ترنح ~

31/10/2013 عند 14:04 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

tarano7

.

يمشي السكران على قدميه فيترنح، يجلس خلف المقود فتترنح السيارة!

وعلى هذا فقِس.

31/10/2013

تسول ~

30/10/2013 عند 23:56 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

tasawol

.

وما أكثرهم على قارعة الفيسبوك…

يستعرضون عاهاتهم، ويتسوَّلون الإعجابات!

30/10/2013

لنبتسم ~

30/10/2013 عند 13:15 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

linabtassim

.

لنبتسم، ولنعامل جميع الناس بالحسنى، فنحن لا ندري أي فتحٍ سيكون لأخلاقنا هذه على قلوبٍ سوَّدها تعاقب الخيبات، حتى ما عادت تظنُّ أن في الدنيا خيراً تبقَّى.

لنفتح أبواب الأمل في قلوب من يعاملوننا.

لنكن نحن خير الإسلام المتبقي…

23/05/2013

داخل سيارة الأمن الوطني ~

26/10/2013 عند 19:00 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

id-261013-jpg

.

السابعة مساءً تقترب.

وكانت تلك ساعةً حرجةً بالنسبة لنا في تلك الأيام، عندما كنا نجتاز تدريباً في أحد مكاتب المحاسبة قرب (ساحة موزارت) بطنجة، وكان دوامنا اليومي ينتهي، أو يجب أن ينتهي حسب القانون، في السابعة مساءً.

غير أن شيئاً لم يكن يغيظ رئيس المكتب ويستفزه استفزازاً شديداً، مثل خروج الموظفين والمتدربين في تلك الساعة المشؤومة، ولم يكن يلمح واحداً منا خارجاً إلا ويستوقفه غاضباً، ويمطره بكلامٍ كثيرٍ منفعلٍ حول ضرورة البذل والاجتهاد، والسهر أكثر في المكتب لعدة ساعاتٍ إضافية! لقد كان حريصاً على حبس الموظفين والمتدربين لساعاتٍ متأخرةٍ من الليل، وكان أشد حرصاً على ضرورة الالتزام بمواعيد الدخول، ويغضب إن حصل أي تأخر من أحد الموظفين أو المتدربين حتى لو كان تأخراً لدقائق قليلةٍ لا أكثر.

لقد كان شديد الدقة في مواعيد الدخول، منعدمها في مواعيد الخروج!

لهذه الأسباب، وغيرها، كان (السيد الرئيس) مكروهاً من طرف موظفيه الخمسة، الذين كانوا يعيشون معه في جحيمٍ مقيمٍ وعذاب دائم، ومن طرف المتدربين أيضاً، والذين يتعرضون لاستغلالٍ شبه كاملٍ لمعظم أوقاتهم وجهودهم، ودون أي مقابلٍ على الإطلاق! باستثناء ذلك الشيء الذي يقال عنه (الاستفادة والخبرة)، وهو شيء وإن كان صحيحاً من وجهة النظر الواقعية، إلا أنه من وجهة نظر الرؤساء استخفافٌ بعقول المتدربين وذرٌّ للرماد في أعينهم.

لكننا كنا نقبل ذلك على كل حال، مادمنا لم نجد وظيفةً بعد، لا بأس من أن نتعب لبضعة أشهر من أجل بعض الاستفادة قليلةً كانت أم كثيرة، ويظل الأمر المؤكد بالنسبة لنا أن تلك الفترة العمرية، بداية العشرينات، هي أسوأ فترةٍ في حياة الشباب على الإطلاق.

متى تأتي الساعة السابعة لأخرج من هذا السجن؟

يجب أن أنهمك في العمل أكثر حتى أراوغ مرور الوقت، ملفاتٌ كثيرةٌ موضوعةٌ أمامي، أدواتٌ مكتبية، شاشةٌ زرقاء، برنامج RODIN للمحاسبة يبدو بدائياً جداً ويشبه تماماً شاشة الـ MS-DOS الأثرية.

همهمات المتدربين من حولي ترتفع أحياناً وتنخفض أحياناً أخرى، وتصمت تماماً عند سماع خطوات المدير بالقرب من المكان، يدخل (السيد المدير) بهيأته المهيبة ونظراته المخترقة، يجيل بصره في المكان صامتاً، يتأكد من أننا جميعاً في مكاتبنا وأنه ما من أحد غاب ذلك المساء، ثم ينحني على أحد موظفيه ويتبادل معه بضع كلمات، ثم ينصرف عائداً إلى مكتبه، وترتفع الهمهمات من جديد.
 
 

* * *
 
 

السابعة مساءً تقترب.

بقيت خمس دقائق فقط أو أقل، نظرتُ إلى ساعتي، ثم التفتُّ إلى صديقٍ لي اسمه سفيان، وكان يجمعني به جزءٌ كبيرٌ من طريق العودة إلى المنزل، وجدتُه ينظر إلي هو أيضاً، قام بتلك الحركة الشهيرة، غمزني بعينه وأشار بذقنه نحو الباب، جمعتُ أغراضي وارتديتُ سترتي، وكذلك فعل بعض المتدربين الذين لا يطيقون البقاء دقيقةً واحدةً بعد الدوام، في حين بقي آخرون متسمِّرين أمام حواسيبهم، عازمين على السهر حتى منتصف الليل أو قريباً منه، لأسبابٍ مختلفةٍ لم يكن يقنعنا أيٌّ منها!

 
 
* * *
 
 

خمس دقائق بعد السابعة مساءً.

الحرية أخيراً، الانطلاق، الضحك بصوتٍ مرتفعٍ في الشارع، تبادل النكات والقصص والطرائف، نحن أحرار أخيراً بعد يومٍ شاقٍّ من الكد المجاني.

كنا نحاول الاستمتاع بأكبر قدرٍ ممكنٍ من تلك اللحظات الحرة التي تجمعنا معاً، ولم نكن نعرف ما الذي ينتظرنا بعد دقائق قليلةٍ في تلك الأمسية المشؤومة، وكانت أمسيةً من أواخر عام 2007، أو بداية عام 2008، وفيها حدث لنا هذا الموقف الذي سأرويه لكم الآن، وهو صفحةٌ من مذكراتي، أحببتُ أن أنقلها إليكم فقط على سبيل الاستئناس والمرح، لأنها مصنفةٌ عندي في رفوف الذاكرة ضمن الطرائف والمضحكات.

انطلقنا، أنا وصديقي سفيان، عائدين إلى المنزل سيراً على الأقدام، نتدافع ونتضاحك مثل طفلين في الحادية والعشرين، وكنتُ أنا مقيماً في (الحي الجديد)، وتحديداً في زقاق (الحاج سعيد)، وكان هو ابن مدير إحدى المدارس الابتدائية قرب (بن ديبان)، لعلها مدرسة (الداخلة) أو (مبروكة)، لم أعد أتذكر الآن، لكنه كان يقيم مع والديه وأسرته في نفس المدرسة التي يديرها والده.

وبمقتضى هذا، كنا نتمشى معاً على طول الطريق من (ساحة موزارت) إلى (قنطرة بن ديبان)، وهناك كنا نفترق، ليكمل كلٌّ منا ما تبقى من طريقه وحيداً تحت جنح الظلام.

وكما هي العادة، كان لا بد أن نمر بمحاذاة المحطة الطرقية، لنصير في مواجهة المدار الطرقي العملاق المسمى (رياض تطوان)، والمعروف بازدحام السيارات فيه ازدحاماً شديداً، كنا سعداء، بانتهاء الدوام الطويل المتعب من جهة، وبقرب انتهاء فترة التدريب من جهة أخرى، كانت أشهراً قليلةً أمضيناها في مكتب المحاسبة ذاك، مرت كأنها أعوام سجنٍ كثيرة.

وبينما نحن كذلك، وكنا نسير بمحاذاة مدار (رياض تطوان)، إذ بنا نلمح فتاةً قادمةً في مواجهتنا، وهي متدربةٌ معنا في نفس المكتب، ولقد أمضت مثلنا يوماً شاقاً، وانتزعت حريتها، هي أيضاً، في الساعة السابعة مساءً، وكانت في طريق عودتها إلى منزلها، منهمكةً انهماكاً تاماً في مكالمةٍ هاتفية.

