتاته، وأما الفتاة فإن الأبواب أمامها أشد إغلاقاً، والطرق المتاحة لها – إن كانت هناك طرق – وعرة ضيقة صعبة، وهذا واقع مؤسف لا تمنعني أي مجاملة لأحد في أن أنص عليه كما هو.

ثم إن الأمور قد تتيسر بتوفيق من الله تعالى، للشاب والفتاة معاً، في حال كانت ظروفهما من النوع الذي يساعد على اقتراب أكبر في أرض الواقع، كالزمالة الجامعية أو شبكة المعارف المشتركين، في العائلة أو الحي أو غير ذلك، وأما لو كانت المسافة الواقعية بينهما أبعد – حتى وإن كانا في نفس المدينة -، فإن الطريق أمام الفتاة أضيق منها بكثير أمام الشاب، وهو ضيق راجع لكون الشاب هو الطالب المبادر المعلن عن نفسه، فإذا أحب فتاة تقدم لها، وأما الفتاة فهي تُطلب وتظل تنتظر أن تُطلب، فإذا أحبت شاباً لم تستطع أن تعرض عليه نفسها وتدعوه إلى خطبتها، ووجدت نفسها مضطرة إلى الكتمان حتى يأذن الله!

وقد يقول قائل بأن الشرع أجاز للفتاة أن تعرض نفسها على الشاب الصالح إن أرادته زوجاً لها، وأجاز لها أيضاً أن توسِّط له من يقترحها عليه من أهل الفضل، وكل هذا حق لا جدال فيه، لكن الإنسان الكيس لا يُغفل معطيات عصره وواقعه، ولا يتجاهل أيضاً ما صار سائداً في عقول الناس وأساليب تفكيرهم، وكون الشيء جائزاً في الشرع لا يوجبه، ولا يجعل إتيانه ضرورة، وقد يكون تركه أولى إن دعا النظر إلى تركه، وهو ما أراه منطبقاً على مسألة عرض الفتاة لنفسها على الشاب.

ثم إن هناك مسألة مهمة يُغفل عنها كثيراً؛ وهي أن الشاب في العادة لا يصبر على محبوبته التي مال إليها قلبه، فإن أحب الشاب فتاة لم يستطع الكتمان في صدره طويلاً، وإن كان مستعداً للزواج سارع بأقصى ما لديه لكي يتقدم لها خشية أن يُسبق إليها، ومن هنا لا يعود هناك معنى لاعتراف الفتاة للشاب بمشاعرها نحوه على الفيسبوك أو غيره، لأنه إن كان يشعر نحوها بشيء وكان مستعداً فإنه سيسبقها إلى ذلك ولن ينتظرها حتى تعترف له هي…

إن الشاب حين يسمع اعتراف الفتاة له بمشاعرها، ومهما يكن أسلوب اعترافها، فإن دماغه يترجم كلماتها كيفما كانت إلى عبارة واحدة وهي (تعال اخطبني)، وهي في الحقيقة عبارة لها وقع مزعج جداً على الشاب، ويكون جوابه الضمني عليها (لو كنت أريد خطبتك لفعلتُ منذ زمن)!

ثم إن الفتاة لا تأمن أن يكون الشاب، أو أهله، من ذلك النوع من الناس الذين ينتقصون من الفتاة العارضة لنفسها، ويعيرونها به، فلا تزال ذكرى عرضها لنفسها سيفاً مصلتاً فوق رأسها، ولا تدرى متى يهوي عليها حتى بعد الزواج، وأعني هنا في حال كان الزوج من هذه الفئة الجاهلة التي ذكرتُ.

وهناك أيضاً مسألة نفسية دقيقة أخرى لا يُنتبه لها؛ وهي أن من طبائع الأمور أن الرجل – بتكوينه النفسي – يحب أن يكون (صياداً) ويكره أن يكون (فريسة)، فإذا أحس بأنه يتعرض لعملية (نصب شباك) من طرف فتاة ما لغرض أن (توقعه في حبائلها)، فإن أجهزة الحماية تتحفز عنده، ويتخذ وضع الدفاع عن نفسه… والفتاة حتى وإن كانت صادقة في مشاعرها فإن الشاب قد لا ينظر إليها كذلك، بسبب ما يراه ويعرفه من كثرة (قناصات الأزواج) على الفيسبوك وغيره، فيأخذ اعترفها بالحب على أنه مجرد (نصب شباك)، وأنه لو التقط الطعم فإنه سيصير طريدة واقعة في الفخ المنصوب لها، فيبدأ على الفور بعملية الهروب التكتيكي والانسحاب الممنهج…

فليس للفتاة إذاً – مهما كانت نيتها – أن تستغرب لو رأت بأن الرجل بدأ يتحول إلى سراب، لا تقترب منه إلا بقدر ما يبتعد منها، السبب ببساطة أنها تسرعت بالاعتراف له بحبها أو عرض نفسها عليه، أو أتت من الأفعال والتصرفات ما جعله يستشعر أن شباكاً ما تُنصب حوله، مما حفز أجهزة الدفاع لديه، ولو أنه كان راغباً في التقدم لك – أختي الفتاة – لسبقك، ولبادر هو إلى الإعلان عن نفسه فور أن تقرر لديه بأنه مستعد لذلك مادياً ونفسياً.

ربما من المؤسف عرض هذه الحقائق التي صار يفرضها علينا واقع المجتمع، والذي جعل من كيد الفتاة واحتيالها للظهور في ساحة من تحب مهمة أصعب بكثير، وهو أمر وإن كان أجازه الشرع من باب (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا)، وأيضاً (يا أبت استاجره إن خير من استاجرت القوي الامين)، إلا أن الحذر الشبابي المتزايد من الفتيات عموماً، فضلاً عما يعانونه من صعوبة الأوضاع وقلة ذات اليد التي تحجب عنهم التفكير فوراً في الزواج، يجعل من الأفضل للفتاة من الاعترف وعرض نفسها أن تتوجه إلى الله بالدعاء الخالص، في سجودها، وفي ساعات الاستجابة، أن يأتيها الله به إن كان فيه خير، وأن يبعده عنها ويصرفه عن قلبها إن كان فيه شر.

والله تعالى قادر على كل شيء، ولعله إن أجاب دعاءها أن يأتيها به من حيث لا تحتسب، أو يأتيها بخير منه إن شاء، على أن تكون متيقنة – بدافع من حسن ظنها بالله – أن الله تعالى لم يصرفه عنها إلا لحكمة يعلمها، ويعلم من أوجه الخير فيها ما لا تعلم، فالإنسان يريد والله يفعل ما يريد، والخير فيما اختاره الله عز وجل…

.

القسم الخامس والأخير: معالم الطريق (2) ~

أما الآن وقد فرغتُ في القسم السابق من الحديث عن جانب (الفتاة) في موضوع الزواج وما طرحه الفيسبوك حوله من أسئلة جديدة، فإني أنتقل بحول الله إلى الجانب الآخر وهو جانب (الشاب)، ولا حاجة للتذكير طبعاً بأن كل ما أكتبه في هذه الإجابة مبني على فرضية حسن النية، مع تحقق كافة الشروط المذكورة في الأقسام السابقة…

إن المسألة المفروغ منها بحكم الواقع الملموس، أنه وإن كانت الأبواب أمام الفتاة – لسوء الحظ – شبه مغلقة في ما يتعلق بسيرها نحو من تحب، فإن الأبواب أمام الشاب – لحسن الحظ – أكثر انفتاحاً بكثير، بل إن الفيسبوك قد زادها انفتاحاً وتيسيراً، وإن كان إعلان القطيعة مع الأفكار البائدة الرافضة لكل جديد، يحتاج شجاعة وجسارة ما أجمل أن يتحلى بهما الشاب الثائر على هذر الكهول.

فإلى الشاب الذي استقر به الرأي على خطبة (فلانة) من الناس، بعد أن استشفَّ من كيانها الفيسبوكي الحي ما أرضاه من ذوقها واهتمامها وأفكارها، وبعد أن رأى منها على أرض الواقع من الحياء والجمال ما أنعش قلبه وجعله يخفق تجاهها، وبعد أن تضافر كل ما عرفه عنها ورآه منها – هنا وهناك – جاعلاً إياه يتوسَّم فيها خيراً كثيراً، فعزم أمره على أن يتقدم لها خاطباً، متوكلاً على الله تعالى مستخيراً له؛ هذه نصيحتي لك ووصيتي التي ألقيها إليك، فاسمعها عساها بإذن الله تفيدك:

بادئ ذي بدء، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تبحث بطرقك الخاصة في الاستقصاء، عن قناة توصلك إلى الفتاة على أرض الواقع، كأن تستخبر عن عنوانها، ومكان عمل أبيها أو وليها، وأن تبحث عما إذا كانت هناك قنوات موصلة بين أهليكما، أو شبكة معارف مشتركين، أو غير ذلك مما يمهد لك طريقاً سالكة لتأتي بيت الفتاة من بابه… وإياك إياك أن تكون من أولئك الذين يسعون لإخراج الفتيات سراً من بيوتهن إلى المقاهي لغرض (التعارف أولاً قبل الخطبة)، فهذه حيلة شيطانية خسيسة، وكن على يقين من أنك لن تتعرف من الفتاة على شيء في المقهى، بل لعل ذلك أن يكون من أسباب تصدع العلاقة بينكما مستقبلاً، وتيقن أيضاً من أن فترة الخطوبة كافية جداً لأن تعرف ما تريد، ولا تسمع لمن يقول بأن جلسات التعارف في فترة الخطوبة تكون خجولة صامتة لأنها في حضور محرم، فهي لن تعرِّفك شيئاً إذاً، وأن الفتاة في المقهى تكون أكثر حريةً وانطلاقاً وعفوية، فهي إذاً ستكشف لك من ذات نفسها ما لن تكشفه في جلسة الخطوبة! بل إن الفتاة في المقهى تكون أكثر انتحالاً وتمثيلاً، ولا تتوقع أنك في جلسات المقاهي توقِّع معها عقداً على ما تتفاهمان حوله من شؤون المستقبل، لأنها وبكل بساطة تستطيع أن تقول لك (نعم) حول كل شيء، ثم بعد الزواج قد يكون شيء آخر! وعندها لن تذكِّرها طبعاً بـ (ما اتفقتما عليه) في المقهى الفلاني في (عام اللفت) قبل أن تتقدم لبيتها!

فهو إذاً طريق واحد أن تأتي البيت من بابه، ولا تخش شيئاً بإذن الله، فهي على كل حال ليست سوى (فترة خطوبة)، وبالإمكان التراجع خلالها إن ظهرت بوادر عدم التفاهم واستحالة الاستمرار…

ثم إذا لم تجد – رغم بحثك – طريقاً توصلك لبيت الفتاة على أرض الواقع، فإن بإمكانك أن تستثمر هذا الفيسبوك استثماراً حسناً، وكما استثمرته من قبل في التعبير عن ذاتك وأفكارك وتوجهاتك، وكما استثمرته في التعرف على فتاتك التي تابعت حسابها وأخذت فكرة عن ميولها وأفكارها وتوجهاتها، فبإمكانك إذاً أن تستثمر ما يوفره هذا الموقع من تقنية تواصل ممتازة، وأعني هنا… أن تعبر عن نفسك بأسلوب المراسلة.

والمقصود أن تكتب للفتاة رسالة خاصة في الموضوع موجهة لها، وهو مقترَح أتقدم به للجميع، على أن يكون مراعياً للشروط التالية:

– اكتب رسالة للفتاة، على أن تكون رسالة مهذبة قاصدة، تودعها في صندوقها، تعرِّف فيها بنفسك وبعض أوضاعك وأحوالك، وتكشف بتهذيب عن رغبتك الصادقة في التقدم لها، وأنك إنما تنوي صادقاً إتيان البيت من بابه، ثم اذكر لها أنك تمنحها ما تشاء من الوقت للتفكير، فإذا انتهى بها الأمر إلى الموافقة أن تجيبك عن رسالتك مرحبة بعرضك، وتقدم لك عنوانها، أو مكان عمل أبيها أو وليها، أو مكان وجوده، أو ما تراه من أفضل أساليب الاقتراب الواقعي بحسب تقديرها لظروفها الخاصة وظروف أسرتها.

– واحرص على أن تكون رسالتك موضوعية مهذبة، ولا تحشُها بألفاظ الحب والغرام والهيام، وكل كلام لم يأت أوان قوله بعد.

– ولا تدهمها برسالتك في محادثة مباشرة، بل اجعل الأمر عبارة عن (تراسل) وليس (محادثة)، فالتراسل أدعى لزوال الحرج وتنظيم الكلام وقول ما هو مهم، بعكس المحادثات التي تتطلب التفاعل الفوري، وموضوع حساس كهذا لا يحتمل المحادثة، وإنما يستوعبه التراسل.

– ولا تطالبها بالرد ولا تستعجلها، ولا تكرر عليها عرضك بشكل مزعج ومحرج، بل اذكر في رسالتك أنك تخيرها في حالة الرفض بين عدم الرد بتاتاً، وبين الرد بالرفض، ولا تنزعج إذا لم ترد على رسالتك مهما طال الزمن.

– فإذا قرأت الفتاة الرسالة وأخذت من وقت التفكير ما كفاها، واستخارت ربها، واستقر رأيها أخيراً على القبول، فإنها تجيب الشاب برسالة مهذبة قاصدة، تودعها في صندوقه، وتخبره بالطريق الأنسب الذي يمكن أن يسلكه نحو باب بيتها، وباب بيتها فقط! كأن تخبره بعنوان البيت، أو محل عمل الأب أو الولي، أو غير ذلك… فإذا استقر رأيها على الرفض تخبره بذلك أيضاً برسالة اعتذار، متمنية له أن يرزقه الله خيراً منها.

– وفي حالة الرفض لا يلحُّ الشاب ولا يكرر رسائله، فإن فعل صار مزعجاً جداً للفتاة، واستحق منها أن تعامله بما يستحق، واستوجب أن يتعرض منها للحذف والحظر وكل ما يقطع عنه سبل التواصل معها بأي طريقة كانت.

وقد يقول قائل – وخاصة من أنصار المقاهي – بأن من غير العملي، بسبب واقع المجتمع، أن ندعو الشاب لأن تكون أول خطواته خطبة رسمية، لأن الخطبة اليوم هي عبارة عن حفل بهيج، ويتكلف الشاب فيه شراء الخاتم والهدايا وغير ذلك، فكيف يأخذ معه هذه الأشياء إلى بيت يزوره أول مرة؟ وكيف يدخل به على أهل لا يعرفونه ولم يروه من قبل؟

وجواب هذا ببساطة أن التقاليد يمكن تطويعها بما يتلاءم مع الحاجة، وأن كثيراً من الشباب الذين يتحرون الزواج الشرعي في هذه الأيام يذهبون في زيارة أولى للتعارف فقط، لا خاتم فيها ولا هدايا ولا حفلة، فإذا حصلت الموافقة المبدئية حُدد موعد (حفلة الخطوبة) في وقت لاحق، وفيها تراعى الأعراف وما اعتاده الناس في هذه الأمور…

هذا، وإن كل ما ذُكر ينبغي أن يحاط بسياج من الكتمان التام إلا عن ذوي الشأن من الأهل، وحتى لو تمت الخطبة فلا ينبغي مطلقاً إعلانها على الفيسبوك.

وإني لأعجب أشد العجب ممن يعلن خطوبته على الفيسبوك، وإني لأكثر عجباً ممن يعلن حساب مخطوبته واسمها! فليست الخطبة في الواقع إلا خطوة أولى لا أكثر، وقد يبدو للشاب من الفتاة أو أهلها ما لم يكن يحتسب، وقد يبدو للفتاة من الشاب أو أهله ما لم تكن تحتسب، وقد تظهر بوادر استحالة الاستمرار منذ البداية، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، فإذا كان مقدراً أن تُفسخ الخطوبة (وهو أمر عادي لا شيء فيه) فإن كونها مكتومة يخفف من وقع الأمر، ويكف ألسنة السوء عن الشاب والفتاة وأهليهما، وأما إن كانت معلنة على الفيسبوك بالأسماء والحسابات، فإن ذلك يجعل الشاب والفتاة عرضة للألسنة وكلام والناس والخوض في الأعراض وشماتة الأعداء…

وإن من عيوب مجتمعنا المريض بتقاليده أنه يعطي الخطبة من سرف الاهتمام ما لا يعطيه للزواج نفسه، وقد صار مؤخراً يسرف في الاهتمام بما قبل الخطبة نفسها، وبأسلوب التعارف ذاته، وقد أضاف بذلك مزيداً من الآصار والأغلال على الشباب، بعد أن كان من المفروض أن تتوجه العقول نحو مقاربات أكثر بساطة لمسألة الزواج، فلا تُعطى بعض الأمور أكبر من حجمها الذي تستحق…

لأن العبرة في النهاية – في حقيقة الأمر – ليست بكيفية التعرف الأولى بين الطرفين، وهل كان للفتاة حساب فيسبوكي أم لا، وهل كلمته قبل أن يتقدم لها أم لا، وهل كانت قديماً تضع صوراً لها أم لا، وهل رآها في الشارع أم لا، وهل كلمها أم لا، وكيف، وأين، ولماذا… إلخ من التفاصيل التي تصير تافهة وغير ذات قيمة عندما تصل العلاقة إلى مرحلة الميثاق الغليظ والرباط المقدس!

المهم أن الأقدار جمعتهما وهذا كاف، وما دامت الأمور تسير سيراً صحيحاً نحو الميثاق، وما دام الشاب قد أثبت جديته بطرقه باب المنزل، فإن كل ما مضى لا ينبغي أن يدقَّق فيه، وقد قلتُ من قبل بأن الأقدار الإلهية المتعلقة بلقاء الأزواج تتعدد بتعدد الناس أنفسهم، وأما التفاصيل الدقيقة فتطوى ولا تروى، ومنها يتسلل الشيطان اللعين، والهوس بها مرض اجتماعي يجب أن يعالَج، ومهما يكن في ما مضى من صواب أو خطأ فلا ينبغي أن نحمل الأثقال على ظهورنا، بل نتوجه بأبصارنا فقط نحو الأمام، نحو المستقبل، نحو الحياة، نحو سعي متبادل لأن نصير أفضل دائماً، وأن تكون بيوتنا عامرة بالحب والمودة والرحمة والتعاون الذي لا حدود له…

(( الــنــهــايــة ))

أنس سعيد محمد
24/03/2016

عـتـمـات ~

18/01/2016 الساعة 20:26 | أرسلت فى إصـدارات رقـمـيـة | أضف تعليقاً

.

atamat poster1 jpg

.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ^__^

* * *

(( عـتـمـات – أنـس سـعـيـد مـحـمـد ))

-( الغلاف الأمامي )-

* * *

تحيةً طيبةً لكم وبعد…

يسرني ويسعدني، أيها الإخوة والأخوات، أن أقدم لكم الإصدار الخامس والأخير في سلسلة إصداراتي الأدبية السنوية، وهو إصدار أتوج به خمس سنوات كاملة من المحاولات الكتابية المتواضعة، بدءاً من رواية (مسارب إبليس) التي صدرت – رقمياً – عام 2011، وانتهاءً بهذا الكتاب (عتمات) والذي يصدر بمرسوم العام 2015 ^__^

وعلى غرار الكتابين السابقين، وتماماً كما في (شموع الحنين وأوراق أخرى) وأيضاً في (ومضات وشهب)، يضم هذا الكتاب الجديد باقة من النصوص الجديدة التي نُشرت من قبل في صفحات الفيسبوك ومدونة (الأيام البريئة)، وقد خضعت بطبيعة الحال لعملية تنقيح وتحسين وإضافة عدد من الأسطر والفقرات هنا وهناك…

جميع نصوص هذا الكتاب كُتبت خلال عام 2015، باستثناء نص واحد فقط له نفس عنوان الكتاب (عتمات)، وكنت قد نشرته أول مرة في عام 2013.

وحتى لا أطيل عليكم، أقدم لكم فيما يلي بطاقة الكتاب التقنية، متبوعة برابط تنزيله بصيغة PDF:

– عنوان الكتاب: عتمات

– مؤلف الكتاب: أنس سعيد محمد

– تصميم الغلاف: أنس سعيد محمد

– عدد صفحات الكتاب: 249 صفحة

– نوعية الكتاب: ذكريات كُتبت على شكل نصوص أدبية

– صيغة الكتاب: رقمي – pdf

– رابط تنزيل الكتاب: https://app.box.com/s/b73hq96gltwzx3a2i3veuqfuys7u2sbd

– صدر للمؤلف:

* 2011: مسارب إبليس (رواية)
* 2012: مسلسل عمر، نحو تأطير شامل للصورة (نقد)
* 2013: شموع الحنين، وأوراق أخرى (نصوص أدبية)
* 2014: ومضات وشهب (منشورات)

– للتواصل مع المؤلف:

* المدونة: innocentdays.wordpress.com
* البريد الإلكتروني: anas.said.mohamed@gmail.com
* الآسك: ask.fm/innocentdays

======

متمنياتي للجميع بقراءة ممتعة، ولا تبخلوا علي بتعليقاتكم وآرائكم وتوجيهاتكم التي تسعدني وتشرفني ^__^

بارك الله فيكم… وفي أمان الله وحفظه ~

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لمحبي الأنيمي المترجم: افتتاح مدونة الرصاصة الفضية – Silver__Bullet Blog

09/01/2016 الساعة 16:07 | أرسلت فى كـلـمـة الـمـدون | أضف تعليقاً

Silver Bullet Blog Pub

.

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ~

أسعد الله أوقاتكم بكل خير، أعزائي زوار مدونة الأيام البريئة، أتمنى أن تكونوا بخير وعافية…

وبعد،

ولأني قد عدت منذ بضعة أشهر لمزاولة نشاط ترجمة الأنيمي الذي كنت قد انقطعت عنه منذ بضع سنوات، فقد أحببت أن أقوم بتجميع كافة أعمالي المترجمة (قديماً وحديثاً) في مدونة تضمها، وقد هممتُ في البداية بإضافة تصنيفات خاصة بالأنيمي لهذه المدونة نفسها، لكني تراجعت عن ذلك تفادياً لاختلاطها الذي قد يكون مربكاً مع ما تخصصت فيه هذه المدونة…

وهكذا، قمت بافتتاح مدونة جديدة خاصة بما أترجمه من حلقات الأنيمي وأفلامه، وأسميتها (مدونة الرصاصة الفضية)، وهي ترجمة حرفية للشعار الذي اتخذته منذ بدايتي في هذا المجال (Silver__Bullet).

فإليكم، أصدقائي من محبي الأنيمي المترجم، رابط المدونة الجديدة، والتي أتمنى أن تجدوا فيها ما يعجبكم ويروق ذوقكم:

.

silverbulletanime.wordpress.com

.

في أمان الله وحفظه ^__^

داخل سيارة الأمن الوطني ~

24/08/2015 الساعة 13:28 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليقاً

.

amn watani

.

السابعة مساءً تقترب…

وبعينين منهكتين من فرط التحديق في شاشة الحاسوب استدرتُ لإلقاء نظرةٍ على الساعة الحائطية، سفيان يفعل الشيء نفسه، والتقتْ عينانا لتتبادلا بصمتٍ العبارة الدائمة: “هروبٌ على رأس السابعة كالمعتاد.”

وإلى شاشة الحاسوب عدتُ وقد فضتُ ضجراً…

استأنفت إغراق نفسي في السطور البيضاء لجداول المحاسبة المملة، تلك التي تنتظم مسطورةً وسط الشاشة الزرقاء البدائية لبرنامج RODIN، والذي لا تكاد تفرِّق بينه وبين نظام التشغيل الطاعن في القِدَم Ms-Dos.

الجميع منهمكٌ في حاسوبه، في طاحونته، لا تكاد تسمع إلا وشوشةً وهمساً يعلو بين الفينة والأخرى، ثم يبدِّده مرور المدير (الإمبراطور) بجوار مكتب المتدربين، إنه يتعمد التجوال قرب الباب وإجراء المكالمات الهاتفية قبيل السابعة مساءً وبعدها بقليل، لكي يحبط محاولة أي متدربٍ سوَّلت له نفسه الخروج في الموعد (القانوني) لانتهاء الدوام.

تصرفٌ كهذا جعل الخروج على رأس السابعة يتطلب منا مغامرةً يوميةً تفعمنا بالحنق والسَّخط والشعور بالظلم والاضطهاد، غير أني قدَّرتُ بأن مهمة الهرب في ذلك اليوم ستكون أسهل، وما ذاك إلا لأن (الإمبراطور) الأشقر ذا العيون الزرقاء الجاحظة والظَّهر المقوَّس قليلاً قد أغلق عليه باب مكتبه بعد أن جاءه زائرٌ ما في غاية الأهمية. صحيحٌ أن أخته تشتغل سكرتيرةً عنده ولها مكتبٌ ينتصب قبالة الباب مباشرة، إلا أنها لم تكن تستطيع – في مطلق الأحوال – منعنا من الانصراف إن نحن عزمنا عليه…

ارتفعت همهماتنا نحن المتدربين ممزوجةً بضحكاتنا الكئيبة، وكان يخفِّف من أصواتنا أحياناً زجر الموظفين الذين كانوا بدورهم في حاجةٍ إلى الفكاهة والضحك والترويح عن أنفسهم، لولا أن (الإمبراطور) قد عهد إليهم بمهمة ضبطنا وإسكاتنا إن ارتفعت أصواتنا فوق الحدود التي تسمح بها جدية المكان وهيبته.

كنا في ذلك المكتب سبعة متدربين يشرف علينا موظفان بائسان، نجلس متلاصقين تقريباً ووجوهنا إلى الحواسيب المسندة شاشاتُها إلى الجدران، وبيننا فتاة واحدة فقط هي مريم، وكان سفيان يقف عند رأسها متظاهراً بتقديم مساعدةٍ حاسوبيةٍ ما، إلا أن الخبيث كان يتعمَّد إطالة الوقفة كي يمطرها بمزيدٍ من النكات والطرائف التي تجعلهما يقهقهان بأصواتٍ مكتومةٍ تتحرى عدم لفت الانتباه.

يجلس إلى جانبي شابٌّ غريب الأطوار ورثُّ الثياب إلى درجةٍ لافتةٍ للنظر، ولم يفارقني الشعور بأني رأيته من قبل لكن نسيت أين، حاولتُ أن أدقق النظر في ملامحه لكن دون جدوى… هل رأيته في الجامعة؟ في المعهد؟ لا أذكر بالضبط.

نظاراتٌ سميكةٌ جداً، سنٌّ أمامية مسودَّة، ونحولٌ زائدٌ جعل ثيابه المهترئة تبدو فضفاضةً جداً…

ارتفع رنين هاتفه مؤذناً برسالةٍ نصية، أخرجه من جيبه، هاتفٌ محطَّمٌ وقديمٌ جداً، ملفوفٌ معظمه بالشريط اللاصق كي لا تتناثر قطعه على الأرض. قرأ الرسالة فتغيرت ملامح وجهه، بدا عليه الهلع وزمَّ شفتيه حانقاً… انتبه إلى أني أراوح النظر إليه فقال لي دون أن ينظر إلي:

– “رسائل… رسائل غريبةٌ تأتيني… لا أعرف من أين…”

– “وما المشكلة؟”

– “المشكلة في الرسائل… إنها تتضمن عباراتٍ غريبة… لا أدري من يرسلها لي… لقد تكرر الأمر أكثر من مرة…”

لم أعلق… فقرأ علي الرسالة وهو لا يزيح عينيه عن شاشة هاتفه المصفرَّة:

– “يجب أن تتألَّم… كي تتعلَّم!”

كتمتُ ضحكتي! لسببٍ ما ذكَّرتني هذه العبارة بعباراتٍ قديمةٍ تعود لأيام الطفولة من قبيل (الفتاة بلا حبيب كالبقرة بلا حليب)! ووجدتها فرصةً ملائمةً لبعض الفكاهة والترويح:

– “يا لطيف! هذا تهديدٌ صريحٌ منها لك، ما كان عليك أن تتركها بتلك الطريقة… أنت تعرف، بعض الفتيات مجنوناتٌ ومتطرفات، وانتقامهن يكون مريعاً!”

لم يبتسم ولم يضحك، بل رفع حاجبيه دلالة (لا أدري، ربما!)… لقد أخذ الشاب كلامي على محمل الجدِّ وهذا ما لم أرده، أخشى أنه يعتبر الرسالة رسالة تهديدٍ حقيقية! قلت له مهوِّناً من الأمر وساعياً إلى تلطيف الأجواء:

– “لا تهتم يا أخي، لا تهتم… لعلها رسالةٌ بالخطأ أو لعله أحد أصدقائك يريد ممازحتك، انس الأمر ولا تشغل بالك به.”

– “لا أدري… ربما… أتلقى الكثير منها مؤخراً لذلك لا أدري ما الأمر.”

وأعاد الهاتف الملفوف بالشريط اللاصق إلى جيبه، ومحدِّقاً في عينيه الخضراوين خلف زجاج نظارته السميك قلتُ له:

– “المعذرة، نحن هنا منذ مدةٍ لكني لم أتشرف بمعرفة اسمك بعد.”

ابتسم، لأول مرةٍ منذ عرفته، وأجابني وهو ينظر إلي:

– “اسمي جلال.”

* * *

السابعة مساءً وخمس دقائق…

تمت عملية الهروب بنجاح! وها نحن ذان (أنا وسفيان) حرَّان طليقان بالقرب من بوابة العمارة.

عببتُ الهواء بملء رئتيَّ وأنا أجيل بصري في السماء الداكنة التي اشتقتُ لها كثيراً، ما كان من فرقٍ بين ذلك التدريب المرهق والسجن إلا فترات النوم في المنزل.

كم الساعة الآن؟ كم اليوم؟ كم الشهر؟ كم العام؟

إنها السابعة مساءً وخمس دقائق من يوم الأربعاء العشرين من فبراير لعام 2008.

كنا محرومين حتى من ضوء النهار إلا قليلاً في منتصف اليوم، ففي تلك الفترة من العام يحلُّ الظلام في وقتٍ مبكرٍ جداً، وكان يثير مخاوفنا المستقبلية ما نسمع عنه دائماً من الأهوال التي تنتظر الموظفين والمتدربين في مكاتب المحاسبة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وخصوصاً شهر مارس…

كنت قد اعتزمت إنهاء التدريب بعد أسبوعٍ أو أكثر، واستطعت إقناع سفيان بذلك أيضاً، إذ ما كانت لي رغبةٌ في أن أمضي ليالٍ بيضاء في الكدِّ الحماريِّ دون مقابلٍ على الإطلاق. لقد علمنا أن الموظفين الرسميين في مكاتب المحاسبة يتلقون راتباً لا يتجاوز 2500 درهم، مقابل أعمالٍ مضنيةٍ تتجاوز القدرة الآدمية على الاستيعاب والتخيل.

يا للضياع… يا لضبابية المستقبل… يا للتشاؤم الذي يطغى على مجال بصائرنا…

إنها بداية العشرينيات من العمر، تلك الفترة من حياة الإنسان التي طالما تحرَّقتُ شوقاً إلى بلوغها أيام كنتُ طفلاً، ظناً مني أنها جنة الشباب على الأرض، حتى إذا بلغتُها وتجاوزتُها تأكَّد لي – ويا للخيبة – أنها أسوأ فترةٍ عمريةٍ مررتُ بها طوال حياتي.

العشرون من العمر وسنواتٌ قليلةٌ بعدها… تلك الأيام الكئيبة التي يكفُّ فيها الآخرون الأكبر منك عن اعتبارك طفلاً صغيراً ومراهقاً غراً تُلتمس له الأعذار، دون أن يرحِّبوا بك في عالمهم عالم (الكبار)، ودون أن يأخذوا أمرك باحترامٍ وجديةٍ تليق بما أنت ملتاثٌ به من الخواطر الوليدة التي ترفرف خفَّاقةً في صدرك، والاكتشافات الدَّهِشة لمساحاتٍ جديدةٍ من خبايا الناس والحياة تتمنى من أعماق قلبك أن تصرخ بها ليسمعها جميع الثَّقلين.

