Dolcy 5 – الفصل السابع: النادلان (سي احمد) ~

31/05/2015 عند 18:12 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 4 تعليقات

.

dolcy-7-ahmed

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

* * *

(7) – النادلان (سي احمد) ~

تباشير الربيع في شهر مارس لعام 2014…

الجو يصير أكثر انتعاشاً وإنعاشاً، ويزداد تشبُّع الموجودات بألوانها الزاهية، الأحمر يصير أكثر حمرةً والأزرق أكثر زرقةً والأصفر أكثر صفرة، كل شيءٍ في طريقه إلى أن يصبح برَّاقاً زاهياً، وأما سواد الليل فما زال يولِّي هارباً في ساعات اليوم الخلفية منذ عدة أسابيع.

أذان المغرب صار متأخراً بكثيرٍ عما كان عليه في أيام الشتاء، وهو ما صار يطرح عندنا نفس التساؤل الذي كان يطرحه أذان العشاء في الشهور الأولى من العام، عندما يكون اليوم عبارةً عن ليلٍ طويلٍ تتخلَّله سويعاتُ نهارٍ قليلة: هل نجلس قليلاً بعد صلاة العشاء أم ننصرف؟

والآن في فصل الربيع صار السؤال كالآتي: هل نجلس قليلاً بعد صلاة المغرب أم ننصرف؟

تقرر لدينا في ذلك اليوم أن نعود لمقهانا العزيز Dolcy 5 بعد صلاة المغرب، على اعتبار أنْ ليس عند أكثرنا زوجاتٌ وأولاد ننشغل بهم! ولأن أبا محمدٍ السلفي كان موجوداً فقد أبى إلا أن نذهب للصلاة في مسجد (موسى بن نصير)، ابتغاءً لمزيدٍ من الأجر والثواب بسبب استكثار الخطوات من جهة، وتلمُّساً للقراءة المرتَّلة الجميلة لإمام ذلك المسجد من جهةٍ أخرى.

وتحت أضواء طنجة الوليدة لتوِّها، وفي أعتى لحظات الاشتباك بين النهار المدبر والليل المقبل، كنا نحن الأربعة نشقُّ طريقنا وسط زحام المارة في البولفار الكبير، وقد تخلَّف قليلاً إلى الوراء كلٌّ من جلال و(سي مصطفى)، وأحسب أنهما يتناقشان كالعادة حول المباراة القادمة وأسعار العقار ومشاكل السيارات، في حين كنتُ أصغي لما يقوله أبو محمدٍ السلفي حول غياب التدين وانتشار البدع والمعاصي بين الناس، وشيوع التبرج وقلة الحياء بين نساء المسلمين، ثم نتناقش معاً حول ما قاله الشيخ الفلاني في رده على الداعية الفلاني بخصوص النازلة الأخيرة التي أثارت جدلاً واسعاً في الساحة الدينية والفكرية…

وصلنا أخيراً… وعدنا لقواعدنا سالمين في مقرنا المركزي، لكن لحظة!

ما هذا؟!

اتسعت عيوننا من الدهشة والمفاجأة، وقلَّب (سي مصطفى) وجلال أكفَّهما تعجباً واستغراباً… هذه مقاعدنا التي تركناها في خارج المقهى وقد احتلها أناسٌ آخرون جاؤوا في فترة ذهابنا للصلاة، كانوا يرمقوننا بنظراتٍ مستغربةٍ متحديةٍ تقول بوضوحٍ تام: (من أنتم وما تريدون؟).

اشرأبَّ جلال بعنقه إلى داخل المقهى متلمِّساً النادل (سي احمد)، في حين هتف (سي مصطفى) بصوتٍ حانقٍ وهو يتميَّز غيظاً:

– “(سي احمد)! سحقاً! ما هذا السخف؟!”

وما إن رآنا (سي احمد) وقد عدنا إلى مقهاه حتى هبَّ إلينا بخطواتٍ واسعةٍ متسارعةٍ وهو يحمل صحفة الأكواب والأباريق، ليجدنا جميعاً نحدِّق فيه بعيونٍ ناريةٍ ونحن نقاوم رغبتنا في تمزيق جثته! قال وهو يزمُّ شفتيه مدارياً حرجه دون أن يتخلى عن شيءٍ من وجومه وعبوسه الدائمين:

– “لكن… والله حسبتكم قد انصرفتم بشكلٍ نهائي! لم أعرف أنكم ستعودون!”

أجابه جلال بلهجةٍ حاول جعلها تبدو مهذبةً لكن دون جدوى:

– “هداك الله يا (سي احمد)، هداك الله! ليست هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها شيءٌ كهذا، ثم بالله عليك؛ هل كنا لننصرف دون أن ندفع ثمن ما شربناه؟!”

قال (سي احمد) وهو يجيل بصره في وجوهنا جميعاً:

– “أفما كنتم لتضعوا شيئاً على مقاعدكم حتى أعرف بأنكم عائدون؟ ما كنت لأمنع زبوناً من الجلوس في مقعدٍ شاغرٍ ليس فيه ما يدلُّ على أن صاحبه انصرف لدقائق وسيعود!”