غمزني سفيان بذراعه مشيراً إليها، ورأتنا هي الأخرى على بعد خطوات، فحيَّتنا بهزَّةٍ من رأسها، وتلويحةٍ خفيفةٍ معناها (مساء الخير، لقد رأيتكما!)، ولما وصلنا إلى نقطة التلاقي، أبى سفيان إلا أن يشاغب الفتاة قليلاً، كعادته وهو من المشاغبين، فمال عليها بجسده ضاحكاً وهو يقول:

– “سلمي عليه!”

ولم يمض بعد ذلك ثانيةٌ واحدةٌ أو ثانيتان، حتى رأيتُ سفيان يرتفع من الأرض فجأةً ويُقذف داخل صندوقٍ كبير، وأحسستُ بكفٍّ غليظةٍ تضرب ظهري وترفعني أنا أيضاً، وتقذف بي، بكل قوةٍ وعنف، داخل نفس ذلك الصندوق.

ذلك الصندوق كان سيارة الأمن الوطني!
 
 

* * *
 
 

ماذا حدث؟ كيف حدث؟ ولماذا حدث؟

كل شيءٍ كان كلمح البرق في ثانيةٍ واحدة! ومن الصعب على القلم أن يجاري سرعة بعض الأحداث في ركضه على الورقة، لكني لو أردتُ تلخيص الموقف كاملاً في عباراتٍ موجزة، فإن ما حدث هو كالآتي، وقد كان في مدةٍ زمنيةٍ لا تتعدى خمس ثوانٍ على الأكثر:

((مررنا أمام زميلتنا في التدريب.

شاغبها صديقي سفيان.

تصادف أن كان ذلك أمام سيارة الشرطة المتوقفة هناك، والتي لم ننتبه لوجودها أصلاً!

فهم رجال الشرطة أن الموقف هو معاكسةٌ وتحرشٌ تجرأنا عليه أمامهم دون احترامٍ لهيبة وجودهم.

قذفوا بنا داخل سيارة الشرطة حتى نتعلم الخوف منهم كما ينبغي في المرة القادمة!))

لم أستوعب ما حصل، قبل لحظةٍ واحدةٍ فقط كنت أتمشى مع صديقي مثل أي مواطنٍ صالح، والآن يُقذف بي داخل سيارة الشرطة مثل مواطنٍ غير صالح!

لم أفهم في البداية ما سبب هذا الاعتقال المفاجئ، كل ما رأيته هو ظلامٌ دامس، تبيَّنتُ فيه مجموعةً من المعتقلين المكوَّمين داخل السيارة بملابسهم الرثة الممزقة، ورجال شرطةٍ غلاظٌ شدادٌ ينتصبون هنا وهناك، بنظراتهم النارية ووجوههم السوداء التي تجعلك تتذكر زبانية جهنم، طالما اعتقدت أن وجوه رجال الشرطة تحتوي على طبقاتٍ جلديةٍ أقسى وأثخن من بقية الناس.

قُذف بنا داخل السيارة، رأيتُ سفيان مقبوضاً عليه من طرف شرطيٍّ طويل القامة ضخم الجسم، مظلم الوجه والعينين، عابساً مثل الجحيم، وكان يسحبه ويجذبه كيفما اتفق، ثم أتبع ذلك بركلةٍ قويةٍ رفعت سفيان عالياً، ولم يسمح له أن يقع على الأرض حتى التقطه بيده اليسرى، ليهوي على وجهه بصفعةٍ مدويةٍ مازال صدى صوتها يتردد في أذني حتى اليوم.

أما أنا فقد كنت أوفر حظاً من صديقي، إذ كان القابض علي شرطياً شاباً، طويل القامة لكنه نحيفٌ ضعيف البنية، ولقد اكتفي بجعلي أقف دون حراكٍ بحيث ظل شديد الاقتراب مني، وظل يحدِّق في عينيَّ بنظراتٍ ينطلق منها شرر التهديد والغضب.

لم أجرؤ على الالتفات لرؤية صديقي سفيان، كنتُ أسمع فقط صوت أنفاسه المحشرجة بالبكاء، وصوت صراخ الشرطي الذي كان قابضاً عليه كأعنف ما يكون القبض، وكان يكيل له أفظع ما يمكن لإنسانٍ مغربيٍّ أن يتخيل سماعه من الشتائم والسباب البذيء الفاحش، ثم سمعتُ صوت صفعةٍ مدويةٍ ثانية، تلاها صراخ الشرطي الهادر:

– “أيها الوغد القذر الحقير، أتجرؤ على معاكسة الفتيات في الشارع؟!! أتحب أن يعاكس أختَك أحد؟!! أجب يا ابن الـ (…)!! وتجرؤ على التحرش بها أمامنا؟! ألا تحترم وجود الشرطة أيها الـ (…)؟!! سأعلمك كيف ترتعد أوصالك من الرعب كلما رأيتَ شرطياً بعد اليوم!!”

ثم هوى على وجهه بصفعةٍ أخرى سُمع صوتها شديداً عالياً، وأتبعها بصفعةٍ أخرى لا تقل عنها شدةً وعنفاً، وأكمل الشرطي صراخه:

– “هيا! أجب! أجب أيها الـ (…)! أجب يا ابن الـ (…)!”

ونطق سفيان، بصوتٍ متحشرجٍ حاول رفعه قليلاً كي يدافع عن نفسه:

– “إنها تدرس معنا، إنها زميلتنا في الدراسة، إننا ندرس معـ…”

ولم يكمل سفيان كلماته حتى عاجله الشرطي بركلةٍ من ركلاته أتبعها بصفعةٍ من صفعاته وهو يقول:

– “أي مدرسةٍ في هذه الأيام أيها الكاذب؟! ألسنا الآن في أيام عطلة؟!”

وكنا بالفعل في أيام عطلةٍ دراسية، فاستدرك سفيان بصوتٍ مرتعشٍ امتلأ ارتباكاً:

– “كنتُ أقصد أنها زميلتنا في التدريب، نحن نتدرب معاً، صدقني إنها تعرفنا جيداً، نحن نمضي طول اليوم معاً في المكتب، وكل ما في الأمر أننا التقينا صدفةً بعد خروجنا في الساعة السابعة.”

ولم يمهله الشرطي حتى انقضَّ عليه بصفعةٍ أخرى مع شتائم فاحشةٍ شديدة البذاءة، لا يصح أن نذكرها هنا، وهو يزأر في وجهه بصراخٍ مرعب:

– “تدريبٌ يا ابن الـ (…)؟! وهل هناك تدريبٌ في السابعة والنصف مساءً؟! أجب أيها الـ (…)! قبل لحظةٍ دراسةٌ والآن تدريب؟! وتجرؤ على الكذب علينا؟ وتجرؤ على التحرش بالفتيات أمامنا؟! سأريك أيها الـ (…)! سأعرف كيف أربيك وأؤدبك! سأعرف كيف أجعل منك عبرةً لغيرك!”

وسمعتُ صوت صفعةٍ أخرى كانت هي الأقوى، جعلت سفيان يصمت تماماً مستسلماً لقدره.

ثم بدا للشرطي الذي كان قابضاً عليَّ أن يعالجني، وكان كما ذكرتُ شرطياً شاباً، فخاطبني بلهجةٍ شديدةٍ وقد قطَّب حاجبيه ورسم الصرامة على وجهه:

– “ارفع يديك عالياً!”

رفعتُهما، فبدأ يتحسس جسدي كاملاً، كما يفعلون مع المجرمين، ولست أدري ما الذي كان يتوقع أن يجده الشرطي من هذه الحركة، سلاحٌ ناريٌّ أم سلاحٌ أبيض أم مخدرات!

أنهى عملية تحسس الجسد، فقال بنفس النبرة الصارمة:

– “يكفي!”