الأصغر منك يرونك كبيراً ناضجاً تجاوز مرحلة الإعذار، ويُنتظر منك أن تقدِّم لهم النصيحة والعون والإرشاد والقدوة الحسنة التي يحاكمونك إليها، أو إلى تصوراتهم الذهنية الساذجة حولها، وأما الأكبر منك فيرونك غراً معدوم الحيل التجارب، يقْدِم بالكاد على أولى خطواته المتعثِّرة في حياةٍ قاسيةٍ لا ترحم الضعفاء ولا تشفق على الحالمين.

تبخيسٌ وازدراءٌ من الأسفل ومن الأعلى، من الأمام ومن الخلف، وأنت تداري كيانك عن الوجوه متسائلاً أين أنت وماذا تفعل هنا، منتظراً حصولك على هويةٍ تعرِّف بها نفسك للآخرين، ثم تكتشف في هلعٍ أن ما أنت فيه ليس سوى مخاضٍ عسيرٍ لا تدري إلى أين يُسْلمك، وأنك في سنواتك تلك تتخبَّط في دائرة فراغٍ جوفاء، وبرزخٍ معتمٍ لا تستبين له حداً ولا تعرف له عمقاً ولا ارتفاعاً.

ما من ماضٍ وراءك تفخر به، وما من مستقبلٍ أمامك تطمح إليه…

وتخسف بك الخيبة أرض أحلامك القديمة التي حسبتَها صلبةً لا تتزحزح، وأنت ترى نفسك تعيش عمراً يُفترض أنه الأجمل من كل ما مضى وكل ما سيأتي، لأنه العمر الذي تعوَّدتَ أن ترى فيه أبطال الأفلام يقومون بأعظم مغامراتهم وملاحمهم، وهو العمر الذي يتزوج فيه أبطال الروايات بحبيباتهم ليعيشوا معاً فيما شيَّدوه من قصور الأحلام المطلَّة على براري السعادة.
كل هذا كان يتحول في أعماقك إلى ضغوطٍ نفسيةٍ تصيب الذات وكبرياءها بطعنةٍ نجلاء تجعلها تضمر وتتضاءل، تتصاغر أمام نفسها، وينكأ الجراحَ حالةُ الفقر المدقع إلى المال وإلى الوظيفة، بل إلى أي شيءٍ يُشعرك بأنك مستحقٌّ لوصف الوجود، وتشغل حيزاً محترماً معترفاً به من الحياة التي شرعت في التهام عشرينياتك بذلك الحياد الزمني المؤلم، والذي يشعرك دوماً بتفاهتك أمام قوس الشمس ورقصة العقارب.

– “كم عمرك؟”

– “24 عاماً.”

– “كم رصيدك من المال؟”

– “0 درهم!”

قالها مبتئساً وانطلق في ضحكةٍ مريرةٍ على نفسه وعلينا جميعاً، ولم نجد إلا أن نشاركه الضحك على همومنا، وعلى ما كنا نعانيه في ذلك الخندق الفظيع وهاوية الفراغ السحيقة التي تردَّينا فيها بين مرحلة استلام الشهادة واستلام الوظيفة.

وما الحل؟

سفيان يعرف دون شك… الحل هو الضحك! الكثير منه… الإفراط فيه!

فرط الضحك الذي نغطِّي به فرط الهم.

سفيان يفهمني…

– “أرأيت ما حدث اليوم؟ لقد أخطأ رضا في سورة الفاتحة بينما يصلي المغرب!”

وارتفعت الضحكات صاخبةً مدوية، وانطلقنا في مسيرتنا اليومية على الأقدام، من عمارة (يامنة) بشارع (لبنان) قرب (ساحة موزارت)، إلى قنطرة (بن ديبان) حيث كنا نفترق أخيراً ليذهب كلٌّ منا إلى حال سبيله؛ أنا إلى منزلي، وسفيان إلى المدرسة الابتدائية حيث يقيم، فقد كان والده مديراً لإحدى المدارس في حي (بن ديبان)، وكان يقيم مع أهله في نفس المدرسة التي يعمل مديراً لها.

وبخطىً ثملةٍ متعثرةٍ انطلقنا، نتمايل ونهتزُّ يمنةً ويسرةً من الضحك الذي نراود به همومنا علَّها تُنسى، وكانت رحلةُ المشي تلك هي تسليتنا الليلية الوحيدة، والثمينة جداً، قبل مجيء صباحٍ جديدٍ من السجن المشدد مع الأشغال الشاقة في مكتب المحاسبة، ودون أي مقابلٍ ماليٍّ على الإطلاق.

* * *

السابعة مساءً وعشرون دقيقة…

مثل هيكلين عظميين يرتديان ثياباً مهلهلة، كنا نترنَّح من الضحك بمحاذاة المحطة الطرقية التي تركناها عن يميننا، في حين امتدَّ عن يسارنا الشارع الذي تليه مساحةٌ خضراء واسعةٌ يتبدَّى وراءها مسجد (السوريين) شامخاً بمئذنته غريبة الشكل. انعطفنا يميناً قبالة المدار الطرقي العملاق المسمى (رياض تطوان)، وبين الزحام بدت لنا قامة فتاةٍ نعرفها جيداً وهي تتجه نحونا.

إنها مريم…

لقد استطاعت هي الأخرى الهرب من المكتب في السابعة مثلنا، كانت تمشي ذاهلةً عما يدور من حولها وقد انهمكت تماماً في مكالمةٍ هاتفيةٍ باسمة…

تقترب ونقترب.

لمحتنا…

لوَّحتْ لنا بخفةٍ مع هزة رأسٍ سريعةٍ مفادها (مساء الخير، لقد رأيتكما!)، ثم أشاحت بصرها عنا وعادت للانغماس في مكالمتها الهاتفية.

تقترب ونقترب…

وتقاطعنا…

وبحركةٍ غير متوقعةٍ مال عليها سفيان وكان ثملاً بالهزل والضحك، وبصوتٍ خافتٍ غامزٍ همس لها قائلاً:

– “سلمي عليه!”

وفي أقل من لمح البصر حدث ما حدث…

كان كل شيءٍ خاطفاً أسرع من قدرتنا على الاستيعاب، فجأةً لمحت سفيان وهو يرتفع من الأرض نحو الفضاء، ثم يُقذف بعنفٍ داخل صندوقٍ كبيرٍ لم أنتبه لوجوده قبل تلك اللحظة!

وقبل أن يرتدَّ إلي طرفي وأحاول فهم ما حدث لصاحبي شعرتُ بيدٍ آدميةٍ عملاقةٍ تقبض على ثيابي من الظَّهر، وإذا بجاذبية الأرض تختفي، وإذا بي أرتفع نحو الأعلى طائراً في الفضاء وقد فقدتُ السيطرة على أطرافي، وفي أقلَّ من ثانيةٍ شعرتُ بتلك القوة الدافعة وهي تقذفني قذفاً، أنا الآخر، داخل ذلك الصندوق الضخم الفاغر فاه عن عتمةٍ رهيبة.

لملمتُ وقفتي والتفتُّ حولي لأفهم ما يحصل، لم أر شيئاً إلا غابةً من رجال الشرطة بملابسهم الزرقاء وقبعاتهم البيضاء يسدُّون بأجسادهم الضخمة باب الصندوق، ثم التفتُّ إلى سفيان فوجدته ملقىً على الأرض متكوِّماً، وما إن حاول النهوض حتى اندفع إليه شرطيٌّ شديد السُّمرة طويل القامة ضخم الجثَّة بارز الكرش، وقبض بكفِّه اليسرى الغليظة على طوق سترته ورفعه إلى أعلى بحركةٍ شديدة العنف.

– “لكن يا سيدي مهلاً… إننـ…”

ولم يكمل سفيان جملته حتى كان الشرطي قد رفع كفه اليمنى إلى الأعلى، وهوى بها على وجهه بلطمةٍ سُمع دويُّها مزلزلاً يجمِّد الدَّم في العروق… صفعةٌ بهذا العنف هي ولا بد، قد تسببت لسفيان بارتجاجٍ دماغيٍّ على أقل تقدير…

– “اخرس! يا ابن العاهرة! تتحرش بالفتيات أمام رجال الشرطة وأمام سيارة الأمن الوطني؟! هكذا أمامنا تتحرش بفتاة؟! هل ترضى أنت يا ابن الكلبة أن يتحرَّش بأختك أحد؟!”

قالها الشرطي مزمجراً وأتبعها بركلةٍ فظيعةٍ جعلت سفيان يخرُّ على الأرض مثل كيس رمل، مبعثر الأطراف شبه فاقدٍ للوعي…

– “لأعلمنَّك الليلة كيف يكون الرعب من رجال الشرطة، لأعلمنَّك كيف تقعقع عظامُك وترتعد أوصالُك في كل مرةٍ ترى فيها شرطياً!”

ثم قبض من جديدٍ على تلابيبه ورفعه إلى الأعلى بهمجيةٍ تخلو من ذرة رحمة.

وفهمتُ ما حدث…

نحن معتقلان داخل سيارة الأمن الوطني بتهمة التحرش بفتاة، بل بتهمة عدم احترام رجال الشرطة المتمثل في التحرش بفتاةٍ أمام أعينهم… وألقيتُ نظرةً مرعوبةً على ما يدور من حولي.

المكان معتمٌ جداً لا تكاد تتبين فيه وجوه الموجودين… رجال شرطةٍ تذكِّرك وجوههم، أو ما تبقى منها في تلك العتمة، بزبانية جهنَّم وخزنتها، كل شيءٍ فيهم مظلمٌ كالجحيم… ملامحهم، نظراتهم، أصواتهم، حركاتهم، شتائمهم التي يندى لبذاءتها الجبين، وكان الشرطي الذي تفرَّغ لسحق سفيان قد أطلق، بصوته الجهوري المغلَّظ، ماسورة البذاءات العادمة التي بلغت في فحشها حدوداً لا تصلح للنشر…

وفي آخر الصندوق لمحتُ ما بدا لي جثثاً آدميةً متكوِّمةً على غير نظام، قدَّرتُ أنها تعرضت للضرب إلى درجةٍ أفقدتها القدرة على النهوض والحركة، وتململ بعضهم على إثر ما يتعرض له سفيان من الرفس واللطم والشتائم القذرة، ولما تجرأ بعضهم على الالتفات لاحت لي وجوههم المتَّسخة المليئة بالندوب والبثور وآثار الجروح الغائرة الملتئمة، وكانت أعناقهم المهزولة متصلةً بما يرتدونه من أطمار ممزقةٍ تدلُّ على أنهم متشردون أو قطاع طرقٍ أو مجرمون تم القبض عليهم في ذلك المساء.

هل سنبيت ليلتنا مع هؤلاء؟

ارتجفتُ للفكرة…

وسُمع دويُّ صفعةٍ أخرى هزَّت أرجاء المكان… وبصوتٍ حشرجه البكاء صرخ سفيان في وجه الشرطي العملاق محاولاً التفسير:

– “لكن… لكن… إنها تدرس معنا!”

وكان جواب الشرطي ركلةً حطَّمت عظام فخذه وأوقعته أرضاً:

– “دراسةٌ في مثل هذا الوقت يا ابن السَّافلة؟! وتتجرأ على الكذب علينا؟!”

– “إنها تتدرب معنا! نحن نعرفها! نحن نعرفها جيداً! نحن نتدرب معاً في نفس المكتب! والآن التقيناها بالصدفة!”

وكان الجواب صفعةً أخرى ما زال صداها يتردد في أذنيَّ حتى اليوم، وأحسب أنها رجَّت ما تبقَّى من عصارة دماغه:

– “تدريبٌ في مثل هذا الوقت أيها الكلب؟! قبل لحظةٍ دراسةٌ والآن تدريب؟! فوق كل ما فعلت تتجرأ على الكذب علينا؟!”

ركلةٌ أخرى رضخته بالأرض…

– “لآخذنَّك أيها الوغد إلى حيث تتعلم الأدب، لآخذنَّك أيها النذل إلى حيث تعاد تربيتك!”

ولم أعد أستطيع الرؤية، وتمنيتُ أن يضرب على أذنيَّ أيضاً حتى لا أسمع أصوات الصفعات والركلات التي تمزِّق نياط القلب، وتجمَّدتُ في مكاني محاولاً استجماع ما في عضلاتي الضامرة من قوة، وما في نفسي من قدرةٍ على تحمل الألم القادم…

حاولتُ أن أعدَّ نفسي لتلقي الصفعات والركلات متمنياً ألا يصيبني بعضها بكسرٍ أو تهشُّم عظام، وكنتُ في تلك الأيام ناحلاً جداً أقرب إلى هيكلٍ عظمي.

إن (صفعة الشرطي) كانت دائماً مضرب مثلٍ في القسوة والشدة، ولا أذكر أن شرطياً صفعني إلا مرةً واحدةً تعود لأيام طفولتي، عندما وقفتُ بانبهارٍ أمام حادثة سيرٍ مروعةٍ وقعت فوق قنطرة (بن ديبان)، وكنتُ أتأمل مندهشاً مقدمة السيارة المعجونة تماماً، وفي داخلها رجلٌ عجوزٌ فاقد للوعي وقد انزلقت على صلعته اللامعة عدة خيوطٍ حمراء من الدَّم.

لم أنتبه للشرطي ذي الشارب الكثيف الفاحم الذي يدفع زحام الناس للابتعاد وبقيتُ متسمراً في مكاني، ولم يوقظني من دهشتي إلى صفعته المدمِّرة التي جعلتني أركض مذعوراً على غير هدى، واكتشفتُ بعد توقفي عن الركض أني لا أكاد أسمع شيئاً إلا صفيراً مستمراً، وأني لا أستطيع المشي إلا مترنِّحاً وبي دوخةٌ تجعل كل الموجودات خارج عينيَّ تدور وتدور…

– “اجلس مكانك!”

قذفها في وجهي شرطيٌّ تكلف بمهمة السيطرة علي، أطعتُ أمره وجلستُ على لوحٍ خشبيٍّ مستطيل.

– “قف!”

ونهضتُ واقفاً وأنا أحدِّق في وجهه… كان شرطياً شاباً قدَّرتُ أنه في العشرينيات من عمره، وبدا لي أرقَّ فؤاداً من زملائه الكهول الذين أفرغتْهم سنوات الخدمة الطويلة من كل شفقةٍ ورحمة، وحوَّلتهم إلى وحوشٍ آدميةٍ ضاريةٍ لا تعرف للرقة والإحسان أي معنى.

كان شرطياً شاباً، وكان يحدِّق في عينيَّ بنظراتٍ ناريةٍ نافذة، ولم تمنعني تلك النظرات رغم قسوتها البالغة من الشعور بأن فيها شيئاً مفتعلاً ما…

كان يحاول اصطناع الحزم الذي تقتضيه مهنته الجديدة، لم تكن قسوةً أصيلةً فيه، ولم تفقد عيناه شيئاً من بريق الشباب ولمعان الرقة، ذلك اللمعان الذي لم يعد له أي وجودٍ في عيون بقية رجال الشرطة من كهولهم والشيوخ، تلك المنطفئة التي تغلِّفها دوماً سحابةٌ داكنةٌ من الظلمة والغلظة والوحشية.

– “اجلس!!”

جلستُ.

وبحدةٍ متصاعدةٍ مع أوامره المتناقضة، وقفتُ وجلستُ مراتٍ عديدةً متتاليةً دون جدوى…

– “قف!!!”

– “اجلس!!!”

– “قف!!!!”

– “اجلس!!!!”

– “قف!!!!!”

– “ارفع يديك عالياً!!!!!”

رفعتهما.

وانقضَّ علي يتحسس جسمي من أعلاه إلى أسفله، لم يجد سوى عظامي البارزة من قفصي الصدري.

عاود العملية من جديد، تحسس جيوبي فلم يجد فيها غير مجسَّم الهاتف وقطعاً نقديةً قليلة.
– “ماذا تفعلان هنا؟”

– “نجتاز تدريباً، ونخرج في السابعة.”

– “تدريب؟ أين؟”

– “في مكتب محاسبة… fiduciaire.”

– “fiduciaire?!!”

ولم أدر ما الذي ذكَّرني بإحدى حصص اللغة العربية في السنة الخامسة الابتدائية، وعاد بي الوعي إلى ذلك اليوم الذي كنتُ جالساً فيه في الصف الأول، معلِّقاً عينيَّ وانتباهي على الأستاذ الإدريسي ذي اللحية التي خطَّها الشيب، والنظارات السميكة التي تغطي نصف وجهه، والوزرة البيضاء الملطَّخة بآثار الطباشير…

– “إن الله يا أبنائي مجيبٌ الدعاء، فادعوه دوماً بتضرُّعٍ وإخلاص… في كل مرةٍ تتعرضون فيها للخطر توجهوا بالدعاء إلى الله وأنتم موقنون بالإجابة: يا ربِّ نجِّني، يا ربِّ نجِّني. وسينجيكم الله حتماً.”

وشاء الله أن أطبق النصيحة بعد أيامٍ من تلك الحصة التي علقت بذهني وأبت أن تفارقه، فقد طاردني كلبٌ متوحشٌ شرسٌ مررتُ بجواره، ففررتُ منه بأقصى ما أستطيع من الركض المذعور وأنا أستشعر أسنانه تلمس كعبيَّ وحذائي، ثم تذكرتُ كلام الأستاذ وشرعتُ في الدعاء بينما أركض بأقصى سرعةٍ تسمح لي بها أعوامي العشرة:

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

نفدت قوتي الضئيلة وفقدتُ القدرة على الركض، توقفتُ مستسلماً لقدري، منتظراً ما سيفعله بي الكلب المتوحش… التفتُّ ورائي، وكانت المفاجأة أني لم أجد له أثراً كأنما تبخَّر!

وبينما الشرطي يواصل تفتيشي الجسدي انطلقتُ أدعو سراً:

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

– “بطاقتك الوطنية، هاتها فوراً!”

بطاقتي الوطنية؟

سبحانك ربي ما أرحمك! لم يكن من عادتي قطُّ أن أحملها معي، وفي صباح ذلك اليوم بالذات وضعتها في جيبي دون سببٍ محدد… يحدث أحياناً أن نستجيب لدوافع غامضةٍ لا تفسير لها، ثم نكتشف لاحقاً أنها كانت من اللطف الخفي الذي يغمرنا به الله عز وجل بحكمته ورحمته.

أخرجتُ له البطاقة وناولته إياها، شرع يتأملها ويراوح عينيه بين وجهي والصورة.

كنتُ مرتاح الضمير رغم كل شيء… وجعلتُ أبرمج عقلي على جميع الاحتمالات من أفضلها إلى أسوئها…

في جميع الأحوال لن يأخذونا إلى (تزمامارت)!

أفضل ما قد يحصل هو أن يطلقوا سراحنا هنا والآن، هذا هو الاحتمال الأول.

الاحتمال الثاني (الأسوأ قليلاً) هو أن يأخذونا إلى مركز الشرطة ثم يطلقون سراحنا بسلامٍ ودون أن نوقِّع على أي محضر.

الاحتمال الثالث (الأسوأ كثيراً) هو أن يأخذونا إلى مركز الشرطة ثم يطلقون سراحنا بعد أن نوقِّع على محضرٍ يلوِّث سيرتنا الذاتية النظيفة.

الاحتمال الرابع (الأسوأ على الإطلاق) هو أن نبيت ليلةً كاملةً في الحجز مع القتلة والمجرمين وقطاع الطرق والمتشردين، ثم يطلقون سراحنا صباح الغد بعد أن يبلغ الخبر والدينا وأهلنا ويروِّعهم.

لتكن مشيئة الله…

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

وانفتح باب الصندوق، وبرز من خارجه شرطيٌّ عجوزٌ ذو ملامح شديدة القسوة، كان نحيفاً جداً وقد برزت جميع عظام وجهه وعروق رقبته، وكان رغم نحافته المفرطة يضع شارباً ضخماً شائكاً رماديَّ اللون ميالاً إلى البياض. مدَّ كفَّه المعروقة نحوي مشيراً إليَّ بسبابته الطويلة وهو يقول للشرطي الشاب القابض علي:

– “هذا… دعه يذهب، دعه ينصرف.”

أطاع الشرطي الشاب الأمر، ودفعني بغلظةٍ إلى الخارج طارداً إياي من ضيافته:

– “هيا… اذهب! انصرف!”

وبقفزةٍ رشيقةٍ وجدتُ نفسي خارج سيارة الأمن الوطني، واقفاً أمام الشرطي العجوز أنظر حولي بذهولٍ ورهبة… مدَّ يده نحوي وقبض على ذراعي بأصابعه المخلبية، ثم قذف بي بعيداً بعنفٍ قائلاً بلهجةٍ شديدةٍ القسوة:

– “هيا! هيا! انصرف! بسرعة! اغرب عن وجوهنا فوراً! هيا!”

أسرعتُ مبتعداً عدة خطوات، واستدرتُ لألقي نظرةً أخيرةً على سفيان، كان آخر ما سمعته صوت الشرطي الضخم وهو يزمجر:

– “هذا العاهر هو من نريد.”

وتلت العبارةَ صفعةٌ اختفى سفيان على إثرها من مجال نظري، ذلك أن أبواب الصندوق قد أغلقت، وانطلقت سيارة الأمن الوطني تشقُّ مدار (رياض تطوان) بسرعةٍ عصبية…

شعرتُ بأن الأرض تميد من تحت قدميَّ، ومضيتُ أسرع الخطو وسط دوارٍ ذاهل، ولم أعلم متى ولا كيف وصلتُ إلى البيت أخيراً…

* * *

“يجب أن تتألَّم… كي تتعلَّم!”

* * *

– “ما بك؟ تبدو متعباً وشاحب اللون جداً!”

– “لا شيء يا أمي، إنه التعب فقط.”

– “كل هذا تعب؟ ألن تنتهي من هذا التدريب المجاني؟ منذ أشهرٍ وأنت تروح وتجيء دون أي مقابل، انظر إلى نفسك كيف أصبحت، لقد صرت هيكلاً عظمياً يا ولدي!”

– “سأفعل يا أمي… قريباً جداً سأفعل.”

* * *

الحادية عشرة ليلاً…

ساعاتٌ أمضيتها في فعل لا شيء، محدِّقاً في الفراغ أطرح الأسئلة وأحتمل الاحتمالات…
سفيان… أين ذُهب بك؟

وهل ستكون بخيرٍ رغم كل ما أصابك؟ هل ستعود كما كنت من قبل؟

سفيان… ماذا فُعل بك؟ ماذا فُعل بك يا صديقي؟

رنَّ هاتفي، أضاءت شاشته الصغيرة مظهرةً رقماً منزلياً يبدأ بـ 039… متوجِّساً أجبتُ على الاتصال، وجاءني صوته ممزوجاً باللهاث والضحك:

– “السلام عليكم… أنا سفيان…”

– “سفيان؟! أين أنت الآن؟ كيف حالك؟ ماذا أصابك؟”

– “أنا في المنزل الآن، لقد أطلقوا سراحي…”

– “أطلقوا سراحك؟ كيف ومتى؟ ماذا حدث بالضبط؟”

– “ذهبوا بنا إلى مركز شرطة (العوَّامة)، وهناك زجُّوا بي مع شرذمةٍ من الحثالات والمتشردين في غرفةٍ متعفِّنة، ثم جاء بعض رجال الشرطة وأشبعونا زجراً وتقريعاً، وتعاملوا معي كواحدٍ من المقبوض عليهم في جرائم السرقة وقطع الطريق بالسلاح الأبيض ومحاولات الهجرة السرية، إلى أن طلبتُ منهم أن يمهلوني حتى أشرح لهم وضعي وموقفي.”

– “وسمعوا منك؟”

– “بعد أن طُحنت عظامي بالصفع والركل! أخبرتهم أني بريءٌ من كل هذا، وأني مجرد متدربٍ مسكينٍ في مكتب محاسبة، وأني طالبٌ جامعيٌّ وخرِّيج معهد، وأني ابنٌ لمدير مدرسةٍ ابتدائية.”

– “وبعدها؟”

– “كل ما فعله الشرطي أنه ألقى عليَّ نظرةً سريعة، واقتنع من ملامحي البريئة ومظهري النظيف بأني لست كغيري من أولئك المجرمين، وببساطةٍ طردني من مكتبه دون تفكير!”

– “بهذه البساطة؟”

– “نعم! وما إن خرجتُ من مركز الشرطة حتى طرت إلى منزلي لا ألوي على شيء، والآن أتصل بك فور دخولي!”

– “ووقَّعت على محضر؟”

– “أي محضر؟ لا لم أوقع على شيء.”

– “الحمد لله… الحمد لله على سلامتك!”

ومضت لحظة صمتٍ تخيَّلتُ فيها ما حدث، وانفجرت الضحكتان عبر الموجات الهاتفية…

– “تباً لك، أيها الوغد المنحوس! لقد أقلقتني عليك حقاً!”

* * *

صباح اليوم التالي، كانت أول مرةٍ أسرع فيها إلى المكتب متشوقاً للوصول إليه، كنتُ أعرف أن كثيراً من الضحك ينتظرني هناك.

وبالفعل، ما إن دخلتُ حتى لفت انتباهي أنْ لا أحد من الموظفين أو المتدربين جالسٌ إلى حاسوبه، إلى طاحونته، وأنهم جميعاً متجمهرون حول سفيان الجالس جلوس الأبطال الأشدَّاء على كرسيٍّ وسط القاعة.

كان يروي للجميع تفاصيل ما حدث بلهجةٍ فكاهيةٍ أجبرت الجميع على الإغراق في الضحك جملةً بعد جملة، وكان الأكثر إضحاكاً من قصة سفيان نفسها ما التصق بخدِّه الأيسر من آثار أصابع الشرطي الذي أشبعه صفعاً ولطماً.

صُعقتُ من منظر تلك الأصابع وهي مطبوعةٌ بوضوحٍ شديدٍ على وجهه منذ ليلة الأمس، وبعينين ذاهلتين قرَّبتُ وجهي منها لأتأملها! إنها آثارٌ شديدة الحمرة لأصابع حقيقيةٍ واضحةٍ جداً!

هناك يظهر الخنصر وشيءٌ من البنصر في منطقة العنق، وفي صحن الخدِّ يلوح ما تبقى من البنصر مع الوسطى والسبابة، وتلك النقطة الحمراء هناك تحت عينه هي الإبهام دون شك.
يا للهول!!!

وجاءت مريم رشيقة الخطوات غير عالمةٍ بشيءٍ مما حصل، وأدهشها تجمهرنا المريب حول سفيان، وأرعبها أن الجميع انفجر ضحكاً بمجرد دخولها إلى القاعة تقلِّب عينيها وكفَّيها متسائلةً عن الوضع.

– “ها هي ذي قد جاءت، ها هي ذي سبب المصائب والكوارث!”

– “ولكن… أنا؟!”

وحُكي لها ملخص ما حدث، فجحظت عيناها حتى كادتا أن تخرجا من المحجرين، وفغرت فاها الذي سارعت إلى تغطيته بأصابعها، ونزَّ من سحنتها رعبٌ حقيقيٌّ غير مفتعل.

– “يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للهول! أقسم أني لم أركما! أقسم بالله العظيم أني لم ألتفت ورائي! أقسم لكم أني لم أنتبه لشيءٍ مما حصل، أقسم بالله العظيم أني كنت مشغولةً بالهاتف فاكتفيتُ بإلقاء التحية فقط! أقسم أني لو كنتُ رأيتُ ما حدث لأخبرتُ رجال الشرطة بحقيقة الأمر! يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للإحراج! يا لمصيبتي! لماذا لم تناديا علي؟! لماذا لم تطلبا من الشرطة أن يسألوني؟! يا ويلي! يا ويلي!”

ولم تكن من إجابةٍ إلا انفجار الضحك…

وانفضَّ الجمع عن سفيان مع كثيرٍ من الطبطبات على الكتف وعبارات المواساة من قبيل (تكبر وتنسى) و(في سبيل الله) و(تستاهل)، وعاد كل واحدٍ منا إلى حاسوبه، إلى طاحونته، لينهمك في جداوله وأوراقه وحساباته، دون أن نكفَّ عن القهقهة في كل مرةٍ نلمح فيها خاتم الشرطة لائحاً بوضوحٍ على وجه سفيان، متمثلاً في أصابع خمسةٍ حمراء بشكلٍ لافت، ومطبوعةً على صفحة خدِّه بوضوح شديد يثير التعجب والدهشة…

أنس سعيد محمد
23/08/2015

بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الثالث والأخير: سندويش ~

09/08/2015 الساعة 16:00 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليقاً

.

pizza kabab sandwish 03

.

(3) – سندويش ~

السابع عشر من مارس، عام 2012.

محطة قطار القنيطرة…

صخبٌ وزحامٌ ومعاطف وحقائب، وصفوفٌ طويلةٌ متراصَّةٌ أمام شبابيك التذاكر التي خفَّ عبد الجليل إلى أحدها سعياً منه ليخالف قانوناً ما لا أدري ما هو.

وضعتُ حقيبة سفري الثقيلة على الأرض وثبَّتُّها بين ساقيَّ، وأسندتُ عليها حقيبتي اليدوية التي تضمُّ جريدة المساء وبعض الكتب. ساعاتٌ قليلةٌ فقط تفصلني عن طنجة بعد أسبوعين من الاشتياق…

أسبوعان انتهيا أخيراً وانتهت معهما الدورة التكوينية، وانتهت مدة إقامتي مع عبد الجليل الذي اقتحم علي الشقة اقتحاماً دون أن يطلب مني إذناً أو يسألني عن رأيي، وها هو ذا قد أصرَّ – جزاه الله خيراً – على أن يصطحبني إلى محطة القطار، وألا يتركني حتى يتأكد من أني ركبتُ بسلام، ولو كنا في مسلسلٍ كرتونيٍّ لوقف يلوِّح لي دامعاً من رصيف السكة ثم انطلق يركض نحوي بينما ألوِّح له من نافذة القطار حتى نختفي عن أنظار بعضنا البعض! يصرُّ هذا الكهل على معاملتي كطفلٍ صغيرٍ لأني أصغر من بعض أبنائه، وهو أكبر من والدي بقليل، لذلك لا أجد خياراً آخر إلا أتفهم تصرفاته هذه وأقدرها.

ها هو ذا قد عاد أخيراً من الشباك حاملاً بيده تذكرة القطار التي اقتناها لي بالورقة النقدية التي سلَّمتها له، دسَّ التذكرة في جيب سترتي الجلدية السوداء وهو يقول متوجساً بصوتٍ منخفض:

– “فقط لأنبهك، اسمع ما أقول: زوجتي تشتغل في التعليم وعندهم بطاقةٌ يستفيدون بها من تخفيضٍ على أسعار تذاكر القطار، لقد استعملتُ البطاقة لاقتناء تذكرتك ووفَّرت لك بعض المال، لكن احذر! أحياناً يسألك مراقب التذاكر عن بطاقتك، لو سألك فتظاهر بأنك تبحث عنها في حقيبتك وجيوبك ثم قل له إنها سقطت منك أو نسيتها عند صديقٍ لك في المحطة، وغالباً سيصدِّقك لأنهم لا يركزون في هذه الأمور.”

بدا علي الوجوم والارتباك، فحدجني بنظرةٍ أكثر حدَّةً وتابع كلامه قائلاً:

– “لا تقلق يا ولد! هم في الغالب لا يسألون، وليس في مظهرك ما يمنع من أن تكون أستاذاً على كل حال، لكن أقول لك (في حالة ما إذا) سألك، حتى تكون فاهماً للموضوع، وإلا فهُم في غالب الأحيان لا يسألون، اطمئن ولا تقلق، ليست هناك أي خطورةٍ في الأمر.”