فكرتُ في أنه محق… كان علينا أن نضع – كما كنا نفعل دائماً – شيئاً ما على مقاعدنا للإشارة إلى أنها محجوزة، لكننا كثيراً ما لم نكن نجد ما نضعه على المقاعد، فإذا لم يطلب (سي مصطفى) إبريق الشاي الذي يصعد – كما يزعم – إلى دماغه مباشرةً قبل أن ينزل إلى معدته، فلا سبيل إذاً للحصول على قطعة الثوب التي توضع على مقبض الإبريق لتحمي الكفَّ من حرارته، وحتى لو حصلنا على واحدةٍ فمن أين نأتي بأخرى وأخرى لبقية المقاعد؟ كما أنه ومنذ أقلع جلال عن التدخين لم نعد في حاجةٍ إلى منفضة السجائر، وصرنا ندفعها إلى الطاولة المجاورة.

تدخل أبو محمدٍ السلفي لتهدئة الأوضاع ومنعها من الاشتعال:

– “لا بأس، لا بأس، لعله خير… على العموم سننصرف الآن، فلتعذرنا يا (سي احمد)، هو سوء تفاهمٍ لا أكثر… أعانك الله.”

وفي الطريق إلى مواقف سيارات الأجرة قرب (سينما موريتانيا)، كان جلال يزمجر وقد استبدَّ به الغضب:

– “تباً له! إنه يتعمد ذلك، لهذا أقول لكم دائماً أن علينا الجلوس في الداخل!”

ولم يكن (سي مصطفى) أقل منه هيجاناً وغضباً:

– “تباً! سحقاً! أشعر أن هذا الأمر متعمد! لم يكن يحدث هذا في الماضي لكنه صار يحدث الآن، ما معنى هذا؟! والله لولا أن Dolcy 5 تقع في موضعٍ ملائم، ووالله لولا أن الشاي فيها هو الوحيد الذي يصعد إلى دماغي مباشرة، لما عدت للجلوس فيها أبد الدهر! من يظن نفسه (سي احمد) هذا؟ وكأنه ضاق ذرعاً بنا ويريد طردنا من المقهى! وهل هو مقهى أبيه أو ورَّثه له جده؟! وهل نحن نتسوَّل من عنده القهوة والشاي؟ إننا ندفع ثمنها من جيوبنا ومن أموالنا التي نبذل فيها ساعات يومنا وعرق جبيننا!”

عربيٌّ حارُّ الدماء هذا الفتى… هوِّن عليك يا (سي مصطفى)! لا أعتقد أن الأمر يستحق كل هذا الغضب… لكنه المدخل الشهير للشيطان عندما يريد الإفساد بين المسلمين؛ الإيهام بأن الآخر قد أراد بتصرفه ذاك إهانتك والنيل من كرامتك، وأن سكوتك عن ذلك سيُعتبر ذلةً ومهانةً وخزياً، لذلك يجب الأخذ بالثأر والتكشير عن الأنياب واستعراض عضلات القوة دفاعاً عن الكرامة التي يراد هدرها… أكثر العداوات والخصومات بين الرجال تقوم لأسباب كهذه، وما زال الغلو في تفسير بعض الأقوال والتصرفات البسيطة على أن لها خلفيةً باطنةً تخالف ظاهرها البريء، ويراد بها استهداف الكرامة والنيل من الشرف، من أكثر البيئات خصوبةً لنثر البذور الشيطانية التي تنبت زقُّوم العداوة والبغضاء بين المسلمين.

لو عبَّرت عن خواطري هذه لجلال لاتهمني بالسذاجة وبإحسان الظن أكثر مما يلزم، لكني لست قلقاً على (سي مصطفى) في نهاية الأمر، سينسى الأمر برمَّته بعد دقائق قليلة! إن له قدرةً عجيبةً على إعادة العدَّاد إلى الصفر دون الاحتفاظ بأية أحقاد أو ذكرياتٍ سيئة، وغداً سأراه يتبادل القهقهات والتعليقات الضاحكة مع (سي احمد) وكأن شيئاً لم يكن، والحق أن هذه من أكثر الخصال الطيبة التي أحبها في (سي مصطفى) وأقدِّرها كثيراً…

* * *

وحتى أسلط مزيداً من الضوء على عنصر (النادل) في مقهانا المفضل Dolcy 5، والذي نأمل أن نحسن التأريخ له في هذا النص المتواضع، فإني أخبركم أنه كان للمقهى نادلان طيبان دائمان، يتقاسمان اليوم إلى قسمين؛ قسمٍ للفترة الصباحية وقسمٍ آخر للفترة المسائية، وكان يحدث أن يتبادلا الأدوار أحياناً، بحيث ينتقل النادل الصباحي إلى فترة المساء والعكس.

وأما ما يرتديه النادلان من الملابس فكان شيئاً فظيعاً ينمُّ عن ذوقٍ بشعٍ للغاية، وأرى أن من اختار لهما تلك الملابس مستحقٌّ للمحاكمة الصارمة ولعشر سنواتٍ سجناً نافذاً! وكانت تلك الثياب الموحدة – لإضفاء طابعٍ من النظام والأناقة – عبارةً عن سروالٍ من الثوب الأسود أصابه البلى، حتى كاد يفقد لونه الفاحم ليتحول إلى شيءٍ يشبه الرمادي البرَّاق! وقميصٍ أبيض فقد الكثير من بياضه هو الآخر، وفوق القميص كانت هناك صدريةٌ بلا أكمام، ولم يكن لها لونٌ واضحٌ إلا ما نتج من تداخل تلك الخطوط العمودية الكثيفة المزدحمة بيضاء وسوداء، أو رماديةٍ وسوداء لا أدري بالضبط! وهو ما جعل منظرهما الخارجي أشبه أحياناً بشاشة تلفازٍ معطل! وأحياناً أخرى يبدوان مثل سجينين من سجناء الأفلام القديمة، أو لعلهما كذلك فعلاً! ولو أن الخطوط في الصدرية كانت عموديةً وأكثر اتساعاً وأقل عدداً، لكانا أشبه شيءٍ بشخصيات المسلسل الكرتوني القديم Les daltons.

