شرفة الفردوس – إبراهيم نصر الله

18/08/2021 عند 20:37 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: شرفة الفردوس (الجزء الخامس من سلسلة الشرفات)

لمؤلفها: إبراهيم نصر الله

البلد: فلسطين 🇵🇸

صدرت عام: 2015

.

=====

كانت تجربة قراءتي لـ “شرفة الفردوس” واحدةً من أغرب تجاربي القرائية؛ فبعد نهايتها المباغتة التي تثير الشك في أن صفحاتٍ بعدها قد حُذفت عن طريق الخطأ، لم أجد في نفسي غير انطباع سلبي بسيط على جانب من السذاجة، وذلك لتعلُّقه فقط بالسطح الخارجي للرواية، ولما بدا لي محاولةً غير موفقة للمزج بين الواقعية في شرفتي العار والهاوية والسريالية في شرفتي الهذيان ورجل الثلج.

تبدو القصة في ظاهرها قصة عادية لفتاة تكابد المناكفات المزعجة لمالك العمارة التي تقيم فيها، ثم يتضح أن العالم الذي بدا واقعياً هو في الحقيقة عالم سريالي سرعان ما تنتثر في جنباته العجائب، لتنتهي الرواية نهاية مباغتة كفيلم يُقطع في منتصفه.

أفرط الكاتب -كعادته- في التلاعب بعناصر الزمان والمكان والشخصية، صانعاً من مزيج ذلك كلِّه فوضى روائيةً بدت لي في البداية متخمة بالألفاظ الفخمة والتشبيهات الأكبر من لبِّ المضمون، كأنما هو هيكلٌ عظميٌّ أُلبس ثوباً فاخراً.

لكن لا بأس… قلتُ لنفسي: “ما هي إلا رواية لم تنل إعجابي، وسرعان ما سأنساها بعد أن أنهمك في غيرها”. لكن ذلك لم يحدث بالسهولة التي تصورتها، إذ ظل إحساس غامض مزعج تجاه الرواية يعتمل في ذهني، وبقيتُ مستحضراً بقوة أجواءها الغريبة التي توشك أن تكون كابوسية، واستشعرتُ على نحو غامض أن أحداث الرواية لا تتحرك فوق مسطرة الزمن المعتادة بل في فضاء تجريدي مطلق.

همساتٌ بعيدةٌ لم أتبين بسهولة كُنهها، وشكلٌ ملتبسٌ يتراءى لي خلف الضباب دون أن أعرف ماهيته.

ووجدتُ نفسي أعود إلى الرواية مدفوعاً بجاذبية غامضة، وراجعتُ بعض فقراتها فإذا صدمةٌ عنيفةٌ جعلتني أعيد النظر في انطباعي الأول كاملاً، وتبدَّت لي الرواية في صورة أخرى غير الصورة الأولى، وتكشَّفت لي عن أعماق جديدة وعلى أعلى درجات الخطورة…

هل عاد “الجبلاوي” من جديد في حُلَّة معاصرة؟ وهل “قاسم” هو التجسيد الروائي للذات الإلهية عند نصر الله كما كان “الجبلاوي” تجسيداً لها عند نجيب محفوظ؟

أدرك جيداً أن من الصعب وقوع إجماع على ذلك مهما تعددت القرائن الدالة عليه، وإن كانت رمزية “الجبلاوي” من الوضوح بحيث لا تدع مجالاً للشك ومع ذلك ارتيب فيها، فإن رمزية “قاسم” أكثر مدعاةً للشك لما تعمَّده الكاتب من الغموض والتدليس. لكني مع ذلك أعرض عليكم بعض القرائن التي أراها داعمة لهذا الإسقاط، تاركاً الحكم النهائي لكل واحد منكم بحسب ما يراه:

تبدأ الرواية باستئجار بطلتها “حياة” (تأمل رمزية الاسم) للطابق السابع والعلوي في عمارة كانت حديثة البناء آنذاك واسمها “عمارة الفردوس” (رمزية الاسم مجدداً)، وهو طابق فسيح واسع الأرجاء يطلُّ على مشهد مترامي الأطراف.

تقع حياة في الخطيئة مع الشاب الذي كانت تعتبره خطيبها، ليفاجئها الوكيل بأن مالك العمارة قد سحب منها الإقامة في الطابق السابع العلوي، وأجبرها على الإقامة في طابق أدنى، وفي شقة مظلمة كئيبة لا تكاد تكون لها نوافذ ولا شرفات.

نستطيع أن نستنتج هنا، بسهولة ربما، أن اسم “الفردوس” يدل على الجنة، وأن عدد طوابق العمارة سبعة بعدد السماوات السبع، وأن إنزال “حياة” من الطابق العلوي الفسيح إلى طابق ضيق مظلم أدنى هو تجسيد لإخراج آدم من الجنة بعد أن اقترف الخطيئة.

فمن يكون إذن “مالك العمارة” الذي أنزل حياة من الطابق السابع العلوي إلى طابق أدنى بسبب الخطيئة؟

مالك العمارة رجل غامض غريب اسمه “قاسم” (وللاسم دلالته القوية)، من أبرز ما تميز به أن وجهه لم يظهر قطُّ على طول الرواية، ورغم أن حياة حاولت مراراً رؤية وجهه إلا أن كل ما أتيح لها أن تراه من زوايا لا يظهر فيها وجهُه.

تعرف حياة أن قاسماً رجل مرهوب الجانب واسع الشهرة، وأنه يملك سلطة أعلى بكثير مما تتصور.

يقع قاسم في حب حياة، ولأنها اختارت أن تقول له “لا” بواسطة إصرارها على خطيبها أنس، قرر قاسم أن يكون انتقامه منها مريعاً، فبدأ بحرمانها من الطابق العلوي السابع، وانتقل لاحقاً إلى إرسال التهديدات المخيفة لها بقتلات لا تخطر لها على بال، بواسطة أوراق مكتوبة يرسل من يدسُّها لها تحت باب شقتها.

كانت حياة تسميه “ساكن الطابق العلوي”، لأنه بالفعل كان يقيم في نفس الطابق السابع الذي طردها منه، وتعرف لاحقاً أن جميع أصدقائها ومعارفها يعرفون قاسماً هذا ويخشونه، لأنهم يدركون إلى أي مدى يمكن أن ينبسط سلطانه وتمتدَّ قدرته.

تقرر حياة أن تتبع قاسماً بسيارتها وأن تراقبه، فيسمح لها أن تظلَّ قريبة منه بعض الشيء، لكن دون أن يمكِّنها من رؤية وجهه.

تلاحظ حياة أثناء مراقبتها لقاسم أنه يكتب أشياء في ورقة، ثم وكأن ما يكتبه يتحقق فوراً على أرض الواقع!

تعرف حياة -ويا لدهشتها- أن قدرة قاسم تصل إلى درجة التحكم بالأقدار نفسها! وعندما سيموت خطيبها في حادث انقلاب سيارة بسبب سيول مدينة جدة، فستعرف حياة أن قاسماً هو من قتله، وأن كل ما حدث كان بتدبير منه.

تعرف حياة أن قاسماً كاتب مشهور له عدة كتب منشورة تقرر قراءتها جميعاً. تبحث عن كتبه في “غوغل” فتُفاجَأ بأن شهرة الرجل فوق الوصف، وأن الإنترنت مليء بالمعلومات عن كتبه وترجماتها للغات الأجنبية وتواريخ إصداراتها، كل هذا دون أن توجد أي صورة شخصية لوجه قاسم على شبكة الإنترنت! وتستغرب حياة كثيراً من كون كاتب بمثل شهرته لا توجد له ولو صورة شخصية واحدة على الشبكة!

تبدأ حياة في قراءة كتب قاسم، ويفاجئها ما تنطوي عليه من تناقضه وقسوته، وأنه حاضر فيها بذاته بشكل كامل، وأن جميع الشخصيات في كتبه تُقتل أو تتعذب كثيراً أو تموت ميتة بشعة، سواء أكان يحبهم أو يكرههم، وسواء أكانوا معه أو ضده.

ثم تكون صدمتها عنيفة عندما تجد نفسها في نهاية أحد كتبه، وأنه يتحدث عنها بشخصها، لكن الكتاب انتهى دون أن تعرف كيف كانت نهايتها ولا ما حصل لها…

تعرف حياة لاحقاً أنه كان يعمل على كتاب جديد لا بد أنه يتضمن الميتة التي اختارها لها، فإن قاسماً بالفعل قد عرَّضها للموت أكثر من مرة، وفي كل مرة كان يقول لها عبر ورقته المدسوسة تحت الباب: “أدَّخر لكِ ميتةً أفضل”.

نعرف أن فكرة الرواية تدور حول رغبة قاسم في الانتقام من حياة لأنها تجرأت على أن تحب غيره… حياة التي تجرأت على أن تقول لقاسم “لا”، وأن تجبره على تغيير مخططاته.

قاسم الذي يملك سلطة شبه كاملة، ويستطيع بأوراقه وأقلامه والكتب التي يؤلفها أن يتعامل مع الناس من حوله وكأنهم “شخصيات” يحركها كيف يشاء، ويختار لها الميتة التي يشاء، حتى لو كانت غرقاً عرَضياً في سيول جدة!

أعتقد أننا لا نستطيع بإزاء هذه القرائن إلا أن نجزم بأن شخصية “قاسم” ما هي إلا تجسيد لـ “الإله” في معناه المطلق، وإن كنا تعوَّدنا على أن تُفسَّر رموز نصر الله على أنها تستهدف “السلطة السياسية” فإننا هنا أمام سلطة من نوع آخر مختلف تماماً، فهل نتجرأ على القول بأن “شرفة الفردوس” رواية تهاجم السلطة الإلهية أو الدينية؟

بقي أن أشير إلى مفارقة دقيقة بين “الجبلاوي” و”قاسم”؛ فإذا كان موت “الجبلاوي” في رواية “أولاد حارتنا” قد فتح أبواباً من التأويل منها ما حُمل على الانتصار للدين وانتقاد بُعد الناس عن الله، فإن معالجة نصر الله لشخصية “قاسم” تضعه في موقف فكري محرج جداً، بحيث يصير اعتبار “شرفة الفردوس” رواية إلحادية رأياً وجيهاً بحق، لا بسبب تجسيد الذات الإلهية فحسب، بل بسبب طبيعة المعالجة نفسها، إذ لم يدَّخر نصر الله جهداً في تصوير “قاسم” بصورة الشخص السادي الغيور المتوحش، والذي لا تنطوي أفعاله القاسية على أية حكمة بل على السادية والشر المطلقين لا أكثر، وهذا ما يخالف كلياً شخصية “الجبلاوي” التي رغم وضوح رمزيتها إلا أن الأفعال المنسوبة إليها تفتح مزيداً من أبواب التأويل والجدل.

رمزية محفوظ كانت واضحة جداً في شكلها لكن الفكرة المتوارية خلفها غامضة وملتبسة، وأما رمزية نصر الله فعلى العكس تماماً، فهي غامضة ملتبسة في شكلها لكن الفكرة المتوارية خلفها واضحة جداً.

جدير بالذكر أيضاً أن “أولاد حارتنا” قد أثارت ضجة عظمى إبان صدورها، لكن “شرفة الفردوس” لم تكد تثير أي ضجة على الإطلاق، فهل بلغنا هذا الحد من اللامبالاة الأدبية بمضامين الروايات أم أن القرائن أعلاه لا تعدو أن تكون مجرد “بارانويا روائية” مبنية على الأوهام؟

ما رأيكم أنتم؟!

#أنس_سعيد_محمد

16/08/2015

بين الظلمتين – سناء بنعتو

10/06/2021 عند 10:36 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: بين الظلمتين

تأليف: سناء بنعتو

رسوم: نسيبة الرحموني

البلد: المغرب

صدر عام: 2020

.

=====

* بين يدي العنوان (بين الظلمتين / بين ظلمتين):

أول ما وقع بصري على عنوان هذه المجموعة، وقبل أن أعرف إلى أي نوع أدبي تنتمي، خطرت ببالي العبارة التالية لنجيب محفوظ: “الحاضر نورٌ يخفق بين ظلمتين”. وقد ظننتُ في البداية أن الكاتبة تعمدت اقتباس عنوانها من هذه العبارة، لكني حين سألتُها أخبرتني أنها لم تسمع بها من قبل، وأن عنوانها من بنات أفكارها، وهو ما شكَّل مع العبارة المحفوظية حالة جميلة مما يسمى بلغة العصر “التناص”، وباللغة القديمة “وقوع الحافر على الحافر”.

وقد كنتُ قبل قراءتي للمجموعة كأني أستثقل قليلاً تعريف لفظة “ظلمتين”، بسبب تأثُّري بعبارة محفوظ وتمكُّنها من ذاكرتي، وكنت أقول في نفسي: لو أنها نكَّرت الظلمتين ليكون عنوان المجموعة “بين ظلمتين”، فلعل ذلك أن يكون أخفَّ وأفضل. لكني بعد قراءة المجموعة أعدتُ النظر في هذا الرأي، وتبين لي أن العنوان مناسب تماماً لمحتوى الكتاب، وأن وجه الاختلاف بين دلالته ودلالة العبارة المحفوظية يبرر تماماً تنكير هذه وتعريف تلك.

حين كتب محفوظ “الحاضر نورٌ يخفق بين ظلمتين”، فإنه قصد بالحاضر كل لحظة تمرُّ من عمر الإنسان، وبذلك فظلمتا محفوظ هما اللحظة التي مضت للتو، واللحظة التي ستأتي فوراً، فهما إذن ظلمتان تتعددان بتعدد الأزمنة والأمكنة والخلائق، وبينهما اختلاف كامل بحيث يستحيل أن تشبه إحداهما الأخرى. لذلك نفهم أن الأنسب في حقهما التنكير.

وأما مؤلفة الكتاب فتقصد بما بين الظلمتين عمرَ الإنسان في مجمله، فظلمتاها إذن هما ظلمة الرحم وظلمة القبر، وهما معروفتان متشابهتان بل متطابقتان، ولذلك فالأنسب في حقهما التعريف.

* “تعتذر الدار عن نشر المجموعات القصصية والخواطر“:

ينتمي كتاب “بين الظلمتين” إلى فئة الخواطر، وربما إلى نوع مكثف منها يسمونه “الشذرات” (سنعود لموضوع التسمية لاحقاً)، وهو نوع أدبي قائم بذاته، وله خصائصه ومميزاته، وجمالياته وصعوباته، لكنه للأسف الشديد من الأنواع التي أمست مظلومة تعاني الإهمال والنبذ في زمننا هذا الذي طغت عليه الرواية، وكسفت بنورها الساطع كثيراً من الأجناس الأدبية المعتبرة بما فيها القصة القصيرة نفسها.

لقد صار من الشائع حين نبحث عن شروط تقديم الأعمال إلى دور النشر، ولا سيما الكبرى منها، أن نجد ضمن الشروط العبارة التالية: “تعتذر الدار عن قبول المجموعات القصصية والخواطر”. وهي عبارة وإن كان لها ما يبررها، من وجهة نظر تجارية (وما أبشع جناية التجارة على الأدب)، إلا أنها كرَّست نوعاً من النظرة الدونية لكل جنس أدبي غير الرواية، فصار يُنظر إلى المسرحية والقصة القصيرة والخواطر على أنها محاولات للمبتدئين، وصار لقب “القاص” كأنه أدنى رتبةً من “الروائي”، بل إن الكتَّاب أنفسهم تأثروا بهذه التراتبيات الأدبية فصار بعضهم يعتبر قصصه القصيرة أو خواطره مجرد “تدريبات” يمهِّد لنفسه بها طريق الرواية.

إلا أن المفارقة الصارخة هي أن هذا الجنس الأدبي المظلوم قد يحظى بإقبال شديد من لدن الكتاب الكبار من ذوي الشهرة الطاغية، وهنا فقط يغيِّر الناشرون شروطهم ويوافقون على نشر الخواطر، كأن هذا النوع الأدبي يظلُّ يسِم الكاتب الشاب بالسطحية والرداءة، وأن عليه أن يمضي عمره القلمي في كدح روائي طويل وشاق حتى يبلغ ذروته الأدبية، فحينئذ فقط يحقُّ له أن يحال إلى التقاعد وأن ينعم بمميزاته، وحينئذ فقط يصير بمقدوره أن ينشر خواطره ونصوصه القصيرة بكل سهولة ودون أن يتجرأ أحد على الاعتراض عليه، بل سيُنظر لأي شيء يكتبه على أنه عصارة حكمة ونتاج خبرة حياتية مديدة.

من الأمثلة على هذا الجانب من واقعنا الأدبي نجيب محفوظ نفسه، فقد كان إبان شبابه يكتب الروايات الطويلة دون أن يلتفت إليه أحد، ثم انتُبه إليه وارتقى سلم المجد الأدبي حتى بلغ ذروته، ثم بعد ذلك كف عن الرواية بل وحتى عن القصة القصيرة، وصار كل ما ينشره نصوصاً قصيرة من بضعة أسطر، شذرات وخواطر وذكريات وأحلام منام (“أحلام فترة النقاهة” نموذجاً)، وقد مات نجيب محفوظ وصدرت بعد موته نصوص قصيرة وأسقاط نصوص وُجدت ضمن متعلَّقاته (آخر ما نُشر له “همس النجوم”).

أحمد خالد توفيق كذلك له منشورات من قبيل “تويتات من العصور الوسطى” و”فقاقيع”، وهي أقرب لمنشورات فيسبوكية طريفة ما كان أيُّ كاتب شاب ليحلم بأن يُنشر له مثلُها أو حتى أفضل منها، إلا إن بلغ مثل شهرة أحمد خالد توفيق وراكم مثل نتاجه الروائي الدسم.

“فقه الحب” ليوسف زيدان نموذج آخر. وعموماً فإن واقعنا الأدبي يزدري الخواطر والنصوص القصيرة حين تصدر من الشباب، ويحتفي بها حين تصدر من مشاهير الأدباء، وغني عن الذكر أن هذا الواقع الذي تشكله في الغالب مزاجية الناشرين لا يتعلق بالجودة الأدبية إطلاقاً، بل باعتبارات تجارية واجتماعية أبعد ما تكون عن الأدب.

وأنا حين أتيتُ على هذا الحديث فلكي أضع كتابنا المُراجَع في سياقه من حيث نوعه الأدبي وموقعه من مسيرة كاتبته، فـ “بين الظلمتين” كتاب خواطر ونصوص قصيرة، لكنه ليس عملاً أول حتى يُنسب إلى التدريبات الكتابية، وليس عملاً أتى في أواخر المسيرة، بل هو عملٌ لكاتبة شابة في مقتبل عمرها الأدبي، ولها قبله رواية منشورة، فهي إذن قد اقتحمت غمار الرواية أولاً، وأدلت فيها بدلو، ثم جاء كتاب الخواطر هذا ثانياً، وعلى نحو لا يُشعر القارئ والمتابع بأن الكاتبة تستصغره مقارنة بروايتها الأولى، بل ربما على العكس من ذلك، وهو ما دلَّ على وعيها -ووعي ناشرها كذلك- بأن الجمالية الأدبية غير مقصورة بالضرورة على فن الرواية، وأن ثمة أجناساً أدبية عديدة تستحق أن يجرَّب فيها، وأن تحظى بفرصة النشر.

* نصال مرهفة، ذات أطراف ضئيلة حادة:

يمكننا القول بأن تعبير “النصوص القصيرة” هو الأشمل لهذا الجنس الأدبي، وإن لم يكن مستعملاً بسبب شيوع تحديدات أخرى، قديمة وحديثة. فقديماً كانت القطعة منه تسمى “قولاً” أو “موعظة” أو “عبارة”، وقد نُقل منها الشيء الكثير على ألسنة العرب القدماء، وهناك من صنف منها كتباً كابن الجوزي في “صيد الخاطر” وابن عطاء الله السكندري في حِكمه الشهيرة. وفي العصر الحديث شاعت تسميات أخرى من قبيل “الاقتباس” إن انتُزعت العبارة القصيرة من رواية أو مقالة، كما نجد أيضاً “الخاطرة” و”الشذرة”. وفي السنوات الأخيرة شاع ما يسمى “التويتة” أو “التغريدة”، كما أن “المنشور الفيسبوكي” صار جنساً أدبياً قائماً بذاته، فارضاً لنفسه وإن لم يُعترف له بهذه التسمية، بل أُلحق بفئة عامة شاملة هي “الخواطر”.