عبدَ الجليل… تباً لك!

لا يستطيع هذا الرجل أن يمضي يوماً كاملاً أو أن يقوم بأي نشاطٍ من نشاطاته دون أن يرتكب مخالفةً سافرةً للقانون، وأعتقد أن ضميره لا يرتاح إلا بذلك، بحيث لو لم يخالف القانون لأنَّبه ضميره بشدةٍ ولحرمه من النوم طوال الليل.

وأما أنا فصار عليَّ أن أمضي هذه الساعات التالية في القطار متوجساً مرتبكاً مذنباً، وأن تزداد خفقات قلبي عندما يأتي مراقب التذاكر ذو الجثة الضخمة والشوارب العملاقة ليقرع باب المقصورة الزجاجي… لا حول ولا قوة إلا بالله!

لكني مع ذلك شكرته وابتسمت، وصافحت كفَّه العملاقة ثم عانقته بحرارة…

كانت أياماً جميلة بحقٍّ رغم كل شيء! والآن في نهايتها أكتشف أن ما ظننته في البدء شراً لي كان منطوياً على خيرٍ كثير، وأن صحبة عبد الجليل والإقامة معه لم تكن بذلك السوء الذي تخيلته في البداية.

ولقد تيقنتُ من الأمر أكثر عندما عاد إلى مدينته القنيطرة في عطلة نهاية الأسبوع الأول، وعدتُ من جديدٍ إلى مخالب الوحدة القاتلة وأنيابها التي نهشتني في أول يوم، عندها عرفتُ قيمة أن يكون معك إنسانٌ يكفي وجوده إلى جانبك بصوته وصورته لتبديد وحشتك وجعل ما تقوم به في حياتك ذا هدفٍ ومعنى، وهكذا وجدتُ نفسي أنتظر انتهاء اليومين الثقيلين بفارغ الصبر، ولم يرتح لي خاطرٌ حتى عاد عبد الجليل صباح الإثنين، واستأنفنا من جديدٍ حياتنا المشتركة الهادئة.

والحق أني أشهد له بأنه كان يتركني وشأني في أغلب الأوقات (وهذه بالنسبة لي أعظم صفةٍ إيجابيةٍ في الآخرين)، ولم ألق منه إزعاجاً أو تعنتاً أو مشاكل مالية، وبدوري كنت له طيِّعاً أنزل عند رغباته واقتراحاته عن طيب خاطر، وقد منحتنا بعض تلك التنازلات المشتركة مساحةً مريحةً من الرضا والامتنان المتبادل جعلتْ كل واحدٍ منا يذكر صحبته للآخر وذكرياته معه بخيرٍ كثير.

ثم إني لا أنكر أني استفدتُ منه فيما يتعلق بامتلاكه سيارة، بحيث ضمنتُ وسيلة نقلٍ مريحةً لجميع التنقلات التي قمنا بها بين المحمدية والدار البيضاء والقنيطرة، وقد أراحني ذلك من الحافلات الكريهة المهترئة وسيارات الأجرة العصبية المزدحمة التي تجعلك تمقت السفر والمدن والناس وحتى نفسك أحياناً!

وكنتُ قد احتجت لبضعة أيامٍ حتى أضبط انفعالاتي وردود أفعالي على سنه المتقدم بالنسبة لي، ولم يكن سهلاً أن أوطِّن نفسي على نمط عيش (السلحفاة) التي تتحرك ببطءٍ وتفكر ببطءٍ وتتخذ القرارات ببطءٍ وتنفعل ببطء، لكني وجدت نفسي مجبراً على ذلك في نهاية الأمر، حتى خشيتُ أن تتحول روحي إلى خمسينيات العمر دون أن أحسَّ بذلك أو أشعر به.

إنها عدوى الشيخوخة تتسرَّب إلى روحي، علمتُ ذلك عندما لاحظتُ تغيراً طرأ على ذوقي الغنائي بسبب الأقراص المدمجة التي لم يكن يشغِّل غيرها في سيارته المرسديس العتيقة حتى حفظتها عن ظهر قلب، وهي أقراصٌ مليئةٌ بأغاني عبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط ومحمد الحياني، وهذا الأخير بالذات ضبطتُ نفسي أكثر من مرةٍ أترنَّم بأغانيه التي انسابت كلماتها على لساني دون عناء، وقد كنت في البداية أمجُّها وأستثقلها، ثم لم ألبث أن تعودتُ عليها، إلى أن وجدتُ نفسي في النهاية وقد أحببتها، بعد أن اكتشفتُ في الأغاني المغربية القديمة أبعاداً جماليةً رائعةً لم أنتبه لها من قبل!

الخلاصة أن عبد الجليل قد سافر بي عبر الزمن إلى الماضي الجميل ببساطته وسذاجته وبطء الحركة فيه… لكن وعلى العموم، وعندما أنظر إلى تلك الأيام نظرةً شمولية، فإني أعتقد أن كل شيء مرَّ على ما يرام…

على ما يرام… تقريباً!

فقط إذا استثنينا مشكلةً صغيرةً وقعت في اليوم التالي لليلة الكباب تلك، وهي ليلة الثامن من مارس التي سننتقل إليها الآن، لنستمع معاً إلى قصة عبد الجليل التي فتحت أمام عقلي أبواباً من الجدليات الأخلاقية الشائكة، ثم أروي لكم ما حدث بعدها في تلك الليلة المشؤومة التي لن أنساها ما حييت…

* * *

الثامن من مارس، عام 2012.

– “وأنا والله لم أفهم، والله لم أفهم! لم أفهم لماذا عدتما إلى ذلك المطعم مرةً ثانية! أمضيتُ الليل كله وأنا أحاول التفكير في الأمر وتقليبه في ذهني على جميع أوجهه لكني لم أجد لكما عذراً… لا عذر لكما فيما فعلتماه، إنها الصراحة!”

عونَك يا رب! إنها المرة المئة وهو يكرر لي عبارته هذه منذ الصباح الباكر، بل منذ ليلة الأمس، وفي كل مرةٍ كنت أجيبه بما أحاول أن أبرِّر له الأمر به، فلم يكن يزيده جوابي إلا إصراراً على موقفه وحدَّةً في تأنيبي وإنزال اللوم علي…

هذه المرة قررتُ أن أصمت، وناب عني صوت المطرب الراحل (محمد الحياني) وهو ينبعث من مسجِّل سيارته ليجيبه على تساؤله المحير…

(( يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

لله افهمني، أنا شفتو وعجبني ~

يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

بغيتْ نذوق الحبّْ، خلِّي نارو تذوّْبني ~

حلو ولَّا مرّْ، سلّْمتو أمري، يفرَّحني أو يعذّْبني، دابا تحبّْ وتعذر ~

ويغلبك كيف غلبني، وداك الساعة جاوبني ~

يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

لله افهمني، أنا شفتو وعجبني ~ ))

يا للملل… إنها المرة الألف التي تتكرر فيها نفس هذه الأغنية في سيارته خلال يومٍ واحد… أخشى أني سأعود لطنجة في الخمسين من عمري بعد انقضاء الأسبوعين لو بقيتُ على نفس هذه الوتيرة الغنائية العتيقة!

لكن ما بيدي حيلة! يجب أن أصبر على كل حال، لقد عاد عاصم إلى طنجة وكان هذا أول يومٍ نمضيه معاً أنا وعبد الجليل، ولم يتركني حتى استفسر مني عن جميع ما يمكن أن أخبره به من معلوماتي الخاصة وظروفي العائلية ومشاريعي المستقبلية، وقد نشأت بيننا لذلك ألفةٌ سريعة كان مردُّ جزءٍ كبيرٍ منها لحرصي على إرضائه وعدم مخالفته، ورغم أننا نشتغل معاً في نفس الإدارة منذ ثلاث سنواتٍ تقريباً إلا أن العلاقة بيننا لم تتعدَّ تبادل التحيات وعبارات المجاملة. إن السفر حقاً يفتح صناديق الأرواح المغلقة أكثر مما يفعل أي شيءٍ آخر.

فرغتُ من إخباره عن خيالاتي الساذجة حول مستقبلي، وجاء دوره ليحدثني عن ماضيه المثير ويروي لي قصته العجيبة التي كان الغموض لا يزال محيطاً بأكثر أجزائها، ولعله لم يروها إلا لعددٍ قليلٍ من الناس منذ انتقل للعمل في طنجة عام 2009.

وبانتباهٍ مشتتٍ بين قيادته المتعقلة للسيارة وروايته للقصة، انطلق عبد الجليل يحكي، بصوته الجلمودي المتدحرج، مع خلفيةٍ موسيقيةٍ يترنَّم فيها (محمد الحياني) بصوتٍ صافٍ مفعمٍ بأحاسيس الحب ومشاعر الحرية…

* * *

(( ما بيدي حيلة ~

وفين الحيلة؟ ~

من أول نظرة قلبي مال، قلبي مال، قلبي مـــــــــــال ~

وغير البارح، وانا هاني ~

غير البارح، وانا هاني، واليوم أنا مشغول البال، مشغول البال، مشغول البـــــــــــال ~ ))

– “بدأت القصة منذ نحو أربعة عشر عاماً، وكنت يومها لا أزال شاباً في الثلاثينيات من عمري، وكنت قد عُيِّنت رئيساً لوكالة التوزيع بمدينة إفران، ورؤساءُ الوكالات في ذلك العصر لم تكن أحوالهم تدعو إلى الرثاء كما هي في أيامنا هذه، بل كان لرئيس الوكالة من الهيبة والوقار والتعظيم ما يفوق حتى مديري هذه الأيام…

الحق أني كنت ذا شأنٍ عظيم، وكانت الوكالة التي أرأسها شاسعةً مترامية الأطراف، مشيَّدةً على الطراز الإفراني ذي الأسقف القرميدية الحمراء الفاتنة، وكان يشتغل تحت إمرتي عشراتٌ من المرؤوسين آمر فيهم وأنهى، ولم يكن أي واحدٍ منهم يستطيع أن يرفع رأسه ليحدَّ النظر في وجهي. في تلك الأيام كان الرئيس رئيساً بحق، وأما الآن فلا تكاد تفرِّق بين المدير وبين أصغر موظفيه! وأما مكتبي الفسيح الفاخر فلم يكن يصل إلى أعتابه إلا علية القوم من كبار المسؤولين، بعد أن يجتازوا ممراتٍ مرصوفةً طويلةً تشقُّ المساحات العشبية التي تجعلهم منبهرين بالأجواء (السويسرية) التي تميز مدينة إفران الساحرة، حتى إن أحد كبار المديرين لما زارني ذات يومٍ بدأ مقابلته معي بأن قال لي منبهراً وهو يدخل مكتبي: لكنك ملكٌ هنا يا سيدي! Mais vous êtes roi ici monsieur.

ولم تدم حياة النعيم التي كنت أحياها في إفران إلا سنواتٍ معدودات، فسرعان ما نشأت مشاكل عويصةٌ بيني وبين الإدارة، وتُربِّص بي من طرف بعض الحاقدين، وما هي حتى جاءني تعيينٌ جديدٌ كان بلا شك على سبيل العقوبة غير المباشرة، إلى مدينة سيدي قاسم!

ولك أن تتخيل شعور الانتقال من إفران إلى سيدي قاسم، من الجنة إلى الجحيم!

وهكذا بدأ فصل الشقاء في حياتي، وصرتُ بعد أن كنتُ حاكماً مطاعاً في إفران مجرد رئيسٍ مهملٍ محشورٍ في أحد المكاتب البائسة في سيدي قاسم، وقد اضطرني عدم التوفر على سكنٍ في تلك المدينة البغيضة إلى عمل رحلةٍ يوميةٍ شاقةٍ صباح مساء بين منزلي في القنيطرة ومقرِّ عملي الجديد في سيدي قاسم. واستمرَّ هذا الوضع الكريه الذي لم أكد أطيقه عدة شهور، إلى أن كان ذلك الصباح المشؤوم في أحد أيام عام 1998…

كنت أقود سيارتي في الطريق الرابطة بين القنيطرة وسيدي قاسم، وقد أضجرتني شاحنةٌ ضخمةٌ كانت تسير أمامي بسرعةٍ بطيئةٍ لا يسمح لها حجمها الهائل بأكثر منها، فقررتُ تجاوزها رغم أن الخط كان متصلاً، وما إن تجاوزتها وصرت في الممر المقابل حتى فوجئتُ بشاحنةٍ مسرعةٍ تلقاء وجهي مباشرة، وقبل أن أفكر في ردة فعلٍ كان الاصطدام الفظيع قد وقع، وأحسست بجسدي وهو ينعجن مع حديد السيارة التي كانت تنقلب عالياً في الهواء بدوراتٍ عنيفة…

ولم أفتح عينيَّ إلا وأنا على سرير المشفى…

* * *

(( خلِّيني منِّي ليه، منِّي ليه، منِّي ليه منِّي ليـــــــــــــه ~

نوهْبلو روحي، نهديلو حيــــــــــــاتي ~

يا سيدي تنبغيه، تنبغيه، تنبغيه تنبغيـــــــــــــــه ~

بيني وبين قلبي، أنا حر بذاتــــــــــــــي ~

أنا ماشي من هادوك، اللي ميقطفوشي الوردة، غير الا كان ما فيها شوك ~

وإذا كْتاب وحبِّيتي، وتجرحتي وبريتي، يغيرو منّْك ويحسدوك ~ ))

– “يا للهول… حادثة سير؟!”

– “وكانت لتكون مميتةً لولا أن الله سلَّم، أصبتُ بجروحٍ وكسورٍ ورضوض، وأرسلتُ للمكتب شهادةً طبيةً للتوقف عن العمل ريثما أشفى، ثم كنتُ بعد انتهاء كل فترةٍ مرَضية أرسل لهم شهادةً طبيةً أخرى لتجديد المدة… إلى أن مرت خمس سنوات…”

– “خمس سنوات؟ وأنت متوقفٌ عن العمل؟”

– “نعم، بالطبع، وكنت أنال فيها مرتَّبي كاملاً غير منقوصٍ درهماً واحداً، لأن ما حدث كان مصنفاً كـ (حادثة شغل)، وحوادث الشغل ليس لها أي تأثيرٍ على الراتب.”

– “لكن… هل كنتَ عاجزاً عن الحركة لمدة خمس سنواتٍ كاملة؟”

ضحك لسذاجتي وأجاب:

– “أمجنونٌ أنت؟ لقد شفيتُ تماماً من جميع إصاباتي بعد شهرٍ ونصف أو شهرين من الحادث، لكني استمررتُ في تقديم الشواهد الطبية دون توقف، وكنت أنوي الاستمرار في تقديمها إلى الأبد!”

يا للكارثة! إن لهذا الرجل أعصاباً تفوق الوصف، والآن أتأكد فعلاً أنه لم يوهب جلد وجهه الثخين عبثاً… خمس سنواتٍ من الشواهد الطبية المزوَّرة؟ كان هذا فوق ما أستطيع تخيُّله من الجرأة والجسارة وصفاقة الوجه…

– “ثم جاء ذلك اليوم في العام الخامس الذي تلا الحادث، وكانت فترةُ الشهادة السابقة قد انقضت، فشخَصتُ إلى المكتب كعادتي لأقدِّم لهم شهادةً طبيةً جديدةً لتمديد الإجازة، ففوجئتُ بأن الموظف رفض استلامها مني…

كنت أعرف أنها تعليماتٌ جاءته من الأعلى، فحذرته من عاقبة ما يفعل، وأنه لا يحقُّ له من وجهة نظر القانون أن يمتنع عن استلام شهادةٍ طبيةٍ موقَّعة، وأن ذلك قد يُعتبر اتهاماً بالتزوير له تبعاته القانونية الوخيمة، لكنه أبى أن يستمع لتحذيري وركب رأسه، ورفض استلام الشهادة، فعدتُ إلى منزلي وواصلت حياتي الطبيعية دون أن ألتحق بالعمل، وعند انتهاء الشهر علمتُ أن الإدارة اعتبرتني متغيباً عن العمل دون مبررٍ لمدة تجاوزت ما هو مسموحٌ به، وأني بذلك قد صرت مطروداً من المكتب بشكلٍ رسمي، وتم توقيف أجرتي بشكلٍ تام.”

– “وبعدها؟”

– “وبعدها يا ولدي بدأتُ حربي الأسطورية مع الإدارة الظالمة، فاستشرتُ أهل الخبرة وتسلحتُ بالقانون وبكافة أوراقي الإدارية التي تصبُّ في صالح قضيتي، ثم تقدمتُ بدعوةٍ إلى المحكمة…

وبدأ مضمار المبارزة الصعب… أن تقف وحدك منفرداً لا تحمل معك إلا قضيتك وأوراقك، وأن تواجه بنفسك ودون مساعدةٍ من أحدٍ مكتباً عمومياً كاملاً بقضِّه وقضيضه وعدده وعدَّته، وأن تصوغ الخطابات وتتناقش مع المحامين وتمضي الليالي البيضاء في دراسة القانون ونصوصه وثغراته، وأن تحتمل الفقر والحاجة وانقلاب الأحوال، وأن تصطلي بنار الصبر المرِّ على الانتظار الطويل الذي يبدو غير ذي نهاية، وأن تظل متيقظاً شديد الانتباه لما يحاك لك وما يراد بك، وما يُنتظر منك أن ترتكبه من الأخطاء والزلَّات التي ستودي حتماً بقضيتك وعملك وحياتك وحياة أولادك…

كانت أياماً رهيبةً قاتلتُ فيها بكل شراسة، وحاربتُ فيها دون هوادة، واستمرَّ الصراع الطويل ستَّ سنواتٍ كاملةً حتى أصدرت المحكمة حكمها الأول في عام 2009.”

– “ستُّ سنواتٍ كاملة؟ وخمس سنواتٍ قبلها؟ أحد عشر عاماً وأنت بلا عمل؟”

– “نعم، حتى نصرني الله عليهم بعونه تعالى وقوته، وأصدرت المحكمة حكمها النافذ لصالحي وضدَّ المكتب، بأن يعيدني إلى الوظيفة وهو صاغر، وأن يعوِّض لي كل الأجر الذي قطعه عني طيلة السنوات الستِّ الماضية، وهكذا صدر مرسوم تعييني في إدارتكم هناك في طنجة، مع تعويضٍ أوليٍّ تجاوز الأربعين مليوناً.”

– “يا إلهي!!!”

– “لا تندهش، تلك كانت البداية فقط، وقد استمررتُ في رفع المزيد والمزيد من القضايا إلى المحكمة، وفزتُ فيها جميعاً حتى الآن، وحصلتُ على تعويضٍ إضافيٍّ قدره عشرة ملايين، وآخر قدره ستة ملايين، وتعويضاتٍ أخرى كثيرة، وبعد أسابيع قليلةٍ سأستلم تعويضاً قدره سبعة ملايين، وإني الآن منشغلٌ بجمع الأوراق اللازمة لرفع قضايا جديدةٍ إن شاء الله تعالى…”

عقدت الدهشة لساني ولم أجد ما أقول، وبصعوبةٍ لملمتُ كلماتي وسألته:

– “وحول ماذا تتمحور القضايا الجديدة؟”

– “القضية الأولى كانت تتعلق بالطرد التعسفي الناتج عن رفض استلام شهادةٍ طبيةٍ رسمية، وتلتها التعويضات عن الأضرار، ثم بعد ذلك أثرتُ للمحكمة موضوع الترقية، وأن من كانوا مثلي في التسعينيات قد بلغوا إلى المراتب العالية التي يجب أن أكون قد بلغتها مثلهم لولا الطرد التعسفي، وقد نلتُ الترقيات كلها مع تعويضاتها، ثم انتقلتُ لهم إلى حساب الإجازات والتعويضات عن الساعات الإضافية والأسفار وغير ذلك، بحيث أنها يجب أن تُحسب على أساس الدرجة الجديدة بعد الترقية وليس قبلها، وربحتُ القضية أيضاً، وما زالت رحلتي طويلةً معهم حتى أستخرج منهم كل ما أستطيع استخراجه من أموالي المغصوبة…

سأحال على التقاعد في نهاية عام 2014، أي بعد عامين ونصف تقريباً، لكني حتى بعد التقاعد سأستمر، سأستمر دون توقفٍ ومهما طالت السنوات، لقد صارت أجواء المحاكم والحياة مع القضايا المرفوعة جزءاً لا يتجزأ من أسلوب حياتي، ولا أراني أستطيع التخلص منه، ثم إنها حقوقي على كل حال، ونحن في زمنٍ إن لم تكشِّر فيه عن أنيابك ومخالبك لتستردَّ حقوقك استرداداً سُلبت منك أمام عينيك، أمام عينيك وأنت تنظر ببلاهةٍ عاجزاً عن فعل شيء…”

ولمعت عيناه وظهر الجدُّ على ملامحه القاسية، وضغط على الدوَّاسة ليزيد من سرعة السيارة التي تتجه نحو المحمدية مغمورةً بضوء الغروب الشاحب، ورفعتُ إلى وجهه نظرةً فاحصةً له بعمق…

في الثالثة والخمسين من عمره، عتيق الطراز في ملبسه وأسلوب حياته، متوقفٌ عند التسعينيات تقريباً، يرتدي بدلةً رسميةً دون ربطة عنق، مع حذاءٍ لا تراه إلا عند من تجاوز الستِّين من عمره، وهو حذاءٌ ضخمٌ جداً، يدوس به القانون بلا رحمةٍ ولا هوادة، فليس في حياته أي وجودٍ أو اعتبارٍ للقانون والالتزام به.

– “سيد عبد الجليل… سؤالي لك… سؤالي لك هو لماذا؟ لماذا فعلت كل هذا؟”

فكأنه بوغت ولم يحر جواباً… صمت للحظةٍ مفكراً ثم هزَّ كتفيه باستهانةٍ وقال بصوتٍ مغموسٍ في اللامبالاة:

– “لا أدري… لعله الانتقام!”

وساد بيننا صمت الحيرة…

(( خلِّيني منِّي ليه، منِّي ليه، منِّي ليه منِّي ليـــــــــــــه ~

نوهْبلو روحي، نهديلو حيــــــــــــاتي ~

يا سيدي تنبغيه، تنبغيه، تنبغيه تنبغيـــــــــــــــه ~

بيني وبين قلبي، أنا حر بذاتــــــــــــــي ~ ))

* * *

رُكنت المرسديس الخضراء العتيقة بجانب الشقة تحت ليل المحمدية الذي بدأ يصير دامساً، واقترح عبد الجليل أن يأخذني لمكانٍ جيدٍ يعرفه لنتناول طعام العشاء عنده… كان يتكلم ويتكلم بلا توقف، يلقي علي دروساً في كل ما يتعلق بـ (التحراميات) التي يمكنني اللجوء إليها لمخالفة القوانين بشتى أنواعها، قوانين العمل وقوانين السير وغيرها من القوانين الجاري بها العمل في مختلف المجالات. كان يختم جميع (نصائحه) لي بعبارته الشهيرة: “فإن لم ينفع معك كل هذا فما عليك إلا أن تجمع أوراقك وتتقدم للمحكمة.”

كان يتكلم ونحن نتمشى، وشردتُ بفكري بعيداً بحيث لم يبق من كلامه إلا خلفيته الصوتية المتحشرجة…

كلماتٌ ظلَّت تتردد في ذهني وتلحُّ علي… تدعوني إلى تفكيرٍ عميق:

– “الإدارة الظالمة – الطرد التعسفي – نصرني الله عليهم – أموالي المغصوبة…”

إن الرجل قد أنزل نفسه منزلة المظلوم المعتدى عليه، وكان طيلة السنوات الماضية يتصرف على هذا الأساس، وينطلق من فكرة أن ما يقوم به ليس سوى انتصاراً مشروعاً للظلم الواقع عليه…

ما أعجب شأن الإنسان حين يلقي معاذيره، وأعجب منه عندما يخدع نفسه بنفس ما يريد أن يخادع به غيره… هل حقاً عبد الجليل مظلوم؟ وهل حقاً أمواله مغصوبة؟

نعم… إنه مظلومٌ من وجهة نظر القانون والمحكمة، لكنه في ميزان الحقِّ ظالمٌ استعمل شهادة زورٍ لتحقيق مآربه الخاصة، وشهادة الزور الطبية لا تؤخذ إلا برشوةٍ يُرشى بها الطبيب، لكنها مع ذلك تظل وثيقةً رسميةً تقبلها المحكمة دون نقاش، وعليها تبني أحكامها وقراراتها…

المحكمة بريئةٌ إذاً، وهي وإن انتصرت للظالم لم تكن ظالمةً هي نفسها، لأنها غير مسؤولةٍ عما حدث تحت الطاولات مما لا يمكن إثباته، إنها تنطلق فقط مما بين أيديها من الأوراق الموقَّعة بأيدي أصحابها. وأما المكتب فهو مظلومٌ لأنه حُرم يداً عاملةً بسبب شهادة زور، لكنه ظالمٌ عندما رفض استلام شهادةٍ طبيةٍ موقعةٍ دون موجبٍ من القانون يسمح له بذلك.

من الظالم ومن المظلوم؟ من المعتدي ومن المعتدى عليه؟ وما حدود الحق والباطل في هذه القصة التي أدخلتني في جدلياتٍ أخلاقيةٍ عميقة؟

لا أدري… كان دماغي يدور بسرعةٍ أكبر من المعتاد ليلتئذ، بينما الذي تسبَّب لي بهذا الدوار مستمرٌّ في ثرثرته غير مبالٍ بشيء…

– “عليك أن تعلم يا ولدي أن الإدارة هي سالبةٌ لحقك حتماً بلا ريب، وأن الذين وضعوا القانون هم الخصوم والحكَّام في الوقت نفسه، فصَّلوه على مقاس مصالحهم، لذلك يجب أن تكون دائم التيقُّظ وعلى حذر، وألا يمنعك شيءٌ من استغلال ما يمكنك استغلاله من أموال الإدارة لمصلحتك الخاصة، لأنك مهما استغللتَ من أموالها فما هي إلا أموالك المسلوبة رُدَّت إليك… يجب فقط أن تكون حذراً وألا تترك ثغراتٍ تسبِّب لك متاعب قانونيةً أنت في غنىً عنها، يُفضَّل أن تكون ضرباتك صامتةً لا تترك أثراً، وإلا فالمحكمة هي آخر الدواء…”

وعند المنعطف المظلم قال لي وهو يمسك بيدي بعطفٍ أبويٍّ غامر:

– “وهي قاعدةٌ في الحياة ستتعلمها لاحقاً يا بنيَّ عندما تنضج أكثر وتكتسب مزيداً من الخبرات والتجارب؛ لا تسمح لأحدٍ أن يستغلَّك! ولا تنخدع بالبريق الزائف والبهرجات الخادعة… مثلاً إن عودتكم إلى ذلك المطعم بالأمس كان دليلاً على أنكما غرَّان لم تتعلما شيئاً بعد، فما ذلك المطعم إلا محلٌّ للنصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل.

ولتتعلم مني، فإني سآخذك اليوم لتتناول العشاء عند محلٍّ أعرفه يقدِّم سندويشاً ممتازاً، وسترى كيف أنك ستحظى بوجبةٍ صحيةٍ ومغذيةٍ ورخيصة الثمن في الوقت نفسه، لقد كنتُ قديماً أتناول العشاء عنده في زياراتي للمحمدية، تعال معي، من هنا…”

سندويش؟ عبد الجليل يأكل سندويشاً؟ وما المانع؟ لقد أكل بالأمس ما هو أسوأ بكثير، ومنذ الأمس لن أستغرب منه حتى لو رأيته يأكل الحيات والعقارب!

سندويش؟ ولم لا؟ لكن منذ متى يوصف السندويش بأنه وجبةٌ صحية؟

ليكن… من نعم الله عليَّ أني لا أتأثر بالوجبات السريعة حتى الآن، وقد أكلتُ مئات السندويشات في حياتي دون أن يضرني منها إلا واحدٌ فقط، وكان سندويش مخٍّ أخبرني الأصدقاء بعد مرضي بسببه أنه غير منصوحٍ به لأن المخَّ يفسد بسرعة.

لكن حسناً… بحسب منطقي العقلي والعلمي الصارم والذي سيلقي بي في الهاوية يوماً ما؛ فإن سندويش مخٍّ واحداً فقط لا يمثل أي قيمةٍ إحصائيةٍ تكفي لإصدار حكمٍ تعميمي، وبناءً على هذا الأساس المنطقي عدتُ لاتهام سندويشات المخِّ بعد أن برئتُ من مرضي، وبالفعل لم أصب بضررٍ منها بعد ذلك.

لقد أصررت على اعتبار ذلك الحادث (استثناءً يؤكد القاعدة)، وواصلتُ حياتي مستمتعاً بكون قاعدة (يحدث للآخرين فقط) تعمل معي بشكل ممتاز فيما يتعلق بالوجبات السريعة.

هل حقاً يتسمم الناس بسبب السندويشات؟ لا أصدق هذا… إنها خرافةٌ دون شك!

– “ها هو ذا، السندويش الذي حدثتك عنه.”

وتجمَّدتُ في مكاني!

عبدَ الجليل… ماذا أفعل بك؟!

إنه ليس حتى مطعماً فيه طاولاتٌ ومقاعد، بل جحرٌ ضيقٌ في جدارٍ يقف بداخله كائنٌ وقحٌ أشعث الشعر رثُّ الهيئة، فظُّ النظرات والكلمات، يتعامل بغلظةٍ شديدةٍ مع زبنائه، إنه يتحرك بانفعالٍ ذهاباً وجيئةً خلف منضدةٍ رُصَّت عليها قطع الخبز وأنواع السلَطات والنقانق وكل ما يوضع في السندويشات، ولا يخفى على ذي عينين أن الطابع العام للمكان يوحي بالقذارة الشديدة وانعدام أدنى شروط الصحة والنظافة…

وأما المصيبة العظمى فهي تجمُّع رهطٍ من الرجال يتزاحمون بأكتافهم عند باب المحل، ولأنه لا وجود لأي مقاعد وطاولاتٍ فإن كل ما تستطيع فعله أن تزاحم الناس بكتفيك عدة دقائق حتى يصل دورك، ثم تلتهم سندويشك واقفاً وقد انتحيتَ عن الناس قليلاً… يا للمهزلة!

كم علي أن أصبر على عبد الجليل هذا ومطاعمه التي يأخذني إليها؟ عبد الجليل الذي بدا راضياً تماماً وهو يزاحم الناس بكتفيه منتظراً دوره… يبدو أن عجز هذا الرجل عن الشعور بالملل حوَّله إلى كتلةٍ من الملل هو نفسه.

الصبرَ الصبر… وهل لي غيره؟

نصف ساعةٍ من الانتظار الواقف، ثم انتحينا جانباً وفي يد كل واحدٍ منا سندويشه الملفوف بقطعة ورق، لحسن الحظ أني لا أملك ترف تمييز الأذواق القريبة، إنه يشبه أي سندويشٍ التهمته سابقاً وسيشبه أي سندويشٍ ألتهمه لاحقاً… هناك بالطبع تلك اللذة الناتجة عن قذارة السندويش نفسها! وهي ما وشَّحت سندويشاتنا المغربية بلقبها المشرِّف الذي تفتخر به: (خانز وبنين)!

لو كان أكثر نظافةً مما هو عليه لكان أسوأ مذاقاً… وفي مدينتي طنجة يُعدُّ السندويش الذي يقدمه مطعم (الكرم) هو الأسوأ طعماً والأقل إقبالاً، لسببٍ واحدٍ بسيطٍ هو أنه الأنظف!

وبصوت ممزوج بهمهمة المضغ سمعته يقول:

– “ألم أقل لك؟ سندويشٌ لذيذٌ ونظيف، رغم أنه محلٌّ صغيرٌ ومحشورٌ في هذه الزاوية المظلمة إلا أن له كما رأيتَ زبائن كثراً يتوافدون عليه من كل مكان.”