والأسوأ من هذا كله كان ارتداءهما لربطة عنق، وأظن أنه يراد بها – من وجهة نظرٍ تسويقيةٍ نفسيةٍ – إشعار الزبون بأنه إنسانٌ مهم، لأنه يجلس في مقهى يقوم على خدمته فيه أناسٌ متأنقون يرتدون ربطة عنق!

كان اسم النادل الأول (أحمد)، وأما النادل الثاني فكان اسمه – وهذه مشكلة – (أحمد) أيضاً!

صار عندنا الآن اثنان من (سي احمد)، وقد احتجنا إلى طريقةٍ ما للتمييز بينهما تفادياً للخطأ والخلط، وحتى يعرف الأصدقاء من منهما بالضبط المقصود بالحديث. ثم إنه قد عُقدت مشاورةٌ جديةٌ حول هذا الموضوع، وأسفر الاجتماع المنعقد عن قرارٍ نهائيٍّ هو كالآتي:

– “هذا نسميه (سي احمد رقم واحد)، والآخر (سي احمد رقم اثنين)!”

عُلم ويُنفذ!

إلا أن هناك مشكلةً سرعان ما طفت على السطح لتفسد علينا قرارنا (الحكيم) هذا؛ إذ لم تمض سوى أيامٌ قليلةٌ حتى (تلخبط) الشباب بين الرقمين، وما عدنا نذكر أي الرجلين أطلقنا عليه الرقم واحد، وأيهما صاحب الرقم اثنين!

وهكذا فشل القرار الأول فشلاً ذريعاً، وصار لزاماً علينا البحث عن حلٍّ بديل…

وكان جلال قد زعم بأنه توصل – بعبقريته المعهودة – إلى طريقةٍ فعالةٍ تنهي اللبس بشكلٍ نهائي؛ وهي أن نطلق على أحدهما (سي احمد الصباح)، وعلى الآخر (سي احمد المساء)!

ولا داعي للذكر – طبعاً – بأن خطة جلالٍ (العبقرية) هذه قد وُلدت ميتة! لأن الدوريات بين النادلين تتغير باستمرارٍ في كل مرة، وحصة الصباح عند أحدهما قد تتحول إلى حصةٍ مسائيةٍ في أية لحظة، والعكس صحيح، فلم يكن هنالك أي معنىً لبناء التمييز بينهما على أساس الحصة الصباحية لأحدهما أو الحصة المسائية، لذلك كان علينا أن نتوصل إلى تفريقٍ صارمٍ بين الرجلين لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان، وهو ما وُفِّقنا إليه بعد حين…

ذلك أن أحد النادلين كان حليق الوجه تماماً، في حين كان الآخر يصطنع شارباً، وبهذا توصلنا إلى الحل الجذري لهذه المشكلة العويصة، وصار عندنا أخيراً (سي احمد شوارب)، وزميله (سي احمد بلا شوارب)! وقد نجحت هذه الطريقة نجاحاً تاماً وآتت أُكلها والحمد لله، ولم يعد يشكِّل التفريق بين الأحمدين أي لُبسٍ يُذكر…

ولما لم تكن الحصص المسائية لـ (سي احمد بلا شوارب) كثيرةً بالمقارنة مع حصص زميله، فإن تعاملنا معه كان محدوداً بعض الشيء، ولذلك سأكتفي بكلماتٍ قليلةٍ موجزةٍ ستكون كافيةً في وصفه.

كان (سي احمد بلا شوارب) رجلاً في الأربعينيات من عمره، أو هكذا يبدو! وكان نحيلاً جداً، ولولا انحناءةٌ خفيفةٌ في ظهره لبدا أطول مما هو عليه.

وأما تقاسيم ملامحه السمراء فكانت توحي بالكآبة والتجهُّم والعبوس، فقد كان مكفهرَّ الوجه أبداً، غائر العينين صغيرهما، معقوف الأنف، دقيق الذقن، لا أذكر أني رأيته مبتسماً قط، وأما نظراته الثاقبة المخترقة بشكلٍ يوهمك بأنها حقودةٌ جداً، فقد كانت توحي بأنه يريد بك شراً مستطيراً، وأنه لا يطيق وجودك بالقرب منه، وأنه يرغب في الخلاص منك في أية لحظةٍ وبأية طريقة!

باختصار… لقد اجتمع في مظهر (سي احمد بلا شوارب) جميع المواصفات التي تجعله ملائماً تماماً لدور (شرير السينما)، أو (السفَّاح) الذي يتسلى في وقت فراغه بذبح البشر وأكلهم على العَشاء! والحقيقة أني ما كنت لأستغرب لو فاجأتنا يوماً ما سيارة (الأمن الوطني) وهي تشقُّ شارع البولفار، ثم ليداهم رجال الشرطة المسلحون المقهى ويلقوا عليه القبض، ويقتادوه مقيداً مسحوباً إلى السيارة، لأجل أن ينال جزاءه العادل على جرائمه الشنيعة التي اقترفها في أيامه الماضية!