ولعموم هذه “النصوص القصيرة” خصائص ومميزات تجمع بينها رغم اختلاف مضامينها بين ما يخاطب العقل والقلب والضمير، فمن تلك الخصائص صغر الحجم، وصغر الحجم يستدعي ولا بد تكثيف الألفاظ والمعاني، والبعد ما أمكن عن الدقة والتحديد، والتحليق في سماء العموميات والأفكار العريضة، وهو ما يوسِّع دائرة المشترَك بين الكاتب والقارئ، بحيث لا بد أن يجد القارئ في الخاطرة تقاطعاً ما مع حياته الخاصة ومشاعره وأفكاره، وهذا من أبرز نقاط قوتها وجاذبيتها، لما فيه من تواصل خفي بين الكتَّاب والقراء في عوالم أثيرية سرية وغامضة. ومن خصائصها أيضاً اختلاف النبرة في خواتمها، ولنا أن نتخيل خطيباً أو ملقياً صوتياً للمواعظ أو الخواطر أو القصص القصيرة ذات المغزى الأخلاقي والتأملي، وكيف أنه يبدأ الإلقاء بنبرة خافتة يرفعها تدريجياً، حتى إذا بلغ العبارة الأخيرة توقف لحظةً ليشدَّ انتباه السامع، ثم يتلو الخاتمة بنبرة مختلفة ليُحدث في نفس السامع التأثير المطلوب.

نفس الشيء ينطبق على العبارات المكتوبة (والتي لها نبرةٌ أيضاً كالمسموعة تماماً)، وقد كان طه حسين من الذين حاولوا وصف هذا الجنس الأدبي وتحديد خصائصه، بل والتأليف فيه وذلك في كتابه المتميز “جنة الشوك”، حيث عرض في مقدمته وصفاً مستفيضاً لتاريخ ذلك الفن ومميزاته، وذكر أنه يعود في أصله إلى منقوشات شعرية يونانية ولاتينية قديمة تسمى “إبيجراما”، وكان مما ذكره اعتمادُ هذا الفن على خواتمه التي تجعل مقطوعاته شبيهةً بالسهام في سرعة انطلاقها وقدرتها على اختراق الأهداف بنصال مسننة.

يقول طه حسين في مقدمة كتابه “جنة الشوك”: “ثم يمتاز هذا الفن بخصلة أخرى لا أدري كيف أصوِّرها، ولكن سأحاول ذلك كما أستطيع، وهي أن تكون المقطوعة منه أشبه شيءٍ بالنصل المرهَف الرقيق ذي الطرف الضئيل الحادِّ، قد رُكِّب في سهم رشيق خفيف لا يكاد ينزع عن القوس حتى يبلغ الرَّمْية، ثم ينفذ منها في خفة وسرعة ورشاقة لا تكاد تُحَسُّ. ومن هنا امتاز هذا الفن بالبيت الأخير أو البيتين الأخيرين من المقطوعة؛ فهما يقومان منها مقام الطرف الضئيل النحيل الرقيق الرشيق من نصل السهم، فإذا كانت المقطوعة بطيئة الحركة ثقيلة الوزن، فليست من هذا الفن في شيء”.

وقد راعيتُ أن ألاحظ هذه المسألة أثناء قراءتي لـ “بين الظلمتين”، فوجدتُ أن الكاتبة اعتمدتها في جلِّ خواطرها اعتماداً فطرياً، لأن جنس الخواطر يفرض طبيعته على متعاطيه حتى دون أن يتعلمه ويقرأ عن خصائصه ومميزاته، وهو ما يدلُّ على أن الأديب بسليقته لا يعلَّم الأدب، وأن الأدب سابقٌ للنقد، وأن كلَّ ما يحاول النقد فعله هو أن يُخرج إلى حيِّز التجسيد اللفظي ما يعرفه الكاتب بفطرته.

* تأليف: سناء بنعتو

– تقوم فكرة الكتاب على عرض خواطر قصيرة ترافق مراحل عمر الإنسان بدءاً من مغادرته ظلمة الرحم وحتى دخوله ظلمة القبر، وقد أُرفقت كل خاطرة برسمة تعبر عن معناها، فكان الكتاب جامعاً لفنين اثنين هما الكتابة والرسم، بحيث يَنظر القارئ إلى صفحته اليمنى فيقرأ الألفاظ والتراكيب اللغوية، ثم ينظر إلى الصفحة اليسرى فيصمت متأملاً جمالية الرسم، ثم يراوح بصره بين اللوحة المكتوبة واللوحة المرسومة متأملاً عناق القلم والريشة، وكيف تُرجمت كلمات القلم إلى رسمة بالريشة، أو كيف تُرجمت رسمة الريشة إلى كلمات بالقلم.

– الخواطر قصيرة مركزة وهذا ما ينبغي أن تكون عليه، وبذلك صار الكتاب أشبه بواحة يستراح تحت ظلالها من تعب الكتب الثقيلة والروايات الطويلة. هو كتاب صغير الحجم ويصير أصغر عند قراءته، لا يكلف قارءه وقتاً ولا جهداً (يمكن إتمامه في جلسة واحدة قصيرة)، بل يدفعه إلى حالة من الصمت الداخلي والتأمل في تلك المساحات المتقاطعة بين خواطر الكتاب وحياته الخاصة وأفكاره ومشاعره.

– يبدأ الكتاب بخواطر واضحة حول الميلاد والطفولة، لكن في صفحة ما (وربما بتدرج غير محسوس) ينتقل بنا إلى خواطر عامة حول الحياة في مجملها لا تنتمي إلى أية مرحلة عمرية. وجدتُ هذا الانتقال متسقاً مع منطق الحياة كما هي، ويعبر عما نعيشه جميعاً من تلك الغفلة الممتدة التي ابتدأت فينا منذ غادرنا الطفولة، ولا ندري متى نفيق منها. لكني مع ذلك وددتُ لو أن الكاتبة كانت أكثر تحديداً في عرض بعض المراحل المفصلية في حيواتنا، كما كانت محددة تماماً في تناولها للطفولة والشيخوخة. ونعم لكل إنسان حياته الخاصة المختلفة عن غيره، لكن ثمة بلا شك ترتيباً قياسياً محدداً قلَّ من يشذُّ عنه (طفولة – دراسة – تخرج – عمل – زواج – أطفال – تربية – كهولة – شيخوخة – موت). ولستُ أقصد أن تُعرض خواطر مباشرة تدلُّ على تلك المراحل، لكن ربما كان من الأمثل والأكثر ملاءمة لموضوع الكتاب أن يشار ولو من بعيد إلى تلك المحطات، حتى تكون نقاطاً مرجعية مرتبطة بفكرة الكتاب، وحتى يحافظ القارئ على إحساسه بخط الحياة الزمني.

– عرفتْ بعض مواضع الكتاب اختلالاً في نسقه الدلالي على مراحل الإنسان العمرية، كان أولها في الصفحة 18 (خاطرة: دهشة)، وهي وإن كانت من الخواطر الأولى في الكتاب التي تتحدث عن دهشاتنا الطِّفلية المبكرة حين نكتشف الحياة أول مرة، إلا أنه ورد فيها: “كركوبنا الدراجة أو تسلُّقنا الجبال أو اختبارنا لمشاعر المحبة”. نلاحظ هنا أن “تسلق الجبال” ليس نشاطاً طفولياً إذ لا يتأتَّى إلا بعد اشتداد العود، لذلك لم يكن مناسباً إضافته إلى خاطرة من خواطر الكتاب الأولى. نلاحظ أيضاً أن الكاتبة لم تتحدث عن تجربة “الولادة” إلا في الصفحة 142 (خاطرة: معجزة)، حين كان الكتاب يدنو من نهايته. ومعلوم أن تجربة الأبوة أو الأمومة تقع عموماً في الثلث الأول من الحياة أو قبيل منتصفها بقليل. مكان الخاطرة لم يكن موفقاً بدليل أنه انتُقل بنا بعد خاطرة واحدة فقط (الصفحة 146 – خاطرة: إشارات) إلى الحديث عن الشيخوخة والمرض ودنوِّ الأجل.

– لغة الكتاب سلسة سليمة خالية من الأخطاء، لا أذكر أني صادفتُ خطأ لغوياً أثناء القراءة إلا واحداً فقط تكرر مرتين أو ثلاثاً: لا شك أن الكاتبة تعلم بأن أداة الشرط “كلَّما” تُذكر مرة واحدة فقط في بداية الجملة الشرطية، ومن الخطأ تكرارها قبل جواب الشرط، وأعتقد أنها طبَّقت القاعدة بشكل صحيح في أكثر من موضع، لكنها وفي استعمالها لأداة مماثلة هي “قدرما” وقعت في الخطأ، وكرَّرت “قدرما” مرتين؛ واحدةً في بداية الجملة الشرطية وأخرى قبل جواب الشرط.

– لم تقع الكاتبة في فخ السوداوية المفرطة والمبالغة في التشاؤم (الإفراط في السوداوية غالباً ما يكون حيلة تجارية رخيصة)، بل على عكس ذلك نلاحظ أن معظم خواطر الكتاب مفعمة بطاقة إيجابية تدعو إلى التفاؤل وعدم فقدان الأمل، وهذا من أكثر ما أعجبني في الكتاب.

* رسوم: نسيبة الرحموني

الرسوم في هذا الكتاب ليست عاملاً مساعداً فحسب، أو إضافات فنية ثانوية، بل تسير مع الخواطر بالتوازي تماماً، جنباً إلى جنب، وتتقاسم معها نفس القدر من الأهمية (إحصائياً قد تزيد الرسومات على الخواطر بواحدة أو اثنتين، حيث إن بعض أزواج الصفحات تضمنت رسوماً فقط)، والكاتبة تركِّز في أحاديثها وتعليقاتها على الإشارة إلى هذه المسألة، وإلى أن الكتاب ثمرة جهد مشترك يجب أن يُنسب لشخصين، إذ تقول دائماً: “أعددناه أنا ونسيبة – نشرناه أنا ونسيبة…”.

رسوم الكتاب بديعة جداً، وعلى مستوى عالٍ من الجمالية الفنية والعمق التعبيري، وقد أحسنت الرسامة استغلال اللونين المتاحين لها (الأبيض والأسود) استغلالاً ذكياً لصناعة لوحات تجسِّد ما في الخواطر من الاستعارات اللغوية والمعاني المجازية، كما أن أسلوبيَّتها في الرسم ترتكز على تباين مزدوج بين “الأبيض والأسود” من جهة، وبين “الإفراغ والملء” من جهة أخرى.

لقد اعتمدت الرسامة أسلوب “الإفراغ” في عرضها للهياكل الآدمية، ولما هو مشترَك ومعروف، إذ اكتفت برسم الحدود الخارجية للأشخاص والأشياء فقط، مع أقل قدر ممكن من التفاصيل. لكنها في المقابل اعتمدت أسلوب “الملء” في عرضها للأفكار والمعاني والاستعارات المجازية المعبرة عن الحالات النفسية، والتي عبَّرت عنها بطريقتين هما: السواد الكثيف أو الخربشات الفاحمة المنفعلة للمعاني السلبية كالحزن والخوف والخيبة، والخامة الزخرفية المشبعة بالتفاصيل للمعاني الإيجابية كالسعادة والمحبة والتفاؤل.

وعموماً فقد كانت فكرة الرسومات الموازية للخواطر ذكية جداً وفي محلها تماماً، لأنها تملأ ذلك الفراغ المعتاد في كتب الخواطر التي لا يُستحسن فيها عرض أكثر من خاطرة واحدة في الصفحة الواحدة، ولأنها تتراوح بالقارئ بين تأمل المكتوب والمرسوم، القلم والريشة، ما يُشبع لديه ذائقتين فنيتين اثنتين وليست واحدة فقط.

كتاب “بين الظلمتين” تجربة أدبية وفنية فريدة في فكرتها، وهو من الكتب الخفيفة التي تستحقُّ أن تظل قريبة من العين وفي متناول اليد، وأن تُفتح بين الفينة والأخرى على صفحة عشوائية منها، فلربما يقع القارئ فيها على معنى يسلِّيه أو فكرة ترشده، أو يبعث في نفسه جرعة أمل ودفقة تفاؤل…

أنس سعيد محمد

10/06/2021

أحجية إدمون عَمران المالح – محمد سعيد احجيوج

12/05/2021 عند 12:14 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: أحجية إدمون عَمران المالح

لمؤلفها: محمد سعيد احجيوج

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

====

1- ثنائية الاطمئنان والقلق في الرواية:

حين اقتنيتُ هذا الرواية بعد وصولها متأخرة إلى المغرب، كنتُ قد قرأتُ ما كُتب عنها من مراجعات نشرها المؤلف، وبذلك كنتُ مطَّلعاً على أبرز الكلمات المفتاحية التي تؤطر عوالم الرواية. لدينا مثلاً على مستوى المضمون: إدمون عَمران المالح – اليهود المغاربة وهجرتهم إلى فلسطين المحتلة – غرق السفينة إيجوز – الفرق بين اليهود والصهاينة – فساد الجوائز الأدبية (الرشوة والأدلجة) وخضوعها لمافيا النشر – ألاعيب الوعي والذاكرة… إلخ. وأما على مستوى الشكل فما من مراجعة كُتبت للرواية إلا ونوَّهت ببنيتها السردية المتطورة، وخروجها عن السرد الخطي والأنماط التقليدية، وجرأتها على مساحات جديدة من التجريب (يصرُّ بعضهم على إلصاق كل اجتهاد سردي بتيار ما بعد الحداثة!). ثم إننا حين نحمل الرواية بين أيدينا، ونتلمَّس قدَّها النحيف، نتساءل كيف استطاع الكاتب التقريب بين كل تلك المتباعدات، والتأليف بين الأجزاء المختلفة، فيتكوَّن في نفوسنا شعوران متناقضان؛ شعور بالاطمئنان يغري بالاسترخاء وقراءة الرواية بنصف اهتمام (فهي رواية قصيرة)، وشعور بالقلق يدعونا إلى أن نتسلَّح بالحذر ونشحذ الانتباه. ولكل من هذين الشعورين أسباب يمكن تلخيصها فيما يلي:

* العوامل المُطَمئنة:

– وجود اسم “إدمون عَمران المالح” في عنوان الرواية: وعَمران هذا شخصية حقيقية، ما يوحي بشيء من الألفة مع موضوع الرواية، وأنها لن تحدثنا حول أساطير متخيَّلة بل حول شخصية واقعية يمكن البحث عنها وقراءة سيرتها.

– الحجم الصغير للرواية: فهي “نوفيلَّا” من 95 صفحة تقريباً، وصغر حجم الرواية رسالة مطمئنة بأن بالإمكان التهامها في جلسة واحدة أو جلستين، ومن ثمَّ لن يصعب على القارئ الإحاطة بها والسيطرة على خيوطها.

– تطرُّقها لعوالم الكتابة والنشر والجوائز الأدبية: ويعرف كل قارئ أن هذه المواضيع هي من “ألذِّ” ما يمكن أن تتحدث عنه رواية، لأن الأمر يصير أشبه بجلسة صراحة بين القارئ والكاتب، أو حتى مكاشفة لأسرار “خطيرة” حول العوالم الغامضة للكتابة والنشر والجوائز.

* العوامل المقلقة:

– وجود لفظة “أحجية” في العنوان (ونلاحظ هنا أن العنوان نفسه يتضمن عوامل مطمئنة ومقلقة): الحديث عن أحجية حديثٌ عن لغز، قد يكون اللغز مرتبطاً بمضمون الرواية أو بتقنيات السرد، أو بهما معاً، لكن اللفظة عموماً تتضمن إنذاراً للقارئ مفاده: لا تنخدع بصغر حجم الرواية، فهنا أحجية ستتطلب منك تشغيل عقلك وإعمال ذكائك… انتبه جيداً ولا تنخدع بالمظاهر!

– رواية الفصل الواحد: حين نقلِّب أوراق الرواية تقليباً سريعاً قبل البدء في قراءتها، نلاحظ أنها كُتبت على شكل كتلة واحدة غير مقسمة لفصول وأجزاء (تماماً مثل رواية العمى لساراماغو أو العصفورية لغازي القصيبي). القارئ عموماً لا يحب هذا النوع من الكتابة، إذ يفضِّل تسهيل القراءة عليه عبر تقسيم الرواية إلى فصول قصيرة أو متوسطة، لكن الكاتب هنا يتعمد استفزاز القارئ، ويكلِّفه بهذه المهمة الشاقة.

– التبشير بصعوبة السرد: صارت لفظة “تقنيات السرد” مقلقة بحد ذاتها، بسبب نزوع الكتَّاب في هذه الأيام إلى تعقيدها والتلاعب بها، والخروج عن الأنماط الخطية الميسرة. لقد صرح الكاتب بذلك في أكثر من موضع، بل لقد ذكر في أحد تعليقاته بأنه “لم يتساهل مع القارئ”. إن كان واضحاً أن الكاتب في روايته هذه ناقم على واقع النشر والجوائز، ساخط على الأوضاع الأدبية وما تتخبط فيه من أوحال، فيبدو أيضاً أن القارئ لم يسلم من نقمته، وأن لدي الكاتب حساباً يصفِّيه معه عبر تعذيبه بسردٍ لا تساهل فيه ولا رحمة.

تتمازج هذا العوامل المُطَمئنة والمقلقة في نفس القارئ قبل أن يشرع في القراءة، يفتح الرواية فيجدها مستهَلَّة باقتباس: “ينبغي التيه ليتحقق الوصول”. تثير لفظة “التيه” في نفسه القلق وتثير فيها لفظة “الوصول” الاطمئنان. ينتقل إلى الصفحة الأولى فتصدمه العبارة الفظة التالية: “مرِّر رواية اليوم المقدس إلى القائمة القصيرة وستحصل فوراً على شيك بعشرين ألف فرنك”.

ابتزاز وقح منذ الصفحة الأولى بل منذ السطر الأول! أسلوب كهذا لا نكاد نجده إلا عند “خوسيه ساراماغو” المعروف بمباشَرته الفجة، وكأن الكاتب يريد أن يقول لنا: الرواية قصيرة والسرد معقد ولا وقت لدي لتدبيج المقدمات، لندخل في صلب الموضوع مباشرة، عندي هنا لُباب فقط فلا تبحث عن القشور.

وهكذا يجد القارئ نفسه في خضمِّ السرد دون تمهيد، وسيعرف طوال قراءته للرواية أن ثنائية (الاطمئنان والقلق) حاضرةٌ بقوة في كل تفاصيلها، وأن البندول المتأرجح بينهما لن يكف عن التمايل ذات اليمين وذات الشِّمال حتى صفحتها الأخيرة.

2- تداخل الجزء والكل: الأواني المستطرقة / دمية ماتريوشكا الروسية:

– تبدأ الرواية بغرفة بيضاء الجدران، وبذاكرة بيضاء ووعي فارغ كلياً… عاملٌ مُطَمئن يوحي بأننا سنبدأ من الصفر، وكأن الكاتب يضع أمامنا، أولاً، صفحة عذراء ناصعة لا تشوبها شائبة، قبل أن يبدأ باستعراض أحجيته فوق تلك الصفحة البريئة.

– ثمة تناقض واضح بين مفهوم “الأحجية” كما نعرفه، وبين أسلوب “الكتلة السردية الواحدة” الذي اعتمده الكاتب… جميع أنواع الأحاجي التي قد تخطر على بالنا تعتمد على تجميع الأجزاء المفككة: صورةٌ مقسمةٌ إلى قطع صغيرة، مجسمات ليدو… وحتى الألغاز الشائعة في الثقافة الشعبية ترتكز على سرد مفتَّت لقصص قصيرة بحيث يُطلب منا تجميع أشلاء المعطيات واكتشاف الروابط الخفية بينها. لكن روايتنا هذه جسم سردي واحد، هلام غامض متجانس عديم الشكل، فليست هناك -في الظاهر على الأقل- أجزاء مفككة يُطلب من القارئ تجميعها، فهي إذن “أحجية معكوسة” تتطلب تفكيك جزء واحد مجمَّع وليس تجميع أجزاء كثيرة مفككة.