– “نعم يا سيد عبد الجليل، نعم… هو كذلك، هو كما قلتَ.”

وبدا راضياً…

وعدنا إلى الشقة بعد جولةٍ قصيرة، وخلدنا إلى النوم متعبين…

انطفأت الأضواء وسادت العتمة، وانحشرتُ تحت غطائي…

شيءٌ ما ليس على ما يرام… إحساسٌ غريبٌ مقبض، غثيانٌ ما أصاب روحي…

وبدأتُ أشعر بالألم يتسرَّب في أحشائي…

ألماً عارضاً ظننته في البداية، لكنه يشتدُّ شيئاً فشيئاً…

ربَّاه… إنني أرتعش!

حنجرتي… ما هذه الحلقة الخانقة التي تشنقني؟

يا إلهي… إن أحشائي تحترق، تتمزَّق… إنها تتحول إلى أسياخ حُميت في الجحيم!

إنها النار تضطرم، إنها الحيَّات والعقارب تنهش جوفي نهشاً، إنها المقارض والسكاكين تقطِّع أمعائي تقطيعاً… يا للهول!

ربَّاه…

هذا أكثر من أن يُحتمل…

كنتُ أتصبَّب عرقاً وقد تحوَّل جبيني إلى مضخة لا تنضب، شعرتُ بالبلل يغمر جميع ملابسي، لم أتعرَّق بهذه الشدة منذ مدةٍ طويلة…

أضع يدي على بطني وأضغط بعنف، أتلوَّى يمنةً ويسرة، أعضُّ بأسناني على الوسادة، وألهث من الألم المبرِّح، لا جدوى…

إن الألم الفظيع يزداد…

محكمة تفتيشٍ كاملةٌ تدور مجرياتها داخل معدتي…

تسمُّمٌ لعين بسبب السندويش المتعفِّن…

عبدَ الجليل… قتلتني قتلك الله!

لا أريد أن أمرض أو أموت في هذه المدينة الغريبة، لا أريد أن تكون نهايتي في هذا العمر الغضِّ بسبب سندويشٍ فاسدٍ أخذني إليه عجوزٌ بخيل! لا أريد… لا أريد…

أتلوَّى أكثر، أركل الغطاء بقدمي وأشعر به ينحسر عني، لا شيء سوى الظلام الدامس، لا شيء سوى العتمة الطاغية…

أرفع عينيَّ الواهنتين إلى النافذة فوق رأسي، سوادٌ في سواد، ومصابيح برتقاليةٌ بعيدةٌ بعيدة…

وخُيِّل إلي أني أسمع صوت صافرة القطار وجرسه…

طنجة… متى العودة إليكِ؟

وبدأتُ أرتخي، وشعرتُ بالوعي ينسحب مني شيئاً فشيئاً…

الألم بلغ حدوداً غير قابلةٍ للاحتمال…

إنني أفقد القدرة على الحركة، إنني أفقد القدرة على التمييز…

أفقدان الوعي هو؟ أم النوم فقط؟ أم لعله الموت؟

لا أدري…

لا أدري…

وتلاشى وعيي في العدم…

* * *

لم يكن ضوء الصباح هو ما أعاد إليَّ بصيص الوعي الخافت، بل ركلة ألمٍ حادة…

فتحتُ عينيَّ ببطءٍ بينما أحاول تذكر من أنا وماذا أفعل هنا ومن أين جاءني كل هذا الألم…

ضوء الصباح البِكر يغمر الغرفة، وتململتُ من مكاني وقد بدأتُ أتذكر…

كنتُ ما زلت أتألم وإن كان ذلك بشكلٍ أخفَّ قليلاً، تحاملتُ على نفسي حتى جلست، وأسندتُ مرفقيَّ على ركبتيَّ ودفنتُ رأسي في كفَّيَّ…

سمعتُ خطواتٍ قادمةً إلى الغرفة، رفعتُ رأسي بصعوبةٍ فإذا به عبد الجليل بمنامته المخطَّطة وهو يفرك عينيه من أثر النوم، كان يبدو نضر الوجه سليماً معافىً وكأنه أمضى ليلته في الجنة.

– “صباح الخير يا ولدي، كيف أصبحت؟”

– “بـ.. بخيرٍ والحمد لله.”

– “كيف كان سندويش الأمس؟ ألم أقل لك بأنه صحيٌّ ونظيف؟ لقد جرَّبتُ سندويشاتٍ كثيرةً في حياتي وكان أكثرها يضرُّ معدتي، لكن هذا بالذات لم أنل منه ضرراً قطُّ، ولهذا فإنـ…”

– “آي!!!”

صرخة ألمٍ مكتومة.

– “ما بك؟”

– “لا… لا شيء، لا شيء…”

نظر إلي لثوانٍ ثم نسي الأمر وتابع كلامه:

– “كنت أقول… بأن من الضروري أن يكون الإنسان حريصاً فيما يتعلق بهذه السندويشات، وألا يتناول سندويشاً إلا وهو واثقٌ من أنه نظيفٌ وغير مؤذ، فأن يتعشَّى الإنسان وينام نومةً هانئةً كما حدث معنا نحن أفضل بكثيرٍ من أن يتعشَّى ويمضي ليلته يتألَّم ويتوجَّع. أليس كذلك يا ولدي؟”

– “بلى… بلى…”

ثم أطلق ضحكته المجلجلة وقال وهو ينصرف ليرتدي ملابسه:

– “أليس هذا إذاً أفضل من مطعمكما ذاك الذي أخذتماني إليه؟ اعترف، قل الحقيقة! لكن لا بأس، يا لحماقة الشباب! ستتعلمان مع الوقت… ستتعلمان!”

ولم يبق منه إلا صدى ضحكته…

وعدتُ إلى دفن رأسي في كفَّيَّ، ثم تحاملتُ على الآلام حتى وقفتُ، دوارٌ استبدَّ بي وجعل الموجودات تنسخ نفسها وتتراقص أمام عيني.

استندتُ على الجدار، كنتُ أحاول أن أجد لنفسي موطئ قدمٍ في صباح هذا اليوم الجديد، ونحو المغسلة مشيتُ أترنَّح…

أنس سعيد محمد
09/08/2015

(( ~ النــهــايــة ~ ))

بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الثاني: كباب ~

06/08/2015 الساعة 20:47 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليقاً

.

pizza kabab sandwish 02

.

(2) – كباب ~

السابع من مارس، عام 2012.

العاشرة والربع صباحاً…

ما زالت الأكداس البشرية تتجمَّع في القاعة وما حولها من الممرات المرصوفة في مركز التكوين بـ (عين السبع)، ويحمل كل واحد من الحاضرين كوباً ورقياً أبيض يحتوي على تلك القهوة المريعة!

لسببٍ ما يصرُّون على أن يطبِّقوا عبارة (pause-café) تطبيقاً حرفياً، وأما أنا فما زلت عند عهدي، منذ طعِمْتُ قهوتهم الشنيعة في المركز قررتُ ألا أذوقها ثانيةً ما حييت، ثم إنه ليس من عادتي احتساء القهوة في العاشرة صباحاً على كال حال…

سأمضي فترة الاستراحة – كما أفعل دائماً – في الذهاب والمجيء هنا وهناك على غير هدى، محاولاً أن أفسر سلوك الناس الذين يتكدَّسون ويتزاحمون بأكتافهم لعدة دقائق من أوقاتهم الثمينة من أجل كوب قهوةٍ هي أبشع ما يمكن أن تذوق في حياتك!

أحياناً أجد نفسي عاجزاً تماماً عن فهم تصرفات البشر…

بالمناسبة، أين عاصم؟ لعله فضَّل البقاء في قاعة الاجتماعات أو ربما انشغل في الحديث مع بعض أصدقائه، أو لعله قد خرج من المركز أصلاً وطار إلى مكانٍ ما رغم أن التعليمات بعدم الخروج قبل الخامسة مساءً صارمةٌ للغاية، لكنه عاصم على كل حالٍ ولا أستغرب لو فعلها!

لا بأس… سأواصل مهمتي في مطالعة وجوه الناس ومحاولة تجنُّب أولئك الذين أعرفهم عبر التظاهر بعدم رؤيتهم، وخصوصاً منهم أولئك الذين يثرثرون بلا توقفٍ حول مواضيع لا يتعدى اهتمامي بها نسبة 0.01%. إنه الجحيم بالنسبة لي أن يتسلَّط علي موظفٌ عجوزٌ أمضى عمري كله أو أكثر منه في الخدمة، ثم يحدثني بالساعات الطوال عن مشاكل العمل والمديرين والترقيات وصندوق التقاعد والضمان الاجتماعي والنشاطات النقابية وغير ذلك من هذا الهراء، ويزداد الأمر سوءاً عندما يسألني – وكأن الأمر من البدهيات – عن أحوالي مع قرض السكن الذي أخذته لاقتناء الشقة!

أي شقة؟ ومن أخبره أصلاً أني ملتزمٌ بقرضٍ سكني؟ لا أحد! لكن بالنسبة لهم هذه أمورٌ بدهيةٌ مثل الطعام والشراب تنطبق على جميع الناس دون استثناء…

بدؤوا يلقون أكوابهم الورقية في حاويات القمامة هنا وهناك، وألقى المدخِّنون منهم أعقاب سجائرهم وداسوا عليها بأقدامهم، بعضهم مجتمعون على الصخب والضحك والبعض الآخر منزوٍ يتحدث في مواضيع جديةٍ جداً، وذاك الرجل هناك أعرفه…

إنه هو! والمشكلة أنه لمحني ولوَّح لي بيده من بعيد، لا مفر من الذهاب إليه فهو من زملائي في طنجة ويمضي أسبوعيْ تكوينٍ هنا مثلي.

كان واقفاً على مبعدةٍ مني يحادث رجلاً خمسينياً مثله في موضوعٍ يبدو من هيئته وانفعالات يديه أنه ذو أهميةٍ شديدة، أقترب منه ويزداد حجمه اتساعاً في إطار بصري، وتختفي بقية عناصر المشهد البعيد شيئاً فشيئاً لتحلَّ محلَّها القامتان الوقورتان فقط.

وصلتُ إليهما أخيراً ومددتُ يدي إلى الرجل مرحباً:

– “سيد عبد الجليل، كيف حالك؟”

قبض على يدي بكفِّه العملاقة إلى حدٍّ عجيب، والتي تغوص يدك فيها حتى لا تكاد تجد منها فكاكاً، وأما الأسوأ فكان تلك العادة الغريبة له عندما يظل مصافحاً لك ممسكاً بيدك معظم الوقت وهو يحادثك، محدِّقاً بك بنظراته النفَّاذة التي تُعدُّ لوحدها عامل إرباكٍ يكفي لأن تفقد ذاكرتك.

وأما عندما يخفض رأسه قليلاً ويخترقك بعينيه العاريتين من فوق إطار نظارته فاعلم يقيناً أنه قد وضعك في إحدى قوائمه، ولا يبقى لك إلا أن تدعو الله ألا تكون قائمته السوداء المرعبة.

ظلَّ مصافحاً لي يعتصر كفي بقبضته العملاقة وهو يحادثني بصوته الأجشِّ الذي تتكسَّر حروفه وتتدحرج كلماته لتتحطَّم وتنفجر بين شفتيه مذكرةً إياك بانهمار الصخور الجبلية أو بحوافر الخيل في حفلات (التبوريدة):

– “كيف حالك يا ولد؟ ألم تأخذ قهوة؟”

– “بخيرٍ والحمد لله، لا أحب قهوتهم هنا.”

– “معك حق، قهوتهم رديئةٌ جداً، لكننا نصبر عليها على كل حال… بالمناسبة، هل بتَّ هنا في الفندق؟”

– “لا، أقيم في المحمدية، في شـ…”

– “شقة أحمد في المحمدية؟ نعم أعرف أن عنده شقةً هناك، أفارغةٌ هي؟”

– “نعم، وقد فضَّلتُ الإقامة فيها على المبيت في فندق الدار البيضاء، وحتى على الفندق هنا في هذه المنطقة النائية.”

– “نعم، معك حق… ثم إن الفندق هنا قد امتلأ عن آخره ولم يعد هنالك مكانٌ لأحد، لم أحجز غرفةً عندما كنتُ في طنجة ولما جئتُ هنا وجدتُ أن الأوان قد فات.”

– “حقاً؟ وأين بتَّ ليلة أمس؟”

– “عدتُ إلى منزلي في القنيطرة ثم استيقظتُ في الصباح الباكر وجئتُ هنا، إن ذلك متعبٌ جداً ولن أطيقه لمدة أسبوعين كاملين.”

– “معك حق… إنها مشكلة!”

عندها حدث ما لم يكن في الحسبان…

ظل معتصراً كفِّي بقبضته طوال المحادثة، ثم إنه قد أخفض رأسه قليلاً ورمقني من فوق إطار نظارته، وصوَّب نحوي واحدةً من نظراته المميتة تلك والتي تذيب عظامك وتحوِّلك إلى كائنٍ من فصيلة الرخويات.

قال:

– “قلتَ إن الشقة في المحمدية فارغة؟ وتقيم فيها وحدك؟ وطيلة هذين الأسبوعين؟”

وعند الساعة الخامسة مساءً كنا ثلاثتنا، أنا وعاصم وعبد الجليل، ننطلق في سيارتين نحو مأوانا في مدينة المحمدية، بينما أنا أندب حظي وأفكر في مخرجٍ من هذه المصيبة الكارثية التي هوت على أمِّ رأسي ولم أحسب لها حساباً…

عبدَ الجليل… بأي ذنبٍ سلَّطك الله علي؟!

* * *

اسمه عبد الجليل، رجلٌ في الثالثة والخمسين عمره، أجمع كل الذين عرفوه قديماً بأنه إنسانٌ (خطيرٌ جداً) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وخطورته مستمدةٌ من ولعٍ عجيبٍ له بالمشاكل ذات الطابع القانوني، والتي يبحث عنها حيثما حلَّت وارتحلت، ولا يكاد يجد لنفسه راحةً إلا في أحضان مشكلةٍ عويصةٍ ما يكون قد افتعلها افتعالاً، وكأنه يستمدُّ من تلك المشاكل سرَّ وجوده ومعنى حياته…

وأما المفارقة هنا فهي أنه وجد في عالم المعضلات هذا منجماً سخياً استخرج منه كنوزاً من الأموال الطائلة التي تدفَّقت عليه دون توقف، دون أي جهدٍ يُذكر بالنسبة لمواهبه وقدراته الفريدة.

فإذا كان أصحاب الفن التجريدي قد وجدوا منجمهم في تلطيخ الأقمشة بألوان عشوائيةٍ مع الادِّعاء الصفيق بأن ثمة فلسفةً ما لا يفهمها إلا الراسخون في الفن، فإن عبد الجليل هذا قد وجد منجمه الخاص في ردهات المحكمة الإدارية وأروقتها! وفي رفع القضايا التي لا أول لها ولا آخر على المكتب الذي يشتغل فيه.

وإن في هذه المحاكم لعالَماً كاملاً من الحيل الماكرة والتلاعبات بالأوراق الإدارية والفراغات القانونية، وفيها من الثغرات العظيمة ما يمكِّن المتمرِّسين وأهل الخبرة من استخراج كنوزٍ وكنوزٍ من الأموال الطائلة، إلا أن هذا الأمر ليس متاحاً لكل أحد، ويحتاج في الواقع إلى مهاراتٍ خاصةٍ نادرة جداً، ومعرفةٍ عميقةٍ راسخةٍ بالنصوص القانونية وثغراتها، وشخصيةٍ نافذةٍ ذات نظراتٍ ثاقبةٍ مصمِّمةٍ لا تعرف العاطفة أو الضمير أو التردد، وكل هذا مع عجزٍ كاملٍ عن الشعور بالملل، وقدرةٍ خارقةٍ على الانتظار الطويل وتجاهل عامل الوقت إلى درجة إهماله تماماً.

وهي صفاتٌ اجتمعت كلها في شخص السيد عبد الجليل، ليكون مقدَّراً له أن يمضي أغلب سنوات مسيرته المهنية الطويلة في رفع القضايا والتردد على أروقة المحاكم ومكاتب المحامين، وقد زاده ولعاً بهذه الأجواء القانونية ما ناله منها من الخير الوفير والمال الكثير، فقد رفع على المكتب عدة قضايا على مدى سنواتٍ طويلةٍ كان في أكثرها ظالماً، لكنه فاز فيها جميعاً دون استثناء، وتحصَّلت له منها أرباحٌ هائلةٌ بلغت عدة عشراتٍ من الملايين.

وما زال حتى اليوم يتابع قضاياه القديمة ويرفع أخرى جديدة، ويطارد بلا مللٍ ولا كللٍ ملايين أخرى ستأتيه حتماً دون شك، وقد استخرجها استخراجاً من ثغرات القانون والإدارة أمام أعين القانون والإدارة.

مجرَّدٌ من العواطف تماماً، حادُّ النظرات عند الحاجة، القانون الوحيد الذي يحكم كل أفعاله وتصرفاته هو قانون (مصلحته الخاصة) ولا شيء آخر، لا يشكُّ الناظر إليه في أن جلد وجهه أثخن من جلد وجه غيره، كأن ثمة طبقاتٍ إضافيةً من الجلد المسلَّح تجعل وجهه لحمةً راسخةً لا يبدو على صفحتها أي انفعالٍ عاطفي.

عتيق الطراز في ملبسه وأسلوب حياته، متوقفٌ عند التسعينيات تقريباً، يرتدي بدلةً رسميةً دون ربطة عنق، مع حذاءٍ لا تراه إلا عند من تجاوز الستِّين من عمره، وهو حذاءٌ ضخمٌ جداً، يدوس به القانون بلا رحمةٍ ولا هوادة، فليس في حياته أي وجودٍ أو اعتبارٍ للقانون والالتزام به. لقد علَّمته سنواته الطويلة مع المحاكم والقضايا أن لكل مشكلةٍ حل، وأن بإمكان كل من يخالف القانون أن يجد لنفسه مخرجاً وأن يحوِّل دفة القضية إلى صالحه، لذلك لم يكن يبالي بشيء إطلاقاً، ولم تكن عنده أي مشكلةٍ في رفع القضية إلى المحكمة في أي وقتٍ يريد، حتى صارت عبارته التهديدية الدائمة التي يلقيها بثقةٍ أمام كل من يشهر في وجهه سيفاً من سيوف القانون:

– “وإن أبيتَ فهيا إلى المحكمة، وعندها سنرى لمن تكون الغلبة!”

وهي عبارةٌ أنصح كل من يسمعها من عبد الجليل أن يستسلم فوراً، مهما كان مظلوماً ومهما كان عبد الجليل ظالماً، لأن وحش المحاكم سيفوز في النهاية حتماً دون شك…

* * *

وصلنا إلى الشقة أخيراً…

صعدنا أنا وعاصم بينما تأخر عنا عبد الجليل قليلاً في سيارته.

– “أينوي المبيت عندك هنا؟”

– “أظن ذلك ويا لمصيبتي!”

– “هذه الليلة فقط بطبيعة الحال أليس كذلك؟”

ولم يكمل عاصم جملته الأخيرة حتى كان عبد الجليل يصعد الدرج وهو يجرُّ حقيبة ملابسه الهائلة، وتبادلتُ مع عاصم نظراتٍ ذات معنى، ولم يستطع كتم ضحكته فتوارى عني – الشرير! – واستغرق في قهقهةٍ مكتومة.

وضع عبد الجليل حقيبته في إحدى الزوايا وشرع يجيل بصره في جدران البيت وسقفه، ثم قام بجولةٍ في الغرف – وكانت لا تزال مقلب قمامةٍ منذ الأمس – وهو يقول:

– “يا لطيف، يا لطيف! ما كل هذه الفوضى هنا؟ هذا الدَّمار خلَّفتماه في يومٍ واحدٍ فقط؟ أنتما من النوع الذي يعتمد على أمه ولم يتعلم بعد العناية بمنزل، يجب أن تتعلما أيها الولدان!”

ثم جلس بعد أن خفَّف قليلاً من فوضانا العارمة وقال وهو يحرك رأسه متأسفاً:

– “إن مهندس هذا المنزل رجلٌ فاشل… لو أن هذه الغرفة كانت هناك وأن هذا الجدار لم يكن، ولو أن تلك السارية نُقلت إلى هناك وجُعلت زاوية تلك الغرفة هناك، وأما المطبخ فإن مكانه كان ينبغي أن يكون هناك، وأما تلك الغرفة فكان ينبغي…”

ولم ينته حتى أعاد تصميم وهندسة البيت كاملاً من الصفر، ونحن نتظاهر بمتابعته والموافقة على آرائه، بالطبع لا نجرؤ على أن نخالفه في رأيٍ حتى لا نجد أنفسنا فجأةً في المحكمة!

– “نعم يا سيد عبد الجليل، (كاينة آالسي عبد الجليل، كلامك هو الكبير)، تصميم البيت كان يجب أن يكون كما ذكرتَ والمهندس رجلٌ فاشلٌ يستحق أن تُرفع عليه دعوةٌ في المحكمة.”

– “نعم، نعم.”

وبدا راضياً…

– “نخرج للعشاء؟”

– “فكرةٌ عظيمة، لقد جعنا حقاً.”

– “أين نذهب؟ تعرفان مكاناً جيداً؟”

– “لا ندري… اختر أنت يا سيد عبد الجليل.”

– “ليس في بالي أي مكانٍ محدد، من النادر أن أزور المحمدية لذلك لا أذكر أماكن الطعام فيها.”

– “لا بأس… كنا بالأمس قد تناولنا وجبة بيتزا في أحد المطاعم، والحق أنها كانت جيدة، ما رأيكما أن نعود لنفس المطعم؟”

– “بيتزا؟ هممم… لم لا؟!”

وتبادلتُ مع عاصم نظرةً سريعةً ذات معنى:

– “الثمن عندهم مرتفعٌ بعض الشيء، لعلمك فقط…”

وحملق فينا عبد الجليل في عدم فهمٍ ثم قال دون اكتراث:

– “قلتما إن الأكل الذي يقدمه جيد؟”

– “نعم، جربناه بالأمس وكان ممتازاً.”

– “على بركة الله إذاً، لا داعي للتردد.”

وانطلقت السيارة تنهب الطريق المظلم نهباً، وما هي إلا دقائق حتى كان عاصم يركنها بمحاذاة الرصيف في نفس موضع الأمس، ونزلنا…

نفس مشهد البارحة تقريباً، إذا استثنينا عربةً جديدةً من تلك التي أسميها (عربات الموت)، والتي نشاهد الكثير منها في طنجة قرب (مقهى عبد الرحمن) وفي بعض الأحياء الشعبية.

إنها واحدةٌ من عربات الأكلات السريعة القاتلة التي تغلِّفها دائماً سحابة دخانٍ في غاية الكثافة، ويقف عندها شابٌّ عصبيٌّ نحيلٌ رثُّ الثياب وذو لحيةٍ كثةٍ طويلة، وتراه ينشُّ على اللحم المشوي والكباب الذي يحشوه لك في قطعة خبزٍ ويبيعك إياه بأثمان بخسةٍ جداً، بخسةٍ لدرجة أنك تتساءل من أين يأتي بكل تلك القطط والكلاب والحمير التي يذبحها ويطعمها للرِّعاع الذين يأكلون عنده!

تجاهلنا العربة تماماً وكأننا لم نرها، وعبرنا الشارع الفارغ تقريباً، والذي لاحت في الجانب الآخر منه تلك اللافتة المضيئة بألوان العلم الإيطالي: LUIGINO.

الأضواء الهادئة التي تريح النفس، والموسيقى المنسابة التي تنعزف على أوتار الروح… مشهد الأمس يتكرر اليوم من جديد، مع شخصٍ إضافيٍّ هو وحش المحاكم عبد الجليل.

ظل عبد الجليل يحملق بعينيه في جدران المطعم وزواياه، وقد بدت على ملامحه أمارات الرضا والاقتناع، وهو ما أفعمنا بالفخر والاعتزاز لأننا جئنا به إلى مكانٍ نال إعجابه (وليس من السهل أبداً أن يعجب شيءٌ عبدَ الجليل)! وبصوته المجلجل المتهدِّج تدحرجت هذه الكلمات على لسانه:

– “جيد… جيد… صاحب هذا المطعم رجلٌ ذو ذوقٍ رفيع، لقد عرف كيف يزيِّن مطعمه للناظرين وهذه قاعدةٌ مهمةٌ في التسويق: (زوَّق تبيع).”

وافقنا على كلامه، وجاء أخيراً نادل الأمس الذي استقدموه من إحدى قصص الأطفال، وقد تذكَّرَنا بعد إذ رآنا فشاعت في وجهه ابتسامةٌ عذبةٌ مليئةٌ بالثقة والخيلاء والاغترار، وخُيِّل إلي أن ابتسامته المعلَّبة تلك تخفي وراءها العبارة التالية:

– “عدتما أيها المغفَّلان؟ أرأيتما؟ رغم أن بضاعتنا باهظة الثمن إلا أنها ذات جودةٍ أجبرتكما على العودة إلينا في اليوم التالي.”

فابتسمتُ في وجهه ابتسامةً عريضةً تمنيتُ أن يقرأ وراءها العبارة التالية:

– “نعم أيها الوغد، طعامكم اللعين لذيذٌ جداً وها نحن نعود إليك مع ضحيةٍ جديدة، هل أرضاك هذا الآن؟”

– “آش حبّْ الخاطر نعام آ سيدي؟”

ولم نطلب أنا وعاصم إلا ما طلبناه في الأمس، وأما عبد الجليل فقد أبى إلا أن يجعل أمسيتنا جحيماً بتنقيبه المتوحِّش في القائمة وفي تفاصيل كل طعامٍ معروض… لقد تناول كتاب القائمة وشرع يتفحَّصه من وراء نظارته ببطءٍ شديدٍ إلى درجةٍ لا تطاق، وقد ظهرت عليه – ويا للكارثة – علامات الصدمة من الأرقام المرتفعة لأسعار المأكولات.

– “هذه البيتزا هنا… ما مكوِّناتها؟”

– “إنها يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

– “هذا فقط وبهذا السعر المرتفع؟ وهذه هنا، ممَّ تتكون؟”

– “إنها يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

– “لا، هذا كثير… هذا كثير… وماذا عن هذه؟ ماذا تضعون فيها؟”

– “هذه يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

ونظرتُ إلى عاصم خفيةً مع ابتسامة تقول:

– “ما شأن هذا؟”

فأجابني بغمزةٍ ساخرةٍ تقول:

– “شيخٌ كبير، اصبر عليه ولك الأجر!”

وأما النادل المسكين فقد صار في حالةٍ مأساويةٍ تثير شفقة العدو! اختفت ابتسامته المغرورة وتقوَّس ظهره، وتجمَّعت حبَّات العرق على جبينه، وكان قد بلغ أقصى درجات الحرج والسأم من هذا العجوز الذي يستنطقه استنطاقاً نازياً، والمشكلة أنه بدأ الآن بتصعيد اللهجة بما لا يبشر بخيرٍ أبداً.

– “ما هذا؟! ما هذا؟! ما هذه الكارثة عندكم هنا في هذا المطعم؟! كل شيءٍ عندكم هنا باهظ الثمن بشكلٍ غير معقول! بشكلٍ لا يطاق! وماذا عساكم تتفوَّقون به على غيركم من المطاعم؟! أين مديركم؟ أين صاحب هذا المطعم؟ خذني إليه لأتكلم معه! خذني إليه الآن فوراً هيا!”

– “سيدي ولكن…”

يا للمشكلة… يبدو أن عبد الجليل هذا مصرٌّ على ألا تمرَّ الليلة بخير، لقد بدأ يصرخ حقاً ويرتفع صوته، ولأننا نحن من جئنا به إلى هنا فإن اللوم كله واقعٌ علينا، ومعناه أن ليلةً سوداء تنتظرنا نسأل الله السلامة والعافية!

– “لا بأس… لا بأس… لا تحضر لي أية بيتزا.”

ثم سحب سبابته إلى أرخص سعرٍ عندهم في القائمة وهو (45 درهم)، وكان مخصصاً لشيءٍ اسمه (سلطة الخضروات المشوية salade de légumes grillés)، فقال عبد الجليل وهو يسدِّد نظراتٍ ناريةً للنادل كادت تحوِّله إلى حلزون:

– “أحضر لي سلطة الخضروات المشوية هذه أو لا أدري ماذا، هيا! بسرعة!”

وتوارى النادل المسكين مهرولاً وقد تخلَّى عن كل أرستوقراطيته ووقاره، كان غير مصدِّقٍ بأنه نجا أخيراً من هذه الكارثة الآدمية التي نزلنا بها عليه.

وبعد لحظاتٍ كنا نحاول فيها – دون جدوى – أن نلطِّف الأجواء ونغير الموضوع جاء النادل المسكين حاملاً معه الأطباق العجيبة، فأما طبقا البيتزا فكانا على ما يرام مثل الأمس، وأما طبق (سلطة الخضروات المشوية)… فهنا كانت الكارثة!

وضع النادل الأطباق وانصرف هارباً، وكلمة (هارباً) هنا مقصودةٌ بمعناها الحرفي فعلاً!

صببتُ لنفسي كوباً من المشروب الغازي وشرعتُ ألتهم البيتزا بتلذُّذ، وهو نفس ما كان يفعله عاصم، وأما عبد الجليل فكان يقلِّب كفيه عجباً وهو يزمُّ شفتيه:

– “ما هذا؟! ما هذا؟!”

ثم التفت إلى النادل ولوح له بحدةٍ آمراً إياه بالمجيء بسرعة، عندها عرفنا أن مصيبةً ما ستحصل دون شك، وشعرنا أنا وعاصم بدوار الخجل الشديد والحرج الذي يجعلك راغباً حقاً في أن تنشقَّ الأرض وتبلعك… وجمنا وتقلَّصت ملامحنا وغرسنا أعيننا في طبقينا كي لا تلتقي مع عيون النادل الذي تسبَّبنا له في ليلةٍ سوداء سيذكرها طوال حياته.

وبعنفٍ شديدٍ علا صوت عبد الجليل وهو يضرب أحياناً بقبضته على المائدة مما خلخل أحشاء النادل وزعزع كيانه:

– “هذه السلطة التي جئتَ لي بها، لم تعجبني! إنكم تكذبون هنا على الناس! أنتم تزعمون أنها (سلطة خضرواتٍ مشوية)، فأين هي الخضروات هنا؟! هل ترى هنا خضروات؟! هاه؟! أجب! لا أرى هنا سوى الخس! أقول لك أن تحضر لي خضرواتٍ مشويةً فتحضر لي خساً؟! هل حسبتني ماعزاً؟! هاه؟! (واش حنا المعاز)؟! ما هذا النصب والاحتيال؟! وتبيعني طبق الخسِّ التافه هذا بخمسين درهماً؟! أين مديرك؟! أين هو؟! قلت لك خذني إليه فوراً!”

شعرتُ بدماء الخجل والحرج والحياء تتدفَّق إلى وجهي وتفعم خديَّ، وألقيتُ نظرةً متسللةً إلى وجه عاصمٍ فوجدته قد احمرَّ خجلاً هو الآخر، وكان منكِّساً رأسه ينظر إلى أسفل متظاهراً بأن الأمر لا يعنيه، ثم ألقيتُ نظرةَ على طبق عبد الجليل فكتمتُ ضحكتي!

الرجل معه حقٌّ في احتجاجه! الطبق صغيرٌ جداً ومخيِّبٌ للآمال حقاً، ولم يكن فيه سوى طبقاتٌ كثيفةٌ من الخسِّ يعلو بعضها بعضاً، وفوقها تناثرت قطعٌ ذابلةٌ من الجزر والخيار مع بعض الزيتون، وقد فُرشت على الخسِّ بطريقةٍ فنيةٍ مضحكةٍ قطعٌ مشويةٌ صغيرةٌ وقليلةٌ من الكوسا والباذنجان… فقط!