لقد انتظرت لحظةً كهذه وتوقعتها، لكنها – وخلافاً لتوقعاتي – لم تأتِ! بل لقد أثبت تعاقب الشهور والسنوات أن (سي احمد بلا شوارب) رجلٌ مسالمٌ وطيبٌ جداً، حسن الأخلاق، ومهما فتشتُ في ذاكرتي فلن أجد في صفحته أي شيءٍ مريبٍ على الإطلاق، وكان علي أن أستسلم في النهاية لحقيقة أننا لم نر منه شراً قط، بل لم نر منه في الواقع إلا خيراً! وكانت هذه من الوقائع التي علَّمتنا ألا نحكم على الناس من مظاهرهم الخارجية، ومن انطباعاتهم الأولى، وأن الصور كثيراً ما تكون خادعة.

لقد تعاملتُ كثيراً في حياتي القصيرة الماضية مع أناسٍ ملائكيين في مظهرهم الخارجي، لكنهم ينطوون في دواخلهم على وغدٍ شريرٍ لا خلاق له، وهذه المرة كان علينا أن نعترف بأن العكس قد يكون صحيحاً أيضاً، وبأن المظهر الشرير قد يخفي وراءه نفساً طيبة وأخلاقاً حسنة.

على أن من السذاجة البالغة إطلاق استنتاجٍ متسرعٍ كهذا، لأننا – عملياً – لم نتعرف على (سي احمد بلا شوارب) بما يكفي، بل كانت علاقةً سطحيةً لا تتجاوز علاقة الزبون بنادل المقهى، وهي علاقةٌ لا تكفي لتكوين أي رأيٍ أو إصدار أي حكم.

ربما كان شريراً فعلاً، وربما كان حقاً يذبح الناس ويطبخهم ويتناول لحومهم على العَشاء! لكن ما من سبيلٍ لإثبات ذلك على كل حال، وحسبنا منه أننا لم نر منه شراً طيلة هذه السنوات التي تعاملنا معه فيها في مقهى العجائب Dolcy 5.

على كل حال، ما علينا… دعونا منه الآن ولننتقل إلى بطل الأمسية ومحبوب الجماهير؛ النادل الكهل الذي لا يؤمن بالتكنولوجيا، والذي بسببه كنا نصلي المغرب والعشاء في اتجاه (زمبابوي) طيلة خمس سنواتٍ خلت أو زهاءها… إنه الأستاذ الكبير والنادل المقتدر (سي احمد شوارب)!

كان (سي احمد شوارب) أكثر اجتماعيةً وثرثرةً من زميله الـ (بلا شوارب)، وهو رجلٌ من النوع الذي يشيب شعره ولا يشيب شاربه، خمسينيُّ العمر أو هكذا يبدو! يضع نظاراتٍ على عينيه، ولما كانت معظم حصصه مسائيةً فقد جعله ذلك حاضراً في أكثر جلساتنا في مقهانا العجيب، حتى أنه حفظ وجوهنا جيداً وحفظنا حركاته وكلماته، وكان يخاطب الأصدقاء بأسمائهم، بل كثيراً ما كان يأتي للسلام علينا ومصافحتنا عندما نحتلُّ مقاعدنا في نهاية اليوم، وهي علامةٌ نادرةٌ تدل على أن هناك علاقةً وديةً وطيدةً نشأت بين نادل المقهى وزبنائه الدائمين.

غير أن ما فاجأني حقاً هو أنه عرف اسمي وصار يخاطبني به، رغم أني لم أخبره به من قبل، بل لا أذكر أني دخلت معه في أي حديثٍ أو نقاشٍ قط، فمن أين عرف اسمي؟ ومن أطلعه عليه؟ هل يكون أحد الأصدقاء أخبره به؟ ولماذا يفعل؟ سألتهم جميعاً فلم يعترف أي واحدٍ منهم – الأوغاد! – بأنه أخبر النادل باسمي، أو ذكرني عنده من قبل بخيرٍ أو شر!

لا بأس… سأبحث أكثر في هذا الموضوع لاحقاً، ويبدو أن (سي احمد شوارب) بات يحب أن يتجاذب معنا أطراف الحديث، وصار يروق له أن يتبادل مع جلال و(سي مصطفى) تعليقاتٍ كرويةً حول المباريات الراهنة، وحول ما جدَّ في عالم (ميسي) و(البارسا) و(الريال مدريد) والدوري الإسباني و(الكلاسيكو) وغير ذلك من هذا الهراء الذي أمقته ولا أفقه فيه حرفاً. ثم يحلو له أحياناً نقل دفة الحديث إلى الأحداث العالمية والقضايا الشائكة، وكانت لدى (سي احمد شوارب) آراء ومواقف سياسيةٌ يعبِّر عنها بحماسةٍ شديدة، وتتلخص كلها في فكرةٍ بسيطةٍ جداً مفادها أن (قناة الجزيرة) هي الأفعى المسمومة التي تقف وراء جميع الكوارث والمصائب العظمى التي نعاني منها، وأن مذيع القناة (فيصل القاسم) هو السبب الحقيقي والأكبر وراء كل الاضطرابات والفتن والحروب التي تستعر نيرانها في عالمنا العربي والإسلامي! وكان (سي مصطفى) يتفق معه في هذا الرأي اتفاقاً تاماً، رغم أن (سي احمد شوارب) نفسه كان يضع التلفاز على (قناة الجزيرة الإخبارية) أغلب الوقت! وأحياناً كان يغيِّر القناة إلى (ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي)، وكل هذا طبعاً في حال لم تكن هناك مباراةٌ من مبارايات الكرة التي يتكدَّس الشباب لمتابعتها بملامح ذاهلةٍ وشفاهٍ سفلى متدلية.