فأنزلتُ ذراعيَّ، وبدأتُ أستعد نفسياً لتلقي الصفعات والركلات، كما تلقاها صديقي سفيان، وبدأتُ أتخيل صفعات الشرطة وركلاتهم تنهال علي من كل حدبٍ وصوب، وأنا أفقد بسببها توازني، وأحاول أن أحمي وجهي وجسدي منها دون فائدة، بدأت أبرمج عقلي على الاحتمالات كلها، وعلى أسوأ الاحتمالات، ولم يكن يهوِّن علي مما أتوقع حدوثه لي إلا راحة ضميري، فقد كنا أبرياء تماماً، ولم نرتكب أي جرمٍ على الإطلاق، ثم إن سبب القبض علينا لم يكن بالتأكيد مزحةً ألقاها سفيان على فتاةٍ من معارفنا، بل كان ما فهمه رجال الشرطة أولئك من أننا لم نحترمهم، ولم نراع مكانتهم، ولم نقف عن حدود مهابتهم، وأننا عاكسنا فتاةً غريبةً مارةً أمامنا دون أن نضرب لهم حساباً، ودون أن نأخذ وجودهم بعين الاعتبار.

والحقيقة أننا لم نرهم أصلاً، ولم ننتبه لوجودهم، فمن المعروف والمعتاد أن تكون سيارة الشرطة واقفةً في مكانها ذاك في مدار (رياض تطوان)، قرب المحطة الطرقية، ونحن نراها ونمر أمامها كل يومٍ عدداً من المرات، حتى لم نعد ننتبه لوجودها، وحتى لو كان سفيان قد انتبه لوجود السيارة، فما كان ليخطر على باله أبداً أن رجال الشرطة سيفهمون تصرفه ذاك بتلك الطريقة التي فهموه بها.

لكن هذا ما حدث على كل حال، ولم نشعر بأنفسنا وإلا ونحن نُحمل بعنفٍ ويُقذف بنا داخل السيارة، ولم يكن من شيءٍ أسهل على العدالة من أن تسجل ضدنا تهمةً من تهم التحرش والفساد الأخلاقي!

لقد بدأ عقلي داخل السيارة يشتغل بطريقةٍ منطقيةٍ معينة، تتجه نحو التهوين من حجم المشكلة، صوتٌ عميقٌ في داخلي كان يقول بأن الأمر سيمرُّ بسلام، أبسط ما يمكن حصوله أن نُأخذ إلى أحد مقرات الشرطة، وهناك سيقتنعون ببراءتنا وبصدق الرواية التي سنقدمها لهم، ثم يطلقون سراحنا، وأما أسوأ ما يمكن حصوله أن نضطر إلى المبيت ليلةً كاملةً في مقر الشرطة، مع المجرمين واللصوص وأصحاب المخدرات، وسيعني ذلك أن يعلموا آباءنا بخبر اعتقالنا، وسيكون وقتاً عصيباً سنخرج منه بسلامٍ في نهاية الأمر، لأن إثبات براءتنا سيكون سهلاً جداً، فنحن لم نكذب، ولأن الفتاة هي فعلاً من معارفنا، وزميلة لنا في التدريب، وتستطيع هي أن تؤكد ذلك تلقائياً وبسهولةٍ تامة، وما فعله سفيان لا يزيد عن كونه تصرفاً عادياً جداً في ميزان الأعراف السائدة في المجتمع، ولا يقترب مجرد اقترابٍ من أن يُعتبر معاكسةً أو تحرشاً، إلا في حالةٍ واحدةٍ فقط تكون الفتاة فيها غريبةً عنا تماماً، لا نعرفها ولا تعرفنا، وهي حالةٌ لا تنطبق على ما حدث.

بل حتى لو كانت الفتاة ماشيةً معنا، ولو مررنا ثلاثتنا أمام الشرطة لاعبين ضاحكين، لما اعتبروا في ذلك شيئاً مريباً، ولما حركوا ساكناً، ولما استوقفونا للسؤال عن هوياتنا فضلاً عن اعتقالنا، وهل تتملئ الشوارع كلها إلا بالثنائيات الضاحكة من الشباب والفتيات؟!

ما أكثر التناقضات في تطبيق القوانين، وما أكثر تناقضات القوانين نفسها.

كل هذه أفكارٌ خطرت ببالي وأنا أقف متجمداً داخل سيارة الشرطة، وأستمع لشتائم الشرطي وصفعاته التي تهوي، دون توقفٍ أو رحمة، على وجه سفيان.

أمرني الشرطي الشاب بالجلوس، صارخاً بصوت مرتفع:

– “اجلس!”

جلست، وما إن جلست حتى صرخ آمراً إياي بالوقوف:

– “قف!”

فوقفت، وما إن وقفت حتى صرخ من جديدٍ آمراً إياي بالجلوس:

– “قلت لك اجلس!!”

وما إن جلست مجدداً حتى عاود الصراخ من جديد:

– “قلت لك قف!!”

فوقفت! وكرر ذلك ما شاء له الله أن يكرر، وأنا أدعو الله في نفسي دعاءً خالصاً أن تمر هذه الورطة على خير.

صمت الشرطي لبرهةٍ وهو يحدِّق في وجهي متفحصاً، بعينين ناريتين.

حمدت الله على أنه لم يصفعني ولم يركلني، أمرني هذه المرة بصوتٍ أهدأ بقليل:

– “أعطني بطاقتك الوطنية.”

طلبٌ محرج! لقد كان من عادتي دائماً أن أترك بطاقة هويتي في المنزل وألا أصطحبها معي إلا في القليل النادر، تحسستُ جيوبي باحثاً عنها، من حسن حظي أني وجدتها قابعةً في أحد الجيوب، أخرجتها وقدمتها له، تناولها مني وتفحصها جيداً، ثم أعادها لي وسألني:

– “ماذا تفعل الآن؟ أين كنت؟”

أجبت:

– “الآن أنا متدرب، متدرب…”

– “متدرب؟ وأين تتدرب؟”

– “في مكتبٍ للمحاسبة…”

– “مكتبٌ للمحاسبة؟!!”

وهنا سمعتُ صوتاً من خارج السيارة، ينادي على الشرطي الشاب القابض علي:

– “يا محمد.”

التفتنا نحو مصدر الصوت، فإذا به شرطيٌّ عجوز، قصير القامة ونحيف جداً، امتلأ وجهه بالتجاعيد والنتوء العظمية البارزة، وله شاربٌ كثيفٌ أبيض تماماً.

أشار الشرطي العجوز نحوي وهو يخاطب زميله الشاب:

– “هذا، أطلق سراح هذا، أطلقه، دعه يذهب.”

امتثل الشرطي الشاب، وأفسح لي المجال للنزول من السيارة وهو يقول:

– “هيا! انصرف! انصرف! اذهب إلى حال سبيلك!”

لم أصدق أذني! لقد استجاب الله دعواتي فوراً، نزلت مسرعاً من السيارة وأنا شديد الفرح، وألقى علي الشرطي العجوز نظراتٍ قاسيةً وهو يقول لي:

– “هيا! اذهب أنت! انصرف! اغرب عن وجهي!”

وانصرفت دون أن أنطق بكلمة، ودون أن ألتفت ورائي، وسمعت الشرطي القابض على سفيان يقول معلقاً على إطلاق سراحي:

– “هذا الـ (…) هو الذي فعلها، ابن الـ (…) هذا هو الذي…”

وغاب صوته عني، ومضيت عائداً إلى البيت وأنا أحمد الله في نفسي على إجابته لدعائي، كانت لحظاتٍ عصيبةً لا يمكن أن تنسى، وكل لحظة في حياتنا يتدخل فيها رجال الشرطة، بأي طريقةٍ كانت، هي لحظةٌ من شأنها أن تبقى ماثلةً في الذهن لا تفارقه أبداً.

عدت إلى منزلي أخيراً، كنت أشعر بأسفٍ بالغٍ على صديقي سفيان، لكني كنت مطمئناً على كل حال! نعم سيُصفع قليلاً ويُركل ويُضرب، وسيُؤخذ إلى مركز الشرطة، وهناك سيستجوبونه قليلاً، وبعدها سيطلقون سراحه، وأسوأ ما يمكن أن يحصل أن يتم استدعاء والده.

مسكينٌ أنت يا سفيان! مسكينٌ أنت يا صديقي العزيز!

 
 
* * *
 
 

رنَّ هاتفي بعد ساعات قليلة، وجاءني صوت سفيان، مرتعداً يختلط بالضحك:

– “أنا سفيان!”