– مع توالي الصفحات يبدأ بطل الرواية، الفاقد لذاكرته، بمحاولة التذكر عبر الكتابة، وعبر ما تثيره من تداعي الأفكار. وهكذا يبدأ البياض المطلق بالتلطخ بسواد الذكريات، ذكرى تتلوها ذكرى، ثم ذكرى تتفرع عنها ذكرى، ثم ذكرى تخرج من أحشائها ذكرى. سنعرف إذن أن ما بدا لنا في البداية هلاماً غامضاً متجانساً عديم الشكل هو ليس كذلك في الحقيقة، وأننا بالاقتراب من ذلك الجسم سيتضح لنا التبايُن بين أجزائه، وسيكون علينا أن أردنا السيطرة عليه أن نفرق بين تلك الأجزاء وأن نفكك أوصالها، أن نتحدى تلك الكتلة السردية الواحدة وأن نقسمها بأنفسنا إلى أجزاء وفصول. يشبه الأمر أن تكون الرواية مادة خاماً، كتلة عجين أدبية، بحيث يكون على القارئ أن يساهم في تشكيل صورتها النهائية في ذهنه أولاً، ثم لا بأس عليه إن استعان بالأقلام الملونة لتحديد اتجاهات السرد واستكناه الخطاطة الخفية لهندستها الأدبية.

– الكتلة الواحدة هي عماد اللعبة السردية في هذه الرواية، بحيث يكون التحدي المعلَن بين الكاتب والقارئ هو التقاط لحظات الانتقال السلس بين المواضيع والذكريات، نعود هنا إلى فكرة “البندول” الحاضر بقوة في هذه الرواية، والتي سعى الكاتب من خلالها إلى تنويم القارئ مغناطيسياً، وإلى التطويح به بين المواضيع دون أن ينتبه للحظة الانتقال. فكأني بالكاتب يقول للقارئ: “لا تحقرنَّ روايتي إذ تراها صغيرة الحجم، فإنها ستتطلب منك مجهوداً أكبر مما قد تتطلبه الروايات الطويلة، كما أني سأعرقل مسيرك فيها، ولن تجدها طريقاً معبَّدة من أولها إلى آخرها”. ونعم، سواء أصحَّ تخميني لهذا المعنى القائم في نفس الكاتب أم لا، إلا أنه نجح فعلاً في جعل روايته قصيرةً في حجمها طويلةً في قراءتها، فكأن الكاتب يقف وراءك يشدُّ ثيابك من الخلف، وكلما أحرزتَ تقدماً في القراءة وجدتَ نفسك مضطراً للعودة صفحات إلى الوراء بحثاً عن رأس خيط الموضوع السردي.

– العلاقة بين مواضيع الرواية ليست فقط علاقة تجاور وتتابع وتكامل، بل هي تداخلات معقدة مبنية على تأطيرات تراتبية لا تمتد أفقياً في الزمن إلا بقدر ما تمتد عُمقياً في الوعي والذاكرة. طيلة قراءتي للرواية كنت أحاول استحضار التشبيه الأقرب لبنيتها السردية، خطرت ببالي في البداية مجسَّمات الليدو، ثم الأواني المستطرقة، وأما التشبيه الأقوى حضوراً في ذهني، وإن لم يكن تشبيهاً دقيقاً جداً، هو دمية ماتريوشكا الروسية.

– بتطرقها لموضوع اليهود تدخل الرواية في حقل ألغام نشط، وهنا نجد أن الكاتب تجاوز في حديثه عن الشأن اليهودي، وعن التفريق بين اليهود والصهاينة، ذلك الأسلوب العربي المعتاد، المفعم بالعواطف والمليء بالشعارات الصارخة الرنانة، بل لقد التزم نبرة رصينة موضوعية وقد تبدو محايدة. تلك النبرة الهادئة هي التي مكنته من إضاءة الجانب الإنساني في شخصية إدمون عَمران المالح، اليهودي المعارض للحركة الصهيونية ولدولة إسرائيل المزعومة.

– حظيت الرواية بتحرير أدبي بالغ الجدية، وبتدقيق لغوي متميز جداً جعل قراءتي لها سلسة تماماً وخالية تقريباً من أية مطبات مزعجة. الرواية تكاد تخلو من الأخطاء اللغوية وأخطاء الطباعة اللهم إلا هفواتٍ يسيرةً تُعدُّ على أصابع اليد الواحدة.

– لم يفُت الكاتبَ، في لفتة ذكية وموفقة جداً، أن يهدم في نهاية روايته كلَّ ما بناه في صفحاتها، وأن يفاجئ القارئ بإثارة شكوك جدية حول كل ما قرأه، ثم ليعود به إلى نقطة البداية من جديد، لتتخذ الرواية بذلك شكلها النهائي الشبيه بالدائرة المفرغة، أو بتشبيه أدق: قوقعة الحلزون.

3- محمد سعيد احجيوج: صراع شرس بين الكاتب والناقد:

على خلاف روايته السابقة “كافكا في طنجة” التي كانت وليدة لحظة انفعالية تلتْ قراءته لرواية “التحول”، فإن روايته هذه تعبِّر عن مواضيع من صلب اهتمام الكاتب، إذ يمكن أن نلمس من متابعتنا له اهتمامه الواضح بالشأن اليهودي، وبهموم الكتابة والنشر والجوائز، لذلك فالمادة التاريخية والموضوعية متوفرة لدى الكاتب سلفاً، وتوفُّر المادة يولِّد الأفكار السردية، وهو ما يفسِّر قدرة الكاتب على إحكام عمله والإمساك بخيوطه رغم تعددها وتشعبها، ورغم أنها تبدو في الوهلة الأولى غير ذات علاقة (ما الرابط مثلاً بين جائزة أدبية وهجرة أو تهجير اليهود إلى دولتهم المزعومة؟). كما نلاحظ أيضاً أن بعض الهموم الأدبية للكاتب قد تسلَّلت إلى بطل روايته فعبَّر عنها على لسانه. وقد لا ينتبه لذلك إلا متابع للكاتب على مواقع التواصل الاجتماعي أو مطَّلع على سيرته الأدبية، وهي سيرة يغلب على كافة مراحلها طابعُ التردد والحيرة، وقلق أدبي حاد، وصعوبة شديدة في الإرضاء الذاتي. لذلك يتكرر كثيراً في تصريحات الكاتب أنه كتب رواية فأهملها لأنها لم تعجبه، أو كتب رواية فأعاد كتابتها من الصفر بأسلوب جديد، أو نشر رواية فندم على تسرعه في نشرها. وحتى لو تساءلنا عن “العمل الأول” للكاتب فربما لن نحصل منه على إجابة قاطعة، إذ سنجد عنده اختلافاً بين ترتيب الكتابة وترتيب النشر، وبين أعماله التي “يعترف بها” وأعماله التي يعتبرها ساقطة من سيرته الأدبية، غير مستحقة لأن تُنسب إليه… إلخ.

هذا التردد وهذه الحيرة، نجدهما في الرواية منذ صفحتها الأولى: “هل تصلح تلك المحادثة، ذلك التهديد المخفي والمتستر بالإغراء، بداية لتلقيح بياض هذه الصفحات؟ لا أعرف”. وتقريباً في كل حديث لبطل الرواية حول عملية الكتابة نجد ذلك التردد طافحاً بقوة، فارضاً نفسه، ويطابق تماماً ما يعبِّر الكاتب عنه في تصريحاته الأدبية.

إن ذلك التردد في الحقيقة ما هو إلا عرَض من الأعراض الدالة على سببه الجوهري، والمتمثل في الصراع القائم بين شخصيتين أدبيتين تسكنان الكاتب؛ شخصية الروائي وشخصية الناقد. يتصف الكاتب بأنه ناقد أدبي صارم، بل قاسٍ في بعض الأحيان، وهو أقسى ما يكون على نفسه، ومن المعروف في عالم الأدب أن من الصعب جداً أن يجتمع الأديب والناقد في إهاب واحد دون أن تشتعل بينهما حرب ضروس، ودون أن يعرقل أحدهما حركة الآخر ويحاول السيطرة عليه والاستيلاء على مساحته.

حين يحاول الناقد كتابة عمل أدبي فهو يكون مسكوناً بالقواعد النقدية، حبيساً في قوالبها، مستحضراً نصب عينيه ناقداً افتراضياً قاسياً لا يرحم، فهو إذن يسعى جاهداً للتغلب على ناقده المتخيَّل، وسدِّ الثغرات التي يُحتمل أن ينفذ منها للنيل من عمله، وغالباً ما ينتهي ذلك الصراع إلى أن يؤثر سلباً على النتيجة النهائية للعمل، لأن الكاتب بغلبة الهاجس النقدي عليه يخسر جزءاً وافراً من حريته الإبداعية، ومن ثمَّ يخسر العمل قسطاً من عفويته التي تقرِّبه من قلوب القراء مهما بلغت صوابيته النقدية. ولعل هذا ما يفسر حقيقة التناقض -في كثير من الأحيان- بين الاستقبالين الجماهيري والنقدي للأعمال الأدبية (والفنية عموماً).

لكن هذه الرواية، لحسن الحظ، نجتْ من هذا الصراع المرير، واستطاعت أن تشكل توازناً حقيقياً -هو الأفضل من نوعه حتى الآن في سيرة الكاتب- بين الروائي والناقد. والذي أنقذ الروايةَ -حسب رأيي الشخصي- من أن تتأثر بسلبيات ذلك الصراع هو نبوعها من صلب اهتمامات الكاتب الخاصة، ومن عمق تجاربه الوجدانية في الكتابة الأدبية. تلك الأصالة، وذلك النبوع من الأعماق، هو ما كسى الرواية بهالة تسامت بها فوق المدارس الأدبية والنقدية، رغم أنها لم تسلم، لو دققنا في أعماقها، من يد الناقد الذي يكتب واضعاً نصب عينيه هذه المدرسة الأدبية أو تلك (أعتبر هذا خللاً أدبياً وعكساً للأمور: وضع العربة أمام الحصان).

“أحجية إدمون عَمران المالح” تجربة سردية ناضجة، تتدفق ثراءً وإمتاعاً على مستوى الشكل والمضمون معاً، وقد تمنيتُ حقاً لو حظيت بمواكبة إعلامية لائقة بها، بوصفها عملاً روائياً مغربياً لافتاً، يجب ألا يمر مرَّ الكرام، لا سيما في ظل ما نراه من تمتع أعمال رديئة جداً، لا يستحق بعضها النشر أساساً، بضجة إعلامية هائلة غير مستحقة.

لكن قدَر الرواية فيما يبدو من قدَر الكاتب، والذي نعرفه عن الكاتب أنه عازف منفرد وطائر وحيد، لا يوجد حيث توجد الأضواء، ولا يتجانس مع سائر الجسم الأدبي المغربي فضلاً عن الطنجي، يعيش في قوقعته المنعزلة الخاصة، وله صِلات أدبية ممتدة في العالم العربي متجاوزة للحدود بين البلدان، ومتخلفة من الزمن الرقمي الجميل (المنتديات والمدونات). لذلك يبدو الكاتب في حضوره الأدبي مغرداً خارج السرب، يتفاعل مع أدباء ونقاد لا يكاد يعرفهم في المغرب أحد، ويقرأ ويراجع روايات لم يرها من قبل أحد، ولم تُرَ في مكتبة مغربية قط.

نعم ربما يتبع قدَر الرواية قدَر كاتبها فهي جزء من روحه في نهاية الأمر، لكني أحب أن أؤكد للكاتب أن روايته هذه ستكون علامة فارقة في مسيرته الأدبية، وسواء اعتبرها الكاتب عمله الأول أو الثاني، أو ما قبل الأول، فإن المؤكد أنه وضع لنفسه بها تحدياً صعباً فيما قد يكون، أو يجب أن يكون في المستقبل من أعمال قادمة بإذن الله.

أنس سعيد محمد

12/05/2021

انقطاعات الموت – خوسيه ساراماغو

27/04/2021 عند 14:11 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | تعليق واحد

رواية: انقطاعات الموت

تأليف: خوسيه ساراماغو

البلد: البرتغال 🇵🇹

ترجمة: صالح علماني

صدرت عام: 2005

.

=====

حين كتب ساراماغو روايته هذه كان في نحو الثالثة والثمانين من عمره، وهو سنٌّ يكون الإنسان فيه على حافة قبره. لا عجب إذن أن تستحوذ فكرة الموت على إنسان بلغ ذلك العمر، بوصفها حقيقة صلبة شديدة الدنو، لا يفصله عنها إلا حاجز زمني يسير يصير مستبعَداً أن يقاس بالسنوات بل بالأشهر والأسابيع والأيام.

ما منا إلا من يعي بالموت ويعرف يقيناً أنه ملاقيه، وأنَّ يوماً ما من أيام حياته سيكون الأخير، وأنه قد تتقدَّم ذلك اليومَ فترةُ مرض وألم لعلها تطول أو تقصر. نعم قد تذكِّرنا بالموتِ المواعظُ الدينية أو أخبار الوفاة التي لا يخلو يوم منها، لكننا دائماً نلوذ بذلك التغافل المتعمد، والتناسي المقصود، فنتمثل لا شعورياً فكرة “يحدث للآخرين فقط”، ونرمي بفكرة الموت إلى مستقبل زمني بعيد غير محدد، ونواصل حياتنا مغترين بعنفوان الشباب ووفرة الصحة وامتداد الآمال.

بيد أن الإنسان، حين يبلغ عمراً معيناً، يكون في مواجهة صريحة مع الحقيقة القاسية، فلا يعود ثمة مجال للتغافل ولا للتناسي، ولا يبقى هنالك مستقبل زمني يمكن أن يقذف نحوه بفكرة الموت، بل يواجه الإنسان نفسه بأنه يستدبر من عمره أكثر مما يستقبل، وأن ذلك الموت الذي فرَّ منه فإنه ملاقيه عن قريب. كيف يا ترى تكون حالة الإنسان الشعورية في ذلك المقام؟ هذا سؤال يستحيل على الشاب، أو حتى الكهل، أن يعرف جوابه على وجه اليقين إلا على سبيل الاستئناس الأدبي والتصورات النظرية، وأما حقيقة الشعور فسيكون عليه أن يُردَّ إلى أرذل العمر كي يعرفها ويجربها، ذلك أن من المستحيل على الإنسان أن يتمثل حقيقة الحالة الشعورية لعمر معين إلا إن بلغ ذلك العمر وجربها بنفسه.

خوسيه ساراماغو، وحين بلغ السن المنذرة بالفناء، حاول التصالح مع الموت الذي أمسى قاب قوسين منه أو أدنى، فوضع روايته البديعة هذه التي افترض فيها حدثاً مستحيلاً في الواقع هو “انقطاع الموت”، ثم رتب على الحدث المفترَض تداعياته المنطقية المتخيَّلة على عدة مستويات ممكنة متعلقة بالاجتماع الإنساني.

يقوم افتراض ساراماغو على العناصر التالية:

– في زمن غير محدد في بلد غير محدد ذي نظام ملكي، ينتبه الناس إلى أن أحداً لم يمت منذ بداية العام الجديد.

– انقطاع الموت يشمل البشر وحدهم، أما الحيوانات فتموت كالمعتاد.

– انقطاع الموت لم يشمل الأرض قاطبة، بل ذلك البلد المعين وحده.

– انقطاع الموت لم يسبب ثباتاً في الأعمار، بل يستمر الناس في التقدم نحو شيخوختهم.

بإزاء هذا النظام الكوني الجديد، استخفَّت الناسَ في البداية فرحةٌ عارمةٌ بسبب تخلصهم، إلى الأبد، من ذلك الكابوس المرعب الذي أقضَّ مضجع البشرية منذ نشأتها. لكن الاحتفالات لم تدم طويلاً؛ إذ سرعان ما طفت على السطح تداعيات وخيمة لم تكن لتخطر على البال، ما دفع بالبشرية إلى إعادة التفكير في ذلك الخلود المشتهى، والذي أمسى، بعد أن ظهرت آثاره، لعنة عظيمة لم يصِب البشرية مثلُها منذ فجر التاريخ.

لم يمض إلا قليل من الوقت على انقطاع الموت حتى انهارت قطاعات حيوية أنذر انهيارها بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية مرعبة، وهو ما دفع بالبلد إلى إعادة ترتيب شؤونه ترتيباً جذرياً، ليتبين لاحقاً أن كل الجهود المبذولة كانت جهوداً يائسة لا تبلغ أن تحتوي الكارثة وتسيطر عليها. وإليكم ما تخيله الكاتب من تلك التداعيات الكارثية لانقطاع الموت:

– تستمد الدولة سلطتها من سلطة الكنيسة، وتستمد الكنيسة سلطتها من فكرة المَعاد (البعث بعد الموت)، والعدالة الإلهية، والجزاء الأخروي. بانقطاع الموت لا تعود ثمة آخرة، فلا يعود لوجود الإله أي معنى، ومن ثمَّ ينهار النظام الكنسي من أساسه وبانهياره تنهار سلطة الدولة.

– فكرة الخلود في الحياة الدنيا تغيِّر في الإنسان مفهوم الخوف، وهو تغيُّر سينعكس ولا بد على علاقته بالسلطة الحاكمة، والتي ستفقد جزءاً كبيراً من سطوتها المستمدة من زرع الخوف من الموت.

– انهار قطاع دفن الموتى، وأفلست الوكالات المكلفة بعمليات الدفن، فكان لانهيار هذا القطاع الحيوي آثار اجتماعية وخيمة. استطاع قطاع الدفن أن يتدارك المأساة -جزئياً- بأن فرض رسوماً على دفن الحيوانات الميتة.

– انهار جزء كبير من قطاع التأمين، إذ لن يعود ثمة معنى للتأمين على الحياة. وبالفعل فقد ثار الناس على شركات التأمين وطالبوا باستعادة أموالهم، لكن نظام التأمين تدارك الكارثة بذكاء حين اعتبر بلوغ سن الثمانين موتاً افتراضياً، لتتجدد العقود تلقائياً إلى ثمانين سنة أخرى وهكذا إلى الأبد.

– انتهى الموت لكن لم ينته المرض. اختل نظام المستشفيات القائم على دخول الناس مرضى وخروجهم أصحاء أو موتى. بانقطاع الموت انغلقت الدارة فلم يعد هناك خروج من المستشفيات، بل دخول فقط، وهو ما سبب اكتظاظاً كارثياً دفع الحكومة إلى ابتداع نظام جديد للإيواء اسمه “بيوت الأفول السعيد”، وهي منازل ينفى إليها الشيوخ والزمنى والميؤوس من شفائهم.

– انقطاع الموت مع استمرار التقدم في العمر سيسبب صعوداً صاروخياً للشيخوخة والعجز؛ سينقلب هرم الأعمار انقلاباً مأساوياً، وسيصير المجتمع مكوناً من عدد هائل متزايد من الشيوخ العاجزين، والذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة. تلك الرعاية المستمرة تتطلب تفرغاً من أيادي شابة تتناقص باستمرار وتُستنزف جهودُها، وهو ما ينذر على المدى الطويل بكارثة يصعب تصورها.

اعتمد الكاتب في عرضه لهذه التصورات على أسلوبه المعتاد، والفريد من نوعه، والذي يقوم على فقرات طويلة تمزج بين السرد والتأمل الفلسفي والحوار دون أي فاصل بينها، اللهم إلا علامةَ ترقيمٍ يتيمةً هي الفاصلةُ المسكينة. لقد تعرفتُ على هذا الأسلوب المتفرد للكاتب في روايته “العمى”، ثم إنه في روايته هذه “انقطاعات الموت” كان أكثر تجريداً وابتعاداً عن التفاصيل والأوصاف الشكلية، بحيث يمنح القارئ نظرة علوية بانورامية شاملة (عين الطائر)، ويحلِّق به، بسلاسة تامة، بين الأحداث والأشخاص والأماكن، حتى ليحسَّ الواحد بأنه استحال شبحاً مهوِّماً في فضاء المدينة المنكوبة بلعنة الخلود؛ يتنقَّل بنفس السهولة بين مخدع الملكة في القصر الملكي والأزقة والشوارع، بين اجتماعات الوزراء وبيوت الأفول السعيد، ثم يستمع إلى المكالمات الهاتفية بين الوزير والأسقف، أو بين الوزير وأعضاء المافيا… إلخ. وليس عبثاً أني استعملتُ هنا فعل الاستماع، إذ هو في الواقع الفعلُ الأكثر تعبيراً عن تجربة قراءة هذه الرواية؛ فمع التجريد الشديد للأسلوب، وانعدام أسماء الشخصيات، بل وانعدام عامل الوصف بشكل كلي تقريباً، تحولت الرواية إلى شيء أشبه بهلوسات الأحلام أو بشريط صوتي مستمر (ربما أسميها “الرواية الصوتية”). هي روايةٌ تُسمع أكثر مما تُقرأ، تنبعث من سطورها وفقراتها أصوات حوارية متداخلة تكاد تكون مجهولة المصدر، ولا يتدخل الكاتب للانتقال من مكان إلى آخر، أو من متكلم إلى آخر إلا في أضيق الحدود.