وكنا نتلقى من نادلنا العزيز أحياناً نصائح (أبويةً) يسديها لنا خالصةً من قلبه، على اعتبار أنه سبقنا إلى هذه الدنيا وخبر الحياة أكثر منا بكثير. وكان من نصائحه لنا ذات يومٍ أن نتجنب – ما أمكننا ذلك – تناول لحم الخنزير، لأنه يقتل الغيرة ويورث الدياثة! وكان قد تحمس لنصيحته هذه بشدة، وأقسم عليها أغلظ الأيمان!

– “أقسم بالله العظيم أن هذا حق! إياكم أن تأكلوا لحم الخنزير، جميع الرجال الذين أكلوه تحولوا إلى خنازير! ولم يعد الواحد منهم يغار على نسائه وحُرَمه! هذا أمرٌ ينبغي الانتباه له وأخذه على محمل الجد! والله إنه لحقٌّ وليس مجرد خرافاتٍ وكلامٍ فارغ!”

هززنا رؤوسنا في اتعاظٍ وتأثرٍ بموعظته البليغة هذه، ووعدناه بأن نبذل جهودنا للتخلي عن هذه العادة القبيحة، والتوقف – ما أمكننا ذلك – عن أكل لحم الخنزير!

الأمر صعبٌ يا (سي احمد) لكننا سنحاول، نعدك!

ثم إني قد احتجتُ زمناً طويلاً كي أتعود على طريقته الفريدة في خدمة زبائنه، ولا سيما في بداياتي (الدولسية)، إذ أن حدة السمع وسرعة رد الفعل لدى (سي احمد شوارب) هي مهاراتٌ تجعله يسرع لتلبية طلب الزبون بسرعةٍ فائقةٍ دون أن يهزَّ رأسه أو يظهر له بأنه سمع طلبه! وكان عندما يقف أمامي منتظراً ما سأقول، وما أن أنطق بالحرف الأول من كلمة (قهوة):

– “قـ…”

حتى يكون قد انصرف وتوارى في داخل المقهى، تاركاً إياي أكمل الجملة وحدي كمن يكلم نفسه:

– “…ـهوة بالحليب لو سمحت!”

وهو ما كان يبدو لي – قبل أن أتعود عليه – استهتاراً بالزبون وانصرافاً عنه وتجاهلاً لطلبه، وقد هممتُ أكثر من مرةٍ بمناداته والنهوض للحاق به، لولا أن (سي مصطفى) كان دائماً يجذبني من ذراعي ليعيدني إلى وضع الجلوس وهو يقول:

– “لا داعي، لا داعي، لا تقلق! لقد سمعك تماماً، وسيأتيك بما طلبته بعد قليل. هذا هو (سي احمد) وأنا أعرفه، يجب أن تتعود عليه! ويجب أن تتذكر دائماً أنه لا يعترف بما يسمى (إشعاراً باستلام)، ليس عنده في قاموسه شيءٌ اسمه accusé de réception.”

هكذا إذاً… لا بأس، يجب أن أصبر وأمري لله! خاصةً وأن (سي احمد شوارب) كان بالفعل يعود بعد لحظاتٍ حاملاً معه كوب القهوة الذي طلبته منه بلا زيادةٍ ولا نقصان…

يجب أن أعترف أن هذا الـ (سي احمد شوارب) رجلٌ بارعٌ حقاً في مهنته، ومن الواضح أنه راكم خبراتٍ طويلةٍ استمرت لأعوامٍ مديدةٍ في مهنة نادل المقهى، حتى صارت لديه تلك المهارة التي تشبه مهارة لاعبي السيرك في المشي مسرعاً مهرولاً وهو يحمل صحناً متخماً بأباريق الشاي وأكواب القهوة، دون أن يفقد توازنه ودون أن يُسقط شيئاً من ذلك على الأرض.

إلا أن نادلنا العزيز قد اكتسب – مع مرور الزمن – عادةً قبيحةً جداً، وصار يفعل شيئاً هو أسوأ ما يمكن أن يفعله نادلٌ في مقهى…

لقد صار (سي احمد شوارب) يقتطع بنفسه ذلك الدرهم الإضافي الذي نتركه له على سبيل الـ (بقشيش)، ولم يعد يكلِّف نفسه عناء القيام بتلك الحركة المصطنعة التي يجيدها كل نادلٍ في كل مقهى، عندما يتظاهر مجرد تظاهرٍ بأنه يهمُّ بإعادة الدراهم الباقية كاملة، ليشير الزبون بتلويحةٍ خفيفةٍ من يده تقول (لا بأس، خذ الباقي)! فيلقي النادل عبارة شكرٍ ممتنةً ويواصل عمله.