– “أيها الوغد! أين أنت؟ ماذا فعلوا بك؟”

– “لا شيء! أنا في المنزل الآن.”

– “ماذا حدث؟ هل أطلقوا سراحك فوراً كما فعلوا معي؟”

– “لا، بل أخذوني مع المجرمين إلى مركز الشرطة.”

– “أي مركز؟”

– “مركز (العوامة).”

– “ثم؟”

– “عرضونا على أحد الضباط، وكان معظم المقبوض عليهم من اللصوص ومروجي المخدرات والعازمين على الهجرة السرية، وظل الضابط يصرخ في وجوهنا وينتهرنا، ويسبنا ويشتمنا، وخاطبني على أنني واحدٌ منهم، وقال لي: “إلى متى ستظلون هكذا؟ سرقة، ولصوصية، ومخدرات، وهجرة سرية!”، لكني قاطعته وطلبت منه أن يتأكد من هويتي أولاً ويعرف من أنا، قبل أن يوجه إلي تهماً كهذه!”

– “ثم؟”

– “سألني عن هويتي، فأخبرته بأني شابٌّ متعلم، ومتخرجٌ من الجامعة، وأنني ابن مدير مدرسةٍ ابتدائية، وأني أقيم معه في نفس تلك المدرسة، وأنه لا علاقة لي مع السرقة ولا مع المخدرات ولا مع الهجرة السرية!”

– “ثم؟”

– “أطلق سراحي! أطلقوا سراح بعضٍ منا، واحتفظوا بالبعض الآخر.”

– “الحمد لله، هنيئاً لك، ألم يجبروك على توقيع أي محضر؟”

– “لا، لم أوقع شيئاً، فقط قال لي (اذهب)! وما إن قالها حتى طرت إلى المنزل لا ألوي على شيء!”

وتبادلنا كثيراً من الضحك والسخرية في تلك المكالمة، وانتهت بتلك العبارة الشهيرة المعتادة:

– “نلتقي غداً إن شاء الله.”

ونمت أنا شديد الشوق إلى الغد! كنت أعرف أن كثيراً من الضحك ينتظرني في مكتب المحاسبة.
 
 

* * *
 
 
في اليوم التالي، دخلت إلى المكتب وأنا على استعدادٍ للضحك، وبالفعل، وجدت سفيان جالساً على كرسيٍّ مثل بطلٍ من الأبطال، يروي قصته ضاحكاً بحماسةٍ شديدة، وحوله الشباب ينفجرون ضحكاً، وأما الفتاة، سبب كل تلك المصائب، فقد كانت تنظر إلى سفيان وتستمع لقصته، جاحظة العينين، فاغرة الفم، واضعةً أصابعها على وجهها وساحبة خدها نحو الأسفل قليلاً، وهي تقول مصدومةً متفاجئة:

– “يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! أقسم أني لم أركما! أقسم أني لم ألتفت ورائي! أقسم أني لم أنتبه لشيءٍ مما حصل، أقسم أني كنت مشغولةً بالهاتف فاكتفيت بإلقاء التحية فقط! أقسم أني لو كنت رأيت ما حدث لأخبرت رجال الشرطة بحقيقة الأمر! يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للإحراج! يا لمصيبتي!”

وانضممت إلى المجموعة، وبقينا يوماً كاملاً نروي القصة ونضحك عليها، وكان أكثر ما أضحك الجميع في ما حدث ليس القصة نفسها، بل أننا جميعاً رأينا، على وجه سفيان وعنقه، آثاراً للأصابع شديدة الوضوح، حمراء جداً، وكانت في وضوحها تشبه بعض مشاهد الرسوم المتحركة، حقاً دون مبالغة!

وكان الجميع بين الفينة والأخرى، يأتون إلى مكتب سفيان، ويلقون نظرةً على وجهه، وينفجرون ضاحكين من تلك الأصابع الحمراء الثخينة، المطبوعة على خده بوضوحٍ شديدٍ يثير الغرابة والدهشة…

26/10/2013

احترام ~

24/10/2013 عند 20:44 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

i7tiram

.

في زمن النفاق هذا، صرتُ أحترم الصرحاء في إعلان شرورهم!

24/10/2013

نصيحة من صديق ~

24/10/2013 عند 20:42 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

nassi7a min sadi9

.

حدَّثني صديقٌ من البخلاء قال:

– “إني أنصحك يا صاحبي بأمورٍ ستفيدك في حياتك فاسمع ما أقول.

لقد كنتُ قديماً مثلك، أرفض فكرة الزوجة العاملة الموظفة، وأريدها ربة بيتٍ تعنى بشؤونه وشؤون الأولاد، لكنني الآن في التاسعة والعشرين من عمري بدأتُ أعتقد شيئاً آخر…

تكاليف الحياة صعبة جداً، وهي تزداد صعوبةً مع مرور السنوات، ولا بد في هذا الزمان من أن تكون الزوجة موظفةً لكي تعين زوجها على أعباء العيش، لذلك فقد اعتزمتُ على أن آخذها موظفةً لتتعاون معي، وإني والله كارهٌ لذلك، لكنه الاضطرار يدفعنا إلى فعل ما لا نريد، وليس كل ما يتمناه المرء يدركه، والرياح تجري بما لا تشتهيه السفن.

وأما لو أردتَ رأيي وموقفي، فإني شديد التوجُّس من فتيات المدينة المعاصرات، ولو كان الخيار لي لأخذتها بدويةً جاهلةً لا تعرف شيئاً، وما من مصيبةٍ أعظم من أن يبتلى الرجل بزوجةٍ ذات عيونٍ مفتوحةٍ على العالم، دارسةٍ ومثقفةٍ وموظفة، هذا الصنف من الفتيات يتعالى على الرجل، وأنا أرفض أن تتعالى علي زوجتي وترى أنها أفضل مني في شيء، بل لو قدرتُ على ذلك لاخترتُها من إحدى القرى التي لا يزال أهلها يعتقدون إلى اليوم أن الحسن الثاني لا يزال حياً! وإني أقرر أن الفتيات هناك أجمل بكثيرٍ من فتيات المدن، وأكثر طواعيةً لأزواجهن وأقل عصياناً لهم.

فإياك ثم إياك أن تأخذ فتاةً تفوقك في الشهادة أو الوظيفة أو الراتب أو المال، وإن فعلتَ ذلك فسيكون أسوأ قرارٍ تتخذه في حياتك.

ثم إن هناك أموراً أخرى أركز أنا عليها تركيزاً شديداً، وسأصارح بها أهل الفتاة التي أتقدم لخطبتها، تفادياً لأية مشاكل مستقبلية، فقد جرت عاداتنا الجاهلة السخيفة على أن الرجل يقدم للفتاة مهرها الكامل في يوم توقيع العقد، أي قبل ليلة الزفاف! وهذا هراءٌ ما بعده هراء، فكيف أعطي مال المهر كله من أجل شيءٍ لم يُضمن بعد؟ وهل هناك عاقلٌ يشتري السمك في الماء؟ بل ما سأفعله هو أني لن أعطي الفتاة شيئاً من مهرها حتى تنتهي ليلة الزفاف وتصير زوجتي فعلاً، وهذا شرطٌ لا يمكنني التراجع عنه.

وقد تقول لي بأن المهر يُقدم لحظة توقيع العقد، وأن كاتب العدل يسأل الفتاة هل تسلمت مهرها أم لا، وهنا أحتاج فقط إلى أن أعقد اتفاقاً معها حول الموضوع، نعم، سأتفق معها على أن تجيب كاتب العدل بـ “نعم”، رغم أنها لم تتسلم شيئاً، وبعد ليلة الزفاف أعطيها مهرها كاملاً غير منقوص!

وأما إن رفضت ذلك فهذا هو أول العصيان! وتكون بذلك قد قدَّمت دليلاً على أنها لا تثق بي، وعندها سأتركها غير مأسوفٍ عليها، لأنه لا حاجة لي بزوجةٍ لا تثق بي ثقةً عمياء كاملة.

وربما أقترح عليها اتفاقاً آخر، كأن أعطيها يوم توقيع العقد مبلغاً بسيطاً، مئة درهمٍ مثلاً، يكون هو المبلغ الذي يُكتب في العقد وتُسأل عنه، وتجيب بـ “نعم” دون كذبٍ ولا تدليس، ثم بعد ليلة الزفاف أفي بوعدي وأكمل لها الباقي.