أذكر هنا أن الكاتب خرج عن أسلوبه “الصوتي” مرة واحدة فقط في النصف الأول من الرواية، حين روى لنا -بالطريقة السردية المعتادة- كيف تجرأت أسرة ما على نقل مريضين منها إلى خارج حدود البلدة ليموتا هناك. ولم يفت الكاتبَ أن “يعتذر” من القارئ على حكايته للواقعة بأسلوب سردي “ولَّى زمانه”، لكن الحادثة كانت من الأهمية بحيث استحقت أن يُكسى سردُها بتفاصيل كافية، ذلك لأنها فتحت الباب لتقدُّم نوعي في القصة، بعد أن شاع في الناس تكيُّف أخلاقي جديد سمحوا لأنفسهم بموجبه أن ينقلوا مرضاهم إلى خارج حدود البلدة ليموتوا هناك. عارضت الحكومة بشدة هذه النزعات الجديدة، فيما انبثقت من الشعب منظمة سمَّت نفسها “المافيا Maphia”، وكرَّست نفسها لتقديم خدمات الموت للراغبين في ذلك، وهو ما خلق أزمات حادة جديدة بين الحكومة والمافيا، ناهيك عن البلد المجاور الذي اعترض على انتهاك أرضه، فضلاً عن رغبة أناس أجانب طامعين في الخلود في الهجرة إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم من الموت.

لا نستطيع، وسط أمواج الافتراضات المتلاطمة هذه، أن نفلت من أسئلة منطقية بريئة تطرح نفسها، وربما تسوِّل لنا حماقتنا أن ننتظر من ساراماغو تبريراً منطقياً مقنعاً. مثلاً: ماذا لو قُطع رأس إنسان ما داخل البلدة؟ كيف سيستمر في العيش مقطوع الرأس؟ انتظرتُ -ويا لحماقتي- أن يعرض ساراماغو لاحتمال كهذا، لكن كلُّ ما فعله كاتبنا العتيد أن طرح تساؤلاً “طبياً” مشروعاً حول إمكانية استمرار الحياة في إنسان مبقور البطن تتدلى أحشاؤه خارج جوفه! هذا هو التنازل الوحيد الذي قدَّمه ساراماغو ليعترف بما قد يكون في خياله من تناقض، ولأن ساراماغو هو آخر كاتب يمكن أن يُحاسَب على تناقضاته فليس على القارئ المسكين إلا أن يخرس، وأن يواصل القراءة متذكراً دائماً أن الكاتب هو ساراماغو، وأن ساراماغو يقول ما يشاء متعالياً عن كل تعقيب، متسامياً عن كل نقد.

في خضم هذه الرؤى البانورامية القائمة على افتراض تداعيات منطقية متخيَّلة، تظهر قُبيل منتصف الرواية شخصية “موت”، في انتقال مفاجئ وصادم من الخيال العقلاني إلى الفانتازيا الصريحة. يتضح لنا فجأة أن انقطاع الموت كان نتيجة رغبة مزاجية من شخصية شبحية عاقلة هي “موت”، أو المعادل الروائي لقابض الأرواح في المعتقدات الدينية، وأن “موت” (وهي شخصية أنثى باعتبار أن لفظ morte مؤنث) قد وقعت في الحيرة والتخبط، وأنها تراجعت فجأة عن قرارها بكفِّ منجلها عن حصد الأرواح، ثم قامت بتعديل القرار بحيث صارت تُعلم برسالة بنفسجية كلَّ من بقي في عمره المقدَّر أسبوعٌ واحد.

هنا ننتقل إلى النصف الثاني من الرواية، والذي يختلف اختلافاً جذرياً عن نصفها الأول حتى لكأنه رواية مستقلة. انتقل الكاتب من “الماكرو سرد” إلى “الميكرو سرد” (أتجرأ كعادتي على سكِّ اصطلاحاتي النقدية الخاصة)، أعني من الرؤية الشاملة والتحليق الشبحي الحر في أجواء المدينة إلى قصة جزئية حول علاقة غريبة بين “موت” وعازف كمان بشري.

يتضح لنا في النصف الثاني من الرواية أن “موت” شخصية مزاجية متقلبة، وأنه يجوز عليها السهو والخطأ، وأنها خاضعة لسلطة مجهولة أعلى منها، مستكنةٍ في تعاليها الصامت، وأنها كذلك عرضة لانفعالات نفسية تذكِّرنا بنواقصنا البشرية. لقد انحدر الكاتب في نصف الرواية الثاني (ويا لها وقاحةً مني أن أستعمل هذا الفعل في حضرة ساراماغو) إلى أسلوب السرد المعتاد ذاك الذي “ولَّى زمانه”، فروى لنا كيف أن خللاً حدث في إرسال الرسائل البنفسجية نتج عنه عودة إحدى تلك الرسائل، وبتتبع الخيوط تعلم “موت” أن عودة الرسالة ناتجة عن “خطأ إداري” يصعب تداركه، ما اضطرها إلى التنازل عن كبريائها الأزلي، والذهاب بنفسها لتسليم رسالة الموت إلى مستحقها (يذكِّرنا هذا بأجواء مسلسل الأنيمي “مذكرة الموت Death Note”).

تتخذ “موت” جسداً بشرياً أنثوياً فاتناً (فهي قادرة على التشكل)، وتنشأ علاقة معقدة شديدة الغرابة بينها وبين عازف الكمان. ثمة ما يشير إلى أن رابطة رومانسية أو شبه رومانسية قد نشأت بينهما، لتنتهي الرواية بمشهد ملغز قد يُفهم منه أن “موت” ماتت في نهاية المطاف، وهكذا خُتمت الرواية بنفس العبارة التي افتُتحت بها: “في اليوم التالي لم يمت أحد”، وهي عبارةٌ وإن بدت مرحة متفائلة في مطلع الرواية، فإنها تحولت في ختامها إلى واحدة من أشد النهايات الروائية رعباً ومأساوية على الإطلاق.

إن كان انقطاع الموت في بداية الرواية ناتجاً عن سلوك مزاجي متعمَّد من شخصية “موت”، فإن انقطاعه في النهاية ناتج عن فناء الموت نفسه، حيث نواجه، في رعب شديد، حقيقة أنْ لا أحد بعد الآن سيقبض أرواح البشر، ومن ثمَّ سيكون على البشرية أن تواجه مصيراً تعجز العقول مهما تشاءمت أن تتصور مدى سوداويته.

هي إذن روايةٌ في مديح الموت، كأن كاتبها يفتح ذراعيه له مرحِّباً به، متصالحاً معه ومعتذراً منه عن سوء ظنه به، وواجداً فيه خلاصاً شخصياً هو في حقيقته خلاص للبشرية جمعاء.

هي رواية ستظلُّ صامتاً مجمَّد الحواس مشلول التفكير للحظات بعد قراءة سطرها الأخير، وستنتابك هواجس شتى وسيدبُّ في أعماق نفسك خوفٌ غامض، ثم ستتذكر أن كل ما قرأتَه خيالٌ محضٌ مستحيل التحقق، حينئذ ستتنهَّد بارتياح وتقول في نفسك: حمداً لله على نعمة الموت!

أنس سعيد محمد

27/04/2021

أشياء غير مكتملة – محمد بدازي

20/04/2021 عند 16:39 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: أشياء غير مكتملة

لمؤلفها: محمد بدازي

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

* مقدمةحول دلالة العنوان:

أشياء غير مكتملة…

ما الذي يوحي به هذا العنوان يا ترى؟ وأي أفق انتظار يكشفه أمام القارئ؟

لعل الذين اطَّلعوا على المناظرة الشهيرة في كتاب “الحيدة والاعتذار” يذكرون إلى أي حدٍّ يمكن أن يتسع مدلول لفظة “شيء”، كما أن “عدم الاكتمال” هو صفة لازمة حرفياً لكل “شيء” كائناً ما كان، ومن ثمَّ فعنوان الرواية هو من أكثر العناوين اتساعاً على الإطلاق، وهو باتساعه يدلُّ على “كل شيء” بنفس القدر الذي لا يدلُّ فيه على “أي شيء” بتاتاً.

لا نستطيع إذن، بإزاء هذا العنوان الواسع في دلالته إلى حدِّ انعدام الدلالة، أن نكوِّن أي تصور حول محتوى الرواية، لذلك ننتقل إلى غلافها الخلفي علَّنا نجد معْلماً نستأنس به، وبالفعل نجد هذه الفقرة التي أنقلها لكم بحرفها:

“إن نصَّ الرواية هذا، هو بكيفية ما، شهادةٌ على مرحلة من وجودنا، أو وعينا، تخلَّينا فيها عن كل ما هو روحي. ونقصد بالروحي هنا: الدين، التأمل، التدبر، الموسيقى الروحية، الطقوس، العائلة… وحصرنا حياتنا فقط فيما هو مادي ميكانيكي، فكانت النتيجة أن أصبحنا آلات ميكانيكية خاويةً من مشاعر الحب والحنان والامتنان والأمان”.

هذه الفقرة التي تكاد تكون وعظية مباشرة، وعلى النقيض تماماً من عنوان الرواية، تكشف لنا عن “كل شيء”، وتضعنا رأساً أمام خلاصة الرواية وعصارة فحواها. هي إذن رواية حول صراع المادة والروح، حول مأساة الإنسان حين يتخلى عن الجانب الروحي ليجد نفسه وحيداً في عراء العالم المادي المجرَّد من المشاعر. قد تبدو هذه الفكرة (أعني صراع المادة والروح) مبتذلة للقارئ المتعجل، لكنها في الحقيقة من أكثر الأفكار المرتبطة بوجودنا الإنساني عمقاً، بل لعلها الإطار الشامل لكل الحالات الإنسانية بما تتضمنه من الأفكار والمشاعر والمواقف.

* بين الكاتب والسارد: هل كل رواية هي سيرة ذاتية؟ 

شاعت في أوساط الكتاب الروائيين مقولة تفيد الفصل التام بين المؤلف والسارد، وتطرَّف بعضهم في ذلك حتى جعلوا أي مقاربة بينهما خطأً نقدياً فادحاً ودليلاً على سطحية القراءة. وأنا أعتقد أن فكرة الفصل بين المؤلف والسارد هي نوع من التواطؤ الخفيِّ بين الكتَّاب، وشكل من أشكال التعاقد غير المكتوب الذي يتيح لهم حرية مطلقة في الكتابة، دون أن يتعرضوا لمخاطر الشخصنة والتأويل والافتضاح وكل ما من شأنه أن يمسَّ بكرامتهم.

لا! بل كلُّ رواية هي سيرة ذاتية بشكل من الأشكال، لكن ينبغي هنا أن نميز بين ثلاثة مستويات من التأويل مرتبطةٍ بالاختيار الروائي نفسه:

– المستوى الأول: الرواية الموضوعية. وهي الرواية التي يتناول فيها المؤلف قضايا مستقلة عن ذاته وتفاصيل حياته الخاصة، ويعرضها في الغالب بضمير الغائب. الحديث هنا حول الروايات التاريخية مثلاً، أو التي تتناول موضوعاً محدد الإطار (قضية سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك). هنا لا نكاد نجد أثراً لشخص المؤلف الذي يأخذ دور الراوي العليم المحايد (أو الذي يبدو محايداً)، ومن ثمَّ قد يبدو من السخف اعتبار هذا النوع من الروايات “سيرة ذاتية”. لكن حين نتأمل الأمر، نجد أن ملامح السيرة الذاتية حاضرة حتى في هذا النوع من الروايات، وتتمثل ابتداءً في اختيار الموضوع الروائي، ثم طريقة معالجته والجهود البحثية المبذولة، ثم المصائر التي اختارها الكاتب لشخوصه والتي تُستشفُّ منها مواقفه ورؤاه. الروائي لا يختار مواضيع رواياته عبثاً، بل إنها تعبِّر عن حقول اهتمامه، وأسلوبُ معالجته لها يعبر عن قدراته الأدبية، ومصائرُ الشخوص تعبِّر ولو بشكل موارب عن مواقفه من القضايا المعالَجة، وبالتالي فإن الرواية الموضوعية، ومهما بدت محايدة، فهي بشكل ما جزء من السيرة الذاتية لمؤلفها.

– المستوى الثاني: السيرة الذاتية الكلية. وأعني هنا السيرة الذاتية الصريحة التي يُعلن عنها في غلاف الرواية. ربما لا حاجة للحديث عن هذا المستوى لأنه يعبِّر عن نفسه، كما أن سؤال (هل هذه سيرة ذاتية؟) لا يعود مطروحاً هنا بقدر ما تنطرح أسئلة أخرى حول مصداقية الأحداث المروية، وهذا موضوع آخر مستقل.

– المستوى الثالث: السيرة الذاتية الجزئية. وهي الرواية التي لا يعلن كاتبها أنها سيرة ذاتية، بل قد يعلن عكس ذلك لائذاً بالمقولة سالفة الذكر (العقد غير المكتوب بين الروائيين)، لكن القارئ يستشفُّ جوانب السيرة الذاتية عبر قرائن مساعدة، وعبر المطابقة بين بعض ما يقرؤه في الرواية (والتي تكون غالباً بضمير المتكلم) وبين ما يعرفه عن الكاتب سواء من خلال علاقته الشخصية به أو من خلال ما ينثره في حساباته الرقمية من المعالم الدالة على شخصيته وتوجهاته وميادين اهتمامه.

لا شك عندي أن رواية “أشياء غير مكتملة” تنتمي إلى المستوى الثالث، وهو مستوى يصعب التعامل معه لصعوبة التفريق فيه بين الواقع والخيال، ولعدم جدوى ذلك فيما يخصُّ نسبة الأحداث إلى الكاتب ما دمنا نتعامل مع نص أدبي وليس مع حقائق توثيقية. الكاتب في هذا المستوى قد يلجأ إلى تأليف أحداث خيالية تماماً، لكن تلك الأحداث الخيالية تعبر عن “سيرته الذاتية” بنفس القدر الذي تعبر عنها الأحداث الحقيقية، وتفسيرُ ذلك أن الأحداث الخيالية ما هي إلا تعبير عن أمنيات أو مخاوف دفينة، وعن رؤى وأفكار مستخرجة من العقل الباطن للكاتب، ومن ثمَّ فهي تشير، أيضاً، إلى “سيرته الذاتية” وإن بشكل غير مباشر.

خلاصة القول، وحتى أتخذ موقفاً وسطاً بين من يجحد أية رابطة بين المؤلف والسارد، وبين من يتطرف في نسبة كل حدث في رواية إلى المؤلف، فإني أقول بأن روايات “المستوى الثالث” هي سيرٌ ذاتية فكرية وشعورية، لا مفرَّ للكاتب من اعتبارها على هذا النحو، وأما مصداقية الأحداث الواردة فيها فهي لا تعني القارئ في شيء، ويجب أن يُنظر إليها على أنها نصوص أدبية فحسب دون أي تفتيش إضافي، ولا أدلَّ على ذلك من أن السارد في هذه الرواية، ومهما بلغ تطابقه الظاهر مع المؤلف، قد انتحر في نهايتها، فيما المؤلف لا يزال بيننا حياً يُرزق.

* رؤية عامة للرواية:

لم أكد أتمُّ قراءة الفصول الأولى من الرواية حتى وقع في ذهني أن الدافع لكتابتها لم يكن روائياً بالدرجة الأولى، بل هي محاولة تنفيس وانعتاق، إرادة بوح وسعيٌ للتخلُّص من عذابات نفسية ممضَّة. رغبة شديدة في الصراخ والتعبير عن الذات، بل والبحث عن أذن مصغية متفهمة.

رسالة استغاثة؟ لا أنكر أني استشعرتُ ذلك في بعض المقاطع، وعلى العموم فقد بدا لي واضحاً أن الجانب القصصي لم يكن مربط الفرس في الرواية، بل جانبُ البوح والتعبير عن التجربة الفكرية والذاتية، وهو ما لم يفتأ يعبِّر الكاتب عنه في جلِّ الاقتباسات التي صدَّر بها فصول روايته، إذ كان معظمها يدور حول فكرة واحدة هي الدافع إلى الكتابة وعلاقتها بالآلام النفسية التي تنخر في أعماق الكاتب.

استرسل الكاتب في مطالع روايته في سرد خواطره النفسية على حساب الأحداث القصصية، وهي هفوة روائية معروفة إذ يُفضَّل البدء بالأحداث وتأجيل الخواطر إلى وقت لاحق، لكن الكاتب كان مسكوناً برغبة بوح عنيفة جعلت عنصر “القصة” في روايته مجرد عنصر ثانوي مساعد، وليس عنصراً رئيسياً يقوم منها مقام الهيكل العظمي.

وأما القصة في ذاتها، فهي قصة “الروبيو” الذي وقع فرسية أسئلة وجودية محيرة تحولت إلى قلق فلسفي أفقده إيمانه، فارتمى في أحضان الملذات الحسية حتى أُتخم بها، وكما هي العادة في أمثال هذه القصص فإن الخواء الروحي القاتل هو ما ينتظر بطلها في النهاية، حينئذ نكون على موعد مع العدمية والعبثية والاكتئاب الحاد والجريمة والانتحار، وهو ما عبَّر عنه الكاتب ببراعة في الصفحة 176 حيث قال:

“أصبحت أميل إلى كل ما من شأنه أن يدمِّر الروح والجسد ويفتك بهما. سهر، خمر، حشيش… بتُّ أنسى كثيراً، أغضب بلا سبب وأفرح بدونه، أُسقط -دون قصد- ما يوجد في يدي سواء كان ماعوناً أو حاسوباً أو هاتفاً أو قلماً أو سيجارة”.

ذكَّرني هذا المقطع بفكرة “إرادة الموت” أو “الانتحار السلبي” التي عبَّر عنها أحمد خالد توفيق في إحدى رواياته؛ المنتحر السلبي لا يقدم على قتل نفسه (بسبب الوازع الديني أو نقص الجرأة)، لكنه يتوقف عن المبالاة بحياته، لا يهمه أن يصحَّ أو يمرض، وإذا مرض لا يهمه أن يشفى أو أن يدوم مرضه. لا يأخذ دواءً ولا يبذل جهداً للشفاء، بل يتمنى أن يكون مرضه ذاك آخر عهده بالحياة.

هاروكي موراكامي تطرق لهذه الحالة الدقيقة في أواخر الكتاب الثاني من ثلاثية 1Q84، حين قال على لسان “تنغو” متحدثاً عن أبيه: “هذا الرجل يحاول أن يموت”، وما كانت “محاولة الموت” تلك إلا استغراقاً في نوم متواصل جعل المؤشرات الحيوية لجسده تتراجع دون سبب عضوي واضح، وقد شبَّه الكاتب هذه الحالة بالقطار الذي تتباطأ سرعته تدريجياً تمهيداً لتوقفه النهائي.

كان المؤلف واعياً بالحساسية الشديدة لموضوع روايته، لارتباطه بالمقدس الديني الذي زهد فيه بطلها بعد أن أضاع إيمانه، ولتطرقه لطابوهات حساسة من قبيل الشك والإلحاد والانتحار، وكذا للحضور الجنسي الكثيف بشكل مبالغ فيه أحياناً. لذلك نلمس في بعض جوانب الرواية ما يكاد يشبه “محاولات الاختباء”، وأعني هنا -مثلاً- الفقرة التي تقدَّم نقلها والموجودة في ظهر الغلاف، وهي فقرة استطاعت بكلمة واحدة فقط هي “الدين” أن تنقل الرواية إلى تصنيف مختلف تماماً، لتصير أشبه ما تكون برواية وعظية تحذِّر القارئ من عاقبة الانسياق وراء المادة على حساب الروح. وهناك كذلك ما أسماه الكاتب “روايته المزعومة”، وهي رواية داخل الرواية يؤلفها السارد “الروبيو” وليس الكاتب “محمد بدازي”، فلكأني بالكاتب أراد أن يضيع القارئ في طبقات من السرد بعضها فوق بعض، حتى يخلق بينه وبين بوحه مسافة مضاعَفة (نستحضر هنا الأحلام التي نستيقظ منها لنجد أن استيقاظنا جزءٌ من حلم آخر).