لقد كان هذا هو الحال في الأيام الأولى، لأن ثمن القهوة في مقهى Dolcy 5 هو تسعة دراهم، وكنا إذا أعطينا لـ (سي احمد شوارب) قطعةً نقديةً من فئة (عشرة دراهم)، فإنه يهمُّ بإعادة درهمٍ واحدٍ لنا، لكننا نشير بأيدينا بما معناه (لا داعي، خذ الباقي)، ونولي منصرفين ونحن نسمع دعاء النادل لنا: (شكراً، الله يخلف، الله يرحم الوالدين).

وقد صار (درهم البقشيش) هذا من الأعراف السائدة في المجتمع، وعندنا كذلك في مقهانا، وصار مسلَّماً عند الجميع أن سعر القهوة في Dolcy 5 هو عشرة دراهم وليس تسعة. وأما العجيب في الأمر هو ما ثبت لنا من أن (سي مصطفى) نفسه يترك درهم البقشيش لـ (سي احمد)! وهذه معجزةٌ خارقةٌ لم نكد نصدِّقها حتى تأكدنا منها بأنفسنا، وقد برَّر (سي مصطفى) استثناءه هذا بلهجةٍ خجولةٍ كمن يداري عيباً أو يعترف بخطيئةٍ أو ذنب:

– “أأأ… في الواقع… في الحقيقة… إن (سي احمد) صديقٌ عزيز… وإن Dolcy 5 بمثابة بيتنا الثاني، فلا بأس إذاً ببعض الاستثناء والمرونة أحياناً، رغم أن درهم البقشيش هذا لا أساس له من الناحية الاقتصادية وقد يكون له تأثيرٌ سلبيٌّ على المدى الطويل!”

إلا أن المشكلة بدأت عندما صار (سي احمد شوارب) متعوداً تماماً على درهم البقشيش هذا، وصار إلى اقتطاعه بنفسه مما نعطيه له من الأوراق النقدية، وتخلى تماماً عن تلك الحركة التمثيلية التي يهمُّ فيها بإرجاع الباقي لنا… بمعنى أنه صار يدسُّ قطعة العشرة دراهم في جيبه وينصرف، وإذا ما أعطيناه ورقةً نقديةً من فئة عشرين درهماً اكتفى بأن يردَّ علينا قطعةً من عشرة دراهم فقط دون الدرهم اليتيم المتبقي!

وهنا دقَّ ناقوس الخطر عند الأصدقاء…

– “ليست هذه هي المرة الأولى التي يفعلها… هذا تطاولٌ غير مقبول!”

– “إن الزبون يترك للنادل درهم البقشيش تفضلاً منه وتكرماً، وأما أن يأخذه النادل بنفسه فهذا نقص احترامٍ وقلة أدب… يجب أن نوقف (سي احمد) عند حده… من يظن نفسه؟ هذا كثير!”

وعادت من جديد مسألة (صراع الكرامة) تلك…

إن درهماً واحداً لا قيمة له في واقع الأمر، والذي أغضب الأصدقاء – لو أردنا تحليل الأمر من وجهة نظرٍ نفسيةٍ – ليس قيمة المال المأخوذ، لكن طريقة أخذه التي فسَّروها وفهموها على أنها تطاولٌ وقلة احترامٍ واستغفال، والاستغفال ينطوي دائماً على استهانةٍ واحتقار، وهو ما يُعتبر استهدافاً غير مقبولٍ للشرف والكرامة!

لم يكن ما يطلبه الأصدقاء أن يأخذوا الدرهم المتبقي، لكن الذي كانوا يطلبونه هو فقط أن يستمر (سي احمد شوارب) في أدائه لتلك الحركة التمثيلية! هم يريدونه فقط أن يتظاهر بأنه يهمُّ بإرجاع الباقي، ليقوموا هم بالصفح عنه بحركةٍ من أيديهم… هذا هو مطلبهم الوحيد الذي يمنحهم الشعور بأن التفضل والتكرم جاء منهم، وإلا عُدَّ ذلك استغفالاً لهم واستخفافاً بشأنهم من طرف نادل المقهى… وهي في واقع الأمر مفارقةٌ عجيبة!

وقد انعقد بيننا اجتماعٌ طارئٌ لتدارس هذا الأمر، وكان أبو محمدٍ السلفي قد بدأ الاحتجاج فعلاً، وهو ما رواه لنا بصوتٍ منخفضٍ ونحن نتقارب من بعضنا البعض برؤوسنا، كي لا يسمعنا (سي احمد شوارب)!

– “لقد استوقفتُه بالأمس بعد أن همَّ بالانصراف، وسألته بأدبٍ عما إذا كان سعر القهوة قد تم رفعه، فأجفل وارتبك وبدا عليه الحرج الشديد، ثم…”

(سي احمد شوارب) يمر بجانبنا، تتباعد رؤوسنا ونطلق ضحكاتٍ مصطنعةً على مواضيع لا علاقة لها بما كنا نتحدث عنه… لقد مرَّ وابتعد أخيراً والحمد لله، تتقارب رؤوسنا من جديدٍ ويواصل أبو محمدٍ كلامه:

– “كنت أقول أنه ارتبك بشدة، وقال بأنه لا وجود لأي زيادةٍ في سعر القهوة، الأمر وما فيه أنه نسي إرجاع الدرهم المتبقي، وأدخل يده في جيبه ليعيده لي، لكني لم آخذه منه وقلت له بأنْ لا بأس، وبأني كنت أريد التأكد لا أكثر…”

قال جلال ضاحكاً وكان قد أخذ الموضوع على محمل الجد:

– “أوقد فعلتها؟ لله درُّك! أتمنى أن يفهم إشارتك هذه، وإن لم يفهمها فسيكون مستحقاً لتصعيد.”