نطق النادل أخيراً بصوت يرتعش ارتعاشاً تداخلت له حروفه:

– “سـ.. سيدي… نحن آسـ.. آسفون… هذا هو الطبق كما هو موصوفٌ في القائمة سيدي، وأنا… وأنا رهن خدمتك سيدي… هل تريد؟ هل تريد أن أشوي لك هذه الخضروات أكثر يا سيدي؟”

وكان عاصم أيضاً يكتم ضحكته، وأما عبد الجليل فقد صوَّب نحوه نظرته النارية تلك من فوق إطار النظارة، وظلَّ يرمقه صامتاً للحظة، فبدا وكأنه يفكِّر في الجواب الملائم على سؤاله الغبي إلى درجةٍ مرعبة…

وكانت المفاجأة أنه لم يجب بشيء، وأعتقد أن غباء السؤال والحالة الكارثية التي وصل إليها النادل جعلاه ييأس منه ويقرر تركه وشأنه، ليست هناك فائدةٌ من الإجهاز على فريسةٍ ميتةٍ على كل حال.

– “لا بأس… لا بأس… لا أريد شيئاً… أرجو المعذرة… شكراً.”

وفرَّ النادل من جديدٍ إلى داخل المطعم دون كلمة، وتنفسنا الصعداء قليلاً…

ذاق عبد الجليل أول قطعة كوسا في طبقه، فمجَّها وابتلعها بصعوبةٍ وهو يسبُّ ويلعن، ثم ظلَّ يقلِّب طبقات الخسِّ بشوكته وكأنه يبحث فيها عن كنزٍ ما، فزمَّ شفتيه وحرَّك رأسه متحسراً دون أن يكلمنا، وألقى نظرةً شاردةً إلى الخارج، فوقع بصره على عربة الموت تلك التي رأيناها عندما وصلنا، وكان صاحبها ذو اللحية الطويلة ما زال ينشُّ على الكباب المشوي الذي ترتفع فوقه سحابة دخانٍ هائلةٌ تحيط بالعربة وبصاحبها، والتمعت الفكرة في رأس عبد الجليل وبدا أنه اتخذ قراره أخيراً:

– “والله لا أدري ما الذي أعادكما إلى هذه الكارثة! أما أنا فقد اتخذتُ قراري الذي لا رجعة فيه، لن آكل شيئاً عند هؤلاء النصَّابين المجرمين، وسأتعشَّى عند صاحب الكباب ذاك.”

وظننَّا في البداية أنه يمزح، ولم نتأكد من جديته إلا وهو يستعجلنا لإنهاء طبقينا، والتقت عيناي المندهشتان بعيني عاصمٍ الأكثر اندهاشاً: أحقاً سيفعلها؟

أكملنا طبق البيتزا دون أن نحسَّ لها بطعم، وقمتُ إلى الصندوق لأدفع ثمن ما أكلناه بحرجٍ بالغ وخجل جعلني أتحاشى ما أمكن النظر في وجه النادل المسكين والتقاء عينيَّ بعينيه، وخرجنا مسرعين من مطعم Luigino، وتبعنا عبد الجليل الذي كان يقطع الشارع نحو عربة الكباب القاتلة.

وخَفَتَ صوت الموسيقى العذبة، تناقص صدى الإيقاع حتى تلاشى…

وكنا على موعدٍ مع إحراجٍ آخر، إن عربة الكباب تقع مقابلةً تماماً لباب المطعم، بمعنى أن المهزلة التي ستحصل بعد لحظاتٍ ستكون على مرأىً من نادل المطعم وعماله وزبنائه…

عبدَ الجليل… سحقاً لك!

– “كباب لو سمحت… بكم؟”

– “عشرة دراهم.”

– “أرأيتما؟ أيهما أفضل الآن؟ لحمٌ بعشرة دراهم أم طبق خسٍّ بخمسين درهماً؟ والله لو عرفتُ أن الأمر سيكون كذلك لقصدتُ منذ البداية هذا الرجل الطيب، أكلٌ نظيفٌ وصحيٌّ ولذيذ، وبثمنٍ مناسبٍ جداً فوق كل ذلك! تعلَّموا أيها الشباب تعلَّموا… ما زالت خبرتكم في الحياة منعدمةً تماماً وما زلتم تنبهرون بالأضواء اللامعة والزخارف التافهة، لا يصحُّ في النهاية إلا الصحيح، تعلَّموا مني هذا، تعلَّموا!”

ثم تناول سندويش الكباب ورفعه إلى فمه وقضم منه قضمةً محترمة… ألحم قططٍ هو؟ أم لحم كلاب؟ أم لعله لحم حمير؟ لا أدري… ربما لن تخرج الحقيقة عن أحد هذه الاحتمالات الثلاثة على كل حال، لكن عبد الجليل لا يبالي، وها نحن نراه واقفاً بجانب العربة وقد غمره دخانها الكثيف حتى كاد يختفي فيه، وكان يقضم ويمضغ كبابه بتلذُّذٍ ونشوةٍ واقتناعٍ تام.

سينفد صبري قريباً، وكذلك عاصم على ما يبدو لي… كنا واجمين غاضبين منزعجين إلى أقصى حدود الوجوم والغضب والانزعاج، وقد ابتعدنا عن الرجل قليلاً كي ندعه يلتهم كباب الحمير وحده دون إزعاج.

– “لم أستطع أن أنظر في وجه النادل أو أن تلتقي عيناي بعينيه، والله لو انشقَّت الأرض وابتلعتني لكان ذلك أرحم بي من هذه المهزلة!”

– “الخطأ خطؤنا… والله خطؤنا! ما كان علينا أن نُحضر ذلك (الجلاخة) إلى هذا المكان، الانتحارات الشبابية لا يفهمها إلا الشباب فقط، بعض الشباب فقط، وأما هؤلاء الكهول والعجائز فالواحد منهم ينطوي على الملايين لكنه في الطعام يتصرف كطالبٍ متغرِّبٍ لا تتعدَّى ميزانيته خمسين درهماً في الشهر… تباً لهذه العقليات القديمة المتحجِّرة وسحقاً لها!”

– “أياً يكن، أحمد الله أن هذه الليلة هي الأخيرة لي معكما هنا، وغداً إن شاء الله أطير عائداً إلى طنجة وأتركك مع صاحبك… يجب أن تصبر يا صاحبي! أسبوعان فقط وينتهي كل شيء!”

نعم يا عاصم، يحقُّ لك أن تسخر… غداً صباحاً ستمتطي سيارتك وتنطلق إلى طنجة لتتركني وحيداً مع هذا الوحش القانوني وآكل القطط المرعب، والمشكلة أن مزاجي الآن قد صار في أدنى حضيضٍ يمكن أن يصل إليه، ومع ذلك ما زالت تنتظرنا ليلةٌ كاملةٌ من اللوم والتقريع والدروس المبتذلة في حكمة الحياة وأساليب الإنفاق…

أطلَّ النادل – الذي كان وسيماً – برأسه من الباب وبدت لي قامته وهو يقف مشرئباً بعنقه وموجِّهاً إلينا نظرةً ثابتةً لا تدل على شيء، ثم عاد إلى الداخل وتوارى من جديد… الحق أن مشهدنا كان مخزياً للغاية، ويبدو أن عبد الجليل لن ينتهي من كباب القطط ذاك قريباً…

كنت قد تذمرتُ في ليلتي الأولى من الوحدة القاتلة التي خنقت أنفاسي، وأخشى أن رفقة هذا الكهل ستجعلني أتمنى عودة تلك الوحدة بكل مساوئها وسلبياتها التي بدأتُ أراها جميلة جداً ويا للأسف!

أين أنتم أيها السادة القضاة والأساتذة المحامون؟ أين أنتم يا وكلاء الملك ويا أيها المستشارون؟ تعالوا لتنظروا إلى عبد الجليل وهو يأكل الكباب من عربةٍ على الرصيف!

يا للسخرية…

وظننَّا أنه انتهى أخيراً، مسح يديه وشفتيه ونادى علينا، دنونا منه ونحن نلملم أجسادنا وملامح وجوهنا مستعدِّين للانصراف، لكنه فاجأنا بقوله وهو ينظر إلينا بعينين صافيتين بريئتين:

– “والله إنه لذيذ! خذا واحداً أنتما أيضاً.”

لم يكن منتبهاً حتى لمخايل الوجوم والملل التي كانت منطبعةً على ملامحنا بوضوحٍ هو الشمس نفسها في رائعة النهار!

– “لا داعي، شكراً… أكلنا البيتزا وشبعنا.”

– “هذا شأنكما! ولقد ضيَّعتما الكثير حقاً… الكثير من المال، والكثير من هذا الكباب اللذيذ! واحداً آخر يا زعيم!”

وخارت قوانا من جديد… وأخذ عبد الجليل سندويش كبابٍ جديداً، وجعل يلوكه بتلذُّذ من لا يريد أن يشبع منه، وكان مغموراً تماماً بدخان العربة الذي يزكم الأنفاس، بينما بائع الكباب الملتحي يمارس مهمته الأبدية في النشِّ على النقانق واللحم والكفتة، ووضع شرائح جديدةٍ منها فوق مقلاته الدسمة التي تنتج المزيد والمزيد بلا توقف، من سحائب الدخان الأبيض الكثيف…

أنس سعيد محمد
بيتزا، كباب، سندويش!

(( يـــُـــتـبـع >> ))

بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الأول: بيتزا ~

02/08/2015 الساعة 20:15 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليقاً

.

pizza kabab sandwish 01

.

(1) – بيتزا ~

الخامس من مارس، عام 2012.

سيُقضى علي اختناقاً ومللاً لو أمضيت الليلة وحدي في هذه الشقة، خاصة وأن المصباح المعطَّل المشنوق في وسط السقف سيجبرني على الغرق في بئرٍ من العتمة لا قعر له.
سأركِّب مصباحاً جديداً مساء الغد لكن… أسبوعان على هذا النحو؟ يا للكارثة!

إنها ليلتي الأولى هنا وهي تجثم على صدري كصخرة تزن أطناناً، حتى لو جاء عاصم في الغد فإنه لن يمضي معي أكثر من يومين أو ثلاثة أيام ثم يعود إلى طنجة، وعندها سيكون علي أن أرتمي من جديدٍ في أحضان الوحدة المطلقة في مدينة لا يعرفني فيها بشرٌ ولا شجرٌ ولا حجر.

الله المستعان على ذلك… ولعل خير ما أفعله الآن هو أن أخرج لأتمشى قليلاً في الشارع، عسى أن أكسر هذا الملل القاتل الذي تواطأ مع الزكام على تطويق حنجرتي…

المحمديةٌ مدينةٌ جميلة، وكانت لتكون أجمل لولا تلوث الجو بسبب بعض المصانع العملاقة، كما أني لم أطمئن قطُّ لنظرات المارة المستفزة ولتلك الأزقة الفارغة التي يزيدها الظلام رهبةً وتوجساً.

غير أني لم أندم على أن أخذت مفتاح الشقة الفارغة من أحمد، إن المحمدية هي الرئة التي تتنفس منها مدينة الدار البيضاء العامرة، وخيرٌ لمن سيمضى دورته التكوينية في (عين السبع) أن يقيم في المحمدية على أن يمضي لياليه في الدار البيضاء.

فقط أولئك الذين اصطلوا بجحيم أزمات المرور الخانقة تحت الشمس الحارقة وانقطاع الطرق بسبب الأشغال بين (عين السبع) والدار البيضاء المدينة، يدركون جيداً أن المحمدية هي أقرب إلى (عين السبع) من الدار البيضاء وأكثر رفقاً بالأعصاب وبمحرك السيارة!

ظلامٌ دامسٌ هو، ولا أحد في الشارع غيري، ولا يمزق رداءَ الصمت إلا صافرةُ القطار وجرسه الذي يدق بين الفينة والأخرى، لحسن الحظ أن الشقة على بعد خطواتٍ من محطة القطار، يؤنسني كثيراً صوت الصافرة التي تذكِّرني بأن كل زمنٍ يمضي عليَّ هنا يقربني أكثر لرحلة العودة إلى طنجة الحبيبة…

عقدتُ العزم على الذهاب إلى الفضاء الواسع المسمى عندهم بالـ Park، حيث تقوم كنيسةٌ تمتدُّ أمامها حديقةٌ واسعةٌ أنيقة، وعلى أطراف الحديقة سلسلة مقاهٍ متلاصقةٌ ممتازة، وما زال مقهى (فضاء الأفكار Espaces idées) الذي يتوسط سلسلة مقاهي الـ park هو محطتنا الدائمة لتناول وجبة الفطور في كل رحلة عملٍ نقوم بها إلى الدار البيضاء.

الوجهة هي الـ park إذاً، لكن أهذا كان طريقه؟ لا أذكر بالضبط!

سأواصل المشي على كل حالٍ حتى أجد أحداً أسأله.

مللٌ في الشارع أيضاً، وجوعٌ تذكَّر الآن أن يقرص معدتي بعنف… الوحدة المطلقة مزعجةٌ جداً في مدينةٍ لا يعرفك فيها أحدٌ ولا تعرف فيها أحداً، غمرني شعورٌ عارمٌ بالرغبة في صحبةٍ آدميةٍ كيفما كان نوعها، وكنت أنتظر بشغفٍ هادرٍ اتصالاً هاتفياً يؤكد لي فيه عاصم حضوره في الغد، والحق أني كنت في حالةٍ لو لقيت فيها أعدى أعدائي في طنجة لارتميتُ عليه معانقاً، ولأقمتُ معه صداقةً حميمةً لا تشوبها شائبةٌ من الخصومة أو سوء التفاهم.

مزيدٌ من المشي الهائم، مزيدٌ من الشرود الفلسفي الذي تفسده عليَّ قرصة الجوع…

العاشرة والنصف ليلاً…

لاح لي من بعيدٍ شبحٌ آدميٌّ قادم، تبينتُ فيه بعد أن اقترب شكل فتاةٍ ترتدي جلباباً وقد تركت شعرها الطليق ينسدل على كتفيها، تقترب وأقترب، وعندما تقاطعنا عند مفترق الطرق بادرتها بالسؤال قائلاً:

– “أختي… لو سمحت…”

فانتفضت مذعورة ووثبت خطوةً إلى الوراء، وحدجتني بنظرةٍ ناريةٍ قاتلةٍ وقد بدت في وضعٍ متأهبٍ للضرب والقتال والصراخ! نعم… حُقَّ لها أن تخاف في مثل هذا الوقت من الليل، وانتبهتُ إلى أني بالفعل أبدو مريعاً في مثل تلك الهيئة الصفيقة؛ ملابس سوداء بالكامل من طوق العنق إلى الحذاء، وسترةٌ جلديةٌ تجعلني أبدو فظاً، شعرٌ أشعث وعينان منهكتان وسط هالاتٍ سوداء أشعر بها ولا أراها، شفتان مشمئزتان، ووعثاء سفرٍ باديةٌ لا تخطئها العين، ما الذي ينقصني إذاً كي أبدو بلطجياً؟!

– “لو سمحت… من أين الطريق إلى الـ park؟”

قلَّبت عينيها الواسعتين فيَّ لحظةً وبدا عليها بعض الاطمئنان، أشارت بأصبعها السبابة إلى نفس الشارع الذي كنت أمضي فيه وقالت:

– “من هنا… وعند المدار خذ الشارع الثاني جهة اليمين.”

– “كم من الوقت؟”

– “اممم… عشرون دقيقةٍ ربما، نصف ساعةٍ على الأكثر.”

قالتها وتوارت مواصلةً مشيها وهي تسرع الخطى لتتوارى في الظلام من جديد…
– “شكراً…”

نصف ساعة؟ والساعة الآن العاشرة والنصف، لو ذهبتُ فلن أعود إلا بعد منتصف الليل وهذا شيءٌ لا أريده في مدينةٍ مرعبةٍ كهذه. الأفضل لي أن أظلَّ في الجوار وأن أبحث عن مطعمٍ أتناول فيه عشائي، إن قرصة الجوع تزداد ضراوةً فإني لم آكل شيئاً منذ غدائي في طنجة.

سأواصل المشي إلى ذلك المفترق وأنعطف يميناً، وهناك أواصل دورتي على الحي السكني حتى أعود إلى الشقة من الجهة الخلفية.

ضوءٌ ينبعث في تلك الزاوية هناك، عند مفترق الطرق، يبدو من بعيدٍ كشمعةٍ عملاقةٍ تمنح تلك الزاوية استثناءً من النور وسط العتمة السائدة. رائحةٌ زكيةٌ تنبعث من مصدر الضوء أنعشت روحي وأعادت إليَّ الحياة من جديد، دنوتُ فإذا بي أمام مطعمٍ صغيرٍ جداً شديد الضيق، لا يتسع لأكثر من مائدةٍ واحدة فقط أو مائدتين! ويبدو أنه متخصصٌ حصرياً في تقديم وجبات (البيتزا). هي السعادة إذاً! هات لي أضخم بيتزا لديك يا سيدي، إن لي في الطعام لمشغلةً عن هذا الملل القاتل الذي يعتصر ليلتي ومزاجي وروحي، وسيكون عليَّ أن أتحمله مدة أسبوعين من الآن.

وجلستُ أفتك بالطبق اللذيذ فتكاً، وأراوح بين لقمةٍ وأخرى بجرعةٍ ممتازةٍ من المشروب الغازي، بينما صاحب المحل ذو اللحية الكثيفة الطويلة جالسٌ وراء الصندوق يرمقني بارتيابٍ وتشكُّك…

* * *

السادس من مارس، عام 2012.

جاء الفرج أخيراً!

عاصم هنا معي في مركز التكوين بـ (عين السبع)، الصحبة الآدمية التي افتقدتها ليلة أمس جاءت أخيراً. شابٌّ طيبٌ ومسالمٌ هو، وفي مثل عمري تقريباً، أكبر مني بسنتين للدقة.

أمضيتُ يوماً كاملاً في الضحك والثرثرة وتجاذب أطراف الحديث، وكنت مسروراً منطلقاً أنساب في أودية الهزل وفجاج الطرائف أعوِّض ما خسرته من المزاج في كآبة الليلة الماضية، ولم ينغِّص علي هذه الفرحة إلا أن زيارة عاصمٍ مؤقتةٌ قصيرة، وأنه سيعود لطنجة بعد يومين فقط، ليتركني مجدداً في لجة الوحدة والكآبة التي ستلتهم ما يتبقى من الأسبوعين الثقيلين.

انطلقت بنا سيارته عائدةً إلى المحمدية في طريقٍ سلسٍ متصل، وقريباً من محطة القطار لاحت لنا جهةَ اليسار لافتةُ (أسواق السلام) العملاقة، فانعطف عاصم بسيارته إلى مركز التسوق، وانقضضنا عليه بشهيةٍ شبابيةٍ فتَّاكة.

وفي الشقة أفرغنا الأكياس البلاستيكية العامرة بما لذَّ وطاب من البسكويت والشوكولاتة وعلب الزبادي والعصير، فتحنا أكياس البسكويت وارتفعت أصوات القضم والقرمشة، ثم فتحنا بعض علب العصير وصار لدينا شاربان أبيضان مضحكان. التهمنا بعض ما اشتهينا التهامه وأودعنا البقية في الثلاجة بغير ترتيبٍ أو تنسيق، أصلحنا المصباح المعطل، وبعد نصف ساعةٍ تقريباً اكتشفنا أن الشقة صارت في حالةٍ مريعة!

إن عازباً واحداً فقط يكفي لتحويل شقةٍ إلى مقلب قمامةٍ خلال يومين لا أكثر، أما وقد كان الأمر يتعلق بعازبين جائعين، فقد تحولت الشقة إلى مقلب قمامةٍ في أقل من نصف ساعة.
انفجرت الحقائب وتناثرت الملابس هنا وهناك، أقمصةٌ وكنزاتٌ وستراتٌ وسراويل وجوارب وأحذية، بعضها على الأسرَّة وبعضها ملقىً على الأرض وبعضها يلتصق بالجدار وبعضها معلَّقٌ في السقف! أكياس البسكويت مرميةٌ هنا وهناك مع علب العصير التي بعضها فارغٌ وبعضها مشروب إلى النصف.

أجَّلنا مهمة التنظيف والترتيب إلى وقتٍ لاحق، وكان قد غلب علينا التعب فاستلقينا على أقفيتنا مستسلمين لاسترخاءٍ لذيذ.

– “أنخرج للعشاء؟”

– “أبك جوع؟”

– “نعم وأنت؟”

– “وتسأل؟ هيا لنقصف!”

– “(ساحوقة) كعادتك!”

– “منكم نتعلم!”

– “أتعرف مكاناً؟”

– “لقد دلَّني أحمد على واحدٍ قال بأنه جيد، شواء! مجموعة مطاعم شواءٍ متلاصقةٌ إلى جانب كل واحدٍ منها جزَّارٌ تشتري منه لحماً تشويه، قال إن ذلك في منطقةٍ عندهم هنا اسمها (العالية).”

– “عظيم… لكن أين هذه (العالية)؟ تعرفها؟”

– “قد أعطاني أحمد نعتها، وإن ضعنا نسأل، (اللي بلسانه ما يتلف)!”

– “على بركة الله!”

وانطلقت السيارة تنهب الطريق نهباً، يسرع بها جوعنا الشديد وشهيتنا النهمة لازدراد ما لذَّ وطاب من الأطعمة والأشربة، وألفينا أنفسنا وقد قطعنا شوطاً طويلاً في طريقٍ مظلمٍ تماماً يُفترض أنه يؤدي إلى منطقة (العالية) هذه، إلا أن أثراً للحياة لم يكن هنالك.

– “أأنت متأكدٌ من المكان؟”

– “أظن ذلك، أو لعله كان علي أن آخذ ذلك المنعطف.”

– “المشكلة أنه لا أثر للحياة هنا أصلاً، فضلاً عن مطاعم وشواء!”

وانعطفت السيارة باحثةً عن بصيص نورٍ لكن دون جدوى، واكتشفنا بجزعٍ أننا أوغلنا في منطقةٍ نائيةٍ تكاد تكون غير مأهولة…

– “ما رأيك أن نعود؟”

– “انظر… انظر هناك.”

– “أين؟”

– “هناك…”

وكان هناك بصيص نورٍ بعيد، جوهرةٌ لامعةٌ تتوهَّج وسط رقعةٍ سوداء تماماً، حتى مصابيح الإنارة العمومية كانت عاطلةً عن الإضاءة في تلك الليلة.

– “أهو مطعم؟”

– “أظن ذلك… لندْنُ منه.”

ودنت السيارة من بقعة الضوء، وإذا به مطعمٌ لا يدهشك فيه شيءٌ أكثر من عدم التجانس بينه وبين المحيط الذي يقوم فيه. مطعمٌ فاخرٌ لامعٌ متوهِّج، يتوسَّط شارعاً لا تكاد تتبين فيه غير الظلام والخرائب والمساحات الفارغة المرعبة.

اسم المطعم LUIGINO، مطعمٌ إيطاليٌّ أو يحاول ادِّعاء ذلك، لافتته الضخمة الأنيقة مضيئةٌ بألوان العلم الإيطالي؛ الأخضر والأحمر والأبيض.

– “أهو Luigi؟”

– “لا… لعله محاولة تقليدٍ له، اسمه Luigino وليس Luigi.”

– “أنتناول عشاءنا هنا؟”

– “يبدو باهظ الثمن جداً.”

– “وماذا يهمُّ في ذلك؟ وهل ترانا من أولئك الموظفين الكهول الذين يأخذون معهم احتياطي البسكويت عندما يسافرون في مهمات عمل؟”

– “معك حق… نحن نسافر مرةً كل عدة أشهر، فأي ضيرٍ في أن (ننتحر) أحياناً في مطعمٍ كهذا؟”

– “ألسنا شباباً؟

– “بلى.”

– “ألسنا عزَّاباً؟”

– “بلى!”

– “سنموت ويبقى المال هنا، سنموت ويرثه غيرنا، لا كان المال إذاً ولا كان من يرثه! والله لنأكلنَّ في هذا المطعم وإن أفلسنا!”

– “يعيش الشباب! يعيش يعيش!”

ركن عاصم السيارة بالقرب من المطعم، واندفعنا نحو مدخله ودماء العزوبة والشباب تغلي فينا غلياناً، وها نحن الآن داخل المطعم وقد أخذنا أماكننا.

مطعمٌ فاخرٌ هو بكل معنى الكلمة، يتهادى سابحاً في أنوار بيضاء ساطعةٍ تتموَّج فيها ألحانٌ موسيقيةٌ شديدة العذوبة، موائد مزينةٌ بالملاءات الملونة وقد وُضعت عليها أكوابٌ زجاجيةٌ مغناجةٌ تلوح منها أمارات البذخ والترف.

استرخينا على مقاعدنا ونحن نجيل أبصارنا في الجدران والزخارف التي زركشها ذوقٌ إيطاليٌّ بديع، إلى أن جاءنا النادل الوسيم إلى درجةٍ مستفزَّة، والأنيق إلى حدٍّ جعله شبيهاً بشخصيات الرسوم المتحركة، ووقف أمامنا في الزاوية التي علَّموه أن يقف فيها عندما كان يدرس في الجامعة العليا لعلوم المطاعم – إن كانت هناك جامعةٌ بهذا الاسم -، بحيث لا يحتاج الزبون إلى أن يلوي عنقه كي ينظر إليه ويخاطبه، فذلك – بحسب متحذلقي علم النفس والعقل الباطن – عاملٌ مقلقٌ لراحة الزبون وسيكون سبباً ينفِّره من المطعم حتى وإن لم يشعر هو نفسه بذلك!

– “مرحبا سيدي.”

قالها وهو يبتسم ابتسامةً صناعيةً ويضع على الطاولة كتابين فخمين نُقش على جلد غلافيهما: “Luigino… القائمة.”

انصرف عائداً من حيث أتى وسط الأنغام الموسيقية العذبة التي تتغلغل أكثر في أرواحنا.

قلَّبنا الأوراق الناعمة للقائمة اللعينة ونحن نحاول أن نضبط ملامحنا على الفخامة والجمود، متظاهرين بعدم الاندهاش من الأسعار الخيالية للمأكولات والمشروبات، وبدوْنا ونحن نتقارب برأسينا ونتهامس مثل مديرين عامين يتدارسان مشروعاً استراتيجياً خطيراً.

– “ننسحب بهدوء؟”

– “تباً لك! وتسمح لك كرامتك؟”

– “جيبي يسمح لي.”

– “لن نجد مكاناً آخر نتعشى فيه، لننتحر اليوم وأمرنا لله.”

– “بيتزا ملكية؟”

– “سعرها مفزع!”

– “لا يضرُّ الشاةَ سلخُها بعد ذبحها، انتحرنا وانتهى الأمر!”

– “سآخذ الملكية وأنت خذ فواكه البحر، لكي يذوق كلانا نوعين مختلفين.”

– “ليكن.”

– “يا رئيس…”

وخفَّ النادل نحونا بخطواته الأرستوقراطية:

– “مرحبا سيدي… آش حبّْ الخاطر نعام آ سيدي؟”

– “بيتزا فواكه البحر وأخرى ملكية لو سمحت.”

– “حالاً سيدي… تشربون شيئاً سيدي؟”

– “فانتا ليمون لو سمحت… وأنت يا عاصم؟”

– “لا… لا داعي للمشروب.”

– “كما تريد سيدي…”

نعم، نسيت… المسكين عاصم يعاني من حالةٍ متقدمةٍ من الاهتمام بصحته والحرص على ما يُدخل إلى جوفه، لحسن الحظ أنه لم يصل إلى درجة الوسواس بعد لكنه قطع مراحل بعيدةً في مستوى (الحرص)، إنه متوقفٌ عن المشروبات الغازية منذ مدةٍ طويلةٍ إلا في بعض المناسبات النادرة، لا شكَّ أنه قرأ مقالةً ما في مجلةٍ أجنبيةٍ جاء فيها أن كمية السكر الموجودة في زجاجة واحدة تكفي لقتل فيلٍ خلال ثلاث ساعاتٍ لو أنه تناولها دفعةً واحدة، ومنذ ذلك الحين أقسم يميناً مغلَّظاً على ألا يقرب المشروبات الغازية أبداً.

لا بد أن هذا هو ما حدث… أنا أعرفه!

– “تفضل سيدي… بالصحة سيدي.”

وحطَّ البدران المكتملان على المائدة، ويا له من قرص بيتزا يشعل الأشجان ويلهب الأحاسيس! ساخنةٌ وشهيةٌ تتناثر فوقها فواكه البحر وقطع الخضار وأشياء لم أتبين ما هي لكني عرفت بعد التهامها أنها لذيذةٌ جداً.

بدايةً عانينا بعض الشيء مع محاولات التقطيع والأكل بالشوكة والسكين، سعياً منا للمحافظة على مشهدٍ حضاريٍّ يليق بكل تلك الزخارف الإيطالية والأضواء المتلألئة المنسابة، والموسيقى التي تُلبسك ثوب السهرة مع ربطة عنق الفراشة! ثم لم نلبث أن ضجرنا من كل ذلك التكلُّف البغيض ووضعنا الأداتين المزعجتين جانباً، وأكملنا العملية بأيدينا مثل أي فلَّاحين قدِما لتوِّهما من بادية (غَوْجن)!

وبكل اقتناعٍ وامتنان، ناولنا موظف الصندوق ثمن الوجبة الهائلة ونحن في غاية السعادة والرضا، مع بقشيشٍ إضافيٍّ محترمٍ للنادل الوسيم ذي الابتسامة المرسومة بعنايةٍ فائقة.

وعندما كانت مصابيح السيارة تبدِّد ما حولها من العتمات المتراكمة لترسم لنا الطريق إلى أسرَّتنا الهانئة، في حين ما زالت آثار الأنغام الموسيقية السحرية تدغدغ أمزجتنا وأرواحنا، كان كلانا قد تجاهل تماماً ورقة المئة درهم التي تبدَّدت – تقريباً – في عشاء ليلةٍ واحدة، وقد أخفى كل واحدٍ منا عن صاحبه رغبته الدفينة في معاودة الزيارة لنفس المطعم دون غيره، في عشاء ليلة الغد…

أنس سعيد محمد
بيتزا، كباب، سندويش!

(( يـــتـبـع >> ))

Dolcy 5 – الفصل التاسع والأخير: رخصة إصلاح رقم 406/014 ~

07/06/2015 الساعة 22:34 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

dolcy-9-isla7

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

– الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

– الفصل الثامن: الندماء (3) _ أبو محمد السلفي

* * *

(9) – رخصة إصلاح رقم 406/014 ~

منتصف أبريل، عام 2014.

ضوءٌ خافت… سقفٌ منخفضٌ تتدلى منه مصابيح مشنوقةٌ جُعلت لتكون فوق الأسطح الخضراء تماماً، إنها مصدر الضوء الوحيد في صالة الألعاب Goldpool.

تتناثر طاولات البلياردو هنا وهناك، وحولها تدور قاماتٌ شبابيةٌ تحمل عصيَّ اللعب، تنحني أحياناً لتضرب الكرة البيضاء ثم تقف من جديد، في حين يجلس آخرون على المقاعد المريحة يشربون القهوة ويدخِّنون.

القاعة تعبق بدرجةٍ خافتةٍ معينةٍ من رائحة السجائر، هي بالضبط الدرجة التي أحبها كثيراً، لأنها تعطي الأجواء طابعاً عريقاً ما يشبه القصور الأثرية، كما أنها تذكرني إلى حدٍّ بعيدٍ بتلك الرائحة الزكية للكتب الصفراء القديمة.