* الحضور الجنسي في الرواية:

لا نستطيع أن نخطئ التأثر الواضح للكاتب بأسلوب محمد شكري في جوانب عديدة، وهناك كتَّاب آخرون صرَّح الكاتب بتأثره بهم لكني لم أقرأ لهم (محمد برادة مثلاً). الفجاجة الجنسية (على الطريقة الشكرية) كانت حاضرة بقوة في الرواية إضافة إلى عوامل تشابه أخرى كدخول السجن الذي يصير محفزاً لتقدُّمٍ إبداعيٍّ ما (تعلم القراءة والكتابة عند شكري، وتأليف “الرواية المزعومة” عند السارد). لكن من الخطأ أن نحصر الوجود الجنسي في الرواية بتأثر الكاتب بعوالم محمد شكري، ذلك أن الإباحية في الأدب الروائي تنقسم إلى نوعين رئيسيين: النوع الأول هو الإباحية الفجة، الشوارعية، القذرة، المجردة تماماً من أي حسٍّ أخلاقي أو شعور إنساني. والنوع الثاني هو الإباحية الرومانسية، العاطفية، والتي تسبغ على الفعل الجنسي الموصوف سماتٍ جماليةً وشاعرية.

محمد شكري تخصص فقط في النوع الأول، وهو نوع لا يستهدف أية إثارة للغرائز بقدر ما هو استعراض لقوة البذاءة على طريقة مراهقي الشوارع (الأقوى هو الأشدُّ بذاءة والأجرأ على استخدام أحطِّ الألفاظ). وأما كاتب روايتنا هذه فقد اعتمد النوعين معاً، وبشكلٍ جعل الحضور الجنسي في روايته يبدو متناقضاً جداً، فأحياناً نقرأ أوصافاً شوارعية فظة شديدة الفجاجة، ثم نقرأ بعد قليل أوصافاً شاعرية متأنية تُشعرنا بأن الكاتب كان يتلذذ بنثر الأوصاف الجنسية ربما بقدر التذاذه بممارسة جنسية حقيقية.

هذا التعمد الواضح في إقحام الجنس، وبشكل مفرط أحياناً، لم يخدم الرواية بقدر ما أساء إليها، وذلك لما يوحي به من معاني “الأدب التجاري” و”المراهقة الأدبية” وحتى الرغبة في استعراض الجرأة والبراءة من تهمة “الأدب الملتزم”.

الجنس موضوع إنساني حيوي متعلق بقضايا نفسية واجتماعية كثيرة، ويصلح دون شك للمعالجة الروائية، لكن المعالجة الروائية السليمة له هي التي تضعه في موضعه الطبيعي تماماً دون إنكار لوجوده من جهة، ودون مبالغة في الاستعراض المسفِّ من جهة أخرى.

* اللغة والأسلوب:

ليس هناك كثير مما يقال حول جانب اللغة في الرواية، سوى أن الكاتب يتمتع بأدوات لغوية كافية أسعفته لأداء معانيه. كانت تجربة قراءتي من الناحية اللغوية تجربة سلسة منسابة، وإن لم تخلُ من مطبَّات من الأخطاء اللغوية. وأشير هنا إلى مسألة طريفة متعلقة بشكل الكلمات؛ فقد اعتنى الكاتب، مشكوراً، بإضافة حركات الشكل إلى عدد كبير من الكلمات، ليس لأغراض زخرفية لكل لغرض الإبانة. الطريف أن كثيراً من حركات الشكل كانت خاطئة، وأن تلك الكلمات لو أبقاها الكاتب دون شكل لظلت صحيحة، وبذلك أسهمت مبادرته للشكل في زيادة عدد الأخطاء اللغوية في روايته، وهو أمر كان بوسعه أن يتجنبه لو بحث عن الشكل الصحيح أكثر، أو لو تركها على أصلها غير مشكولة.

* خاتمةلا سن محدداً للسيرة الذاتية:

على خلاف ما يصرح به كثير من “الديناصورات الأدبية”، فإن أدب السيرة الذاتية متاح لكل الأعمار، بل أجازف بالقول بأنه مطلوب في كل المراحل العمرية، ولاعتبارات أدبية كثيرة أبرزها أن الإنسان يكون أقدر على التعبير عن حالاته الشعورية حين يكون في إبانها، أو حديث العهد بها على الأقل، وأنه لو انتظر حتى بلوغه سن الشيخوخة، وحتى لو راكم من الإنجازات ما يتيح له الكتابة عن نفسه، فإن سيرته الذاتية حينئذ ستتخذ شكلاً موضوعياً تقريرياً بارداً، وستقع في فخ البلاغات الإنشائية التي كثيراً ما تخدش عفوية الوصف وصدقه. ولعل هذا ما يفسِّر تلك الهالة الغامضة التي تحيط بالكتابات العفوية، بل وحتى بكتابات الأطفال حين يعبِّرون عن ذواتهم، وهي هالة غالباً ما تُفقد في كتابات “الكبار” الذين جفَّفت الحياة منابعهم الشعورية، وتخلَّل وجدانَهم النسيانُ الذي يمسي حائلاً بينهم وبين ذواتهم القديمة.

كانت رواية “أشياء غير مكتملة” كما وصفها كاتبها: شهادةً على مرحلة من وجودنا تخلَّينا فيها عن كل ما هو روحي، وحصرنا حياتنا فقط فيما هو مادي ميكانيكي، فكانت النتيجة أن أصبحنا آلات ميكانيكية خاوية من مشاعر الحب والحنان والامتنان والأمان.

وليغفر لي الكاتب “إمساكي” بهذا المقطع الذي ذُيِّل به غلافُ الرواية، لكن ذلك لما رأيته فيه من خيط أملٍ في العودة إلى الفطرة الأولى، ومن حنينٍ إلى الأصل الإنساني المعتدل في توازنه بين المادة والروح، ومن كون الرواية في مجموع أفكارها عملاً أدبياً في ذمِّ الفلسفة.

أنس سعيد محمد

20/04/2021

مغالطات لغوية – عادل مصطفى

30/03/2021 عند 18:10 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: مغالطات لغوية

لمؤلفه: عادل مصطفى

البلد: مصر 🇪🇬

صدر عام: 2016

.

=====

لم أتردد لحظةً في قراءة هذا الكتاب فور أن علمتُ بوجوده، كيف لا وقراءتي لكتابه “المغالطات المنطقية” كانت من أفضل تجاربي القرائية وأكثرها إمتاعاً وإفادة؟ ليس على المستوى العلمي فقط بل حتى على المستوى الأدبي.

“مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة”… عنوان موحٍ بوجود مشكلة لغوية ما، وأسئلة تحتاج إلى إجابات، وأشياء في النفس قد يُحجم عن ذكرها اللسان، وقلقٍ لغوي يرخي بظلاله على حلمات التذوق للعربية وأسلوب الكتابة بها.

كيف نقرأ ما كُتب بالعربية؟ وبأي أسلوبٍ نكتب العربية؟

هل نكون أفضل خدمةً للعربية لو مِلنا كل الميل نحو لغة التراث العتيقة مديرين ظهورنا لكل أسلوب حديث؟ أليست أساليب اللغة الحديثة، بجمالياتها التي لا تُنكَر، شاهدةً على مرونة العربية وقدرتها على التكيف مع متغيرات العصور؟ ما الحد الفاصل بين احترام ثوابت اللغة وتطويرها بما يتلاءم مع مستجدات العصر؟ ما الضرر من بعض “الأخطاء الشائعة” حين يقع إجماع شامل على فهم معناها؟أيُّما أفضل: خطأ مشهور أم صواب مهجور؟ هل نعرِّب الألفاظ الأجنبية ونخضعها لقوالب العربية أم نبحث في قواميسنا التراثية عن أصولها اللفظية رافضين أي تعريب؟ ما موقفنا من العامي الفصيح؟

لماذا نستشعر نغماً جميلاً محبباً إلى النفس في بعض التراكيب العربية المخلخلة نحوياً، في حين تبدو بعض التراكيب “الصحيحة” ثقيلة منفِّرةً تستشعر النفسُ نقصَ شيء فيها أو زيادته؟

أسئلة كثيرة طالما شكَّلت عندي حالة نفسية سمَّيتُها “القلق اللغوي”، على غرار “القلق الفلسفي”، وطالما انعكست بآثار لها على استقبالي لما أقرأ، وأسلوبي فيما أكتب، فجاء هذا الكتاب برداً وسلاماً، وبلسماً مداوياً لأكثر أعراض ذلك القلق، بل أستطيع القول بأن الكتاب “أنقذني” من مزالق كثيرة كدتُ أقع فيها، بل إني وددتُ لو أعدتُ كتابة كثير مما كتبتُ على ضوء ما استفدتُه من سطور هذا الكتاب الذي أخذ بيدي أخذاً رفيقاً، وأعادني إلى فطرتي اللغوية الأولى، إلى تلك السليقة الصافية المتحررة من الأغلال النحوية الثقيلة.

* التضخم اللفظي في اللغة العربية:

وصف الكاتب العربية بأنها لغة جسيمة هائلة الجِرم، لكنه وعلى خلاف الكثيرين لم يفاخر بهذه الضخامة بل انتقدها، وكان انتقاده مبنياً على بحثه في أصولها وأسبابها الراجعة إلى عصر التدوين المتأخر نسبياً؛ فبعد أن اختلط العرب بغيرهم إثر الفتوحات الإسلامية حصلت لهم عُجمة بسبب تأثرهم بلغات الأجانب، لذلك انبرى أناس لتجميع مادة العربية لغرض حفظها من الاندثار، فارتحلوا إلى القبائل العربية المتباعدة، وقابلوا البدويين الذين لم تختلط لغاتهم بالمؤثرات الخارجية، ومضوا يأخذون عنهم ألفاظهم ويدوِّنونها على أنها “لغة عربية سليمة”، ومن ثمَّ حصل تراكم هائل في المترادفات، وفي غريب اللغة وحوشيِّها، وفي الأسماء المتعددة للشيء الواحد، والتي ترجع في الواقع لاختلاف لهجات القبائل.

لقد نشأ بعد ذلك وهمٌ بأن العرب كانوا بالفعل يعرفون مئات الأسماء للأسد والسيف والناقة، لكن الواقع أن أسماء الأسد والسيف والناقة تعددت بتعدد القبائل العربية وتباعدها، وأن لكل قبيلة لهجتها الخاصة التي تشترك وتختلف مع غيرها، وأما وجود لغة عربية شاملة لكل الألفاظ المعجمية، حيث كان عرب زمانٍ ما يتكلمون بها كلَّها فهذا شيء لا وجود له إلا في بعض الأوهام.

يرى الكاتب أن التضخم اللفظي قد أضرَّ باللغة ولم يخدمها، بل إن له شواهد من اقتباسات تراثية تدلُّ على أن عرب القبائل ربما تفطَّنوا لأغراض الرواة الذين يختلفون إليهم لأخذ اللغة عنهم، وربما أكرموهم بالمال أو نحوه، ولما أحسوا بولعهم بالغريب فربما اخترعوا لهم ألفاظاً يرضونهم بها ويستدرُّون كرمهم، مما قد لا يكون له أصل أساساً.

* اللغة العربية بين التوقيف والاصطلاح:

عرض الكاتب لنظريتين محوريتين حول نشأة اللغة؛ التوقيف والاصطلاح.

يرى أصحاب نظرية التوقيف أن اللغة وحيٌ منزَّل من السماء، أنها مخلوق إلهي دال على عظمة الله، وأنْ ليس على الإنسان إلا أن يتأمل فيها بديع صنعه (يستدلون على ذلك بقوله تعالى: “وعلَّمَ آدم الأسماءَ كُلَّها”). وأما أصحاب نظرية الاصطلاح فيرون أن اللغة اختراع بشري لا يختلف في شيء عن العادات والتقاليد، وأن الألفاظ اللغوية لا تعدو أن تكون صوتاً نطق به إنسان قديم ما ليدلَّ به على شيء، ولما فُهم عنه وقع “اصطلاحٌ” على ربط الدال (العلامة اللغوية) بالمدلول (الشيء المسمى).

هذا الاختلاف ليس نظرياً فحسب كما يبدو عليه، وليس من باب الترف المعرفي، بل تترتب عليه آثار فكرية ملموسة، ومواقف لها تأثير مباشر على وضعية اللغة في كل مرحلة من مراحل التطور التاريخي. التطرف في الاعتقاد بنظرية التوقيف سيقود حتماً إلى الجمود اللغوي ورفض أي تطوير، بل قد يصل إلى اتهام المجددين للغة بفساد العقيدة وسوء الطوية، وكذلك فالمغالاة في اعتقاد الاصطلاح قد تلغي أي احترام للغة العربية، وقد تنحو بأصحابها إلى إسالتها ومحاولة تذويبها تمهيداً للقضاء عليها.

بوسع الإنسان بطبيعة الحال أن يتبنى موقفاً وسطاً بين التوقيف والاصطلاح، قد يكون جزءٌ من اللغة وحياً إلهياً حقاً عُلِّمَهُ آدمُ عليه السلام، وقد يكون جزءٌ منها ناتجاً عن الاصطلاحات البشرية، كما أن نظرية التمثيل الصوتي “الأونوماتوبيا” تبدو وجيهة حقاً في التأصيل لكثير من الأفعال التي تبدو مطابقة للأصوات الطبيعية الصادرة عنها، لكن تعميمها على اللغة كلِّها مجازفة وتكلُّف يرفضه العقل.

لا غرابة في أن الكاتب كان أكثر ميلاً نحو نظرية الاصطلاح، لأنها أكثر توافقاً مع نظرية التطور التي يصدِّق بها، وأبعد عن الغيبيات التي تعارض مناهج التفكير المادية المسيطرة عليه، لكن ذلك الميل لم يجنح به -والحمد لله- إلى امتهان اللغة ومحاولة تذويبها، بل لقد أبان رغم ذلك عن احترام عميق لها، وتعظيم لفصاحتها وقدرتها على البيان، وأقر بتفرُّد جذرها الثلاثي العجيب وتفوقها من معظم الوجوه على كافة اللغات الأخرى.

* التضخم النحوي في اللغة العربية:

لعل كثيراً من المدافعين عن العربية في أيامنا هذه يلجؤون إلى قواعدها النحوية باعتبارها دليلاً على عظمة اللغة وعلو شأنها، وربما نحا بعضهم إلى المغالاة في تخطئة التراكيب وفي “قل ولا تقل”، دون أن يعلموا أنهم بمنهجهم هذا واقعون في تناقض كبير، وأنهم يدافعون عن العربية من منطلق غير عربي.

كان العرب القدماء يتكلمون العربية بالسليقة، إذ هي اللغة التي فتحوا عليها أعينهم ورضعوها مع حليب أمهاتهم، وكانوا يستشعرون أنغامها بفطرتهم، وينظمون الشعر على السجية دون أن يعرفوا بُحوره وأوزانه. ثم جاء في العصر العباسي أناس من الموالي، من غير العرب، فأخضعوا العربية لبحث علمي تجريبي اعتمدوا فيه على المنطق العقلي الأرسطي (وهو غير عربي المصدر)، فاكتشفوا بذلك أوزان الشعر وبحوره، ووضعوا قواعد النثر، وصار للعربية إهاب من القوانين واضح المعالم، من شأنه أن يعصم المتكلم بها من اللحن، وأن يقوِّم الألسنة والأقلام في زمن صارت فيه مهددة بالغزو اللغوي الخارجي.

لقد كان خليقاً بعلم النحو أن يظل في موقعه الطبيعي خادماً للغة، لكن الذي حدث أنه تضخَّم وتعملق وتغوَّل، ثم كبَس على جسم اللغة خانقاً إياها، قاطعاً أنفاسها، فكاد يتركها جثة هامدة محنَّطة لا حراك بها. صار الفرع أصلاً، ووُضعت العربة أمام الحصان، وأمسى النحو حاكماً للغة بدل أن يكون محكوماً بها، وهكذا تولَّدت اختلافات شتى وحروب لغوية ما كان أغنانا عنها، وبتطاول الأزمان توهَّم كثيرون أن حفظ اللغة لا يكون إلا بالتشدد في القولبة النحوية، فكانت النتيجة ظهور دعوات ظاهرُها حماية اللغة وباطنُها تحنيطُها، والتحنيط لا يكون إلا لميت.

يعتقد غلاة النحويين ومن لفَّ لفَّهُم أن اللغة العربية كائن ثابت على حال، وينبغي له أن يظل ثابتاً على ما كان عليه في نقطة محددة من التاريخ (ما هي بالضبط؟!)، فهم يرفضون أي ابتكار في الاشتقاقات اللغوية، فضلاً عن تعريب الألفاظ الأجنبية، ثم إنهم بمغالاتهم في التدقيق اللغوي وتنطُّعِهم فيه يكادون يخطِّؤون كل عبارة، وبإخضاعهم اللغة للمنطق وقعوا في الركاكات وأوقعوا الناس فيها.

هذا واللغة كانت ولا زالت سائرة في دربها، مرنة تتكيف مع كل وضع، وتتطور بتطور الزمان، غير خاضعة لشيء إلا لنواميس الطبيعة التي لا مبدِّل لها.

الروح العربية الحقيقية تقبل التطوير وتستوعبه، وأما علم النحو فقصارى ما يرومه أن يحيط بكلام العرب الفطري، ثم إنه يعجز عن ذلك فيتحوَّل عجزُه إلى تضخُّمٍ مرَضي في القواعد، وتناقضٍ فيها، وحروبٍ نحوية لا فائدة منها، وقد ضرب الكاتب مثالاً على ذلك بمفهوم “الضرورة الشعرية” الذي ينكره، باعتبار أنْ لا ضرورة في الشعر، وأنه ما من لفظ نطق به شاعرٌ إلا وكان بوسعه أن يستبدل به غيره، لكن الشعراء من العرب الأقحاح كان لهم سلطانٌ على اللغة، وهم إذا وضعوا في منظومهم ما يبدو أنه مخالف لقواعد النحو فالأصل ما وضعوه، وليس على النحو إلا أن يسمع ويطيع، وإلا كان فعلهم شبيهاً -مع الفارق طبعاً- بمن يخطِّئ بعض آيات القرآن الكريم بحجة أنها تخالف هذه القاعدة النحوية أو تلك (وفي القرآن “إنَّ هذان” و”حتى يقولُ الرسولُ”).

إن عظمة اللغة العربية كامنة في مدى مرونتها وقابليتها للتطور، وأيضاً في فطريتها وانسيابها، لذلك ينبغي تذكير غلاة النحويين وأتباعهم بأن تحنيط اللغة العربية بحجة الدفاع عنها هو منهج غير عربي الروح، تماماً كما أن النحو وإن كان عربي المنشأ فهو غير عربي المآل، واللغة الفصيحة أغنى منه وأرحب.

* نماذج من تصحيح الصحيح:

عرض الكاتب عدة نماذج مما شاع مؤخراً من تصحيح الصحيح، أو على الأقل من تخطئة ما له وجه يسوِّغه في اللغة، وذلك رداً منه على من أسماهم “هواة قل ولا تقل”، والذين قال عنهم في أكثر من موضع من كتابه: “يوشك هواة (قل ولا تقل) أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول”.

كثير من تلك التخطئات الشائعة جاء نتيجة الغلو النحوي، وأيضاً نتيجة إخضاع اللغة إلى المنطق بشكل مبالغ فيه. نعم للغة منطق، لكنه منطق خاص قائم بذاته، ولا يوافق بالضرورة المنطق العلمي المادي الصارم، المنطق الأرسطي الذي يُمكن أن ننسبه إلى اليونان قديماً أو إلى الغرب حديثاً، لكنه حتماً ليس المنطق العربي. وقديماً قال الجاحظ: “للعرب إقدامٌ على الكلام، ثقةً بفهم المخاطَب من أصحابهم عنهم”.

نعم إن العربية تعتمد على الاستعارة والمجاز، وعلى الجناس والتضاد، وعلى اللمحة الخاطفة، والومضة الساحرة، وعلى التلويح والإشارة، وعلى التحوير والحذف، وعلى ما وصفه الكاتب بـ “تفجير أكبر طاقة من المعاني بأقل كتلة من الألفاظ”، ومن ثمَّ لا تعود المعالجة المنطقية مسعفة دائماً بل لعلها تثقل اللغة بأجسام دخيلة عليها، وما أكثر العبارات التي يتمُّ تصحيحها منطقياً ونحوياً، فإذا بها ركيكة ثقيلة تمجُّها الأسماع وتنفر منها النفوس، ولذلك قال الكاتب: “لكي نفهم الظاهرة اللغوية فإن علينا أولاً أن نتعوَّذ من وَسواس المنطق”.