تدخل (سي مصطفى) قائلاً وقد أثار الموضوع غيظه:

– “يفهم أو لا يفهم! يجب أن نوقفه عند حده، هذا هو ما كان يقصده الشاعر بقوله (وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا)… نتفضل عليه بدرهمٍ كاملٍ له وزنه الثقيل في ميزانية الدولة، لكننا نتنازل عنه رغم أن تراكم هذه الدراهم الضائعة يحدث خللاً في البنية المالية ويؤثر على مصداقية المؤشرات الماكرواقتصادية للمملكة، ثم يكون جزاؤنا مقابل هذه التضحية اليومية أن يتصرف بهذه الطريقة المتغطرسة! لنقطعنَّ عنه هذا الدرهم إلى الأبد فهو لا يستحقه، ووالله لا يصلح معه إلا…”

(سي احمد شوارب) يقترب من طاولتنا، تتباعد رؤوسنا من جديدٍ وتستوي وضعيات جلوسنا، ونصطنع ضحكاتٍ وأحاديث تافهةً لا علاقة لها بالموضوع… يمرُّ (سي احمد) بجانبنا عابساً كعادته وهو يرمقنا بطرف عينيه بتشككٍ واضح، وما أن ابتعد حتى تقاربت رؤوسنا من جديدٍ واستؤنفت الوشوشة:

– “ماذا كنت أقول؟ آه، نعم… قلت بأنه لا يصلح معه إلا أن نقطع عليه هذا البقشيش الذي لا يستحقه، بدءاً من الغد سنظل واقفين على رأسه ننتظر منه أن يعيد لنا الباقي كله، وحتى لو انصرف نستدعيه ونستخلصه منه رغماً عنه، وعندما يعطينا الدرهم لا نتركه عنده، بل نضعه فعلاً في جيوبنا وننصرف! هكذا فقط سنقتل غروره وعجرفته، ونعلِّمه أننا لسنا أطفالاً ولسنا أغبياء ولسنا غافلين.”

قال جلال وقد راقت له الفكرة وتحمس لها:

– “نعم… أوافقك في هذا تماماً، ويجب أن نتحد على ذلك جميعنا حتى لا يظن أن المسألة موقفٌ شخصيٌّ مع واحدٍ منا فقط، فهل اتفقنا؟ بدءاً من الغد إن شاء الله؛ لا بقشيش لـ (سي احمد)، اتفقنا؟”

وجاءت الأجوبة المتحمسة بالقبول:

– “اتفقنا!”

– “اتفقنا!”

– “اتفقنا!”

وهكذا تمت حياكة مؤامرتنا الصغيرة هذه ضد (سي احمد شوارب)، وأما ما حدث بعد ذلك فهو شيءٌ أخجل من ذكره! لأنه وإن كانت نسبة نجاح المؤامرة من الناحية النظرية 100%، فإن نسبة نجاحها من الناحية العملية لم تتجاوز 0%.

كيف ذلك؟

الجواب ببساطة: نسينا الأمر برمَّته بعد دقائق، ولم ننفذ شيئاً!

غلبت علينا العادة فاستمررنا على نفس الوتيرة، أو ربما كان ما غلب علينا حقاً هو الخجل أو الحياء، إذ لم يكن من اللائق أن تلحَّ على استخلاص درهمٍ واحدٍ من نادل المقهى الذي ظللت تجلس فيه وتتفيَّأ من ظلاله خمس سنواتٍ كاملةٍ أو أكثر.

وفي الحقيقة… كان هذا رأيي منذ البداية، فحتى لو كان (سي احمد شوارب) وغداً شريراً يختلس درهم البقشيش ويقتطعه بنفسه بطريقةٍ متعمدة، فلا بأس عندي في ذلك، ليفعل ما بدا له! أن أتغافل عن الأمر وأتناساه تماماً ولا أعيره أي اهتمامٍ أفضل وأخفُّ مؤونةً من أن أكلف نفسي عناء مواجهته بالخطط والمؤامرات والمواقف المحرجة، لا لشيءٍ سوى لأثبت له أني صعب المراس ولستُ غافلاً ساذجاً، وأنه لا يُضحك علي حتى في درهم بقشيشٍ واحد!
لا يبقى في النهاية إلا المعاملة الطيبة والذكرى الجميلة…

لم يمض وقتٌ طويلٌ على واقعة البقشيش هذه حتى تم إغلاق Dolcy 5 بشكلٍ نهائي، ولم نر (سي احمد شوارب) بعد ذلك إطلاقاً في أي مكان، وتحول النادل الكهل العبوس إلى ذكرى باسمةٍ نسترجعها أحياناً في مقاهٍ أخرى لا (سي احمد) فيها، وسط قهقهاتٍ عالية أحياناً، ووسط ابتساماتٍ مفعمةٍ بالحنين أحياناً أخرى…

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل السادس: أصدقاء الألفباء ~

31/05/2015 عند 17:40 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 5 تعليقات

.

dolcy-6-abc

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

* * *

(6) – أصدقاء الألفباء ~

– “أستأذنكم… سأنزل للصلاة!”