نعم يا صديقي واسمع ما أقول، هناك أمورٌ كثيرةٌ ينبغي الانتباه لها، فنحن الآن في زمنٍ صعب، وقد مضت أيام الزمن الجميل حين كانت الفتيات يقدِّرن حق الزواج وحق أزواجهن، وكنَّ يلدن الرجال الصناديد العظماء، أما فتيات اليوم فهنَّ في غالب الأحيان فاشلاتٌ طمَّاعات، ومعظم الزيجات المعاصرة لا تكمل عاماً واحداً حتى تنتهي بالمشاكل والطلاق، لذلك وجب أخذ كل الاحتياطات اللازمة لأي طارئٍ قد يحدث.

واحذر كل الحذر من طمع الفتيات، فمعظمهنَّ طامعات في مال من يتزوجنه، لذلك لا تقتن أثاثاً أو تجهيزاً للمنزل إلا وتطلب من البائع فاتورةً أو وصل أداء، واحرص كل الحرص على أن تكون مدوَّنةً باسمك وليس باسمها، واحفظها في مكانٍ آمنٍ لا تعرفه زوجتك.

هذه نصائحي لك فاسمعها، فإن هذا الزمان ليس زمان الآباء والأجداد، وإياك والغفلة، وإياك أن تقع في شراك النساء.

أقول لك هذا وستذكر ما أقول… وهذه نصيحتي لك وقد أعذر من أنذر!”

23/10/2013

بياعو الأوهام ~

24/10/2013 عند 20:39 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

baya3ou awham

.

من أثقل الناس على قلبي نوعان؛ أصحاب التجارة الهرمية والتسويق الشبكي، وأصحاب التنمية البشرية الذين يضعون إلى جانب أسمائهم لقب زورٍ هو (المدرب).

يأتيك أصحاب التسويق الشبكي، ويستشهدون لك بما يسمونه (قصص نجاحٍ حقيقية)، ويخبرونك بأنك لو اجتهدت في العمل معهم فإنها مسألة وقتٍ فقط حتى تصبح فاحش الثراء، وتصير عندك سيارةٌ فاخرةٌ وفيلَّا تطلُّ على البحر، ورصيدٌ بنكيٌّ يتكون من عدة أرقام!

وأما مدربو التنمية البشرية وتطوير الذات، فيخبرونك بأنهم قادرون على منحك الطمأنينة والسعادة في الحياة، والتي توصلوا هم من دون الناس جميعاً إلى امتلاك أسرارها ومفاتيحها، وأيضاً سيمنحونك سبل النجاح الفعالة التي ستجعل منك إنساناً ذا شأنٍ عظيمٍ يعرف كيف يستغلُّ قدراته وإمكاناته اللامحدودة، وستصير لو اتبعتَهم وأدمنتَ على كتبهم ومحاضراتهم مثل ذلك الشاب الأنيق الذي يرتدي بدلة رسمية لامعة، ويحمل حقيبةً (دبلوماسية)، وينطق صاعداً بخطواتٍ واسعةٍ طموحةٍ على سلمٍ ينتهي بسهمٍ متجهٍ نحو الأعلى!

21/10/2013

قوانين ~

24/10/2013 عند 20:36 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

صدق من قال: “القوانين مجموعة نصوص غبية!”

من شواهد صدق هذه العبارة ما نراه من قوانين رجال شرطة المرور فيما يتعلق بزيهم المهني، فإن عندهم تواريخ ثابتة محددة في السنة للتبديل بين الزي الشتوي (السترة) والزي الصيفي (القميص فقط).

وبهذا يحدث أن نشاهد أحياناً رجال شرطة بالزي الصيفي أثناء الجو البارد وهطول المطر، وبالزي الشتوي تحت الشمس الحارقة.

أليس ممكناً بقرارات إدارية بسيطة إحداث بعض المرونة في تطبيق القانون، كأن تتم ملاءمة تبديل الزي مع التقلبات المناخية وأحوال الطقس المتغيرة في كل عام؟

وعلى هذا المثال فلنقس، فما أكثر الأوضاع الغبية التي نعيشها بسبب التشدد في تقديس قوانين هي أصلاً في حاجة إلى المراجعة.

حقاً… هي قوانين بدءً نصنعها، ثم انتهاءً تصنعنا.

21/10/2013

حق وباطل ~

24/10/2013 عند 20:32 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

مفهوم الحق والباطل كائن موجود، رغم محاولات البعض إنكارهم لذلك.

وسبحان الله، نجد عند بعض الناس نفوراً عجيباً من الحق! لدرجة أنهم يصيرون مقياساً لمعرفته وتمييزه من الباطل، إذا أردت أن تعرف الحق فاعرفه من نفور البعض منه ومحاربتهم له!

يدعي بعضهم أنهم ضد جميع الأديان دون استثناء، فإذا نشبت الحرب بين الإسلام وغيره وقفوا ضد الإسلام مع غيره! وإذا نشبت الحرب داخل الإسلام بين السنة وغيرها من المذاهب وقفوا مع بقية المذاهب ضد السنة! وإذا نشبت الحرب داخل السنة نفسها وقفوا مع الأبعد عن الحق ضد الأقرب منه!

والبعض الآخر يدعي الحياد تجاه الأخلاق باسم الحرية المطلقة، فإذا نزلت النوازل وقفوا مع الأخلاق الفاسدة ضد الأخلاق الحميدة!

وآخرون يدعون اعتناقهم للمبادئ العلمانية ضد العنصرية والطائفية، فإذا جد الجد فروا إلى أنسابهم وطوائفهم كالجرذان المذعورة!

لا وجود للحياد المطلق، إما أن تكون مع الحق أو مع الباطل، وكل ما نسأل الله أن يرينا وإياكم الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

17/10/2013

الإرهاب الفكري بنظرية المؤامرة ~

12/10/2013 عند 15:37 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

irhab fikri

.

مما ينزلق فيه كثيرٌ من المثقفين في حواراتهم الفكرية، عن قصدٍ أو غير قصد؛ فخُّ “الإرهاب الفكري” لمناقشيهم، وأوضح ما يتجلى ذلك عندما يتعلق الأمر بمواضيع ذات صلةٍ بما يسمى بنظرية المؤامرة.

وهؤلاء (المثقفون) الذي أتحدث عنهم، ينتمون إلى الفئة الرافضة رفضاً قاطعاً لنظرية المؤامرة، ولكل ما يتعلق بها، ولكل القضايا والمواضيع المطروحة حولها، وقد يتعصب بعضهم في ذلك إلى درجة الانفعال الشديد وانفجار الغضب، والرفض الفوري القاطع الحاسم لأي استماعٍ للرأي الآخر، لا لشيء سوى لأن ذلك (الرأي الآخر) مرتبطٌ بتلك النظرية سيئة الذكر.

وهم يستندون في موقفهم المتعصب هذا على بعض الحجج، والغريب أنها جميعاً حججٌ فكريةٌ نظريةٌ تبتعد كثيراً عن الواقعية والموضوعية، وتنأى عن الرغبة الجادة في مناقشة أدلة الطرف الآخر وتقصِّي الحقائق المجرَّدة كما هي، بل هو الرفض من أجل الرفض فقط، واستناداً على منطلقاتٍ وصورٍ ذهنيةٍ لم تخضع لأي تمحيصٍ علميٍّ صارم.

ونذكر من حججهم هذه، وهي من أسخفها وأكثرها تهافتاً؛ قولهم بأن مثل هذه النظريات لا تسهم في تقدم الأمة! أو بأنها سببٌ في التهويل من حجم الآخر وخطره، واعتبار أن له قدرةً خارقةً على التغلغل في كل صغيرةٍ وكبيرة، وهو ما يضعف العزائم ويوهنها، ويدعو الناس إلى الاستسلام والخمول والكسل!