النماذج التي أوردها الكاتب:

– مُتحف / مَتحف؟

– تقييم / تقويم؟

– نفس / عين؟

– هام / مهم؟

– تخرَّج من المعهد / تخرَّج في المعهد؟

– زوج / زوجان؟

– منسوب الماء / مستوى الماء؟

– يسري الحكم / يجري الحكم؟

– استضاف / أضاف؟

– استبدل القديم بالجديد / الجديد بالقديم؟

– اعتدَّ بنفسه؟

– انطلى؟

– رغم / على الرغم / بالرغم؟

– الرئيسي / الرئيس؟

– جيب؟

– لعب دوراً؟

– قناعة؟

– هل كذا أم كذا؟ / هل كذا أو كذا؟

– بمثابة؟

– كرَّس تكريساً؟

– حار / احتار؟

– بواسل / بسلاء؟

– كلل / كلال؟

– نوايا / نيات؟

– صدفة / مصادفة؟

– مستديم / مستدام؟

– المباشَر / المباشِر؟

– مُفاد / مَفاد؟

– تساءل / سأل؟

– ساهم / أسهم؟

– داهم / دهم؟

– أعتذر عن الحضور / أعتذر عن عدم الحضور؟

– نلعب في الوقت الضائع / نلعب في الوقت بدل الضائع؟

وأختم بمثال طريف لمتنطِّع زعم أن عبارة “ممنوع التدخين” خاطئة، وأن صوابها “التدخين ممنوع”!

* اللغة العامية والازدواج اللغوي:

ليست العامية بالضرورة مظهراً من مظاهر الانحطاط اللغوي، بل ما العامية إلا شكلٌ من أشكال التطور الطبيعي، والتلقائي، للغة الفصيحة. وهو تطور لا مفرَّ منه لأنه لصيق بالناس في أحوالهم الاعتيادية وحيواتهم اليومية.

لم يفرض أحدٌ على الناس قواعد لغاتهم العامية، وإنما ابتُكرت أساليب الكلام العامي عن طريق أشكال من الاقتصاد اللفظي والذهني، عبر إلغاء الإعراب وتسهيل الصرف، وعبر حذف بعض الحروف والكلمات أو إدغام بعضها ببعض. ثم إنها رغم تحررها من القواعد الفصيحة تؤدي مهمة التواصل على الوجه الأكمل، بل لقد انتهت إلى أن تكون لها جمالياتها الخاصة التي يعرفها الزجَّالون وكتَّاب كلمات الأغاني، والتي تجلَّت كذلك في الأمثال الشعبية التي لم تزل تتناقلها الأجيال كابراً عن كابر.

لا معنى على الإطلاق لمعاداة العامية من حيث هي لغة تواصل طبيعي، ولا سبيل بالطبع إلى إزالتها أو إلغائها، بل على العكس من ذلك، ينبغي تأمل العامية تأملاً عميقاً، فهي ليست لغة تخلَّقت من العدم، بل ما من لفظ عامي إلا وله أصل ما في اللغة، العربية أو غيرها، علمه من علمه وجهله من جهله. تتيح لنا العامية أن نتحسَّس نبض الأعماق، وأن نفهم عن الناس بعيد شجونهم، وربما أفادتنا في العربية الفصحى إفادة عظمى حين تحملنا ألفاظها على البحث في المعاجم، ويا للدهشة حين نكتشف أن جلَّ ما ننطق به بعاميتنا ما هو إلا فصحى تحوَّرت.

لم تتطور العامية ولم تشِع إلا لأنها تسهِّل التواصل، وتقتصد في أدواته، ولها دون شك مستوياتها الصوابية الخاصة، وبوسع الأدب بطبيعة الحال أن يعمل على سدِّ الفجوة بينها وبين الفصحى عبر التقريب بينهما، وعبر استيعاب الألفاظ العامية الموافقة للقوالب الفصيحة، وبذلك تصير العلاقة بين العامية والفصحى علاقة إفادة متبادلة دون عداوة ولا بغضاء، كل هذا مع مراعاة أنَّ لكل مقام مقالاً، وأن لكلتا اللغتين مجالاً حيوياً تنشط فيه بحيث لا ينبغي أن يقع بينهما تداخل واصطدام (الفصحى في الحياة اليومية مستحيلة، والتفاصح مع العوام وخيم العواقب، كما أن السرد الروائي بالعامية جريمة أدبية يجب أن يعاقب عليها القانون).

* لغتنا العالية، لغة العلم والأدب:

“إذا كانت اللغات جميعاً لغاتٍ تمشي فإن العربية لغةٌ تطير”.

ختم الكاتب كتابه بفصول بديعة في الانتصار للعربية والاعتزاز بها، مؤكداً على أنها لغة العلم، وأن تعريب العلوم ضرورة ملحة لتحقيق التقدم المنشود.

يقول الكاتب: “يسيء الظنَّ بالعربية من يخشى على العربية من لغة العلوم. العربية لغة شديدة المرونة هائلة الجِرم تتطور من داخلها، تهضم العلم ولا يهضمها العلم، وكل ما يتمُّ في العربية من ترجمة أو تعريب هو رصيدٌ يضاف إلى العربية ويثريها، ويفتق فيها عوالم جديدة، وينقل إليها أجواءً ومناخاتٍ مغايرة، ولا ضير البتة من أخذ اللفظ الأجنبي كما هو وتعليمه العربية، أعني تعريبه، أي تطويعه للمقتضيات الصوتية والصرفية للغة العربية، بحيث “يستعرب” ويصبح عربياً ونكاد ننسى أصله الأجنبي”.

العربية لغة ساحرة بكل تفاصيلها، بحروفها التي تحمل الفتح والضمَّ والكسر والسكون، وبما يضاف إلى تلك الحروف من المُدود وبما يُحدث ائتلافها من الأصوات المتناغمة. تُضمُّ الحروف إلى الحروف والكلمات إلى الكلمات، فإذا بآفاق من المعاني مترامية الأطراف لا يحدُّها البصر.

العربية لغة تستوعب كافة المعاني، وتهضم كافة الألفاظ من سائر اللغات، صالحةٌ لكل زمان وكل مكان، ومحفوظةٌ بحفظ الله لكتابه العزيز.

لقد أبان الكاتب في خاتمة كتابه عن انتماء عربي عميق واعتزاز بالعربية لا أنكر أني دهشتُ له، لما أعرفه عنه من التأثر الواضح بالفلسفات الغربية المادية، لكنه في كتابه هذا كان جريء الطرح مستقلَّ الشخصية، وقد خاض في مواضيع قلَّما تُطرح في ساحتنا الأدبية هذه الأيام، معتمداً في ذلك على المنطلقات التالية:

⁃ الرؤية الوسطية للغة العربية، والتي تجمع بين البعد عن التقديس المفرط الذي يؤدي إلى الجمود والتحنيط، وبين الاعتزاز العميق والصادق بالانتماء لهذا اللسان العربي المبين.

⁃ محاولة إنقاذ اللغة من جناية النحو عليها، عبر الاستقراء التاريخي لنشأة التزمت النحوي وتطوره، وكيف انتهى إلى أن يصير منهجاً دخيلاً على اللغة خانقاً لها.

⁃ التأكيد على رحابة اللغة وتسامحها، ومرونتها الشديدة واستيعابها للتعريب والاشتقاق، وأن كل إضافةٍ إلى العربية إثراءٌ لها.

⁃ محاولة عقد الصلح بين العامية والفصحى، وأن تكون بينهما علاقة تبادلية دون طغيان إحداهما على مجالات الأخرى.

⁃ التأكيد على ضرورة تعريب العلوم، وإخضاع المصطلحات العلمية الأجنبية للتعريب.

⁃ الدعوة إلى التمسك بالعربية، والاعتزاز بها، إلى تعليمها وتعلُّمها، وإلى أن نعتبرها “جيناً” من جيناتنا، ومكوناً أصيلاً من ذواتنا وأرواحنا. بذلك لن نكون أذيالاً لغيرنا، نتنفَّج بلغتهم، ونقلدهم في حركاتهم وسكناتهم، وما عندنا أفضل مما لديهم.

(مغالطات لغوية) كتاب قيم جريء الطرح، بالغ الإمتاع والإفادة. كانت قراءته واحدة من أنفع تجاربي القرائية على الإطلاق، وأقول عنه كما قلتُ عن أخيه (المغالطات المنطقية): كتاب يجب أن يُقرأ ويُقرأ، وأن تعاد قراءته، وأن يصير مرجعاً يُرجع إليه…

#أنس_سعيد_محمد

30/03/2021

الخبز الحافي – محمد شكري

20/03/2021 عند 15:48 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الخبز الحافي

لمؤلفها: محمد شكري

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 1972

.

=====

مقدمة:

سمعتُ عن هذه الرواية وعن مؤلفها الكثير، وحين حملني فضولي الأدبي إلى قراءتها صُدمتُ بحجمها الصغير قياساً إلى شهرتها الطاغية. كنتُ ظننتُ في البداية أن “الخبز الحافي” مجلد ضخم من عدة أجزاء دسمة، فإذا هي رواية صغيرة بالإمكان التهامها في جلسة قراءة واحدة. طبعاً لستُ ممن يربطون جودة الأدب بحجم المكتوب إذ كنتُ قرأتُ ستيفان زفايغ وغسان كنفاني، لكن المنطق يخبرنا أن الضجة الكبرى حين تثيرها رواية صغيرة الحجم فلا بد أن ثمة أسباباً وجيهة لذلك.

حاولتُ ما أمكن أن ألزم الحياد أثناء قراءتي، وألا أتأثر بالانطباعات المسبقة، والشائعة، التي تحفُّ بشكري وروايته، والمتمركزة أساساً على اللغة الجريئة للرواية، وحفولها بالأوصاف الصريحة والألفاظ النابية الغريبة عن عالم الأدب، والتي لا نجدها إلا في العوالم السفلية المظلمة للسكارى والمشرَّدين وروَّاد دور الدعارة.

ينتقد المحافظون فرط البذاءة في روايات شكري، ويبرِّر آخرون تلك البذاءة بأنها جزء من “الواقع”، وأن شكري صوَّر عالمه الذي عاش فيه دون مساحيق تجميل، وأنه يستحق التقدير والاحتفاء بشجاعته الأدبية وإقدامه على التصريح بما يُسكت عنه. وعموماً فإن محمد شكري صار “ظاهرة” متميزة تستحق الوقوف عندها وتأملها، مع التأكيد على أن “الظاهرة” لا ترتبط بشكري وحده بوصفه كاتباً صعد من القاع إلى القمة، وإنما بعوامل خارجية كثيرة تتجاوز شكري نفسه، هي التي صنعت لنا صنماً أدبياً شامخاً ربما لا يجرؤ كثيرون على المساس به أو انتقاده ولو بكلمة.

محمد شكري صنم طنجة الأدبي:

محمد شكري صنمٌ أدبيٌّ صنعته أيدٍ خارجية. لقد رُفع من مستوى إنسانيته إلى مستوى الرمز، القيمة المطلقة، ولارتباطه بمدينة طنجة (رغم أنه ليس من أهلها) لم يعد مستغرباً أن نجده مثلاً أعلى لمن أسلوبهم أفضل منه، أو أن نجد من يمجِّده ممن لم يقرؤوا له حرفاً، وعموماً نستطيع رصد نوعين من الراكعين أمام صنم شكري الأدبي هما:

– النوع الأول: الشوفينيون الطنجيون؛ أولئك المتعصِّبون لطنجة تعصُّباً مرضياً، ولكل ما ارتبط بها من رموز مشهورة دون تمييز. أولئك المصابون بفرط الحنين إلى الماضي، والذين ينشرون صور طنجة قبل مئة عام حيث لا يظهر في الصورة إلا تلال ترابية عديمة اللون يتصاعد منها الغبار ثم يعلقون عليها قائلين: “أيام العز ليتها تعود”. أولئك الذين لا شغل لهم إلا التنقيب في الكتب القديمة والوثائق التاريخية عن أي ذكرٍ لكلمة “طنجة”، وعن أي مشهور أجنبي زارها في زمن مضى وكتب عنها كلمة مديح، ثم يطيرون بما وجدوه كأنما يضيف قيمة ما إلى نرجسيتهم الخاصة. هؤلاء ربما لم يقرأ الواحد منهم حرفاً واحداً لشكري، لكنه يحتفي به ويمجِّده، ويرفعه إلى مصافِّ عظماء التاريخ، لماذا؟ لسببين بسيطين مرتبطين؛ الأول أنه مشهور، والثاني أنه عاش في طنجة.

– النوع الثاني: السكارى، مدمنو الخمر وأحلاس الحانات، والروَّاد الدائمون لدور الدعارة. وهؤلاء ينقسمون بدورهم إلى قسمين: القسم الأول غير راض عن حياة الفساد التي يعيشها، ويأمل أن يأتي يوم يتوب فيه عن ذلك كلِّه ويعود إلى الاستقامة، والقسم الثاني يرى في أسلوب الحياة ذاك نموذجاً أعلى للحرية المنشودة، وهؤلاء هم المجاهرون بكل تلك الموبقات، بل والمستحلُّون لها ربما، والذين يحبُّون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. لا عجب إذن أن يرى هؤلاء في محمد شكري مثلاً أعلى، ورمزاً أدبياً مطلقاً، لأنه منهم وفيهم، ويعبِّر عنهم ويتكلم بلغتهم، ومن ثمَّ فتمجيد هؤلاء لشكري غير مرتبط، على الإطلاق، بأية اعتبارات أدبية، بل فقط بالمضامين المنحلَّة الواردة في أعماله الروائية.

القيمة الأدبية لروايات محمد شكري:

ما الذي أكسب “الخبز الحافي” وغيرها من روايات شكري قيمتها الأدبية؟ أهو الأسلوب اللغوي أم المضمون القصصي؟ أم أنها تلك الاعتبارات الأخرى المتعلقة بطفولته الأليمة وبأنه لم يتعلم القراءة والكتابة إلا حين بلغ العشرين؟

لو جرَّدنا أنفسنا من سطوة الرموز المشهورة، وقرأنا “الخبز الحافي” قراءة محايدة دون اعتبار لكاتبها، فلا شك أن الرواية ستبدو لنا عملاً مبتدئاً كتبه طفلٌ في مراحله الأولى؛ لغة مهلهلة هي فوق العامية بقليل ودون الفصحى بكثير، أخطاء بالجملة، تراكيب ركيكة للغاية، سرد مشتت غير متماسك، انعدام في الترابط كاد يجعل منها مجموعة قصصية وليست رواية، انتقالات زمنية غير منطقية، شخصيات تظهر وتختفي فجأة دون مقدمات، فقر شديد في وصف الشخوص، لا شيء تقريباً سوى المذكرات الجنسية، مع الكثير الكثير من الألفاظ النابية والأوصاف القذرة. هذه الآراء ستغضب بالتأكيد مريدي شكري، ونتوقع هنا أن نسمع تعليلين شهيرين لظاهرة شكري الأسلوبية هما:

– التعليل الأول: أن الكاتب لم يتعلم القراءة والكتابة إلا في سن العشرين، ويرى أصحاب هذا التعليل أن هذه الحقيقة تغفر لشكري ضعف أسلوبه في الكتابة، وأنها إضافة إلى الأهوال التي عانى منها في طفولته تجعله مستحقاً لـ “ظروف تخفيف نقدية”. ما نفهمه من هؤلاء أن علينا أن نعامل أدب شكري كما نعامل الأعمال الفنية التي يقوم بها المعاقون؛ مقطوع اليدين الذي يرسم بقدميه، الأصمُّ الذي يؤلف المقطوعات الموسيقية والأعمى الذي يعزفها بإتقان على البيانو… إلخ. فكأنهم يقولون: “نعم إن روايات شكري مليئة بالأخطاء الأدبية وجوانب الضعف، نعترف بذلك. لكن رفقاً به، المسكين، فهو لم يتعلم القراءة والكتابة إلا متأخراً، كما أنه عاش طفولة أليمة جداً”.

قد نستطيع أن نتقبَّل رأي هؤلاء رغم انتمائه إلى “مغالطة استدرار العطف”، وقد كان شيء من التعاطف حاضراً في وجداني أثناء قراءتي لـ “الخبز الحافي”، لكن بالنظر إلى مجمل مسيرة الكاتب، وخاصة إلى آرائه التي عبَّر عنها في كتابه المتحذلق “غواية الشحرور الأبيض”، فإن أي تعاطف مع “الخبز الحافي” يصير موضع نظر، بل يتعيَّن علينا أن ننظر بجدية أكبر إلى أصحاب التعليل الثاني.

– التعليل الثاني: أن أدب شكري يجب أن يُنظر إليه بمنظار الحداثة، وهو ما عبَّر عنه صبري حافظ في قراءته النقدية حين قال ما معناه بأن روايات شكري جاءت حداثية بالفطرة، ودون أن يقصد كاتبها ذلك، بل إنها بلغت في الحداثة مبلغاً جعلها متاخمةً لما بعد الحداثة.

لا أميل إلى أمثال هذه التصنيفات النقدية المضللة، كما لا أملك تصوراً دقيقاً واضحاً عن معنى الحداثة وما بعدها، لكن أعتقد أن لديَّ تصوراً ما، وإن يكن غائماً بعض الشيء، حول مفهومي “الصلابة” و”السيولة”. إذا ما اعتبرنا أن الحداثة الغربية بطبعها تنزع نحو السيولة، فلا غرابة إذن أن تحظى رواية “الخبز الحافي” بكل ذلك الاحتفاء الغربي الهائل، وأن تُترجم إلى اللغات الأجنبية وأن تُنشر بها قبل العربية، وأن تُعتبر واحدة من رموز الأدب الحديث.

بإمكاننا إسقاط الخصائص الفيزيائية للصلابة والسيولة على الفن والأدب؛ الصلابة تعني الانتصاب وأخذ حيِّزٍ واضح من المكان، تعني الثبات والجمود وصعوبة الزحزحة والتغيير والانتقال، أما السيولة فتوحي بالميوعة والانسياح، بفقدان الكتلة وسهولة التنقل في المكان والانسراب في الثقوب الضيقة. على مستوى اللغة؛ تعني الصلابةُ الثباتَ على المبادئ البلاغية القديمة مع رفضٍ عنيدٍ للتجديد، وأقصى الصلابةِ لغةُ العرب القديمة التي لم تعد مفهومة اليوم. وأما السيولة فتعني التساهل مع التراكيب المخلخلة والألفاظ المخترعة إضافة إلى الاستخفاف بالقواعد اللغوية وأساليب البلاغة، وأقصى السيولةِ اللغةُ العاميةُ في أكثر أشكالها انحطاطاً.

رواية “الخبز الحافي” تتميَّز بقدر كبير من السيولة اللغوية والأدبية، تلك السيولة التي توافق الأهواء الحداثية الغربية، وهذا ما يفسِّر احتفاءهم بها ومثلُهم أذيالُهم من العرب. هي رواية سائلة من الناحية الأخلاقية، إذ تصادم مصادمةً فجةً ما تواضع عليه المجتمع المغربي المسلم، وتقذف في وجهه بأكثر ما يُستحى منه من الألفاظ والأوصاف والتصوير الفاحش لواقع العوالم السفلية، كما أنها سائلة من الناحية اللغوية، إذ تتعامل مع العربية باستخفاف شديد، غير عابئة بالقواعد اللغوية، غير مترددة في الإلقاء بالألفاظ والتراكيب كيفما اتفق، ليس من باب الجهل باللغة أو الاعتراف الخجول بالضعف فيها، لكن من باب السخرية بها والحطِّ من قدرها والانتصار للركاكة والتفاهة.

الأسلوب الأدبي في روايةالخبز الحافي“:

عُرض قبل سنوات برنامج هزلي عنوانه “الخواسر”، على وزن “الكواسر” و”البواسل”، وقد اشتهر البرنامج بلغة الحوار الدامجة بين العامية والفصحى على نحو يسخر من الفصحى، حتى صار أصحاب الأساليب الركيكة يوصفون بأنهم يكتبون بـ “لغة الخواسر”. لقد خطرت “لغة الخواسر” ببالي أكثر من مرة أثناء قراءتي لـ “الخبز الحافي”، لأنها شبيهة بها إلى حد ما وإن لم تكن تصل إلى مستواها.