أمام إحدى الطاولات كنا نقف، وحولها كنا ندور…

إنها مباراةٌ حامية الوطيس بين جلال وهشام، يبدو لي والله أعلم أن الغلبة ستكون لجلال، إنه الأكثر براعةً على الإطلاق، أذكر أنه كان شديد الإدمان على هذه اللعبة في أيام الوظيفة الأولى عام 2008، وكان يأخذني معه كل يومٍ إلى جحر الألعاب الكريه المسمى (طنجيس)… لا حاجة للقول طبعاً بأنه كان مصراً على لعب السنوكر (snooker) حتى في أحلك لحظات إفلاسه!

(طَقْ)! وتتدحرج كرة جلالٍ الحمراء ببراعةٍ نحو الثقب، تكاد تسقط فيه لكنها تصطدم بحافة الطاولة وتتراجع قليلاً… حتى جلال يحني رأسه أحياناً!

هشام ينثني حاملاً العصا ومصوِّباً على كرةٍ صفراء قدَّر أنها في وضعٍ ملائم… (طَقْ)! وتتجه الكرة نحو الثقب مباشرةً لتسقط فيه… ضربةٌ موفقة.

طلبتُ من هشام أن يمنحني ضربته الثانية لأجرب. لم ألعب مباراة بلياردو في حياتي، عندما كنتُ مراهقاً كنتُ أفقر من أن أتعلمها وألعبها، وكنت أكتفي بالتفرُّج على أصدقائي وهم يقرعون الكرات متسائلاً من أين يأتون بكل هذا المال، ثم سرعان ما أملُّ منهم وأتجه نحو الآلات الإلكترونية لأتفرج على من يلعبون (تيكن tekken) و(ميتال سلوغ metal slug)، كانت هناك لعبة مغامراتٍ شهيرةٌ بطلها شابٌّ يلبس قميصاً أخضر وسروالاً أصفر اسمه (مصطفى mustapha)!

وافق هشام على منحي ضربته مضحياً بدوره، كان يعرف أني سأقوم بحركةٍ غبيةٍ ما لأدخل الكرة البيضاء في الثقب أو أقذف بها خارج الطاولة أصلاً، وأنا كنت أوافقه في هذا التخوُّف.

أمسكتُ عصا البلياردو من طرفها الغليظ وقمتُ بدورةٍ حول الطاولة أتفقد أوضاع الكرات والزوايا المناسبة، ثنيتُ جذعي وضيَّقتُ عينيَّ، وضعتُ كفي على الطاولة الخضراء رافعاً الإبهام إلى أعلى، وعلى الإبهام وضعتُ الطرف الدقيق للعصا ليسهل الانزلاق… ثوانٍ من التوجس والتصويب ثم… (طَقْ)!

يا للكارثة! الكرة البيضاء تنطلق في اتجاهٍ مختلفٍ تماماً عن الكرة التي أردتُ ضربها، ابتسم هشام متحسراً وأطلق جلال ضحكةً ساخرةً أثارت غيظي، حتى جلال كانت له ضربةٌ سخيفةٌ أولى ذات يوم! لا أحد يخرج من بطن أمه متعلماً!

لكن مهلاً! الكرة البيضاء تصطدم بحافة الطاولة وترتدُّ بقوة، إنها تصدم كرةً صفراءً وترتدُّ لتصدم أخرى، وخلال لحظةٍ كانت الكرتان داخل ثقبين!

أحقاً حدث ذلك؟! منذ متى كنتُ بهذه البراعة وأنا لا أدري؟ تعالت صيحات الإعجاب بهذه الضربة الاحترافية والهدف المزدوج، ووجدتُها فرصة لأتحذلق على الأصحاب بعض الشيء.

هي ضربة حظٍّ دون شك، لكني رفعتُ عقيرتي وابتسمتُ تلك الابتسامة المغترة المختالة، تنحَّوا أيها الجهلاء الفاشلون! تنحَّوا! أمضيتم سنواتٍ من أعماركم وأنتم تلعبون دون أن تتعلموا شيئاً، تنحَّوا جانباً لأعلمكم كيف يكون لعب المحترفين!

بثقةٍ تامةٍ انحنيتُ من جديد، وبثقةٍ تامةٍ صوبتُ طرف العصا على الكرة البيضاء، وبثقةٍ تامة… (طَقْ)! لكن… ما هذا؟ إنها أسوأ ضربةٍ في تاريخ البلياردو! إنها أفظع حتى من أن توصف بالكلمات، وسأكتفي بالقول بأن الكرة البيضاء سقطت في الثقب دون أن تلمس أي كرةٍ أخرى.

الضحكة الساخرة من جلال والتي تثير غيظي، سحب العصا من يدي وهو يضحك ويهزأ، في حين سمعت هشام وهو يقول باللهجة المصرية متحسراً:

– “يخرب بيــــتك!”

احمرَّ وجهي خجلاً وتضاءل حجمي إلى النصف تقريباً، بينما أنتظر أن تنشقَّ الأرض وتبتلعني، عندما لم يحدث ذلك تذكرتُ أني تحت الأرض فعلاً! لسببٍ ما يصرُّون على جعل قاعات البلياردو هذه في أقبيةٍ تحت أرضية.

جاء (سي مصطفى) أخيراً، تبادلنا بعض تلك التحايا الشبابية الضاحكة مع الضرب بالقبضة على الصدر والكتف، أعطاه جلال بعض ضرباته وأشهد له أنه بارعٌ حقاً. متى تعلم (سي مصطفى) لعب البلياردو؟ هل يُعقل أن (فرويد الاقتصاد) كان في وقتٍ ما مبذراً إلى درجة إنفاق خمسة دراهم كاملةً على الطاولة الخضراء؟ إن هذا مستحيلٌ عملياً، وهو ما يجعل إجادة الفتى للعبة لغزاً عظيماً يستحق أن يصنف ضمن ألغاز العصر التي لم تجد لها البشرية حلاً حتى الآن…

انتهى اللعب أخيراً، وغادرنا القبو المعتم المفعم برائحة التبغ الخفيفة، خلَّفنا وراءنا لافتة (Goldpool) البارزة، وبعد دقائق كنا في البولفار العزيز… إنها أيام الربيع بأنسامها المنعشة، عندما نتحرر من الكنزات الصوفية والمعاطف الثقيلة ونبدأ في ارتداء الأقمصة الخفيفة ذات الأكمام الطويلة، مع رغبةٍ جامحةٍ في التأنق الذي يغري به الجو المرح المعتدل.

إنه البولفار ولكن… كان علينا أن نتقبل هذه الحقيقة ونتعود عليها؛ إن أيام Dolcy 5 لن تعود أبداً…

كانت تلك هي الأيام الأولى التي تلت إغلاق المقهى، كنا نمشي على رصيف البولفار وسط شعورٍ عارمٍ باليتم والغربة والشجن وفقدان المأوى الدافئ الذي كان يجمعنا، تقرر لدينا أن من الضروري الاتفاق على مقرٍّ جديدٍ يرضي جميع الأطراف، وهي مهمةٌ تبدو سهلةً لكنها ليست كذلك في حقيقة الأمر.

صار جلال يقودنا نحو ثاني مقهىً كنا نجلس فيه بعد Dolcy 5، عندما نشعر بالملل منه أو عندما نشتهي لعب النرد (البارتشي)، أو عندما نتشاجر مع (سي احمد)، إنه مقهى (اليمامة) الكريه.

كنت أبغضه إلى أقصى درجات البغض، وقد عارضتُ بشراسةٍ أن يصير ذلك الوكر القذر الغارق في دخان السجائر الكثيف مقراً لمجموعتنا، ووافقني (سي مصطفى) على رأيي تماماً، إلا أن هذا الصراع لم يدم طويلاً والحمد لله، ولأن (المصائب لا تأتي فرادى) فقد فوجئنا بإغلاق مقهى (اليمامة) أيضاً بعد بضعة أيامٍ من إغلاق Dolcy 5.

أهي صدفة؟ لا يهم! لقد استاء جلال لكني طرت فرحاً بهذا الخبر، أخيراً سأتخلص من ذلك الوكر البغيض إلى الأبد، ورغم أن الإغلاق لم يكن نهائياً بل مؤقتاً فقط، لأنه سرعان ما ابتدأت أعمال هدمٍ وإصلاحٍ وترميم، إلا أن الأمر المؤكد هو أن المقهى لن يعود شعبياً سوقياً كما كان… القصة معروفةٌ تماماً، سيضيف صاحب المقهى ألواناً زاهيةً على الجدران ومرايا ذات أشكال مختلفة، مع لوحاتٍ فنيةٍ معلقةٍ وأضواء ساطعةٍ ومقاعد مريحةٍ جديدة، وبهذا ينتقل المقهى من صنف (الشعبي) إلى صنف (الراقي)، وهو انتقالٌ معناه أن ترتفع أسعار المشروبات كلها إلى الضِّعف على الأقل، مع انخفاضٍ مريعٍ في جودة القهوة والشاي!

كان (سي مصطفى) على وعيٍ بهذا كله، وأذكر يومها أنه قال كلاماً كثيراً عن مشروع (طنجة الكبرى) لا أذكر منه حرفاً، لكنه كان يتمحور بشكل عامٍّ حول الأضرار الاقتصادية الخطيرة التي سيتسبب بها هذا المشروع اللعين على القدرة الشرائية للمواطن، بسبب الارتفاع القادم المهول في كل الأسعار مما سيؤدي إلى… الخ.

هذا هو (سي مصطفى) على كل حالٍ وقد تعودنا عليه!

يجب أن أقول أيضاً بأن المتجر الفاسق المسمى Zindagi قد تم إغلاقه هو الآخر في تلك الأيام! ما الذي دهى مقاهي البولفار ومتاجره؟ أي لعنةٍ تلك التي أصابتها في هذه الفترة الجميلة من فترات العام؟

لتذهب كلها إلى الهاوية! ما يهمنا فقط هو مقهانا الذي فقدناه، وها نحن نقف أمام بابه المغلق نرمقه بحزنٍ وشجن، نحاول أن ننْفُذ بأبصارنا إلى ما وراء الزجاج لعلنا نلاحظ أو نستنتج شيئاً عن سبب إغلاقه، نلمس خشب الباب وزجاجه بأطراف أناملنا كأننا نفحص جثة صديقٍ ميت… لا نبض هناك إطلاقاً، إن المكان صار مهجوراً تماماً، ولا يبدو أنه سيعود للحياة أبداً…

الوداع يا Dolcy 5… الوداع…

* * *

الـ 17 من أبريل، عام 2014.

وحدي في البولفار ليلاً…

لا أثر للبقية… جلال مضى لشغلٍ ما لا أدري ما هو، لقد صارت أشغاله كثيرةً في الآونة الأخيرة. (سي مصطفى) غير موجودٍ أيضاً، وهو لا يردُّ على الهاتف.

البقية مختفون تماماً ولم أرهم منذ آخر جلسةٍ لنا في Dolcy 5، يبدو أنها النهاية حقاً، لن تعود المجموعة كما كانت من قبل… أبداً!

في تلك الليلة كنت أفكر…

لشدَّ ما تغير البولفار دون أن نشعر به! بل لشدَّ ما تغيرت طنجة نفسها دون أن نحس بذلك، والمدينة الآن تعيش مخاضاً عسيراً سيغير الكثير من ملامحها، ولن ننتبه لحجم التغيير إلا بعد أن يتم، وبعد أن نقارن بدهشةٍ بين الصور القديمة والجديدة.

البولفار أيضاً تغير كثيراً عما كنت أعرفه من قبل… مقهى (شمس) الملاصق تماماً لـ Dolcy 5 لم يعد قائماً وحلَّ محله متجر Nike للملابس الرياضية باهظة الثمن. الدرج الكهربائي لم يعد كهربائياً، وإن ظل محتفظاً بنفس اسمه القديم (دروج الضَّوْ). متاجر جديدةٌ قامت وأخرى قديمةٌ انقرضت، وعندما صرت أمام (سور المعاجيز) وقفتُ مندهشاً!

إنه مقهىً جديدٌ لم أره من قبل، رغم أني أمرُّ بالمكان في كل يومٍ عدة مرات… إما أن المقهى نزل من السماء فجأةً أو أنني ضعيف الملاحظة إلى حدٍّ يستدعي تدخلاً طبياً!

مقهىً أنيقٌ راقٍ، تلتمع فيه أضواء ساطعةٌ بهيجة، علمتُ لاحقاً أنه كان قائماً هناك من قبل لكنه كان مقهىً شعبياً رديئاً، وأنه خضع لإصلاحاتٍ وترميماتٍ لم أنتبه لها حتى تمَّت، وحتى أعيد افتتاحُ المقهى في حلَّته الجديدة… اسم المقهى كما تقول لافتته البارزة (ساحة فرنسا Place de France).

* * *

الـ 18 من شهر أبريل، عام 2014.

مقهى (ساحة فرنسا Place de France)، يبدو أن الفكرة راقت لجلال كثيراً.

أخذنا أماكننا فيه بعد أن أدينا صلاة العصر، نحن الاثنان فقط. لحظات تأملٍ للمكان لا تخلو من مقارنةٍ مريرة… المقهى راقٍ فعلاً ومتأنقٌ وحديث الافتتاح، لكن… لا شيء يمكن أن يعوض Dolcy 5… لا شيء إطلاقاً.

طعم القهوة رديءٌ كعادة المقاهي الراقية، على اليمين نشاهد (سور المعاجيز) ومدافعه الخضراء العتيقة الموجهة نحو الأندلس، وقبالتنا مدارٌ يتفرع منه (شارع الحرية)، وعلى رأسه كالعادة تقف سيارة شرطةٍ تسهر على حماية المواطنين.

صمتٌ طويلٌ مع مللٍ لا يخفى…

بعدها تكلمت:

– “جلال…”

– “هممم؟”

– “سأطلب منك طلباً.”

– “هممم؟”

– “سيمحون أثر Dolcy 5 بعد أيامٍ قليلة، يجب أن نأخذ صوراً تذكاريةً نخلِّد بها المكان، هل تذهب معي لالتقاط صورٍ ثم نعود؟”

وبالطبع فعل جلال ما كنت أتوقعه، وغدٌ كعهدي به!

أطلق ضحكته الساخرة اللامبالية تلك، وقال شيئاً يعبر به عن استهجانه لتصرفاتي الخرقاء الطفولية هذه.

وهنا وصلت الدماء في جسدي إلى مرحلة الغليان، وتصاعدت كلها إلى رأسي بسرعةٍ جنونية… هذا البعبع الوزاني الأعرابي الديناصور المتخلف الجلف! منذ متى كان يفهم في الجمال ويقدِّر قيمة الذكريات؟! كيف سيستوعب هذا البدائي الجاهل قيمة أن تكون لك صورةٌ تذكاريةٌ في مكانٍ أحببته ولن يعود له وجود؟! لماذا يسمحون لأمثال هذه المستحاثات الآدمية بدخول طنجة؟! إن مكانه الطبيعي هو في إحدى معاصر الزيتون في ضاحيةٍ من ضواحي وزان! تباً له وسحقاً لتبلُّده وغبائه!

ثم سرعان ما سكت عني الغضب وعادت دمائي إلى مجراها الطبيعي… جلال صديقٌ عزيزٌ رغم كل شيءٍ ويجب أن أكون متعوداً على طباعه، إنه إنسانٌ فطريٌّ طيب القلب لهذا لا أستطيع أن أغضب منه أكثر من دقيقتين، رغم أنه يفعل معي كل ما من شأنه أن يجعلني أفكر في ارتكاب جريمة قتلٍ محترمة! وهكذا لم أجد بداً من أن أهدأ وأتبادل معه أحاديث وديةً وادعة، إلى أن جاء (سي مصطفى) أخيراً.

صافحنا (فرويد الاقتصاد) وهو يقلِّب عينيه الواسعتين في المقهى من الداخل والخارج ومن الأعلى والأسفل، كنت أعرف أنه يقوم بعمليةٍ حسابيةٍ ما لتقدير قيمته الاقتصادية، وبالتالي استنتاج سعر القهوة الذي على أساسه سيتخذ قرار الجلوس من عدمه، وكما توقعتُ تماماً كان أول ما نطق به وهو يقلِّب بصره هنا وهناك:

– “أهلاً… كيف حالكم؟… بخير؟… كم سعر القهوة هنا؟ هل اطلعتم على القائمة؟”

نهضتُ ووضعتُ يدي على كتفه وقلتُ له:

– “دعك من هذا يا (سي مصطفى)، تعال معي، إن عندي طلباً منك.”

وأخبرته بطلبي، فما كان منه إلا أن هشَّ وبشَّ ورحب به أيما ترحيب، وخلال لحظةٍ انطلقنا نحو Dolcy 5 لنلتقط أمامه الصور الأخيرة.

لم يفتني طبعاً أن أستدير نحو جلال لأحدجه بنظرة حادةٍ وأقذف في وجهه بعبارة:

– “بلا جميلك!”

لم يهتم طبعاً واكتفى بابتسامةٍ لا مباليةٍ وعاد لشروده…

مضيتُ رفقة (سي مصطفى) وقلبي يفيض حباً وامتناناً لهذا الرجل العظيم والمحلل الاقتصادي الفذ. إنني أحب هذا الفتى حقاً، وما زلتُ أكتشف يوماً بعد يومٍ أن بيننا عدداً من الأفكار المشتركة في عدة مواضيع، وباستثناء نظرياته الاقتصادية طبعاً، يمكنني القول بأنه نسخةٌ أكثر تطرفاً مني.

كان يحدثني في الطريق – مع خطواته المتشنِّجة قليلاً بسبب عضلاته المتحجِّرة – عن قيمة الجمال والذكريات المشتركة مع الأشخاص والأمكنة، وعن أهمية الصور التذكارية في تخليد لحظاتنا الثمينة، لا أنكر أنه فاجأني في ذلك اليوم، وأعتقد أني سأعيد النظر في مسألة إضافته إلى حسابي الفيسبوكي، أظن أني سأفعل ذلك عما قريبٍ فهذا الفتى يكشف لي كل يومٍ عن اهتمامٍ فكريٍّ أو أدبيٍّ مشترك.

أمام Dolcy 5 كنا نقف، الأبواب مغلقةٌ كما هي دون أي تغيير، وجَّهتُ قمرة هاتفي نحو لافتة المقهى فوق بابه، والتقطت لها عدداً من الصور…

مشهدٌ للمقهى من بعيد، ثم وقف (سي مصطفى) أمام بابه والتقطتُ له بعض الصور أيضاً.

ناولته هاتفي فابتعد قليلاً ليأخذ زاويةً ملائمة، وقفتُ أمام المقهى أنظر إليه مبتسماً، بينما أسمع الصوت المميز لالتقاط الصورة… التفتُّ هنا وهناك ورفعتُ عيني إلى لافتة المقهى منتظراً أن يواصل التقاط الصور، لكني سمعتُ صوته يناديني:

– “هيه أنت! انظر إلي، إلى أين تنظر؟”

تباً! جميعهم يفعل هذا… تتعمد أنت النظر إلى زاويةٍ أخرى آملاً منه أن يلتقط لك صورةً تبدو فيها غير منتبهٍ إلى أنه يصورك، لكنه لا يفهم حركتك الفنية هذه ويناديك مصراً على أن تنظر إليه ببلاهة!

– “لا تهتم يا (سي مصطفى)، فقط صوِّر… إنها طريقة (صوِّرني وانا مش واخذ بالي).”

أعاد لي هاتفي بعد حصة تصويرٍ لا بأس بها.

– “شكراً لك يا (سي مصطفى)… شكراً جزيلاً لك… يوماً ما سأكتب مقالاً كاملاً عن ذكرياتنا في هذا المقهى.”

– “أرجوك أن تفعل! ولا تنس أن ترسله لي كي أقرأه… وبالمناسبة، لقد طلبت ذلك منك مراراً لكنك ما زلت تتهرَّب… لم تضفني بعد إلى الفيسبوك، ما الذي يمنعك؟”

– “سأفعل يا (سي مصطفى)… قريباً جداً سأفعل… أعدك!”

* * *

حوالي منتصف شهر يونيو، عام 2014.

بدأت الملامح الجديدة لأمسياتنا تتشكل، أكثر أصدقائنا في Dolcy 5 اختفوا، ولم نعد نلقاهم إلا في فتراتٍ متباعدة تتجه لأن تصير أكثر تباعداً.

أبو محمدٍ السَّلفي كان مسروراً بإغلاق المقهى، وقد تكوَّنت مجموعةٌ جديدةٌ بينه وبين كلٍّ من عبد الرحيم وشريف. كلاهما فوق الأربعين، ويبدو أنهم صاروا يقصدون مقاهي بعيدةً عن زحام البولفار وصخبه، يريدون جلسةً هادئةً جديةً وقورةً تليق بمرحلتهم العمرية ومواضيعهم المشتركة.

أما نحن فلم نتوصل بعد لأي مقرٍّ نهائيٍّ نتفق عليه جميعاً، لقد كنا نشتكي من الإضاءة الكئيبة الخافتة في مقهى Dolcy 5، لكن عندما ألقينا نظرةً على مقهى Le Claridge لم نجد هناك إضاءةً أصلاً، بل هو ظلامٌ شبه دامسٍ لا تكاد تتبين منه شيئاً… عندها اقتنعنا فعلاً أن أضواء Dolcy 5 كانت رومانسيةً وشاعرية إلى حدٍّ بعيد، وتأكد لدينا أن (سي احمد) كان على حق.

بدا لنا أن مقهى Esquima هو الأقرب لأجواء Dolcy 5 من بين المقاهي المشرفة على البولفار، وقد صرنا نأوي إليه فعلاً حتى كاد يستقرُّ عندنا أنه يصلح ليكون مقراً جديداً، لكن (سي مصطفى) بدأ يميل إلى مقهىً آخر هو مقهى (روكسي Roxy)، وقد بدأنا نتردد عليه رغم بعده عن البولفار. (سي مصطفى) كان مصراً على أن شارع (روكسي) يحمل انطباعاً أوروبياً ما، بحيث تشعر فيه وكأنك تتسكع في إحدى المدن الأوروبية… عندما فكرتُ في الأمر وجدتُ أنه محقٌّ إلى حدٍّ ما.

مقهى Roxy لا بأس به عموماً، إن اسمه قريبٌ من Dolcy، وفيه نادلٌ يشبه (سي احمد) قليلاً، يلبس مثله ويضع شارباً مثله، كما أن اسمه أيضاً (سي احمد)! فقط كان فيه عيبٌ واحدٌ خطيرٌ هو أنه بشوشٌ مبتسمٌ وليس عبوساً، وهو عيبٌ بالنسبة لنا لا يمكن أن يُغتفر!

وهكذا ظلَّت أمسياتنا تتأرجح بين مقهى Esquima ومقهى Roxy، إلى أن حصل انقسامٌ حادٌّ بين جلال و(سي مصطفى).

أعلن جلال أنه يمقت مقهى Roxy ولا يطيق الجلوس فيه، في حين ظلَّ (سي مصطفى) مصراً على أنه أفضل مقهىً ممكن في المنطقة، وقد أصرَّ كل واحدٍ منهما على عناده لتكون النتيجة تشتتاً في ما تبقى المجموعة، وتباعداً واضحاً متزايداً بين كل لقاءٍ وآخر.

* * *

شهر أغسطس، عام 2014.

أعمال الترميم والإصلاح متوقفةٌ تماماً في مقهى (اليمامة)، يبدو أن هناك مشكلةً ما تعيق إتمام الأشغال.

حصلت بعض التغيرات في مقهى Dolcy 5؛ اقتُلعت اللافتات كلها، وكذلك المكيِّف ومجسَّم المثلجات، ولم يبق إلا اسم المقهى المنقوش على الجدار بارزاً للعيان.

أيامٌ قليلةٌ بعد ذلك؛ جاء عمالٌ أضافوا سياجاً حديدياً أحمر اللون ليغطي باب المقهى، فصار يبدو بذلك سجيناً وراء القضبان…

* * *

شهر سبتمبر، عام 2014.

صار Dolcy 5 مجرد ذكرى جميلةٍ بدأت تصير قديمة، لكن ذلك لم يمنعنا من التساؤل بين الفينة والأخرى عن سبب إغلاقه، في ذلك اليوم جمعتنا جلسةٌ حافلةٌ في مقهى (ساحة فرنسا Place de France)، وأدلى كل واحدٍ من الجلساء بدلوه.

لا أنكر أنهم أثاروا غيظي جميعاً! كل واحدٍ منهم يملك قصةً تختلف تماماً عن قصة الآخر، والأدهى من ذلك أنهم جميعاً يروون قصصهم على أنها معلوماتٌ ثابتةٌ مؤكدة، كل واحدٍ منهم يريد أن يوحي للآخرين بأنه أكثر اطلاعاً ويتمتع بشبكة معارف أوسع وأخطر.

– “إنه الإفلاس فقط، صاحب المقهى لاحظ أن مداخيله ليست في المستوى المطلوب، وأن هناك اختلاساتٍ كبيرةً تحصل، فقرر إغلاقه فوراً. لا بد أن (سي احمد) كان يختلس من صندوق المقهى!”

– “لا… ما أنا متأكدٌ منه هو أن المقهى يمرُّ بمشكلةٍ قضائيةٍ ما، وأن المحكمة حكمت عليه بالإغلاق الفوري.”

– “لا… هذه مجرد إشاعات، الحقيقة هي أن صاحب المقهى كان في السجن منذ سنواتٍ طويلةٍ جداً، وقد خرج منه منذ عدة أشهر فقط، وعندما بدأ يزاول حياته من جديدٍ اكتشف أن مصاريف المقهى أكثر من مداخيله، فقرر إغلاقه.”

– “من كذب عليك؟ أنا متأكد من أن صاحب المقهى ميتٌ منذ سنوات، وأن بعض إخوته كانوا يديرونه من بعده، وقد حصل بينهم نزاعٌ حادٌّ انتهى بإغلاق المقهى.”

تباً… لماذا يلومونني عندما أتهرب من مجالسة الناس وإقامة العلاقات معهم؟ إن من معضلاتي مع الآخرين أن لي عقلاً لا يتوقف عن تحليل الكلام اعتماداً على منطقٍ علميٍّ صارم، وأي كلامٍ يخالف المنطق العلمي يسبب لي صداعاً مزمناً، وخاصةً عندما يكون قائلوه واثقين تماماً من ذلك الهراء الذي ينطقون به.

الأسباب والمسببات، المقدمات والنتائج، التثبت من الأخبار، جمع المعلومات الموثَّقة فالتحليل ثم الاستنتاج، وغير هذه من المناهج العلمية التي هي عندي مصفاةٌ أمرر منها الكلام قبل قبوله أو رفضه، ولهذا لا أكف للحظةٍ عن تقييم الكلام وإحصاء ما فيه من أخطاء منهجيةٍ وثغراتٍ علمية، وكانت الخبرة التي خلصت بها بعد سنواتٍ من مجالسة الناس هي أن كلَّ ما يقولونه مجرد هراءٍ لا يقوم على أي أساسٍ منطقي!

هي فقط الاستنتاجات الفاسدة الناتجة عن تحليلٍ خاطئٍ لمعلومات غير صحيحةٍ ولا موثَّقة، أو هو التعميم الجائر المتعصب المبني على حالةٍ شاذةٍ واحدة، كشخصٍ زار طنجة لأول مرةٍ فشرب قهوةً واحدةً لم تعجبه، ليصدر بعد ذلك حكماً قطعياً بأن (صناعة القهوة في شمال القارة الأفريقية رديئةٌ جداً).

لا أدري… ربما أكون أنا المعقَّد الذي يدقق كثيراً في الكلام دون فائدة، وأما الآخرون فهم لا يهدفون لتقرير الحقائق العلمية الثابتة بقدر ما يريدون فقط الثرثرة وتبادل الكلام، أي كلام!

التقيتُ بعد أيامٍ بـ (سي احمد بلا شوارب)، كانت مفاجأةً سارةً بالفعل، وجدتُ أنه انتقل للعمل مؤقتاً بمتجر بيع الملابس القريب جداً من Dolcy 5، إنها فرصةٌ ملائمةٌ لآخذ منه الخبر اليقين، حتى إذا أردت أن أتحذلق أمام الأصدقاء فسأكون الوحيد الذي يحمل معلوماتٍ من مصدرٍ موثوقٍ لا يمكن أن يخطئ، سألته عن سبب إغلاق المقهى فكان جوابه صادماً لي:

– “لا أدري!”

– “لا تدري؟ لكنك كنت تشتغل هناك منذ سنواتٍ طويلة، ألم يخبرك أحد بالسبب؟”

– “لا… لا أحد يعرف القصة الحقيقية لإغلاق المقهى، ولا حتى نحن! فقط جاءنا الأمر المفاجئ بأن على المقهى أن يُغلق، نحن أيضاً لم نتوقع ذلك ولم نكن ننتظره.”

– “لكني سمعت بأن… وبأن… وبأن…”

– “لا… لا شيء مؤكد، كل هذه مجرد قصصٍ وإشاعاتٍ لا صحة لها.”

هكذا إذاً… ربما كان (سي احمد بلا شوارب) يعرف الحقيقة لكنه يتكتَّم عنها، ليس من المنطقي أن يخفى سبب إغلاق المقهى عن نادله الذي أمضى فيه عدة سنواتٍ متتالية، لكن لا بأس… لقد صار عندي سلاحٌ قويٌّ أُخرس به كل أولئك الذين يتظاهرون بالمعرفة والأهمية وبأن لديهم شبكة استخباراتٍ موسَّعة، كلما همَّ أحدهم بأن يروي قصته الملفقة أسكتُّه قائلاً:

– “كل هذا غير مؤكد، لقد التقيت (سي احمد) نادل المقهى شخصياً وسألته، وكان هذا ما قاله لي.”

وبهذا لم يعد أحدٌ يجرؤ على قول شيء… لقد صارت لي الكلمة العليا التي تهدم كل ما عداها، رغم أني أنا أيضاً لم أعرف سبب إغلاق المقهى، ولا يبدو أني سأعرف…

* * *

شهر أكتوبر، عام 2014.

كان جلال قد تزوج منذ شهرين تقريباً، وأقام لنا حفلة زفافٍ صغيرةً أكلنا فيها وشربنا، رغم كل تلك الأيمان المغلَّظة التي ظلَّ يقسمها منذ عرفته بأنه لن يقيم حفل زفافٍ ولو ضربوا عنقه.

وبالمناسبة… يبدو أن النحس مصرٌّ على ملاحقة جلال أينما حلَّ وارتحل، ما إن تزوج واستقرَّ في منزله الجديد حتى صعقته أول فاتورةٍ من فواتير الكهرباء، كان عدداً مرعباً يتكون من أربعة أرقام! ظلَّ يرغي ويزبد ويهدد ويتوعد، لكني كنت واثقاً من أن شركة Amendis لم تظلمه بل هو ظلم نفسه، وسرعان ما تبيَّن أن ذلك صحيحٌ تماماً.

هذا الفتى لن يتغير أبداً… بالطبع قام بحساباتٍ خاطئةٍ بناها على أمنياته الخاصة وليس على الحقائق الثابتة، لتكون النتيجة فاتورةً هائلةً لكنها صادقةٌ تماماً، وتترجم بالفعل استهلاكه المتوحِّش للأجهزة الكهربائية.

سيتعلم على كل حال، سيتعلم رغماً عنه وهذا ما أتمناه.

ما زال أيضاً يخطط لأمسياتنا بشكلٍ فاشل ومخادع، لمرتين بعد زواجه قال لي:

– “سنخرج من العمل في الخامسة وستذهب معي لشراء شيءٍ صغيرٍ من المتجر ثم نعود إلى بيوتنا.”

كنت أصدقه بسذاجةٍ وأُلدغ من نفس الجحر آلاف المرات، لأكتشف بعد فوات الأوان أننا لم نخرج من العمل إلا في السادسة، ولم نذهب إلى المتجر بل إلى سوق الخضروات، ولم يشتر شيئاً صغيراً بل وجدتُ نفسي أساعده في حمل أكياس عديدةٍ مثقلةٍ بكل ما يحتاج إليه الرجل المتزوج من خضرواتٍ وفواكه وأغراض منزلية!