ومن الحجج أيضاً قولهم بأن (نظرية المؤامرة) تشجع على الخطاب العدائي للآخر، أو بأنها تجعلنا نتلذذ بتمثيل دور الضحية المغلوب على أمره، وبهذا سنتكاسل عن العمل من أجل التقدم بأممنا نحو الأمام في طريق النهضة الحضارية، وغير ذلك من الحجج المشابهة، والتي وبالتدقيق جيداً فيها، نجد أنها لا تكذِّب بالضرورة ما جاءت به نظرية المؤامرة، بل هي فقط تطلب من الناس عدم الانتباه لها والاهتمام بها، لأنها من النظريات الضارة بالصحة الفكرية، أو لأنها أشبه بالمخدر الذي يُفقد الأمم وعيها ويعيقها عن العمل والحركة في سبيل التقدم والحضارة.

ولو أردنا أن نختزل خطابهم هذا ونوجزه في كلمات قليلة تعبِّر عن لسان حالهم وما يريدون قوله، فإننا لا نجد على الإطلاق في خطابهم أنهم يقولون:

– “هذه النظرية كاذبة، والأدلة حولها لا تثبت علمياً، ونستطيع تفنيدها بالمنهج العلمي، وبذلك فهي مجرد أوهام.”

بل ما نجدهم يذهبون إليه هو مجرد الاكتفاء بقولهم ما معناه:

– “أيها الناس، لا تستمعوا لنظرية المؤامرة، ولا تصدقوها، فإنها توهن من عزائمكم وتعيق تقدمكم!”

وتنقسم هذه الفئة من الناس القائلة بهذا الكلام إلى قسمين:

القسم الأول: وهو القسم العميل بفكره وكيانه إلى الهوية الغربية، فهؤلاء معجبون بالغرب متيَّمون بإنجازاته المادية، ومنبهرون أشدَّ الانبهار بما وصل إليه من تقدمٍ علميٍّ وتكنولوجيٍّ وعمراني، فالغرب قد صار بالنسبة لهم المثل الأعلى، ومهوى الأفئدة، والملاك الخيِّر، وجنة الله في أرضه، فهم متجهون بأرواحهم نحوه ونحو بريقه وأضوائه، ولما كان من طبيعة المهزوم نفسياً أن يرتمي في أحضان الغالب، فقد ارتمى هؤلاء في أحضان المبادئ الغربية وتبنَّوها، واعتقدوا بها، وسعوا إلى نشرها، ودعوا بحماسةٍ إلى إنزالها على البلدان العربية، واعتبروا المناهضين لمثل هذه التوجهات جهلةً متخلفين، وحجر عثرةٍ في طريق التقدم المنشود نحو الشمس العلمانية التي سطعت في بلاد الغرب.

وهؤلاء يعانون غالباً من انسلاخٍ كاملٍ عن الهوية الإسلامية، بل ربما يظهر فيهم بعض العداء لها، الصريح منه وغير الصريح، ولن نستغرب لو رأيناهم يؤمنون حرفياً بنفس الأطروحات الغربية المتعلقة بالحرب على الإرهاب، وبذلك فإن أي حربٍ يشنها الأعداء على المسلمين هي بالنسبة لهم حربٌ على الجماعات الإرهابية، وهي بذلك عملٌ نبيلٌ يُضاف إلى سجل الإنجازات الخيِّرة للدول العظمى في العالم، والساعية نحو إرساء قواعد الحرية والإنسانية والإخاء في الشرق الأوسط والبلدان الإسلامية بشكل عام.

إن صريح العقل يخبرنا أن أناساً هذه هي طريقة تفكيرهم، لمن المستحيل بمكانٍ أن يقبلوا أي فكرةٍ أو تفسيرٍ له علاقةٌ بنظرية المؤامرة، لأن تلك النظرية تتحدث عن تآمرٍ شريرٍ من الدول الغربية ضد الدول الإسلامية، فهي تصوِّر الغرب على أنه شيطانٌ شرير، وهؤلاء هم أصلاً منسلخون عن الهوية الإسلامية، ويرون أن ما تفعله دول الغرب العظمى هو الصواب، لذلك لن نستغرب حتى لو أبدوا موافقتهم وتأييدهم لبعض تلك المبادئ والأفعال التي تصنَّف بحسب نظرية المؤامرة أفعالاً شريرة تهدف إلى اقتلاع الهوية الإسلامية من جذورها!

وكمثالٍ على ذلك، قد تقول نظرية المؤامرة:

– “إنهم يهدفون لضرب الهوية الإسلامية عبر تجفيف منابع التربية الدينية في المدارس، وحذف بعض المواد والمواضيع، وحتى بعض الآيات القرآنية من المناهج الدراسية.”

وعندها سيقولون هم، بسذاجةٍ أو بخبثٍ والله أعلم بنياتهم:

– “وما المشكلة؟ أليس هذا أمراً مطلوباً؟ أليس من الجيد تجفيف منابع التطرف التي قد تقود إلى الإرهاب؟”

وهذا مثالٌ آخر، تقول فيه نظرية المؤامرة:

– “كيف لا تؤمنون بتآمر الغرب علينا؟ ألا ترون جرائمهم البشعة واحتلالهم لأراضينا؟ ألا ترون كيف يقتلون إخواننا ويدعمون طغاتنا؟”

وهنا سيجيبون أيضاً، بسذاجةٍ أو بخبثٍ والله أعلم بالنيات:

– “وما المشكلة؟ الغرب أخذ على عاتقه مهمة محاربة الإرهاب، والقضاء على الجماعات الإرهابية التي تهدد مصالحه، وذلك من حقه، وضرباته العسكرية تستهدف فقط المعاقل العسكرية الإرهابية، لا تلوموا الغرب بل لوموا أنفسكم، المشكلة فيكم وفي كثرة الجماعات الإرهابية التي تعشِّش في بلدانكم، والتي تهدد الأمن القومي في مختلف مناطق العالم وبلدانه التي تمارس حقها في الدفاع عن النفس والممتلكات!”

القسم الثاني: وهو يضم أولئك المنشغلين المهووسين بفكرة الحضارة العربية والإسلامية، والمتباكين بلا انقطاعٍ على الأمجاد الضائعة في الشام والمغرب والأندلس، وهؤلاء على خلاف القسم الأول، لا يعانون من ذلك الانسلاخ عن هويتهم الإسلامية، بل إن تلك الهوية هي متجذِّرةٌ في أعماق نفوسهم، ونجدهم أكثر الناس رغبةً في إعادة أمجاد الحضارة الإسلامية، وفي أنفسهم حرقةٌ شديدةٌ وألم ممضٌّ على تردِّي الأوضاع، وعلى هذا الانحطاط الذي نعيش فيه، وهم يرون أنه قد كانت للمسلمين في يومٍ ما حضارةٌ عظيمة، لكنهم ضيَّعوها بإهمالهم، فسرقها الغرب منهم، وطوَّرها، ووصل إلى ما وصل إليه اليوم من تقدمٍ علميٍّ ومادي، وله كامل الحق في ذلك، فقد عمل الغرب واجتهد وبذل الغالي والنفيس على مرِّ قرونٍ طويلة، وحُقَّ له الآن أن يجني ثمار عمله، ولا عزاء للمتخاذلين الذين ركنوا إلى الضَّعة والخمول فضاعت منهم أمجاد أجدادهم.

وهذه الفكرة هي فكرةٌ صحيحةٌ من الناحية النظرية، لكن تظل مشكلة هذا القسم أنه ينظر للإسلام من زاوية نظرٍ واحدة، أو أنه يبالغ في تقدير زاوية النظر تلك على حساب بقية الزوايا، وأعني هنا زاوية (الحضارة)، فهو ينظر للإسلام على أنه حضارة، حضارةٌ فقط ولا شيء غيرها، وعندما نقول (الحضارة) فإننا نتجه تلقائياً نحو ما هو مادي، نحو العلوم المادية والتجريبية والإنجازات العمرانية وغير ذلك، ولهذا فهم أيضاً يقفون وقفة المنبهر بإنجازات الغرب في مجال الحضارة المادية، ويتصورون أن الغاية الوحيدة العظمى لدين الإسلام هي بناء (حضارةٍ إنسانيةٍ) على سطح الأرض، ومن هنا تسرَّبت إلى نفوسهم تلك الهزيمة الروحية التي قادتهم نحو التطرف في جلد الذات وتعظيم الآخر.