لم تكن اللغة -على ما أظن- هاجساً لشكري أثناء كتابته، وقد امتدح بعض النقاد ما سمَّوه بـ “عدم التحذلق اللغوي” (يقصدون بعدم التحذلق الألفاظ النابية طبعاً)، وسواء أكان شكري يصدر إبان كتابته لـ “الخبز الحافي” عن عفوية في السرد أم عن نية مبيتة، فإن سيولته اللغوية نُسبت فوراً إلى الحداثة، واعتُبرت فيها قيمة مضافة ثمينة.

تميَّز أسلوب شكري في روايته بالمضارعة للأحداث، وقد نجح في إشعار القارئ بأن ما يقرؤه يحدث الآن وليس في الماضي، كما أن ثمة جانباً طفولياً ما في أسلوبه يناسب مرحلته العمرية التي يروي عنها رغم أنه كتب عن تلك الذكريات في وقت لاحق، وهذه من أبرز نقاط القوة في الرواية برأيي. لكن ذلك الجانب الطفولي اختفى تماماً أو كاد في عمليه اللاحقين “زمن الأخطاء” و”وجوه”، وهما عملان تميزا بقدر هائل من ذلك “التحذلق اللغوي” الذي امتُدح بالابتعاد عنه في عمله الأول. وطبعاً لا حاجة لأن نذكر بأن النقاد سيظلُّون على موقفهم الإيجابي من أعمال الرجل رغم هذا التناقض الكبير؛ فسواء أكان متحذلقاً لغوياً أم لا، فإن التحذلق اللغوي نفسه مفهوم سائل يمكن تشكيله حسب الحاجة؛ حين يكتب الكاتب بفجاجة وإباحية وبذاءة نثمِّن عدم تحذلقه اللغوي والتصاقَه الصريح بالواقع، وحين يتحذلق لغوياً نثمِّن شاعريته وعمقه وابتعاده عن السطحية.

محمد شكري عاش حياة منحلَّة بدأت من طفولته واستمرَّت حتى وفاته، لذلك فانحلاله العام سينعكس ولا بد على أسلوبه اللغوي. إذا كان الكاتب لم يلتزم في حياته بأية قواعد أخلاقية أو أحكام دينية فهل ننتظر منه أن يلتزم بالقواعد اللغوية؟ لذلك نجد أن شكري تعامل مع اللغة بحرية تامة بل واستسهال مفرط، يخترع الألفاظ من عنده، وينقل من العامية إلى الفصحى، ويستحدث اشتقاقاته اللغوية الخاصة، وهذا إن كان مما يروق الحداثيين (أصحاب النيات السيئة) فإن ثمة مسألة مهمة تنبغي الإشارة لها؛ وهي أن تطوير اللغة أمر واجب وليس مرفوضاً، كما أن استعمال فصيح العامية حاجة ملحة، وأيضاً فالاجتهاد الاشتقاقي مطلوب بقوة، غير أن هذا الحقل الحرج ليس كلأ مباحاً للجميع، بل يجب أن يقيَّض له أهلُ الثقة من المعظِّمين للغة العربية، والذين يسعون عبر هذه الجهود إلى خدمتها وتطويرها، لا أن يوكَل إلى الحداثيين الغربيين والمستشرقين وأذنابهم، أو إلى الجهلة من العرب والضعاف في اللغة، ومن يحملون في أعماقهم حقداً دفيناً على المقدرات الثقافية للأمة.

حين نتأمل بعض ما اشتقَّه شكري في روايته من الأفعال والأسماء والجموع، نجد أن بعضها صحيح لغوياً وإن كان غريباً في السمع أو يبدو عامياً (غالباً بالصدفة، أو رمية من غير رام)، كما أن كل الألفاظ النابية التي استخدمها هي ألفاظ فصيحة تماماً، موجودة في القواميس العربية، ونجدها جميعاً بلا استثناء في عدد من كتب التراث القديمة. فهل تبرِّر الأصول الفصيحة للألفاظ النابية ووجودها في كتب التراث استخدامَها في الأدب المعاصر؟ وهل يُسمح لأيٍّ كان بالعبث باللغة كيفما شاء بحجة تطويرها؟

مربط الفرس هنا هو النية ولا شيء غيرها، والعملُ مهما كان فرعٌ عن النية، ونحن إذ نلمس جانباً طفولياً داعياً إلى التعاطف في “الخبز الحافي”، فإن قراءتنا لما جاء بعدها، وخاصة لـ “غواية الشحرور الأبيض”، تكشف لنا أن شكري كان، أو صار، واعياً بالأهداف الحداثية التخريبية لأدبه، وأنه -بأسلوبه المتحذلق المتكبِّر إلى درجة وحشية في النقد- يستحق لقباً آخر غير “صعلوك الأدب العربي” هو “بلطجيُّ الأدب العربي”، كما يصير واضحاً أيضاً أنه يسير جنباً إلى جنب مع الآراء المعادية للمحافَظة الأخلاقية والبلاغة العربية، والداعية إلى القطيعة مع أدب التراث الغربي نفسه بله العربي، ولهذا لوازم لا تخفى على أي عاقل يتمتع بشيء ولو قليل من الانتماء لدينه وأمته ولغته.

خاتمة:

لا أنكر أن محمد شكري ظاهرة إنسانية ذات أهمية خاصة، لكن تلك الأهمية في رأيي تتعلق بدراسات الدماغ البشري أكثر منها بالدراسات الأدبية؛ ذلك أن من المثير للاهتمام حقاً، من وجهة نظر علمية وطبية، أن يصل إنسان لم يتعلم القراءة إلا في العشرين من عمره إلى مستوى مكَّنه من تسويد مئات الصفحات القصصية بل والنقدية، والدالة على اطلاع واسع وتغلغُل في أعماق العوالم الأدبية. نعم تطرح هذه الحقائق أسئلة كثيرة حول قابلية الدماغ البشري للتعلم والإبداع، وهل بالإمكان أن نستخرج من أي إنسان كان، حتى المشرَّدين والأميِّين ممن تقدمت بهم الأعمار، طاقاتٍ إبداعيةً كامنة.

ربما يجب أن نبتعد ما أمككنا عن مغالطة استدرار العطف، وأن نضع محمد شكري في سياقه الصحيح من حيث الدراسات الدماغية، أما من الناحية الأدبية البحتة فلا معنى لإعطاء “الخبز الحافي” أكبر من حجمها، خاصة في ظل التطور الكبير الحاصل في الميدان التقني الذي أتاح لنا الاطلاع على روائع أدبية حقيقية، عربية وغربية وقديمة وحديثة. لقد ناصر شكري فكرة هدم الأصنام الأدبية القديمة، لذلك أعتقد أن من الصواب أن يُتعامَل معه بالمثل، بمنطق هدم الأصنام الأدبية، لا سيما إن كانت غير قائمة بذاتها، بل بغيرها من الأيادي الخارجية التي وراءها ما وراءها…

#أنس_سعيد_محمد

20/03/2021

الحب في زمن الكوليرا – غابرييل غارسيا ماركيز

10/03/2021 عند 15:49 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الحب في زمن الكوليرا

لمؤلفها: غابرييل غارسيا ماركيز

البلد: كولومبيا 🇨🇴

ترجمة: صالح علماني

صدرت عام: 1985

.

=====

طال انتظاري لدوري في إحدى المصلحات، فعنَّ لي أن أتصفَّح أي شيء موجود في هاتفي لتزجية الوقت، فتحتُ التطبيق فوقع بصري -عشوائياً- على رواية “الحب في زمن الكوليرا”، لا أذكر متى حمَّلتُها لكنها موجودة بطريقة ما، شرعتُ في قراءتها بعينين ناعستين، تلقيتُ من صفحاتها الأولى انطباعاً بأنها رواية بوليسية، لكن ما إن تجاوزتُ عشرين صفحة أو نحوها حتى طار النعاس من عيني، واعتدلتُ في جلستي، ومضيتُ أقرأ في انتباه كامل متمنياً أن يطول انتظاري أكثر.

ثمة روايات يستشعر القارئ العادي أنها أكبر منه بكثير، أحياناً بسبب حجمها الهائل وأحياناً بسبب الهالة المحيطة بعنوانها وباسم كاتبها. غالباً ما أجد بعض التهيُّب بإزاء هذه العناوين الروائية الكبيرة، وهو تهيُّبٌ قد يغذِّيه الضجيج النقدي المصاحب لها، وكثرة التصنيفات الأدبية وأسماء التيارات التي تتطاير هنا وهناك كلما ذُكرت الرواية، والتي ما إن طالعتُ نبذة عنها قبل الاستمرار في قراءتها حتى وجدتُ نفسي في متاهات الحديث حول “الأدب اللاتيني” و”الواقعية السحرية”. بحثتُ عن معنى الواقعية السحرية وقرأتُ بعض ما كتب عنها فلم أستفد شيئاً يعينني على تذوُّقٍ أفضل لما أقرأ، وهذه مشكلةٌ أعاني منها مع كل التيارات الأدبية التي تُنسب إليها هذه الرواية أو تلك؛ إذ يصعب علي غالباً، أو دائماً -ربما بسبب قصورٍ حادٍّ في إدراكي الأدبي- أن أطابق بين التيار الأدبي (النظرية) والرواية (التطبيق العملي). كل تيار أدبي أقرأ خصائصه فلا بد أن أجد تلك الخصائص تنطبق بشكل أو بآخر، وبدرجات متفاوتة، على كل رواية بلا استثناء. ما من رواية إلا وفيها خليط من الكلاسيكية والواقعية والرومانسية والعجائبية وتيار الوعي والحداثة وما بعدها… إلخ. وعلينا من ثمَّ أن نفكك الرواية تفكيكاً شاقاً إلى أصغر أجزائها، ثم نجري عمليات حسابية معقدة لنعرف أي الجوانب أغلب عليها لنُلحقها به، ولنصمها بأنها “رواية (…)ـية”. 

لمثل هذا التشويش لا أحب النقد الأدبي، وأراه في الغالب عائقاً يحول دون الاستمتاع بتذوق النص بلا خلفيات مرهقة للذهن، لذلك قررتُ أن أمضي في قراءة الرواية مديراً ظهري لكل ما كُتب عنها، مغمَض العينين عن تصنيفاتها النقدية، مسلماً حواسي إلى جماليات الوصف والسرد فقط، باحثاً عن تجربة انطباعية ذاتية ممتعة هي كل ما أريد من القراءة.

تقع الرواية في فصول كبيرة تتألف غالباً من خمسين صفحة كثيفة دسمة، غير مقسمة إلى فصول فرعية، لذلك فالانتقال بين مواضيعها السردية كان مباشراً وسلساً بين الفقرات دون سابق تمهيد؛ أي أن الكاتب يسترسل في الحديث عن شخصية ما على امتداد صفحات، ثم يرجع إلى السطر فينتقل إلى شخصية أخرى قافزاً بالقارئ إلى مكان وزمان آخرين، والعجيب أن هذه الانتقالات المفاجئة ظلَّت سلسة تماماً دون أن تسبب أي إرباك للقارئ.

أما أحداث الرواية فتدور في مدينة لم يُذكر اسمها على ساحل الكاريبي، ويغطي مجالها الزمني نصف قرن تقريباً بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. توحي الرواية في صفحاتها الأولى بأنها رواية بوليسية، لكن سرعان ما نكتشف أنها ليست كذلك إطلاقاً، وأن الكاتب سيرحل بنا إلى الماضي البعيد للشخصيات التي ظهرت في فصلها الأول، ليسرد لنا قصص حياة كاملة بكافة تفاصيلها، وبشكل يضعنا عنوة في أجواء الكلاسيكيات والرومانسيات الأوروبية الخالدة، حين كانت الرواية تدور حول “الإنسان” بوصفه محوراً للكون.

تناقش الرواية موضوع الحب الأعمى، الحب الجارف اللاعقلاني، رابطةً إياه بمراحل حياة الإنسان بدءاً من مطالع الشباب حتى أواخر الشيخوخة. هي قصة شاب مراهق أخرق “له ملامح كلب مضروب”، يقع في حبٍّ جنونيٍّ لفتاة بادلته الهوى زمناً قبل أن تصدَّ عنه دون أسباب. تتزوج الفتاة طبيباً مرموقاً فيقيم العاشق المتروك منتظراً موت الزوج، وهو الانتظار الذي سيطول أكثر من نصف قرن، ليواجه العاشق “فتاته” الأرملة في جنازة زوجها، مقدماً نفسه لها وهما فوق السبعين من العمر.

في الرواية ثلاث شخصيات رئيسية هي العاشق والفتاة والزوج، وعدد كبير من الشخصيات الثانوية التي رافقتها في رحلة حياتها الطويلة. اعتمد الكاتب على سرد مترع بالتفاصيل لكل شيء؛ للأشخاص والأماكن والأجواء ولأشياء شديدة الدقة في النفس والحياة، حتى ليخيل إلى القارئ أن الكاتب عايش تلك الفترة الزمنية وتلقى بكافة حواسه تفصيلاتها الدقيقة. تفاصيل… تفاصيل… تفاصيل… هذه هي السمة الأبرز للرواية، والتي أضفت عليها طابعاً شديد الواقعية رغم جنونية حب البطل وخروجه عن أي منطق يمكن تصوره. هنالك مَشاهد عاطفية تذكرنا رأساً بالحب الطاهر الذي جمع بين “كوزيت” و”ماريوس” في رواية البؤساء، أجواء الحدائق والأشجار الظليلة والمقاعد تحتها وعبارات الحب المتوجسة، مع وجود شيخ متصلب مثل “جيلنورمان” جدِّ “ماريوس” يعوق استمرار ذلك الحب. لكن ما إن نندمج مع هذه الأجواء ونستسلم لحفيف الأشجار وزقزقة العصافير حتى يصدمنا ماركيز بواقعية مفرطة في قبحها؛ فإذا به يصحبنا إلى وكر دعارة قذر، ويسهب في وصف علاقات جنسية شديدة الانحطاط، وعلى نحو ما كنا لنجد مثله في “البؤساء” وأمثالها إلا بشكل عابر وبأكثر الألفاظ تهذيباً.

هذا التفاعل الفريد في نوعه بين فرط الرومانسية وفرط الواقعية قدَّم لنا مخلوقاً أدبياً عجيباً أقرب إلى الكاريكاتير، ما جعلني أتصور معادلة غريبة هي كالآتي: “الرومانسية + الواقعية = الكوميديا”. من المعروف أن الأدب الرومانسي في احتفائه بالإنسان ومشاعره السامية يلغي غالباً نقائصه البشرية، يتجاهلها تماماً على حساب جوانبه البطولية التي يسلِّط الضوء عليها، وأما هذه الرواية فتوحي للقارئ برومانسية محمومة، لكنها لا تلبث أن تعرِّي بشرية بطلها بشكل يبعث على الضحك. ولكم أن تتصوروا موعداً رومانسياً يبدع الكاتب في وصف الجماليات الحافَّة به، ثم يخبرنا فجأة أن الموعد فسَد بسبب إسهال شديد أصاب البطل! ثمة جانب ساخر في هذا، وجانب مستحيل في تصوير بطل مقيم على حبه الجنوني حتى الشيخوخة، رغم استغراقه في العلاقات الجنسية، بكافة أنواعها وبكثافة، طيلة حياته.

نعم من المستحيل أن نتصور بطلاً كهذا إلا أن يكون مختلاً عقلياً، لكننا نستسلم لإبداع الكاتب في الوصف واسترساله في العزف على نغماته الأدبية العجيبة، فنرتمي طائعين في عوالمه المحمومة متقبِّلين بصدر رحب كافة المبالغات التي يكذِّبها العقل وينفيها واقع الحياة كما نعرفه.

“الحب في زمن الكوليرا” رواية كُتبت لتمجيد الحب والشيخوخة، تنتمي لزمن أدبي جميل سابق لعصر الفساد الروائي هذا، وهي بمبالغاتها الأدبية كأنها تحثُّ القارئ على حراسة الذاكرة، ذاكرة القلب والمشاعر، على أن يحتفظ بجذوة الشباب الملتهبة، المقدسة، وأن يحملها في قلبه كاملة مصونة إلى قمة العمر، وحينئذ سيستطيع رغم آفات الشيخوخة أن يرقص، وأن يحب، وأن يضحك ملء فيه، وأن يرتكب الحماقات، وأن يتأمل الجمال في كل ما حوله، وأن يبحر عكس التيار أو بلا وجهة مدفوعاً بشغف الاستكشاف وحده، مجيباً عن كل من يسأله حتَّام تستمر في هذا بجواب جاهز منذ عشرات السنين: مدى الحياة…

#أنس_سعيد_محمد

10/03/2021

المشي في حقل الألغام – صلاح الدين أقرقر

03/03/2021 عند 12:22 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: المشي في حقل الألغام

لمؤلفها: صلاح الدين أقرقر

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

سبق أن نشرتُ مراجعةً حول الرواية السابقة للكاتب “ملاكان وشيطان”، سلَّطتُ فيها الضوء على بعض الخصائص التي تميَّز بها اشتغاله الروائي، كما لم تخلُ من انتقادات حول بعض التفاصيل، وأحب أن أحيل القارئ عليها قبل الشروع في هذه المراجعة لروايته الأخيرة، لأنها -بشكل ما- مبنية عليها، وقد يصحُّ أن تُعتبر تكملة لها، أو متكاملة معها.

أخبرني الكاتب عقب نشري للمراجعة الأولى أنه تلقى بعض ما ورد فيها من ملاحظات من أكثر من قارئ، وأنه عمل على تجنبها في روايته هذه (المشي في حقل الألغام). والآن أستطيع القول، بعد قراءتي لها، أنها تشكِّل فعلاً تطوراً ملموساً للكاتب، وأنه استفاد من أخطاء عمله السابق استفادة قصوى، وأنه تغلَّب على نفسه وقدَّم عملاً يتجاوز سابقه بمراحل.

وإليكم الآن، كما جرت العادة، باقة من الآراء والانطباعات حول رواية (المشي في حقل الألغام):

– بوسع القارئ المتمرس أن يستشعر في كل رواية يقرؤها منطلقات الكاتب الأولى؛ تلك الخطوط الأعرض التي تشكل الأساس الأول لعمله الروائي. ثمة روايات انطلق كتَّابها من عنصر “الشخصية”، وأخرى انطلقوا فيها من “الحدث التاريخي”، وأخرى من “المعلومة الثقافية”، وأخرى من “الأسطورة”، وأخرى من “المذهب الفلسفي”… إلخ. وذلك بحيث تنبثق عن ذلك النبع الأول كل عوالم الرواية من شخوص وأحداث وحوارات وحبكات ومصائر. ونحن حين نقرأ لصلاح الدين نستشعر أن مُنطلقه الأول للكتابة هو “الموضوع الاجتماعي”. نعم لكأني به يجلس أول ما يجلس إلى دفتر فارغ، ثم يخطُّ عليه أولاً -قبل الشخصيات والحبكة وكل شيء- قائمة بالمواضيع الاجتماعية التي ينوي معالجتها، ثم يصير “الموضوع الاجتماعي” هو النبع الذي تتدفق منه الشخوص والأحداث والحبكات والمصائر. هذا النوع من الاشتغال الروائي صار نادراً في أيامنا هذه، بل لقد صار منبوذاً محتقراً مع الأسف الشديد، لذلك لا أملك إلا أن أشيد باقتحام الكاتب هذا الميدان المهجور، ومحاولته إعادة الاعتبار للرواية الاجتماعية التي تعاني اليوم فراغاً مأساوياً على حساب أنماط روائية أخرى هي دونها في القدرة على التأثير والنفاذ إلى الأعماق الإنسانية في النفس والمجتمع.

– استطاع الكاتب رغم تعدد مواضيعه المعالَجة أن يؤلف بينها بحبكات متماسكة دلَّت على تمتعه بحس التنظيم والهيكلة. ليس الكاتب بالذي يبدأ الفصل مطلقاً العنان لقلمه غير عالمٍ إلى أين سيقوده، بل إن وراء الشكل المكتمل لروايته هياكل ومخططات وأسهماً متداخلة، نقاط بداية ونقاط انتهاء وجداول زمنية، إلى غير ذلك مما لا يراه القارئ في العمل النهائي، ولا يكشفه الكاتب أبداً، لكن بالإمكان استشفافه من وراء الصفحات، والاستدلال به على اشتغال جاد ومنظم بريء من العشوائية والتشتت.