(سي مصطفى) يبدو مشغولاً بشدةٍ هذه الأيام… علمتُ لاحقاً أنه كان ينهي ترتيباتٍ دراسيةً ما، كان يتابع دراسته العليا التي أنفق عليها الكثير، وعندما نبَّهته مازحاً إلى أن وقت التحاقه بجلال قد حان، اكتشفتُ بأنه صار يتناول الموضوع على محمل الجد فعلاً. لقد انتقل من مرحلة الـ (قه قه قه قه قه قه) إلى مرحلة زمِّ الشفتين وهزِّ الرأس متحسراً، مع ترديد عبارته الجديدة التي وراءها ما وراءها:

– “والله نعم… نحن في حاجةٍ إلى زواجٍ مستعجل.”

سيتزوج هذا الفتى عما قريب، خلال أشهرٍ قليلةٍ ربما، هناك إشاراتٌ لا تخطئ، أعرف ذلك وأراه…

* * *

شهر ديسمبر، عام 2014.

عاد الليل يفرض سطوته على الأجواء في ساعةٍ مبكرةٍ جداً، عاد البرد والمطر واستُخرجت الكنزات الصوفية والمعاطف الثقيلة من مخابئها.

البولفار كعادته في فصل الشتاء؛ تسبح فيه أضواء السيارات وتنير ليلَه مصابيحُ الإنارة والمقاهي والمحلاتِ التجارية. وحيداً كنتُ أمشي فيه رافعاً كتفي إلى الأعلى قليلاً بفعل البرد، أشدُّ معطفي بقوةٍ معتصراً كلَّ ما فيه من دفء.

قطرةٌ سقطت على خدِّي، تلتها أخرى على الفور، رفعتُ بصري إلى السماء… لقد بدأت تمطر.

أسرعتُ الخطى وقد تنحَّيتُ جانباً إلى الحائط، وبمحاذاة Dolcy 5 مررتُ.

بطرف عيني لمحتُ مستجداً ما، ورقةً ملصقةً على زجاج الباب، تراجعتُ خطوةً ودققت النظر جيداً، لم تكن هذه الورقة هنا من قبل، قرأتُ المكتوب فيها:

“رخصة إصلاح رقم 406/014

الساكن(ة) بـ 39، شارع باستور، طنجة.”

رخصة إصلاح؟ ما الذي يعنيه هذا؟

إصلاح؟ رخصة؟ سيصلحون مقهى Dolcy 5؟ هل أفهم من هذا أنهم سيعيدون افتتاحه من جديد؟

كدت أفرح لذلك لكني سرعان ما تراجعتُ عن انفعالي… إعادة افتتاح المقهى بعد إصلاحه ليس خبراً ساراً على الإطلاق.

سيأتون ليهدموا كل ما فيه، ثم يبالغون في بهرجته وزخرفته، ثم يعيدون افتتاحه من جديدٍ بحلةٍ مختلفةٍ تماماً، سينتقل من تصنيف (الشعبي) إلى تصنيف (الراقي)، بالطبع لن يعود للمقهى ذلك الطابع الحميم المتواضع، ولن يكون النادل هو (سي احمد)، ولن تظل القهوة بنفس جودتها، ولن يظل الشاي يصعد إلى دماغ (سي مصطفى) مباشرةً قبل أن ينزل إلى معدته. والأهم من ذلك كله أن الأسعار ستتضاعف، مما سيجعل مقاطعة (سي مصطفى) له أمراً مؤكداً لا ريب فيه.

قد يحتفظ المقهى باسمه القديم Dolcy 5، لكنه لن يعود ذلك المقهى الذي عرفناه وأحببناه وتعودنا عليه، لن يعود كذلك أبداً…

ما زالت أبوابه مغلقةً بإحكامٍ خلف القضبان الحديدية الحمراء، وفي الداخل ما زالت الطاولات والمقاعد موضوعةً كما هي بالضبط قبل إغلاقه.

خاوٍ على عروشه كأنْ لم يغْنَ بالأمس… وتراءت لي هناك ذكرياتنا وأشباحنا، ولاح لي بعين الخيال ذلك الزحام القديم والصخب الذي عشناه وساهمنا فيه بضحكاتنا المجلجلة.

(سي احمد) يهرع مسرعاً وهو يحمل صينية الأباريق والكؤوس.

– “إن لحم الخنزير يورث الدياثة، إياكم أن تأكلوه!”

(سي مصطفى) يجلس باسترخاءٍ وهو يتابع أخبار (هسبريس) على هاتفه الحجري.

– “رجلٌ فقير، وقد خبَّأ كل ألعابه لليوم الذي يعود فيه صغيراً.”

تشتعل جمرة السيجارة ثم ينفث جلال دخاناً كثيفاً يلوِّث به مناخ المدينة.

– “إن الإنسان في حدِّ ذاته هو عبارةٌ عن سمكة.”

فتاةٌ متبرجةٌ تمرُّ بجانب المقهى وتلتوي معها الأعناق، ثم يتلو ذلك صوتُ شتيمةٍ ما.

– “غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.”

بائع علب الكلينكس يمرُّ مصدراً أصواته الرفيعة التي لا يُفهم منها شيء.

– “…”

أصدقاء الألفباء يثيرون الصخب في الدور السفلي، اجتماعٌ صاخبٌ تضطرم فيه نيران الغضب.

– “نقطة نظام!”

المصلُّون يخرجون من المسجد ويصعدون الدرج.

– “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… السلام عليكم ورحمة الله.”

السيدة جالسةٌ كتمثالٍ على بعد أمتار من دورة المياه.

– “شكراً!”

– “لا شكر على واجب، نحن نعلم أن (فيصل القاسم) هو السبب وراء كل هذا، ولكن… لماذا يكره الناس المداخِلة؟!”

تتداخل كل هذه الصور والأصوات في ذهني، ثم تذوب وتتلاشى، يغمرها الضباب، ثم لم يبق منها إلا الباب المغلق والأمطار الغزيرة التي تغسل البولفار مما علق به.

وورقةٌ غامضةٌ لا تكاد تقول شيئاً يُستفاد منه…

“رخصة إصلاح رقم 406/014

الساكن(ة) بـ 39، شارع باستور، طنجة.”

أخرجت هاتفي من غمده بحذرٍ محاولاً أن أجنِّبه قطرات المطر، فتحتُ القمرة ووجهتها نحو الورقة، يجب أن أؤرِّخ لهذا جيداً فإني سأحتاج إليه في وقتٍ لاحق.

التقطتُ الصورة وأعدتُ هاتفي إلى جيبه، واستأنفتُ طريقي وأنا أفكر…

بتُّ أعتقد أن الغابات المتشابكة في كياني النفسي مشتملةٌ حتماً على درجةٍ معينةٍ من (متلازمة ترومان Truman Syndrome). إن ذكرياتي الخاصة مرتبةٌ في ذهني ترتيباً درامياً حقيقياً، يليق بالأعمال الروائية والمسلسلات أو الأفلام التلفزية، وقد صارت عندي حساسيةٌ خاصةٌ تجاه بعض المراحل واللحظات بعينها؛ تلك التي تجعلني أستشعر بأنها تليق بالنهايات الروائية أو بـ (الحلقات الأخيرة).

ثمة ملفاتٌ في رفوف ذاكرتي أنظر إليها على أنها (فيلمٌ) مكتمل، أو مسلسلٌ دراميٌّ متعدد الحلقات، أو روايةٌ أدبية. وثمة لحظاتٌ بعينها تمنحني انطباعاً بأنها (حلقةٌ أخيرةٌ) أختم بها جزءاً ما من المسلسل، أو فصلٌ أخيرٌ أختم به روايةً من روايات الذاكرة.

عندها أعرف أنه صار عليَّ أن أكتب…

لقد فعلتُ ذلك مراتٍ قليلةً في حياتي، وفي ذلك اليوم شعرتُ أن تلك الأمسية تليق بالحلقة الأخيرة من مسلسل Dolcy 5، أو من روايته بتعبيرٍ أصح. وعندما لمحتُ عبارة (رخصة إصلاح رقم 406/014) كان أول ما خطر بذهني أنها تليق عنواناً للفصل الختامي لما سأدوِّنه من ذكريات هذا المقهى.

يومها قررتُ أن أكتب، إنها (الحلقة الأخيرة) ولا بدَّ أن أكتب، لا بدَّ أن أقوم بما يجب علي القيام به.

الكتابة تضاعف الذكريات وتمنحها ازدواجيةً محبَّبة، فيصير عندي اثنان منها؛ الذكرى نفسها، وذكرى كتابتي لها.

الذكرى نفسها بما تعرضه من صورٍ ضبابيةٍ على شاشة الذهن، وذكرى الكتابة التي تحاول رسمها لوحةً حبريةً بواسطة الحروف العربية.

ما زلتُ أمشي تحت المطر وقد وصلتُ إلى (سور المعاجيز).

سيكون نصاً اسمه Dolcy 5، وسيكون عنوان الفصل الأول منه (الأبواب المغلقة)، وأما الفصل الأخير فسيكون عنوانه (رخصة إصلاح رقم 406/014).

سأفكر في عناوين بقية الفصول لاحقاً، أثناء الكتابة ربما…

المطر ينهمر غزيراً بينما أمشي تحته شارد الذهن، مبلَّل الشعر مبلبل الأفكار، يحملني الشوق إلى محراب الحرف، ونحو القلم حثثتُ الخطى…

أفكارٌ كثيرةٌ تصطرع في ذهني، تعبيراتٌ أدبيةٌ وأوصافٌ أتمنى ألا أنساها، كنت أحاول أن ألملم أكبر قدرٍ منها في ذاكرتي كما ألملم الدفء المجتمع في معطفي، عندما ذبتُ في شارع المكسيك…

أنس سعيد محمد
Dolcy 5
30/05/2015

(( ~ الــنــهــايــة ~ ))

Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (3) _ أبو محمد السلفي

07/06/2015 الساعة 22:17 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

.

dolcy-83-salafi

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

– الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

* * *

(8) – الندماء ~

3- أبو محمدٍ السَّلفي: “ولكن… لماذا يكره الناس المَدَاخِلة؟!”

مجدداً… Dolcy 5 بعد غيابٍ طويل.

كنتُ قد حققتُ رقماً قياسياً في الغياب عن المقهى في تلك الفترة من عام 2013، وهي فترةٌ تلت فترة إدمانٍ طويلةٍ كدتُ أصير فيها من الزبناء اليوميين للمقهى، حتى أن جلالاً لم يعد يسألني عند انتهاء الدوام سؤاله القديم الذي كان يثير أعصابي:

– “ستجلس معنا اليوم؟”

بل صار الآن ينتظرني في الباب منادياً عليَّ وقد نفد صبره:

– “هيا بنا… أسرع!”

وأما (سي مصطفى) فلم يتخلص قطُّ من عبارته الجائرة التي يقولها لي كلما ناقشتُ معه شيئاً من فلسفاته الاقتصادية البالية، ليستشهد بها على كثرة مصاريفه وقلة مصاريفي:
– “نحن مختلفان يا صديقي… أنت تجلس في المقهى مرةً كل أسبوع لا أكثر، وأما أنا فأعشِّش هنا بشكلٍ يومي!”

هكذا؟!

كنتُ أشعر بالظلم عند سماعي لهذه العبارة، لأني بالفعل صرتُ مثله معشِّشاً في المقهى بشكلٍ يومي، وقد نبتت لي أيضاً جذورٌ عميقةٌ ضربتْ في أرضيتها ولفَّتْ ساقيَّ بإحكامٍ حول أرجل المقاعد، لكن (فرويد الاقتصاد) ما زال محتفظاً بنفس تلك الصورة القديمة عندما كنت أمقت المقهى وما فيه، وعندما لم أكن أشرِّف Dolcy 5 بزيارتي الميمونة إلا مرةً في الأسبوع على الأكثر، ولا يكون ذلك – طبعاً – إلا بعد أن يجتهد الأصدقاء في إقناعي وإغرائي، ثم يقررون في النهاية أن يلقوا عليَّ القبض ويجرُّوني جراً إلى المقهى وأنا مقيدٌ بالسلاسل.

لا بأس… في تلك المرة كنتُ متغيباً حقاً، وكان من حق (سي مصطفى) أن يتهمني بقلة المصاريف الاقتصادية، وبأني وصلتُ – كما يزعم – لمرحلة (الادِّخار)! فإني لم أظهر في Dolcy 5 منذ مدةٍ تتجاوز الشهرين، وهي فترة غيابٍ استثنائيةٌ ابتدأت بشهر رمضان المبارك، لتمتدَّ إلى أسابيع أخرى من بعده.

لقد نجح شهر رمضان في إبعادي عن Dolcy 5 مدةً لا بأس بها، لكن الإنسان على ما ألِف، في النهاية استسلمتُ لمصيري وعدتُ من جديدٍ إلى المقهى الذي اشتقتُ إليه، وإلى (الأوغاد الأعزاء) الذين افتقدتُ هراءهم وصخبهم… لم يتغير شيءٌ على الإطلاق، المقاعد هي المقاعد، الزبناء هم الزبناء، مشهد الشارع هو مشهد الشارع، الزحام هو الزحام، و(سي احمد) هو نفسه (سي احمد) دون أي تغييرٍ يُذكر.

كنتُ قد مررت بالبولفار في ليلةٍ واحدةٍ من ليالي رمضان، وهالتني تلك الفجوة الزمنية الهائلة التي تنطوي على فجوةٍ شعوريةٍ أيضاً! كل شيءٍ على ما هو عليه تماماً مثل الأيام العادية، بما في ذلك المفاسد الأخلاقية وعري بعض الفتيات وتبرجهن الصيفي الصارخ… لا وجود لشهر رمضان في ليالي بولفار طنجة، وإنما هي امتداداتٌ مختلسةٌ لأيام الفطر بكل ما فيها من المنكرات والمفاسد… ليلتها عدت إلى البيت ساخطاً وبي شوقٌ عارمٌ إلى أجواء رمضان وأنسامه، وإلى آثار الإفطار ورائحة السحور.

وافقني (سي مصطفى) على هذه الملاحظة، وأطلق كعادته سيلاً من القذائف الكلامية الناسفة على كل ما هو أنثويٌّ في الكون، ثم رشف من كأس قهوته ليبتلع هذه الغصة التي نمت في حلقه، قبل أن ينطق أبو محمدٍ أخيراً وقد قرر أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع:

ارتفع صوته الرخيم الذي يجبرنا بدافع الاحترام لصاحبه على الاستماع لما يقول، والتفتنا إليه لنسمع عبارته التالية، وكان كعادته قد اختار مقعده بحيث يكون مقابلاً لبوابة المقهى، موارياً الشارع ظهره لأسباب متعلقةٍ بغضِّ البصر:

– “ليس اللوم عليهن فقط يا (سي مصطفى)، اللوم علينا نحن أيضاً، هن يخطئن ونحن أيضاً لنا نصيبنا من الخطأ، ومن أخطائنا تلك أيها الإخوة، وأقولها لكم بصراحة: مجرد جلوسنا في هذا المقهى!”

نطق أبو محمدٍ السلفي أخيراً، هززنا رؤوسنا مترقبين تتمة كلامه التي كانت كالآتي:

– “لا يجب أن ننكر… هن يرسلن المنشورات في الشارع، ونحن نغدق عليهن بالإعجابات (j’aime). كل نظرةٍ هي إعجاب (j’aime)، وكل عبارةٍ معاكِسةٍ يتلفظ بها أحد المتحرشين هي (تعليقٌ) على المنشور… لهذا يتمادين أكثر ويزددن في غيِّهن وتبرجهن، لأن لهن جمهوراً من المطْلقين لأبصارهم والمعاكسين لهن، وأيضاً… من الجالسين على قارعة الشارع في المقاهي، من أمثالنا غفر الله لنا! أليس كذلك يا شباب؟”

ثم افتر ثغره عن ابتسامةٍ عريضةٍ على سبيل الفاصل الفكاهي، وأردف قائلاً:

– “كم حصيلتنا من الـ (j’aime) في هذه الأمسية؟”

وارتفعت أصوات الضحك…

ثم عاد إلى حالته الطبيعية الجدية، وواصل كلامه رافعاً حاجبيه موحياً بالأهمية، وقد ازدادت لحيته طولاً ونبرته خطورة:

– “بالمناسبة… إن الله سيحاسبنا حساباً عسيراً على (إعجاباتنا) هذه… لا أعني إعجابات الشارع، بل إعجابات الفيسبوك نفسها! إن تلك النقرة على زر الإعجاب مسؤوليةٌ عظيمة، وأي شيءٍ تعبِّر عن إعجابك به ستُسأل عنه أمام الله تعالى، لأن الإعجاب معناه أنك أحببت المنشور ووافقت على ما فيه، فهو بمثابة التزكية له، وألاحظ أن كثيراً من الإخوة لا يعيرون اهتماماً لهذا الأمر، ولا يقدِّرون خطورته، لذلك نراهم يشتِّتون إعجاباتهم هنا وهناك في كل حدبٍ وصوب، غافلين عن أن الله تعالى سيحاسبهم عن كل نقرة زر، ويسائلهم عن كل حرفٍ كتبوه في الفيسبوك وغيره من تلك المواقع الاجتماعية التي ابتلينا بها.”

كنا نصغي باهتمامٍ ونهزُّ رؤوسنا تفاعلاً مع نصائحه، بينما يواصل صديقنا السلفي كلامه النابع من سويداء قلبه:

– “وأما عن إعجابات الشارع هذه، فيجب أن نعترف بأننا مخطئون عندما نجلس في هذا المقهى… عندما أفكر في الأمر أستشعر بقوةٍ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في الطرقات، وأرى أن هذه المقاهي التي تُخرج مقاعدَها إلى الرصيف تدعو حرفياً إلى فعل ما نهينا عنه… أليس كذلك أيها الإخوة؟”

يجيبه (سي مصطفى) قائلاً:

– “بلى، كلامك صحيح يا أبا محمد، لكن الزمن قد تغير كما ترى، وما عادت لنا مجالس إلا هذه المقاهي، فماذا نفعل؟”

– “لا يا (سي مصطفى)، إن الزمن لم يتغير في هذه المسألة، لأن نفس كلامك هذا قد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاب بأن علَّمنا كيف نعطي الطريق حقه، وذلك بغضِّ البصر، وكفِّ الأذى، وردِّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل نفعل نحن شيئاً من هذا؟ وهل نعطي الطريق حقه كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لنجب بصراحةٍ ولنكن صادقين مع أنفسنا…”

وساد صمتٌ ثقيل، ثم اهتزت الرؤوس اتعاظاً واعتباراً…

هذا هو أبو محمدٍ السلفي، صديقنا الفاضل الذي قرر أن يكثِّف حضوره معنا في Dolcy 5 منذ بعض الوقت، وهو شابٌّ في نحو الثلاثين من عمره، وقد أقام في طنجة منذ عددٍ من السنوات بعد أن جاءها من مدينته الأصلية فاس، ولأنه زميل عملٍ لـ (سي مصطفى) فقد تعرفنا عليه من خلاله، ويمكنني القول بأن أبا محمدٍ هو الوحيد الذي يلتقي به (سي مصطفى) خارج إطار العمل.

يروي (سي مصطفى) عن أبي محمدٍ أنه مر بمرحلة تحولٍ في حياته شهد هو بعضها، ولم نشهد نحن إلا أواخرها، وعندما تعرفنا عليه أول مرةٍ كان ذلك الشابَّ الناصح الذي هداه الله إلى طريق الاستقامة، وكان قد ترك لحيته لتروِّيَ وجهه بعد أن أقلع عن حلقها، ثم ليتركها تطول شيئاً فشيئاً حتى تشعَّبت إلى بضعة سنتيمراتٍ من الشعر الأشقر الناعم، وهو ما أعطى وجهه الصبوح ذلك الطابع الأسَديَّ المهيب.

ثم إنه كان قد تزوج، ولما رُزق بطفله الأول أسماه محمداً، فصار بذلك أبا محمد.

وأما حضوره معنا في جلسات Dolcy 5 فكان يجعلها مختلفةً عن بقية الأيام المعتادة، بسبب تأثير (الرجل الوقور) ذاك الذي نحرص على انفعالاتنا في حضرته… بقدرة قادرٍ تتحول الضحكات الصاخبة المدوية إلى ضحكاتٍ رزينةٍ هادئة، وتتحول التصريحات الشبابية الفاحشة إلى تلميحات، وتتحول التلميحات إلى إيماءات، وتتحول الإيماءات إلى مجرد نظراتٍ خاطفةٍ وابتساماتٍ طولها ملمترٌ واحدٌ فقط. وكان هو يشاركنا طرفاً من مزاحنا وضحكنا، وأحسب أنه كان ينظر إلينا على أننا شبابٌ طيبون وأناسٌ جيدون، لكننا نحتاج فقط لبعض التوجيه والنصح حتى نصير على الجادة ويستقيم اعوجاجنا.

كما أنه وإن كان (سي مصطفى)، كما ذكرنا سابقاً، ينظر إلى الحياة من زاويتها الاقتصادية، ويمرِّر في ذهنه جميع أمورها من هذه المصفاة، فإن الزاوية التي ينظر أبو محمدٍ من خلالها هي الزاوية الإسلامية الشرعية، ولم يزل على الدوام محتفظاً بدهشته الفطرية البريئة من كل هذا الفساد والانحلال الواقع في شوارع المدينة وفي المجتمع عموماً، ولم يفتأ متسائلاً بلا انقطاعٍ عن الأحكام الشرعية لكل صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمور الحياة التي تُعرَض له.

وهكذا صارت جلسات Dolcy 5 في حضرة أبي محمدٍ السلفي عبارةً عن منتدياتٍ للتناصح وتبادل الاستفادة والنقاش الهادف حول أمور الدين، وكان قد أصيب بإدمان البحث والتنقيب في المواقع والمنتديات ومقاطع اليوتوب، وهو إدمانٌ خطيرٌ يقود صاحبه في كثيرٍ من الأحيان إلى دهاليز مريعةٍ من الأسئلة الحائرة والمواضيع الشائكة المعقدة، فكان في كل أسبوعٍ أو كل بضعة أيامٍ يأتينا بموضوعٍ جديدٍ للنقاش، يسبر آراءنا فيه ويستفسرنا عما نعرفه عنه، بعد أن أعياه البحث والتنقيب في المقاطع المرئية والمسموعة ونصوص الفتاوى المقروءة:

– “من هم العلماء الموثوقون عندنا في المغرب؟ وهل فتاوى المجلس العلمي مُلزمةٌ للمغاربة؟”

– “متى يكون الفعل بدعةً في الدين ومتى يكون سنَّةً حسنة؟”

– “هل المصافحة بعد الصلاة وقراءة الحزب جماعةً في المسجد بدعة؟”

– “هل النقاب فريضةٌ أم فضيلة؟”

– “هل يجوز للرجال إسبال أثوابهم إن كان ذلك بلا خيلاء؟ وهل سراويل الجينز هذه التي نلبسها جائزةٌ شرعاً أم لا؟”

– “ما هو الاقتصاد الإسلامي؟ وما هي آفاقه في المغرب؟ وهل ستكون هناك أبناكٌ إسلاميةٌ عما قريب؟”

– “هل الأبناك الإسلامية إسلاميةٌ حقاً؟ أم أنها أيضاً أبناكٌ ربويةٌ لكنها مقنَّعة؟ وهل يجوز التعامل مع هذه الأبناك الإسلامية إن وُجدت؟”

– “هل يجوز أخذ قرضٍ ربويٍّ لغرض اقتناء شقةٍ سكنية؟ وهل يُعدُّ هذا اضطراراً؟ وما هو ضابط الضرورة وما هي حدودها؟”

– “هل يجوز لي أن أستعمل حاسوب العمل في أوقات الفراغ للقراءة والاتصال بالإنترنت؟ إنني أفعل ذلك أحياناً، ووالله إن في نفسي منه شيئاً، لذلك أحاول أن أفعله أمام رئيسي، وأن أميل الشاشة إلى جهته كي يراها، وكي يطَّلع بوضوحٍ على ما أفعل.”

هذه وغيرها من الأسئلة الكثير، كان أبو محمدٍ يأتينا بها ويطرحه على مائدة Dolcy 5 للنقاش، ليدلي كل واحدٍ منا بدلوه مستعرضاً ما سبق وقرأه وسمعه عن الموضوع، ثم لتكون الخلاصة دائماً – أو غالباً – هي كالآتي:

– “المسألة فيها خلاف، وتحتاج إلى مزيدٍ من البحث حتى نقف على الأرجح في الأقوال، ونحن في الحقيقة ما زلنا جاهلين بديننا جهلاً معيباً، وينبغي أن نبذل جهودنا في القراءة للعلماء والاستماع للمشايخ وتعلُّم ما نجهله من أمور الدين، لكن يظل الورع أولى واجتناب الشبهات أفضل.”

وكنا إذا تمشينا في الشارع لا يكفُّ عن إبداء ملاحظاتٍ متحسرةٍ على المخالفات الشرعية التي لا حصر لها، متسائلاً عن الأسباب المشؤومة التي أدت بالمسلمين إلى هذه الأحوال المزرية والانحطاط الأخلاقي المهول، وأحياناً كان يذهب به تفكيره بعيداً جداً، ليخلص في النهاية إلى أن أغلب الموجودات في واقعنا المعاصر لم يكن ينبغي أن توجد على هذا النحو، وأن المجتمع الإسلامي في حاجةٍ إلى تغييرٍ جذريٍّ شاملٍ في نظامه ومفاهيمه وأخلاقه.

ومما أذكره في هذا الباب أني اصطحبته ذات ليلةٍ وكان الوقت متأخراً، إلى صرَّافٍ آليٍّ قرب شارع المكسيك ليستخرج منه أموالاً احتاجها، فوجدنا صفاً من الناس ينتظرون دورهم عند الصرَّاف، ومن بينهم امرأةٌ ترتدي جلباباً ضيقاً واصفاً وقد أرسلت شعرها على كتفيها، فما كان منه إلا أن أشاح عنها ببصره وواراها ظهره، وحجبها عني بجسده، وانطلق يحدثني معبراً عن تسلسل أفكاره وخواطره الذي كان كالآتي:

– “لا حول ولا قوة إلا بالله… وتظن نفسها بهذا الجلباب محجبة! الخبثاء… إنهم يخترعون للنساء جلابيب ضيقةً تصف مفاتنهن وصفاً، لكنها تظل مع ذلك محسوبةً على (الحجاب)، حتى تخرج المرأة بها وضميرها مرتاحٌ تماماً، تظن أنها أدت ما عليها وتحجبت!

ثم كيف تخرج المرأة وحدها في هذا الوقت من الليل؟ أليس في بيتها أخٌ أو زوجٌ يخرج عنها؟ وكيف تقبل أن تزاحم كل هؤلاء الرجال الأجانب عنها في هذا الصف؟ هل انقرض الحياء في النساء؟ إنا لله وإنا إليه راجعون…”

– “نعم يا أبا محمد… إنا لله وإنا إليه راجعون…”

– “إنني يا أخي أحاول أن أعدَّ المخالفات الشرعية في هذا الوضع الذي نحن فيه… أولاً: خروج المرأة من بيتها في هذا الوقت من الليل. ثانياً: خروجها متبرجةً كاشفةً عن شعرها، وبجلبابٍ يصف مفاتن جسدها وصفاً. ثالثاً: مزاحمتها للرجال الأجانب في الصف… كل هذا لا يجب أن يكون!

لو كان الأمر بيدي لسددتُ باب الاختلاط هذا، ولجعلتُ هناك صرَّافين آليين في كل وكالةٍ بنكية، واحداً للرجال وآخر للنساء!

لكن، وبالتفكير في الأمر… فإن هذه الأبناك نفسها ما كان يجب أن تكون، أليست جميعها أبناكاً ربوية؟

لا حول ولا قوة إلا بالله… إن المسلم ليجد نفسه غريباً في هذا المجتمع، لا ينتقد شيئاً في أخلاقه إلا وأحاله إلى غيره، وإلى ما هو أعلى منه، وما زال متتبعاً خط الانحراف باحثاً عن منابعه وأصوله، حتى يجد نفسه وقد وصل إلى النظام القائم نفسه، وإلى الأفكار والمبادئ التي تسيره وتتحكم في مساره، وهي والله أفكار ومبادئ دخيلةٌ علينا، تعادي ديننا وأخلاقنا وقيم مجتمعنا التي ما زلنا نفقدها كل يوم… بل نضيعها في كل لحظةٍ بجهلنا وغفلتنا!
نحن مستعمَرون يا أخي… مستعمَرون في السياسة والاقتصاد والفكر والأخلاق، فما السبيل إلى إصلاح كل هذا؟ ما السبيل…؟”

ولم ينتبه في خضمِّ خواطره هذه إلى أن الصف قد فرغ، وإلى أن دوره قد جاء، فنبهته إلى ذلك فهرع إلى الصرَّاف ليسحب منه حاجته من المال.

ثم إنني كنت قد أضفته إلى حسابي الفيسبوكي، وكانت تلك علامةً فارقةً في المواضيع التي جمعتنا، إن هذا الفيسبوك بحق، وخلافاً لما يعتقده البعض، يفتح آفاقاً أرحب بكثير، ويتيح معرفةً أوسع وأعمق بالآخر، وما حدث بيني وبين أبي محمدٍ السلفي بعد الفيسبوك أكَّد لي ذلك أكثر وأكثر… فجأةً انفتحت بيني وبين الرجل مواضيع جديدةٌ تماماً، وأكثر تعقيداً بكثيرٍ من تلك المواضيع العامة السابقة، واكتشفنا بدهشةٍ وانبهارٍ أن لدينا من الانشغالات الفكرية المشتركة ما لم يكن أحدنا يتوقع أن الآخر على علمٍ به واطلاعٍ على جديده!

كانت هناك مشكلةٌ صغيرةٌ هي أن (سي مصطفى) صار يلحُّ علي أن أضيفه إلى حسابي الفيسبوكي أكثر من أي وقتٍ مضى، خاصةً بعد أن علم أني أضفتُ أبا محمد، وصرتُ دائماً أماطله محاولاً صرفه عن الموضوع وجعله ينساه تماماً:

– “فيما بعد… عما قريب إن شاء الله… قريباً بإذن الله…”

لكنه – الشرير! – صار في كل يومٍ يتذكره ويذكرني به، ولست أدري ما سبب هذا الإصرار الغريب في هذا الوقت بالذات!

لا بأس، سأنظر في هذا الأمر في وقتٍ لاحق… لكن يبدو أن أبا محمدٍ السلفي قد صار من زبناء Dolcy 5 الدائمين، بعد أن سُرَّ باكتشاف صديقٍ جديدٍ لم يعرفه من قبل إلا صخَّاباً بالضحك، ولم يتوقع يوماً أن يشاركه نقاشاتٍ جادةً وهادفةً حول مواضيع دقيقةٍ قلَّ أن تجد في محيطك من يلمُّ بها ويضبط مصطلحاتها.

وقد فوجئ بقية الأصدقاء بالتغير الكامل والمريب لنغمة النقاشات المعتادة، ولشيوع مواضيع ومصطلحاتٍ جديدةٍ لم يسمعوا مثلها من قبل وما كان لهمٌ علم بها. فجأةً تحولت النقاشات الجماعية إلى نقاشاتٍ ثنائية، وبقدرة قادرٍ صار فضاء Dolcy 5 يمتلئ بألفاظ ومصطلحاتٍ خطيرةٍ من قبيل (ولي الأمر، الخروج على الحاكم، المداخِلة، الخوارج، الثورة، التكفير بالنوع والتكفير بالعين، العمل ومسمَّى الإيمان، الجماعات الإسلامية، الإرجاء والمرجئة، التفصيل في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله… الخ).