من هذا المنطلق، فإن هؤلاء الغاضبين لن يقبلوا مطلقاً أي نظريةٍ تحاول أن تقول لهم بأن سبب انحطاطنا الحالي هو مخططات الغرب السرية، وأنهم هم السبب في ما نحن فيه، مثل هذه الأفكار تستفزهم بشدة، وتجعلهم أحياناً يصرخون في وجهك بانفعالٍ شديدٍ قائلين:

– “الغرب! الغرب! كل شيءٍ تلصقونه بالغرب! كل هزائمنا ومآسينا ونكباتنا تلصقونها بالغرب! بل نحن السبب في ما نحن فيه! نحن السبب! الغرب مشغولون عنا ببناء حضارتهم، وهم لا وقت لديهم ليضيعوه في الاهتمامات الفارغة وإقامة المحافل الماسونية الهادفة لتدمير الإسلام كما تزعمون أو تتوهمون! مثل هذه النظريات هي سبب تخلفكم أيها المسلمون! اتركوا هذه الأوهام وقوموا لتتعلموا وتعملوا، الغرب اجتهد وعمل فوصل، هنيئاً له! فمتى نجتهد ونعمل نحن أيضاً؟ قطعاً لن نتقدم ومازال فينا من يعتقد بأن الماسونية هي التي تحكم العالم وتتدخل في كل كبيرةٍ وصغيرةٍ فيه، ثم يركن إلى الكسل والخمول بسبب ذلك!”

إن جمرة الغضب التي تشتعل في نفس المنتمين لهذا القسم، وسخطهم البالغ على الأوضاع، وتحسُّرهم على الأمجاد الضائعة، وتحميلهم أوزار الانحطاط والتأخر للمسلمين أنفسهم وليس للغرب، كل هذه أمورٌ تجعل صدورهم ضيِّقةً جداً لكي تتقبل الأفكار التي تعبر عنها نظرية المؤامرة، لذلك فهم غالباً ما يرفضونها وينبذونها، ويمقتون حتى مجرد الاستماع إليها ولأدلتها، وربما مارسوا بذلك إرهاباً فكرياً ولفظياً قاسياً وعنيفاً على المناصرين للنظرية، والناشرين لها، والمروِّجين للأدلة والوثائق التي تثبت صحتها في نظرهم.

وننتقل هنا إلى مستوىً أعمق من التحليل لهذا الموضوع، وهو ما يمكن أن نصل إليه بواسطة التأمل العميق للحالة الفكرية لفئات المثقفين فيما يتعلق بنظرية المؤامرة.

إننا نستطيع أن نلاحظ، هناك في تلك الأعماق السحيقة، أن أشرس الرافضين لنظرية المؤامرة هم مؤمنون بها في بعض جوانبها، من حيث يشعرون أو لا يشعرون! وبل ولا يمانعون من التصريح بذلك علناً بصيغة أخرى، وبحججٍ وتبريراتٍ ومصطلحاتٍ مختلفة، وعندما نحاول استكشاف الأمر أكثر فإننا نقف على الملاحظة التالية؛ وهي أن نظرية المؤامرة تتكون من عدة جوانب، من أبرزها الجانب العقائدي، والجانب الاقتصادي.

الجانب العقائدي لنظرية المؤامرة يتحدث عن حركاتٍ صهيونيةٍ عالمية، وحركاتٍ ماسونيةٍ سريةٍ هدَّامة، تقوم على أساسٍ دينيٍّ عقائديٍّ يهودي، وتدَّعي أنها تسعى لنشر مبادئ الإنسانية والمحبة والإخاء بين كل البشر على كوكب الأرض، على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأديانهم ومذاهبهم، لكنها في حقيقتها منظماتٌ هدامةٌ تسعى لإقامة دولة اليهود المزعومة، وترسيخ عقائدهم، وإحكام سيطرتهم على العالم، ليصير الأمميون غير اليهود عبيداً لهم، كما هو معروفٌ من عقائدهم التي يؤمنون بها، وأن كل ما يقع في عالمنا الإسلامي من أشكال الفساد إنما هو من تخطيط تلك النخبة الحاكمة وراء الظل، والصادرة عن منطلقٍ عقائديٍّ بحت، والتي استطاعت بالمال والنفوذ والدسائس أن تحكم قبضتها على المحاور المفصلية التي تشكِّل الأوضاع المعيشية والأخلاقية والفكرية لشعوب العالم وحكوماته.

وأما الجانب الاقتصادي لها فهو مبني على نظريات المال والأعمال والأرباح والأطماع، أي أنها متمركزة على محور رأس المال، وهي تتحدث عن أن دافع الجشع في نفس الإنسان قوي جداً إلى درجةٍ يصعب تصورها، ولذلك فإن معظم السياسات العالمية هي متمحورةٌ بالدرجة الأولى على رأس المال، وأن جشع المال هو التفسير الأنسب لكل أحداث العالم وظواهره وسياساته ودسائسه، وأن القوة العظمى هي قوة الدولار، وأن الحكام الحقيقيين للعالم هم أصحاب الشركات الكبرى العابرة للقارات، والذين يستطيعون بنفوذهم الاقتصادي الهائل أن يتحكموا في سياسات العالم بما يخدم مصالحهم الخاصة.

إننا نستطيع أن نؤمن بأنه ومن وجهة نظرٍ منطقية، لا يوجد تناقض أو تعارض بين الجانبين، لكن الذي نلاحظه أن أشرس الناس عداءً لنظرية المؤامرة، هم في الواقع يعادون جانبها العقائدي فقط! في حين أنهم يتفقون تماماً مع (المؤامرة الاقتصادية) المتمثلة في استغلال النفوذ والدسائس، والسياسات الإعلانية والإعلامية، والتضليل عن الحقائق، وغير هذا من الأفعال التي يمكن تصنيفها – لغوياً وأخلاقياً – في خانة (التآمر).

ولنضرب مثالاً على ذلك، فقد يأتي متحمس لنظرية المؤامرة ليقول تعليقاً على فيلمٍ من الأفلام:

– “إنه فيلمٌ خطيرٌ يسعى لنشر أفكارٍ غامضةٍ شريرة، إنه مليءٌ بالرموز المحيرة، كما أنه مفعمٌ بالمشاهد الإباحية الفاسدة أخلاقياً، إن صناع هذه الأفلام يريدون نشر الرذائل وإشاعة العقائد الباطلة وإفساد أخلاق الناس!”

وهنا سيرد عليه عدو النظرية قائلاً، بغضبٍ وانفعالٍ كعادته:

– “ليس لغبائكم حدود! الدافع الوحيد وراء كل هذا هو الأرباح المادية لشركة الإنتاج! كيف تصدق أن أولئك الأشخاص سيهتمون بزعزعة عقائدك أو إفساد أخلاقك؟! كبِّر عقلك! لا وقت لديهم لهذا الهراء! هم يريدون المال، المال فقط! تحقيق الأرباح هو الدافع الوحيد للإنتاج السينمائي.”

وإليكم مثالاً آخر، يقول فيه صاحب نظرية المؤامرة:

– “إنهم يريدون إفساد أخلاق المجتمع بواسطة إفساد المرأة، ألا ترون أنهم قاموا بتعرية المرأة المسلمة ونزع حجابها؟ ألا ترون أن الأخلاق تضيع في عالمنا الإسلامي؟ ألا ترون أن الشركات العاملة في مجال الموضة والملابس ومستحضرات التجميل تستهدف بوضوحٍ الهوية الإسلامية وطريقة الحياة؟ أليست تفرض علينا الأذواق والتوجهات ونمط العيش؟ ألا ترون أنها تستهدف الهوية والأخلاق؟ ألا ترون أن السياسات الإعلانية للماركات العالمية قائمة أساساً على الكذب والخداع والتضليل؟”

وسيجيبه عدو النظرية قائلاً، بثورةٍ وانفعالٍ عارمين كعادته:

– “الأرباح الاقتصادية هي السبب، وهي الدافع الوحيد الذي يحرك تلك الشركات، إنها تستغل الرغبات الإنسانية الطبيعية وتسعى لاستفزازها وتحفيزها، وعلى هذا الأساس تقوم كل السياسات الإعلانية لتلك الشركات، والمضلِّلة أحياناً، إنهم يريدون المال، وهم قد لا يؤمنون بالأخلاق مطلقاً، فلا تتوقع منهم تصرفاً أخلاقياً، إن صناعة الموضة والملابس ومستحضرات التجميل وغيرها هي نابعةٌ فقط عن الدافع الاقتصادي لتلك الشركات، ولا أستطيع أن أتصور أبداً أن المشرفين عليها يفكرون مجرد تفكيرٍ في أنهم يفعلون ذلك عمداً لسببٍ سخيفٍ مثل إفساد أخلاق النساء، أو سلخك عن هويتك الإسلامية! إن لهم انشغالاتهم الخاصة التي هي أكبر من هذا الهراء، وفي النهاية أنت حرٌّ لتلبس ما تشاء ولتعيش بالطريقة التي تريد!”