– اعتمد الكاتب تقنية “تعدد الأصوات”، وبشكل قد يبدو في البداية غير متناسق، إذ احتلَّ صوت “فاطمة البوكيلي” معظم جسم الرواية، مع قسم وافر في بدايتها لـ “أحمد الناصري”، أما الفصول الأخيرة فقد تكلمت على لسانها شخصياتٌ ثانويةٌ متعددة. بطبيعة الحال لستُ مؤيداً لحديث الكاتب على لسان الجنس المغاير إلا في أضيق الحدود، كما أن تعدد الأصوات مغامرة خطيرة أفضِّل في الغالب عدم اقتحامها، لكن استمتاعي بالأحداث، وباللغة السليمة والأنيقة للكاتب، جعلني أتجاهل في النهاية هذه الاختلافات. كما أشير أيضاً إلى أن حرص الكاتب على إبراز مجهوده في بناء الشخصيات، حتى الثانوية منها، قد أوقعه أحياناً في خطابات تبريرية أثقلت الرواية دون أن تخدمها.

– على خلاف روايته السابقة التي عمَّت تماماً عن الزمان والمكان، فإننا نجد في روايته هذه حضوراً عابراً لبعض البلدان والمدن والسنوات والأحداث التاريخية الحقيقية، ما جعلها متداخلة بعض الشيء مع الواقع وليست منعزلة عنه تماماً في عالم من المجرَّدات الرمزية. بيد أن ذلك التداخل ظل سطحياً مع ذلك، إذ إن الطبيعة الاجتماعية للرواية تدفعها تلقائياً نحو التعميم، ومن ثمَّ نحو إلغاء قيمة الزمان والمكان بل والرافد المعلوماتي عموماً، لكن هذا الإلغاء أثر سلباً، وبشدة مع الأسف، على معالجتها لموضوع “الإرهاب” الذي لا يمكن الفرار فيه من الرافد المعلوماتي بحال من الأحوال، وهو ما سأتناوله بمزيد من البسط بعد قليل.

– يدرك الكاتب إدراكاً عميقاً أنه يقدم لنا قصصاً خيالية لأخذ العبرة، لذلك فهو لا يتكبد عناءً كبيراً في محاولة “الإيهام بالواقع”، هو يعرف والقارئ يعرف أن تلك الأحداث لم تقع، وأن الشخصيات لا وجود لها إلا في الخيال، وأن الرواية في صميمها مجرد ضربٍ للأمثلة، لذلك تغلب على السرد نبرة “مبتسمة” إن صحَّ التعبير، أسلوب الكاتب يشبه ابتسامته الهادئة الموحية بسلامة الصدر، وبأنه يأخذ أمور الحياة ببساطة ويُسر. أحداث الرواية مأساوية أحياناً نعم، لكنها خيالية فلا داعي للتفجُّع، ولا حاجة لتلك التراكيب التي تجهد نفسها لإيهام القارئ أنه يقرأ شيئاً حقيقياً، بل لا أخفي أني استلقيتُ ضحكاً في ثلاثة مواضع من الرواية؛ في الصفحتين 22 و23، وفي الصفحة 75، ثم في الصفحتين 316 و317. ثمة في أعماق الكاتب “حكواتي” على الطراز القديم، من النوع الذي يتصدَّر المجلس وحوله المستمعون، ثم يشرع في حكاية القصص مبتسماً، مرصِّعاً سرده بالحكم والمواعظ والتأملات الأخلاقية، وهو ما يظهر جلياً في معظم فصول الرواية التي لا تبدأ بسرد الأحداث بل تبدأ بخلاصتها، بعصارتها الأخلاقية، لا بد من فقرة “وعظية” في مستهل كل فصل، توحي بأن كل ما سيُسرد من الأحداث ما هو إلا مثال مضروب على تلك الفقرة، وقصة متخيَّلة توضع لاستخلاص العبرة.

– موضوع الإرهاب موضوع شائك في غاية العمق، وأرى أنه لم يحظ حتى الآن بمعالجة روائية لائقة رغم استحقاقه لذلك، ذلك أن كثيراً من “الروائيين” الذين ادَّعوا تطرقهم لموضوع الإرهاب لم يفعلوا شيئاً أكثر من نفث أحقادهم على كل مظهر ديني، دون تمييز بين ما هو من صميم الشريعة الإسلامية وما هو من التفسيرات العوجاء للجماعات المتطرفة. في روايتنا هذه محاولة بريئة لمعالجة موضوع الإرهاب، إذ ليس الكاتب قطعاً من النوعية السالف ذكرها، لكنها للأسف محاولة غير موفقة تماماً، وذلك لما يلي:

إن الإرهاب بوصفه سلوكاً إجرامياً هداماً، موجهاً نحو المجتمع وأحياناً نحو الذات، هو نتيجة عملية لمقدمات نظرية. يخضع الإرهابي أولاً لغسيل دماغ، لأدبيات متطرفة تُحشى في رأسه وتملأ دماغه بالأوهام، ثم بعد التشبُّع بتلك الأدبيات الهدامة يُنتقل إلى التنفيذ. عند المعالجة الروائية لموضوع الإرهاب لا بد أن نتطرق أولاً لأسسه النظرية، لجذوره الأولى، لمنابعه التي تضخُّه، ثم حين الانتقال إلى جانبه العملي يجب أن نحاكي الواقع ما أمكن، وأن تكون أفعال الإرهابيين في الرواية مشابهة لأفعالهم في الواقع. هنا نعود للحديث عن “الرافد المعلوماتي” الذي ذكرتُه آنفاً، والذي إن كان غير ضروري في معظم المواضيع الاجتماعية فإنه في موضوع الإرهاب يصير مُلحاً بشدة. لا يمكن الحديث عن الإرهاب بمعزل عن رافده المعلوماتي، عن الأحداث التاريخية المتعلقة به، وعن النصوص الشرعية التي فُسرت خطأ، وعن أسماء شخصيات حقيقية وعناوين كتب مثيرة للجدل. كل هذا لم يتطرق له الكاتب، ولم ينفذ إلى عمق الأسباب والمؤثرات التي أدت إلى تحول الشخصية الإرهابية، بل مرَّ على ذلك كله مراً سطحياً لنجد أن الشخصية أمست إرهابية فجأة دون تأسيس مقنع. هذا فيما يتعلق بالجانب النظري، وأما الجانب العملي فأيضاً لم يكن دقيقاً، ولا يشبه الواقع؛ ذلك أن “العملية الإرهابية” التي أوردتها الرواية تمثلت في محاصرة فندق وتهديده بالسلاح دون الإفصاح عن أي هدف محدد أو مَطالب واضحة، وهذا في الغالب لا يشبه العمليات الإرهابية ذات الميول الدينية المتطرفة، النزَّاعة إلى التفجير بالقنابل أو العمليات الانتحارية، بل هو أقرب إلى “عملية سطو مسلح” لغرض السرقة لا أكثر، كما أن وجود امرأة ضمن المهاجمين هو أمر غير متصوَّر في أفكار الإرهابيين وأفعالهم.

هذه المعالجة المتسرعة، والمهتزة، لموضوع الإرهاب، هي خللٌ صميمٌ في بنية الرواية، وتدلُّ على أن الكاتب لم يعدَّ لها عدَّتها من البحث المعلوماتي، منساقاً في ذلك وراء بقية المواضيع التي عالجتها الرواية معالجة ناجحة، لأنها بطبيعتها، وعلى خلاف موضوع الإرهاب، تقبل التجريد والتعميم والتحرر من ثقل المعلومات.

– حرص الكاتب على وضع نهايات مقنعة لكافة شخصياته، تنطوي غالباً على نوع من “العدالة الشعرية”، حيث تُفتح أبواب الأمل أمام الطيبين وينال الأشرار جزاءهم العادل. من الجميل حقاً أن ننتصر للعدالة في رواياتنا، لكن الأجمل أن تكون هناك رابطة سببية بين الأبطال وبين تحقيقها. بعض أشرار الرواية نالوا جزاءهم جرَّاء أحداث خارجية بالإمكان دون شك ربطُها بالعقوبة الإلهية، لكن بعضها لم يخلُ من تكلُّف ينافي الإقناع؛ كمثل مصير مصطفى الذي خسر قدرته الجنسية نتيجة حادث سيارة لم توصف ملابساته بدقة. كان بالإمكان قتل فحولة مصطفى وإدخاله السجن بطرق أكثر إقناعاً دون أن تتنافى مع مفهوم العدالة الشعرية أو العقوبة الإلهية.

ختاماً، ورغم كل هذه الملاحظات، إلا أن (المشي في حقل الألغام) رواية جميلة تضمن لقارئها متعة أدبية على مستوى اللغة وحتى على مستوى الحبكة والأحداث، ولكونها رواية اجتماعية فأنا أشدُّ بقوة على يدي كاتبها، شاكراً له ومشجعاً إياه بحرارة، لما أرى من أنه يسدُّ مسداً أدبياً في غاية الأهمية، ويعيد الاعتبار، باشتغال جاد يستحق الثناء، لمجال روائي صار اليوم للأسف الشديد منبوذاً محتقراً، يكاد يفقد الاعتراف به من الناشرين والنقاد بل وحتى من القراء، رغم احتوائه على مساحات إبداعية شاسعة طالما صال المبدعون فيها وجالوا، حين كان “الإنسان” هو محور الاهتمام الأدبي، والانتصار له هاجس الروائيين الأول.

#أنس_سعيد_محمد

03/03/2021

ذيل الثعبان – عبد السميع بنصابر

25/02/2021 عند 13:15 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: ذيل الثعبان

لمؤلفها: عبد السميع بنصابر

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2019

.

=====

* مقدمةمفارقة الروائي والرواية:

كان انطباعي حول هذه الرواية ليكون مختلفاً تماماً لولا معرفتي الفيسبوكية القديمة بمؤلفها، والتي ترجع إلى سنوات عديدة خلت كان المؤلف فيها ضمن قائمة أصدقائي، بحسابٍ قديمٍ كان له.

عبد السميع قاصٌّ مغربيٌّ موهوب، ومن أبرز ما يتميَّز به حسُّه الفكاهي المتطور المنعكس على حضوره الفيسبوكي الخفيف الظل، وعلى ما ينشره من أكتوبات وقصص قصيرة تعبِّر عن ذكاء لغوي وقَّاد وقدرة كبيرة على استخلاص الجوانب الكوميدية من الأشياء ثم التلاعب بالألفاظ لصياغتها بطريقة تنتزع منك الابتسامة، بل والضحكة، رغماً عنك مهما يكن مزاجك.

ذلك “التهيؤ للضحك” هو أول شعور يُستدعى إلى النفس كلما وقعت العين على منشور جديد لعبد السميع، وما كان لهذا الشعور الأولي إلا أن يفرض نفسه بإزاء عمله الروائي الكامل قبل الشروع في قراءته، وهنا تتملكنا الدهشة حين نقرأ النبذات المختصرة عن العمل، ومراجعات من سبقونا لقراءته، إذ نجدها تعبِّر عن عمل “جاد” يناقض تماماً ما تعودنا عليه من الكاتب في حضوره الفيسبوكي، ومن ثمَّ تشحننا بفضول الاطلاع على “الوجه الآخر” للكاتب الذي لم تستقرَّ صورته في الذهن إلا ضاحكاً تتوِّج رأسَه كُبَّةُ شَعر هائلة، ساخراً من “الستاتي” ومترجماً إلى العربية الفصحى أغاني الشاب بلال!

كان ذلك الفضول الجميل واحداً من أقوى دوافع قراءتي للرواية، ولا أخفي أن فصولها الأولى أوقعتني في حالة من الانفصام العجيب بين جدية ما أقرأ وتصوُّري المسبق لشخصية الكاتب المقترنة دائماً بالضحك، لأجد نفسي أمام واحدة من أشد حالات “التقمص الروائي” التي قرأتها إتقاناً، وهو تقمصٌ اتخذ أشكالاً عديدة إضافة إلى جدية العمل؛ إذ نجد الراوي الذي وُضعت الرواية على لسانه كهلاً يكبر الكاتب بعقود، ثم إنه أمريكي الجنسية وليس مغربياً، وذو تخصص يخالف فيما أعلم تخصص الكاتب، بل إن أحداث الرواية تدور في أماكن بعيدة عن محلِّ إقامته، لذلك وجدتُني إذا اندمجتُ في القراءة أنسى الكاتب تماماً كأني أقرأ لشخص آخر، ثم قد تلوح مني نظرة عفوية إلى الغلاف فأتذكر اسم الكاتب فأتعجب مما أقرأ! وسواء أكنتُ مؤيداً لمحاولات التملص التام من ذات الروائي أو معارضاً لها، إلا أني لا أملك، من وجهة نظر موضوعية، إلا الإشادة بجودة ذلك التملص، وبما يشي به من جهد مبذول واشتغال عميق، هذا دون أن نُغفل أن استعمال لفظة “تملص” هو على سبيل التجوُّز فقط؛ إذ إن خروج الكاتب من ذاته أمر مستحيل، وإذا أدهشنا شيء مما قد نظنه خروجاً عن الذات فلا يجب أن ننسى أنه في حقيقة الأمر ليس خروجاً، بل كشف -إرادي أو غير إرادي- عن مستويات مختلفة من تلك الذات نفسها، تدل على ثراء الشخصية واتساع طيفها.

* انطباعات حول الرواية:

– تنتمي رواية (ذيل الثعبان) إلى نمط روايات التحقيق التاريخي، والذي يعتمد في الغالب على حبكة مطروقة تتمثل في العثور على مخطوطات أو آثار قديمة، ثم بتتبع خيوطها نتوصل إلى حقائق مفاجئة لها أصول في أعماق التاريخ وآثار وخيمة ممتدة إلى عصرنا هذا. هذا النمط الروائي صعب التنفيذ جداً، ومحفوف بالمخاطر الأدبية والنقدية، ويتطلب جهداً مضنياً في البحث والتنفيذ، دون أن يقدم لنا في النهاية حقائق تاريخية يُطمأنُّ إليها أو نتائج تسهم في خلق معرفة يقينية. أعتقد أن ازدهار هذا النوع من الروايات في الغرب عائد إلى ظروف مساعدة كثيرة توضع تحت تصرف الكاتب فيما يخص البحث والتنقل، وهي في الغالب غير متوفرة في عالمنا العربي رغم عمقه التاريخي وحفوله بالمواد الخام الصالحة لهذا النوع من الاشتغال الأدبي، لكننا مع ذلك نجد إقبالاً عليه من الكتاب الشباب حتى من غير المتخصصين في الأبحاث التاريخية، وهي ظاهرة وإن كانت في نظري غير صحية، إلا أن ذلك لن يمنعني من إبداء رأي صريح حول جودة الاشتغال في هذه الرواية، والتي سار الكاتب في مجاهلها بحذر واضح دلَّ على استشعاره أنه يخوض حقلاً مليئاً بالألغام، وأن عليه أن يكتب محافظاً على “مساحة أمان” معينة يعرفها بغريزته الأدبية، حتى وإن اضطرَّه ذلك إلى التضحية بتفاصيل كثيرة كان من شأنها أن تجعل الرواية أضخم حجماً وأشد كثافة لو أنه “تهوَّر” قليلاً.

– تقدم الرواية للقارئ معلومات كثيرة حول التاريخ القديم للفينيقيين والقرطاجيين، وحول رمزية الثعبان وظلاله المبهمة، معززاً ذلك كله بحبكة متخيَّلة تمازجها وتتخلل ثناياها بإتقان يموِّه في عين القارئ الحد الفاصل بين الواقع والخيال، ما يخلق للرواية عالمها المستقل المتمتع بانسجامه الخاص.

– كان واضحاً الجهد الذي بذله الكاتب على مستوى اللغة، ومحاولته تطويعها لأفضل وصف ممكن للشخوص والأمكنة، حتى خواطر البطل كُتبت بعناية وإتقان لافتين للنظر رغم أنها جاءت متناثرة على صفحات متباعدة ومستقلة بشكل حادٍّ عن الوصف والأحداث.

– لقد أجاد الكاتب تقمص شخصية البطل؛ الكهل الأمريكي ذي الأصول المغربية، وأعجبني استعماله الذكي في أحد المواضع لوحدة قياس أمريكية (البوصة أو القدم، لا أذكر تماماً)، لكني استشعرت أحياناً أن البطل أكثر “مثالية” من أن يكون أمريكياً كهلاً؛ بعض نوازع الخير التي تدفَّقت في نفسه متخذةً شكل الاحتجاج الغاضب على مشروعات صديقه الغامضة، وتأنيبُ الضمير الذي استبدَّ به وعذَّبه، كل ذلك بدا لي “غير أمريكي” إلى حد ما، وأقرب إلى الشباب العاطفي منه إلى الكهولة الناضجة التي تتسم غالباً بقدر من تبلُّد المشاعر أو “عقلنتها” بتعبير أخفَّ.

– رغم أن الكاتب تأسَّى في روايته بنمط غربي في الكتابة الروائية، ورغم المثالية التي اصطبغت بها شخصية البطل الأمريكي بشكل غير واقعي في نظري، إلا أننا لا نلمس فيه ذلك الانبهار الساذج الأعمى بالحضارة الغربية، بل لقد عبَّر بصراحة تامة عن عدد من الشرور الصميمة في بنية التفكير الغربي عموماً، والأمريكي على وجه الخصوص، في تحرر جميل من “عقدة الخواجة” الغبية، بل وحتى من هوس إنكار “نظرية المؤامرة” إنكاراً قطعياً لا يتعلق بتفنيد المعلومات المغلوطة بقدر ما يرتبط برغبة ساذجة في الاصطفاف الآيديولوجي مع الذين ينكرون وجود التآمر، ومبايَنة الذين يقرُّون بوجوده. في رواية (ذيل الثعبان) نجد خيوط الحبكة تنتهي إلى “نظرية مؤامرة” صريحة كاملة الأركان، أوردها الكاتب بشجاعة دلَّت على استقلال شخصيته، وعدم مبالاته بأولئك الذين يسارعون إلى شنِّ حرب نفسية شرسة على كل من أثبت وجود مؤامرة ما في مجال من المجالات، حتى ولو كان ذلك في حبكة روائية متخيَّلة.

– استشعر الكاتب بغريزته الأدبية، كما ذكرتُ آنفاً، أنه يطرق حقلاً مليئاً بالألغام، لذلك سار في روايته بحذر شديد وتوجُّس ملموس، مكتفياً من المجازفة بقدر معين حكيم لم يتجاوزه، وهو ما أثر -إن جاز التعبير- على “كثافة الرواية”، أعني بذلك أن الرواية انتهت وفي جسمها فراغات لم تُملأ، وشخصيات وُصفت جيداً لكنها لم تحظ بأدوار ومصائر مشبعة، وجيوب ظلت مفتوحة لم تُرتق، وجوانب غموض نثرها الكاتب في بداية سرده ليظل القارئ منتظراً كشفها، لكنها لم تُكشف وظلت غامضة كما هي. لو أن الكاتب عمل على ملء الفراغات ورتق الجيوب لازداد حجم الرواية كثيراً، ولازدحمت بالتفاصيل التي كانت ستتطلب منه مزيداً من الاشتغال ومن ثمَّ مزيداً من المجازفة، لذلك فضَّل الكاتب التوقف عند حد آمن معين مؤثراً السلامة على أن توقعه المغامرة في ورطة روائية ما، وهو في الواقع تصرف ذكي من الكاتب يُحسب له.

* خاتمة:

رواية (ذيل الثعبان) إضافة قيمة للرواية المغربية التي لا تزال تتلمَّس طريقها وتبحث عن هويتها الخاصة في عالم سريع التغير، استمتعت بقراءتها وأنهيتها في زمن قياسي رغم اختلافي مع توجهها الأدبي، كما أني شاكر لها، ولكاتبها، ما فتحاه أمامي من أبواب جديدة للبحث والسعي وراء ريِّ عطش المعرفة، وهو ما يخالف رأي الشاب بلال حين قال مستهيناً بكل شيء غير المال والصحة: “اللهم احفظ لي جيبي واحفظ لي الصحة، وأما البقية فمجرد روايات”.

#أنس_سعيد_محمد

25/02/2021

الصفحة التالية «

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.