كل هذا في حين يقلِّب كلٌّ من جلال و(سي مصطفى) عيونهما فينا بدهشة، متسائلين عما دهانا، وما هذه اللغة الهيروغليفية العجيبة التي صرنا نتحدث بها، وهل هناك خللٌ ما أصاب قدراتنا العقلية!

كانا يلتزمان الصمت في أغلب الوقت، وعندما علَّق جلال بعد أن صمت دهراً قال:

– “المعذرة، أسمعكم تتحدثون كثيراً عن أولئك الـ… ماذا تسمونهم؟ الدَّوَاخلة؟! المداخلة؟! من هؤلاء؟!”

أجابه أبو محمدٍ معتبراً إياه على مستوى الحدث، متجاهلاً تلك الفجوة المعرفية الهائلة بينهما في هذا الموضوع:

– “وهذه هي المشكلة! الناس يسمونهم (المداخِلة) على سبيل الذم والتنابز بالألقاب، لكن لماذا؟ وما ذنب أهل السنة؟ هل لأنهم ثابتون على أقوال العلماء الربانيين؟ هل لأنهم يحذِّرون الناس من البدع والمبتدعة؟ وماذا في ذلك؟ إن هذا من أوجب الواجبات في هذا العصر الذي كثرت فيه البدع وعلا فيه صوت المبتدعين، أليس كذلك؟!”

لم يفهم جلال شيئاً من هذه العبارات المنطوقة باللغة الصينية بالنسبة له، لكنه ظل مصراً على الاستفهام رغم ذلك:

– “المداخلة؟ وهل هناك أيضاً المخارجة؟ ثم من هؤلاء؟ هل هم شيعة؟ أعوذ بالله منهم! إن الشيعة قومٌ سيئون!”

وأما (سي مصطفى) فكنت أجده غارقاً في شاشة هاتفه (النوكيا) الصغير الذي يعود إلى العصر الطباشيري، والعجيب أنه استطاع مع ذلك وصله بالشبكة وفتح المواقع عليه، وكنت أستغرب جداً كيف يستطيع قراءة أخبار ومقالات (هسبريس hespress) التي تظهر حروفها على شاشته وكأنها أرجل النمل المصاب بالكساح! وأما الأسوأ من ذلك فهو عدم تفويته الاطلاع اليومي على مستجدات موقع (أفيتو avito) و(بخير bikhir) لغرض الاطمئنان على الأحوال الاقتصادية للمملكة.

ثم إنه كان أحياناً يرغب في مشاركتنا النقاش ومعرفة ما نتحدث عنه، وهنا كانت تحصل المأساة التي طالما جعلتني أقهقه في نفسي لساعاتٍ طويلة! إنها محادثة بين شخصٍ ينطلق من فرضية أن صاحبه يعرف نفس ما يعرفه تماماً، ويهتم بالموضوع قدر ما يهتم هو به، وبين شخصٍ آخر لا يعرف عن الموضوع حرفاً واحداً على الإطلاق!

يوجه أبو محمدٍ إلى (سي مصطفى) تساؤله المحير الذي لم يجد له جواباً بعد:

– “لكن… لماذا يكره الناس المداخِلة؟! لماذا يبغضونهم؟ ما ذنبهم وما الذي فعلوه؟”

لا إجابة عند (سي مصطفى)، إلا النظرات الحائرة الفارغة التي تتخللها رمشاتٌ طفوليةٌ بريئة!

غير أنه كان يتمكن بحقٍّ من إقحام نفسه في المناقشة، وذلك بواسطة تعليقاتٍ عامةٍ جداً يردُّ بها على كل ما يطرحه أبو محمدٍ من القضايا العقائدية والفكرية المعقدة، ومهما يكن ما يقوله أبو محمدٍ فإن أجوبة (سي مصطفى) لم تكن تتجاوز أمثال هذه العبارات، وهو ما جعل جميع أجوبته بعيدةً تماماً عن الأسئلة بعد المشرق عن المغرب، لكن ظل الأمر يبدو كنقاشٍ رغم ذلك، وهي مهارة تواصلٍ عند (سي مصطفى) تُحسب له في حقيقة الأمر:

يقول أبو محمد: “وعندما تقول له بعدم جواز الخروج على الحاكم يتهمك مباشرةً بأنك مدخلي!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.”

يقول أبو محمد: “وهم يطعنون في الشيخ ربيعٍ لكنهم يحترمون الشيخين ابن باز والعثيمين، وهذا تناقضٌ عظيمٌ لا أفهمه، لأن الشيخين قد زكيا الشيخ ربيعاً كما هو معلوم!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن أعداء الإسلام يخططون لمحاربة ديننا العظيم بواسطة الغزو الفكري ونشر الفساد والانحلال في المجتمع.”

يقول أبو محمد: “لكنه يصر على أن الحاكم بغير ما أنزل الله يكْفُر رأساً، رغم أن علماء أهل السنة قرروا بأن ذلك يكون على التفصيل!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن الشيعة قد يكونون أشد خطراً من اليهود والنصارى، لأن خطر اليهود والنصارى ظاهرٌ ومعلوم، وأما خطر الشيعة فخفيٌّ مستتر.”

يقول أبو محمد: “وعندما ننشر ما بينه الشيخ من حال المبتدع يقولون بأننا من غلاة التجريح والتبديع، وكأنهم يريدون منا أن نسمح بنشر البدع والضلالات بين الناس!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن المرأة قد فسدت وأفسدت، وصارت تطالب بالمساواة مع الرجل، وكل هذا من مخططات أعداء الإسلام لإفساد المجتمع.”

يقول أبو محمد: “كما أنه قد كثر المتعالمون في صفحات الفيسبوك، الجميع صار يتكلم والجميع صار يفتي دون علم، كما أن نشر الإشاعات صار ديدناً عند البعض، لذلك يجب تمحيص الأخبار وعدم نشر شيءٍ إلا بعد التيقن من صحته.”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن قناة الجزيرة قناةٌ زنديقةٌ حقيرة، وتنشر الفتنة والفوضى بين المسلمين، وهي قناةٌ عميلةٌ للصهاينة وتعمل لصالح إسرائيل.”

وتتفق عبارته هذه مع مرور (سي احمد شوارب)، والذي يتدخل قائلاً بحماسةٍ شديدةٍ ليضع النقاط على الحروف، ولينهي النقاش بالقول الفصل الذي لا قول بعده:

– “نعم والله هي كذلك… وذلك الزنديق الأكبر (فيصل القاسم) هو السبب في كل هذا!”

وينتبه أبو محمدٍ متأخراً إلى أنه “سَارتْ مُشَرِّقَةً وسِرْتُ مُغَرِّباً … شتَّانَ بين مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ!”

حقاً… لا فائدة ترجى من هؤلاء القوم، ويبدو أن أبا محمدٍ السلفي قد اكتفى من النقاشات العقيمة أخيراً، خاصةً بعد أن توصلتُ معه إلى نقاط اتفاقٍ كثيرةٍ لم نتوقع أن نصل إليها يوماً من قبل، وهو الأمر الذي كان قد سرَّه كثيراً.

بدأ أبو محمدِ يميل إلى الاختفاء تدريجياً، وعندما دخلنا في عام 2014 لم نعد نراه إلا قليلاً، ولم يعد يجالسنا في Dolcy 5 إلا نادراً، وكان قد أخبرنا بأنه ماضٍ في مسيرة الاستقامة التي يجاهد نفسه عليها، والتي بمقتضاها اتخذ قراراتٍ جديدةً ألزم بها نفسه، ومنها الإقلاع التام عن الجلوس في مقاهي البولفار التي تطلُّ على الشارع المزدحم بالمنكرات والمعاصي.

احترمنا قراره هذا وهنَّأناه عليه، وطلبنا منه أن يخبرنا باختياراته الجديدة للمقاهي التي سينتقل إليها، على أمل أن نزوره فيها عما قريبٍ إن شاء الله.

يجب أن أقرَّ بأن أبا محمدٍ السلفي إنسانٌ فاضلٌ لم أعلم عنه ولم أر منه إلا خيراً، وأحسبه من المتحرِّين للحق والساعين إليه، كما أن تلك الفترة التي أمضاها معنا في Dolcy 5 كانت من أفضل الفترات وأخصبها، وأكثرها غنىً بالنقاشات الهادفة والفوائد المتبادلة والتناصح الصادق بين الإخوة والأصدقاء.

لم يمض على رحيل أبي محمدٍ إلا أسابيع قليلةٌ حتى فوجئنا بخبر الإغلاق النهائي لمقهانا العريق، وكان خبراً صادماً لم نستوعبه إلا بعد أيامٍ تأكدنا فيها أن جلستنا الأخيرة فيه قبل إغلاقه كانت هي الأخيرة فعلاً، وأن ذلك اليوم كان هو آخر العهد مع (سي احمد) وقهوته، ومع مسجد القبو ومع أمسيات البولفار من تلك الزاوية المتميزة دون غيرها…

فكرتُ وأنا أتأمل الأبواب المغلقة للمقهى بأن لكل شيءٍ نهاية، وبأن دوام الحال من المحال، واستشعرتُ فجأةً قيمة تلك الجلسات الثمينة التي جمعتني بأولئك الأفاضل في هذا المكان منذ أكثر من خمس سنواتٍ حافلة.

ما مصير اجتماع شمل الندماء بعد Dolcy 5؟ هل سنجد مقراً جديداً نتفق عليه أم أنها ستكون نهاية المجموعة أيضاً؟

وأي مقهىً هذا الذي سينجح في ما نجح فيه Dolcy 5 من اتفاقنا على تفضيله وجمع كلمتنا عليه؟

أسئلةٌ حائرةٌ حامت فوق رؤوسنا في تلك الأيام الأولى بعد إغلاق المقهى، والتي أمضيناها تائهين نتسكَّع هنا وهناك على غير هدى، لنقرر في النهاية أن نعود إلى منازلنا في انتظار أن نتباحث في هذا الموضوع لاحقاً، وهو ما سأتناوله بتفصيلٍ أكثر في الفصل القادم والأخير من النص الذي صار مطوَّلاً، لأطوي به الصفحة الختامية من هذا الجزء الهادئ والممتع من كتاب الذاكرة، ذاكرة القهوة المسائية وأباريق الشاي، وحين تحلو المنادمة والمسامرة مع الأحبة وسط ليل طنجة وأضوائها الدافئة، ونسيمها الصيفي العليل…

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

07/06/2015 الساعة 22:06 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

dolcy-82-jalal

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

* * *

(8) – الندماء ~

2- جلال: “حركة المفلسين الجدد!”

وأما جلال هذا فقِصَّةٌ أخرى، و(فَقْصَةٌ) أخرى كذلك!

إنه الفتى الذي جاء من مدينة وزان إلى طنجة لاستكمال دراسته، منذ أكثر من عشر سنوات، فاندمج مع حياة المدينة اندماجاً كاملاً دون أن يتخلص من رواسبه (القروية)، ومن افتخاره الشديد بمدينته وزان التي لم يكفَّ يوماً عن وصفها بأنها (كاليفورنيا المغرب)، في حين نأبى نحن إلا أن نسميها – مستفزين له – بـ (موريتانيا المغرب)!

حسناً… ماذا أقول عن جلال هذا؟

إنه بحقٍّ حالةٌ نادرةٌ من النحس وسوء الحظ الذي تجسَّد على شكل كائنٍ بشريٍّ ينتمي لبني آدم! وهو ما جعله يثبت لنا دائماً، وعن جدارةٍ واستحقاق، لقبه الذي لُقِّب به في الأيام الأولى لالتحاقه بالوظيفة؛ وهو لقب (دعاوي البلا)!

كيف ذلك؟ حسناً… ماذا تقولون في شابٍّ بدأ حياته بأن أصابته إبرةٌ في إحدى عينيه، فصار مقدَّراً عليه أن يعيش بقية حياته واضعاً نظاراتٍ بسمك قاع الكأس؟

وماذا تقولون في شابٍّ لم يكد يبدأ مسيرته الكروية حتى تلقى لكمةً مدمِّرةً من قبضةٍ حجرية، جعلته يعيش سنواتٍ طويلةً بسنٍّ أماميٍّ أسود تماماً، يظهر كفجوة كهفٍ عميقةٍ كلما ضحك أو قهقه؟

وماذا عن شابٍّ ما إن انضم إلى الوظيفة وجلس أمام حاسوبه حتى انفجر الحاسوب وتصاعد منه الدخان؟

وما رأيكم في شابٍّ لم يكد يتم أسابيعه الأولى في الوظيفة حتى كاد يُفصل منها لولا لطف الله؟

لم يحتج جلال إلى كثيرٍ من الوقت حتى يؤكد لنا هويته المصائبية، وصرنا نتعامل معه على أنه كارثةٌ تنتظر أن تقع! إذا تسلَّط المدير على أحدٍ بالعمل المضني تسلَّط عليه، وإذا لعب الكرة نال النصيب الأكبر من الرضوض والكدمات والإصابات، وإذا قاد السيارة ارتكب حادثة سير، وإذا سافر بها استوقفه رجال الشرطة والدرك وخرَّبوا بيته، وعندما استأجر سيارةً وسافر بها للمرة الأولى إلى الدار البيضاء، حُملت إلى الحجز بسبب توقفه في مكانٍ يُمنع التوقف فيه.
وأما عندما انطلق في مهمة عملٍ مع مجموعةٍ من الزملاء، انقلبت السيارة بهم قرب (عين الحصن)، وكان هو المتضرر الأكبر بالطبع بعد أن أصيب بكسرٍ حادٍّ في عظم الكتف!

وأما مصائبه على المستوى العاطفي؛ فتتلخص في أنه لم يلبث أن وقع في حب فتاةٍ جامعيةٍ فور قدومه إلى طنجة، ونجح في أن يجعلها تتمشى معه في البولفار عدة أيامٍ بعد أن أنفق عليها – بسخاءٍ – دريهماتٍ من بذور دوَّار الشمس (الزرِّيعة)، ليُفجع بها بعد وقتٍ قصيرٍ وهي تزدرد بشرهٍ (الحرشة والرايب) في محلبةٍ من المحلبات مع شابٍّ آخر! وكانت هذه مصيبته العاطفية الأولى التي جعلت الدنيا تسودُّ في عينه، واكتسب في أقل من دقيقةٍ واحدةٍ حكمة العمر التي تقول بأنه ما عادت هنالك ثقةٌ في البشر، ثم قرَّر أن يعاقب بقسوةٍ هذه الخائنة التي تلهث وراء المادة بأن تعلَّم تدخين السجائر وأدمن عليه!

وأما مع الأطفال الصغار فهي الكارثة العظمى، وما زلتُ أذكر لما عرَّفنا صديقٌ للمرة الأولى على ابنه الصغير البالغ من العمر ثلاث سنوات، وكيف أن الطفل أقبل علينا جميعاً ضاحكاً مستبشراً يلاعبنا ونلاعبه، ثم وما إن تناوله جلال ونظر في وجهه حتى أطلق صرخةً مدويةً وأتبعها بموجة بكاءٍ هستيرية! وكاد الطفل يموت خوفاً عندما قرب جلال شفتيه منه لتقبيله، فاضطررنا – ونحن يكاد يغمى علينا من الضحك – أن نبعده عنه ونمنعه من رؤيته، وقد اتفقنا مع ما فعله الطفل تماماً ورأينا أن انفعاله منطقيٌّ وصحيح، وعلَّمناه أن اسم ذلك البعبع المرعب هو (عمُّو بُولُولُو)!

وهكذا صارت حياة جلال عبارةً عن سلسلةٍ متواليةٍ من المصائب التي لا تنتهي، والمحاولات الفاشلة للإقلاع عن التدخين، وقد أضاف إليها قائمةً رهيبةً من الدائنين الذين سيفتكون به يوماً ما.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في إطار تحليلنا لشخصية هذا الوزاني المنحوس؛ هو هل كوارثه هذه ناتجةٌ فقط عن الابتلاء وسوء الحظ، أم أن لتصرفاته الخاصة دوراً في ما يصيبه؟
حسناً… ما توصلتُ إليه بعد المصاحبة والملازمة الطويلة لهذا الديناصور الآدمي العجيب هو أنه يستحق أكثر ما يصيبه! وذلك لأنه من القلائل الذين أثبتوا نجاحاً باهراً – أكثر من مرةٍ – في إثارة أعصابي إلى حدودها القصوى، رغم أن من أبرز ما اشتهرتُ به بين أصدقائي هو برودة الأعصاب التي يصفونني بها منذ عرفتهم وعرفوني.

والحق أني لم أعد مستغرباً كيف تلقى جلال تلك اللكمة المدمرة التي سوَّدت سنَّه، إذ لا بد أنه أثار أعصاب الذي ضربه بشكلٍ أفقده طوره، ورغم أني لا أعرف حيثيات القصة التي وقعت قبل أن أتعرف عليه بزمنٍ طويلٍ إلا أني مصرٌّ على أن من ضربه كان معه حق، وأن جلال كان يستحق ما هو أكثر!

ثم إن من المفارقات العجيبة أن تجمع صداقةٌ حميمةٌ بين كلٍّ من جلال و(سي مصطفى)، رغم أنهما على طرفي نقيضٍ تماماً في ما يتعلق بالرؤية الاقتصادية للأشياء والحياة، وكنتُ كلما نظرت إليهما جالسين معاً في Dolcy 5 إلا وأقرأ فوق رأسيهما آيةً قرآنيةً كريمة، وأرى أنهما يمثلان التجسيد الآدمي الحرفي لها:

– “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.”

فإن كان (سي مصطفى) – حسب رأينا – يجعل يده مغلولةً إلى عنقه حتى لا يخضع لابتزاز الباعة والتجار ولأن ضميره الاقتصادي يؤنبه، فإن جلال كان يحرص كل الحرص على أن يحقق أهدافه الاقتصادية الشهرية، متمثلةً في القضاء على الراتب في أسرع وقتٍ ممكنٍ مع إضافة أسماء جديدةً لقائمة الدائنين! وكل هذا تمهيداً لتحقيق الهدف الأكبر وهو الوصول لحالة (الإفلاس) التي تشكل عنده قمة السلام الروحي والتصالح مع الذات.

لقد بدا لنا ونحن نتأمل بدهشةٍ وانبهارٍ أسلوب حياة جلال أنه مصابٌ بحالة عشقٍ مزمنٍ للإفلاس وتبديد الأموال، حتى إننا قد شككنا في كونه منضماً لـ (جمعية هواة الإفلاس) لو كان هناك شيءٌ بهذا الاسم، وأما لو قام في يوم ما تيارٌ فكريٌّ متطرفٌ اسمه (حركة المفلسين الجدد) فليس عندي شكٌّ في أن جلال سيكون هو الأب الروحي لهذه الحركة، وربما يلصق أتباعها صوره مبتسماً في قمصانهم التي سيخرجون بها للمظاهرات التي يطالبون فيها بحقهم المشروع في الإفلاس!

سجائر بلا حدود، أكواب قهوةٍ لا حصر لها، مطاعم ومشروباتٌ غازية في اليوم والليلة، سيارات أجرةٍ صغيرةٌ لمسافاتٍ قصيرةٍ يمكن قطعها مشياً، ديونٌ تُدفع لأولئك الذين تجاوزوا مرحلة المطالبة بلطفٍ إلى مرحلة التعنيف والتهديد… والنتيجة إفلاسٌ تامٌّ في الأيام الأولى للشهر، وديونٌ أخرى جديدةٌ للتخلص من أخرى أقدم، ثم يصل جلال إلى سلامه النفسي المنشود؛ جيوبٌ فارغةٌ وسيجارةٌ في الفم، وقهقهاتٌ لا مباليةٌ تكشف عن سنٍّ أسود بتنا نعتقد أنه يلائمه، وأنه صار (علامةً مسجلةً) لجلال لا يجب أن تتغير يوماً، والأسوأ من هذا كله ترديده المتكرر للعبارة الوحيدة التي يعتبرها منتهى الحكمة وشعاره الدائم في الحياة:

– “إن الإنسان في حد ذاته هو عبارةٌ عن سمكة!”

وأما الطامة الكبرى فهي ذلك الإقدام الشجاع على مصاريف مهولةٍ رغم الجيوب الفارغة! فعندما لم يكن يملك ما يتناوله على العشاء كان يفكر جدياً في اقتناء شقة، وعندما لم يكن يملك ما يحلق به ذقنه همَّ بشراء سيارة، لولا أن منعناه من ذلك بالقوة في اللحظة الأخيرة!
وكنتُ قد تعقبتُ بشيءٍ من التحليل أصل المشكلة عند (دعاوي البلاء) هذا، فاكتشفتُ أنه عائدٌ لآفةٍ واحدةٍ هي: أنه يكذب الكذبة على نفسه ويصدقها!

نعم… ففي جميع خيباته الاقتصادية وصدماته المالية، كان السبب وراءها أنه يضع تقديراتٍ للأسعار كما يحب هو أن تكون، لا كما هي في الواقع، وتكون النتيجة أنه يجد نفسه متورطاً في ميزانياتٍ تفتقر تماماً إلى الدقة، وتخالف بشكلٍ كاملٍ حساباته وتوقعاته، ثم ينتهي بعد الصدمة وخيبة الأمل إلى أن يردد دائماً وأبداً عبارته الشهيرة:

– “لم يكن الشيء بهذا السعر من قبل! لقد ضاعفوا سعره!”

وما ضاعف أحدٌ سعر شيء، لكن الولد قد بنى تقديراته الخرقاء على السعر الذي كان يشتهيه ويتمناه، لا على الواقع الملموس، بمعنى أنه قد كذب على نفسه ومنَّاها، ثم صدق أمنيته وكذبته.

ثم إنه قد ورطنا كثيراً في مواقف محرجةٍ بسبب انسياقه وراء أحلامه وأمنياته، حتى تعلمنا مع مرور الوقت أنه لو قدَّر جلال بأن الميزانية المطلوبة هي مئة درهمٍ فإن الواقع هو أننا سنحتاج إلى خمسمئة، ولو بلغ تقديره إلى ألف درهمٍ فمعنى ذلك أننا سنحتاج إلى خمسة آلاف…

وأما عندما يخطط جلال للأمسية على النحو التالي:

– “سنلتقي على الساعة السادسة بفلانٍ وسيكون وحده، ثم نذهب إلى المتجر الذي لا يبعد إلا عشر دقائق لنشتري الشيء الذي لن يتجاوز سعره خمسين درهماً!”

فإن ما يحدث في الحقيقة هو أن فلاناً يتأخر ساعةً كاملة، ويأتي مع خمسةٍ آخرين وليس وحده، ثم نذهب إلى المحل الذي نكتشف أنه يبعد أكثر من نصف ساعة، لنفاجأ أن سعر الشيء هو ثلاثمئة درهم!

وكالعادة:

– “لم يكن الشيء بهذا السعر من قبل! لقد ضاعفوا سعره!”

ثم يشعل سيجارته ببساطةٍ ولا مبالاة، وينفث دخانها في الهواء وهو يترنَّم بأغنيةٍ ما ويلقي دعاباته الضاحكة، تاركاً إياي وقد صعد كل الدم في جسمي إلى رأسي، محاولاً ما أمكن كبح رغبتي الجامحة في أن أحطِّم أسنانه كلها بقبضتي، لولا أني أتذكر – في آخر لحظةٍ – بأن قواعد الحضارة – مع الأسف الشديد – صارت تمنعنا من تلبية احتياجاتنا البدائية في الشراسة والتدمير وتفريغ الغضب بهمجيةٍ ووحشية…

وقد وافقني (سي مصطفى) على القاعدة الأصولية التي توصلتُ إليها فيما يخص صديقنا المنحوس، فقد جاءني يوماً وهو يستشيط غضباً ليقول لي:

– “والله لقد تذكرتك، إن القاعدة التي أخبرتَنا بها حول جلال صحيحةٌ تماماً”

– “أية قاعدة؟”

– “أنت أخبرتني بها ذلك اليوم، هل نسيت؟ قلتَ: إن أردت أن تعرف الرأي الصواب في موضوعٍ ما، فاسأل جلال عن رأيه فيه، ثم خذ بعكسه تماماً!”

نعم، هذا هو رأيي فعلاً! لكن لا أذكر أني أخبرتُ به (سي مصطفى) من قبل، لعلي فعلتُ ونسيت، إلا أنها قاعدةٌ صحيحةٌ فعلاً وقد أثبتت لي التجربة صدقها، وقد سرَّني كثيراً أن (سي مصطفى) توصل للشيء نفسه أخيراً.

غير أن دوام الحال من المحال، والأوضاع لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه للأبد، فقد استيقظتْ في جلال فجأةً رغبةٌ في الزواج، وما هي إلا أيامٌ حتى أخبرنا أنه عزم وتوكل!

– “جلال… اسمع جيداً ما أقول، هذا زواجٌ وليس لعباً، هل أنت متأكدٌ مما أنت مقبل عليه؟ إنك لا تملك ما تقصُّ به شعرك، فمن أين تأتي بمصاريف الزواج؟”

يجيبنا وهو ينفث دخان سيجارته ليساهم في تلويث البيئة:

– “إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله… لن تكون هناك مصاريف كثيرة، لن أقيم أية حفلات، ثم إني قد حسبتُ حسابي جيداً وضبطتُ الميزانية ضبطاً تاماً.”

– “وهذا بالضبط ما يقلقني!”

– “لا تقلق… الأمر بسيطٌ والحياة جميلة، ولا شيء يستحق منا أن نتعب أنفسنا في التفكير فيه… الزوجة تأتي برزقها والأولاد يأتون بأرزاقهم، وسوف ترى!”

ثم إني فعلاً قد (رأيتُ)، ولأول مرةٍ في تاريخ البشرية يثبت جلال أنه قادرٌ على اتخاذ قرارٍ صحيحٍ يحول حياته إلى الأفضل… بمعجزةٍ ما استأجر بدلةً رسميةً وربطة عنقٍ جعلته رائعاً، واقترض ما اشترى به باقة وردٍ وأكياساً مليئةً بتلك الأشياء التي لا أعرفها والتي تؤخذ إلى الفتاة المخطوبة، وما هي إلا عشيةٌ أو ضحاها حتى صار جلال في عداد الخاطبين!

وما هي إلا فترةٌ وجيزةٌ حتى بلغنا نبأ توقيع الرجل لعقد الزواج، وكانت مسألة وقتٍ فقط حتى ينتقل – أخيراً – إلى عش الزوجية الذي كان آنذاك قيد التجهيز.

بقي أقل من عامٍ على زفاف الرجل، وكان من المثير أن نلحظ كل ذلك القدر من التغييرات الإيجابية المتسارعة في حياته… فجأةً صار الولد حنوناً محباً للآخرين، وفجأةً صار يكثر الابتعاد عنا في مجلس Dolcy 5 ليتحدث طويلاً عبر الهاتف، ثم لم يلبث أن قلَّل من جلسات Dolcy 5 حتى كاد يقلع عنها بشكلٍ نهائي!

تخلَّص من نظارته الغليظة التي يبلغ سمك زجاجها عشرة سنتيميترات، واستبدلها بزجاجٍ رقيقٍ وإطار عصريٍّ عوضاً عن الإطار السابق الذي يعود للعصر الجوراسي.

أيضاً… انتهى عصر السن الأسود البارز في مقدمة قواطعه العلوية، وقد أصلحه له طبيب الأسنان الذي جعل ابتسامته رومانسيةً جميلةً تكشف عن أسنانٍ ناصعة البياض، وهو تغييرٌ لم نحبذه كثيراً لأنه كسر تلك الصورة النمطية التي تعودنا عليها تجاه الديناصور الآدمي القادم من وزان ليجعل حياتنا جحيماً بمشاكله ونحسه المتواصل.

نجح أخيراً في الإقلاع التام عن التدخين، وكان ذلك خلال أسابيع قليلةٍ فقط لم يحتج لأكثر منها حتى يكسر آخر سيجارةٍ في حياته، هو الذي أمضى سنواتٍ طويلةً في المحاولات الفاشلة التي لم ينجح في أيٌّ منها قبل الآن.

ازداد حكمةً ورويةً في أسلوب إنفاقه للأموال، وتخلَّص من عادة التبذير التي لم يعرف غيرها طيلة حياته، ويبدو أنه أعلن انسحابه التام من (جمعية هواة الإفلاس)، وأما (حركة المفلسين الجدد) فلا شك أنها اعتبرته خائناً لمبادئ التيار وأصوله الفكرية الثابتة.

وأما الخبر الأكثر سعادةً فهو أن قائمة الدائنين عنده – وكانت مرعبةً جداً – قد تقلصت إلى حدٍّ بعيدٍ يثير الدهشة، وهو أمرٌ يتعارض منطقياً مع التكلفة المرتفعة للزواج وما يتعلق به، ولا يمكن تفسيره بأية حساباتٍ رياضيةٍ صارمة، إلا أن نسلِّم بأنه الرزق الإلهي فقط ولا شيء غيره.

الخلاصة أن كل يومٍ يقربه من الزواج كان يكتسب فيه عادةً جيدةً جديدة، ويتخلص فيه من عادةٍ سيئةٍ قديمة، ثم إنه قد رفع من الميزانية المخصصة للأناقة والملابس، فصار يحرص على اقتناء العلامات التجارية الأصلية بعد أن كان يقتني العلامات المزورة، طبعاً بعد أن يكذب على نفسه ليقنعها بأنه ظفر بساعة Rolex سعرها مئة درهم، وبسروال جينز Massimo Dutti لم يتجاوز سعره مئة وعشرين درهماً فقط!

المصيبة أنه كان يصدق كذبته التي يكذبها على نفسه كالعادة، لكن رفعه لميزانية الملابس جعلنا نراه في حللٍ جديدةٍ أنيقة، خاصةً بعد أن بدأ يميل للتخلص من الألوان الترابية الغامقة الكئيبة، مستبدلاً إياها بألوانٍ أكثر جمالاً وانفتاحاً، وقد بلغ الأمر ذروته القصوى عندما أقبل علينا ذات يومٍ مرتدياً قميصاً ورديَّ اللون!

يا لسحر الفتيات هذا! حتى جلال نفسه تحول إلى كائنٍ رومانسيٍّ له أسنانٌ ناصعة البياض ويلبس قمصاناً وردية!

– “أرأيت يا (سي مصطفى)؟ انظر إلى جلال كيف تحسنت حياته بعد أن أقبل على الزواج، انظر إليه كيف صار جميلاً أنيقاً مشرقاً، تأمل كيف لم يعد يجد الوقت الكافي لمجالستنا، حتى لم نعد نراه إلا قليلاً، متى ستفعل مثله أنت يا (سي مصطفى)؟ إلى متى ستظل تبدد أمسيات شبابك في هذا الـ Dolcy 5 مع أباريق الشاي ومطالعة وجوه الغادين والرائحين؟

هاه… لماذا لا تفعل مثله وتلتحق بركب المتزوجين؟ ولا تنس عرضنا لك المتعلق بحفل زفافك، ماذا قلت؟”

لا إجابة – طبعاً – سوى القهقهة: “قه قه قه قه قه قه!”

اضحك يا (سي مصطفى)… اضحك! لك يومٌ يا صديقي، لك يومٌ قريبٌ إن شاء الله… وأما الآن فلا فائدة ترجى منك، وخير ما أفعله الآن هو أن أبتعد عن هذين المجنونين اللذان سيقتلانني بالجلطة يوماً ما، وأنتقل إلى النديم الثالث الذي سيأخذنا معه إلى أجواء مختلفةٍ تماماً، وهي أجواءٌ عاقلةٌ رزينةٌ تستحق أن ننهي بها هذا الفصل من باب (ختامه مسك)، وسنعيشها بإذن الله مع الإنسان العاقل الوحيد في مجموعة Dolcy 5؛ أبو محمدٍ السلفي حفظه الله ورعاه…

(( يـُــتبع >> ))

الصفحة التالية «

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.