بالتدقيق جيداً في هذه العبارات الأخيرة، يمكن أن نلحظ بأن قائلها هو بالفعل مؤمنٌ بـ (نظرية المؤامرة)، رغم أنه يبذل جهوداً كبيرةً لمحاربتها، لكن ما يغفل عنه أنه يحارب نظرية المؤامرة في شقِّها العقائدي فقط، لكنه يتفهم جيداً فعل (التآمر) عندما يكون لأسبابٍ اقتصاديةٍ متعلقةٍ بجشع المال والنفوذ، يتفهم ذلك تماماً ويؤمن به، ولا يجد أدنى حرجٍ في تصديقه والاعتقاد به.

ولو تأملنا جيداً في سبب هذه المفارقة، فسنجده عائداً للتركيبة الفكرية بالدرجة الأولى، فهؤلاء الأشخاص هم قادرون على تفهم واستيعاب جشع الإنسان للمال والأرباح والنفوذ، وهو جشعٌ مبرَّرٌ ومفهومٌ في الطبيعة الإنسانية، وقد يدفع الإنسان لاتخاذ وسائل غير أخلاقية لإرضائه، كالتآمر مثلاً! والدسائس، والخدع والنفاق، هذه كلها أمورٌ يمكن أن نتفهمها عندما يكون الدافع وراءها هو المال، لا شيء أسهل من أن نتوقع بأن الهدف وراء مؤامرةٍ أو دسيسةٍ ما هو المال! هذا شيءٌ بسيطٌ للغاية ومفهومٌ وكثير الحدوث في الواقع، بل وفي أبسط مستويات الحياة اليومية، ولا يحتاج إلى كثيرٍ من الشرح، لكن ما يصعب تصديقه هو أن تكون مؤامراتٌ بهذا الحجم الذي تروِّج له نظرية المؤامرة نابعةً عن دافعٍ عقائدي!

هذه الفكرة تحديداً هي ما يبدو عصياً على الفهم بالنسبة لهم، إنهم لا يستوعبونها، وهي لا تتسع في عقولهم، إنها تبدو لهم وهماً من الأوهام لا يستطيعون تصديقه أو مجرد تخيله، لذلك فهم يرفضونها رفضاً قاطعاً، وبعنفٍ قد يصل أحياناً إلى مستوى الإرهاب الفكري، وهو ما يعود في غالب الأحيان لمكان العقيدة في نفوسهم، وهو مكان ضيقٌ صغير، وقد يكون شبه منعدم، لأنهم يفهمون العقائد على أنها آراءٌ شخصية، ولا يفهمون من الإسلام إلا أنه مجموعةٌ من العبادات، ويتضمن منظومةً من الأخلاق الحميدة في مجال المعاملات لا أكثر، ويتوقعون أن قادة العالم يفكرون أيضاً بهذه الطريقة، لذلك فإن عقولهم لا تستوعب أن تكون هناك حركاتٌ كبرى في العالم تنطلق من رؤيةٍ عقائدية.

هم يفهمون جيداً أن يتآمر الإنسان لأجل المال، لكنهم لا يفهمون أن يتآمر من أجل رضا الله وجنة الآخرة!

وربما كان من أبرز مظاهر هذا (الإرهاب الفكري) الذي يتورط فيه من يحاربه؛ تصويرهم لأنصار نظرية المؤامرة على أنهم أشبه بالنعامة التي تدفن رأسها في التراب كي لا ترى الحقيقة، لكن بالتفكير جيداً في الأمر فإننا نجد أن هذا الوصف هو أكثر انطباقاً عليهم! فالعكس هنا هو الصحيح، لأنهم يرفضون الإيمان ببعض النظريات فقط لأنهم لا يريدون ذلك، أو لأنها لا تلائم أوهامهم وأفكارهم، ودون أن يبذلوا أي جهد علمي يُذكر لتقصي الحقائق المجردة كما هي، بعيداً عن أي تفسيرات أو أهواء فكرية، وبهذا يصير تشبيه (النعامة التي تدفن رأسها في التراب) منطبقاً عليهم تماماً، لدرجة أنهم عاجزون بالفعل حتى عن رؤية أنفسهم!

بقي أن نشير إلى أنه حتى لو كان أعداء النظرية على حق، وأنصارها على باطل، فإن الأمر المؤكد أن أنصار نظرية المؤامرة محمَّلون على الدوام بالوثائق والحجج التي يستدلون بها ويفسرون بها نظرياتهم، ولهم تأثيرهم البالغ على الناس بواسطة تلك الوثائق، صحيحةً كانت أم ملفَّقة، في حين أن أعداء النظرية، في غالب الأحيان، لا نجد عندهم سوى الرفض القاطع بدون سبب، والسخرية والاستهزاء، وإلقاء التهم بالجهل والتخلف، ودائماً يكون ذلك بأسلوبٍ انفعاليٍّ غاضبٍ متهافت، وبتفسيراتٍ لا تكفي للإقناع العقلي حسب قواعد المنطق السليم في تناول الأشياء وفهمها، وهو ما أشار إليه بوضوحٍ رائعٍ الأستاذ الدكتور جلال أمين في كتابه (خرافة التقدم والتخلف).

ومن وجهة نظرٍ شخصية، فقد يقنعني أحد أنصار النظرية بدليلٍ ملموسٍ يحضره لي، بصورةٍ أو مقطع فيديو أو مقتطفٍ من وثيقة أو كتاب، لكني لن أجد في نفسي أي ميلٍ للاقتناع بكلام شخصٍ لا يفعل سوى أن يحاول صرف بصري عن النظرية إلى جهةٍ أخرى، مكتفياً بأن يقول لي:

– “لا تصدق مثل هذه الأشياء، إنها تضخِّم من حجم العدو وتجعلك تتلذذ بدور الضحية، وبهذا فهي تعيق تقدمك نحو الأمام وتملأ رأسك بالأوهام الكاذبة التي لا وجود لها!”

لستُ هنا من أنصار نظرية المؤامرة، ولا من الداعين لتصديقها، بل إني لم أبين موقفي الكامل منها في هذا المقال، لكن ما أدعو إليه الآن هو التوقف عن ذلك الإرهاب الفكري الذي يمارسه البعض، ثم التجرد لطلب الحقائق الملموسة كما هي، والمبرهَن عليها بالأدلة الموثَّقة، ولا يكون هذا إلا بالتجرد العلمي الكامل، والانسلاخ عن الأهواء والنزعات، والتحلي بقدرٍ كبيرٍ من الصراحة مع النفس تكفي لقبول الحقيقة كيفما كانت، شرط أن تثبت بالدليل العلمي القاطع، ومهما كانت تلك الحقيقة مخالفةً لاعتقاداتنا السابقة، ولقناعاتنا التي ربما يتبين لنا في نهاية المطاف أنها كانت خاطئةً تماماً.

وسأظل معتقداً دائماً أن الحوار العلمي المتبادل، والقائم على أسسٍ عقليةٍ ومنطقية، والخالي من أي إرهابٍ فكري، هو الطريق الوحيدة لمعرفة الحقيقة، ولفهمٍ أفضل لأغوار النفس الإنسانية العميقة الغامضة، وهل كل ما نراه اليوم على كوكب الأرض من ألغازٍ محيرةٍ إلا أثر من آثار تلك النفس؟

والله المستعان على معرفة الحق واتِّباعه، وهو تعالى حسبنا ونعم الوكيل…

12/10/2013

الصفحة التالية «

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.