أقولها لهم وأنا أنهض من مقعدي متوجهاً نحو الداخل، يلتفتون إليَّ وهم في خضمِّ مناقشتهم الحامية حول السيارات وأنواعها ومشاكلها، إنها المواضيع الشبابية التي تغيظ الفتيات دائماً، تماماً كما تغيظنا نحن مواضيعهن البناتية! إلا أني سأظل مصراً على أن مواضيعنا أهم وأنفع للبشرية لارتباطها الوثيق بالحياة والواقع، عكسهن تماماً!

– “طيب… انتظرنا فنحن على أثرك.”

ثم تتقارب رؤوسهم من جديدٍ لاستكمال حديثهم الشائق حول البنزين والفرامل والدوَّاسات والقطع المعقدة التي لا أعرف عنها شيئاً، ولا يفوتهم كذلك أن يناقشوا حيل الميكانيكيين النصَّابين وأسعار السيارات المختلفة الجديدة منها والمستعملة. والحق أن مواضيع السيارات هذه مملةٌ لي أيضاً، لأني ببساطةٍ – وخلافاً لمعظمهم – لا أملك واحدة! لذلك أفضِّل أن أخرس وأسرح بتفكيري في شيءٍ آخر.

ذلك المتحذلق جلال مصرٌّ على إقحام نفسه في النقاش رغم أنه لم يملك سيارة قطُّ، والذي يثير غيظي أكثر أنه يتحدث بثقةٍ تامةٍ وأستاذيةٍ مختالةٍ وكأن (هنري فورد) نفسه تتلمذ على يديه!

– “هيا، أسرعوا، لن أنتظركم… دقيقتان وأقيم الصلاة!”

ولا أنهي كلماتي هذه إلا وقد غبتُ عنهم داخل المقهى، لأصير وسط تلك الأضواء الخافتة التي تضفي أجواءً (رومانسيةً شاعريةً) على المكان، ويكون عليَّ أن أعبر مساحة المقهى وسط الطاولات المستديرة والمقاعد التي ضاقت ذرعاً بأجساد الجالسين عليها، وأغلبهم من الكهول الذين يفردون الجرائد على مصاريعها، والذين تلتمع بالنور البرتقالي صلعاتُهم البرَّاقة ونظَّاراتهم التي تشفُّ عن عيونٍ خاملةٍ متعبة، وقد استقرَّت شواربهم البيضاء في مكانها الدائم فوق شفاههم الملولة وتحت أنوفهم التي لم تتوقف عن النمو منذ وُلدوا.

يمر بجانبي النادل (سي احمد) بخطواته الرشيقة المتفانية في خدمة زبنائه، نتبادل تحية (هز الرأس) مع ومضةٍ خاطفةٍ بالحاجبين وابتسامةٍ سريعة.

أنزل الدرج المؤدي إلى قبو المقهى، لقد تعودتُ تماماً على حركة الانحناء الزائدة أثناء نزول الدرج، تفادياً لذلك الجزء المنخفض من الجدار، والذي لو لم تنتبه له فسيصدم جبهتك وربما يشجُّها شجاً! لذلك تم تدعيم الحافة الخطرة بالإسفنج المغلَّف بالجلد، وهو ما جعلها لينةً غير ذات خطر. كنتُ في بداية إدماني على هذا المقهى أجد صعوبةً في تذكر هذا الحاجز المزعج، وكدتُ أصدم جبهتي به أكثر من مرة، قبل أن أتعود على الانحناءة الرشيقة التي صارت أخيراً حركةً لا إراديةً تصدر من نخاعي الشوكي بدل دماغي.

إنها مهارةٌ لا يجيدها إلا المخضرمون الأشدَّاء من (الدولسيين)!

انتهى الدرج، وصرتُ في (العالم السفلي) لمقهى Dolcy 5 أخيراً، وخلَّفتُ ورائي ضجيج المقهى والضحكات الصاخبة ولغط المارة وعجلات السيارات… لا شيء هنا إلا الصمت، الصمت ولا شيء غيره…

(الله أكبر)!

لا أحد هنا على ما يبدو، باستثناء بعض المصلِّين الذين أسمع تكبيرهم وترتيلهم الخافت للقرآن الكريم، سأنتظر فراغهم من الصلاة لأن المكان لا يتسع للجميع.

(سمع الله لمن حمده)!

لسببٍ ما لم تأت السيدة اليوم، إنها قادرةٌ على الحركة إذاً ما دامت تستطيع الاختفاء والغياب عن مجلسها الأبدي الذي يبدو لي أنه كان أزلياً!

(الله أكبر)!

ألقي نظرةً فاحصةً على المكان الموحش المعتم الذي زرتُه ألف مرةٍ من قبل؛ قاعةٌ واسعةٌ بمساحة المقهى، غير أنه لم تصطفَّ فيها الطاولات والكراسي بشكلٍ اعتياديٍّ مهيَّئٍ لجلوس المرتادين، بل تُركتْ أغلب المساحة فارغةً تماماً، وقد اقتُطعت من زاويتها اليسرى مساحةٌ صغيرةٌ جُعلت مسجداً للصلاة، وفي أقصى القبو نُصبت طاولاتٌ ومقاعد رُتِّبت على نحوٍ يشبه (قاعة اجتماعاتٍ سرية)، وقد علمتُ لاحقاً أن هذا القبو المعزول عن الصوت مكانٌ محبَّبٌ جداً للجمعيات والنقابات والعصابات السرية وجميع أولئك الذين يحبون التعبير عن آرائهم المتعصِّبة بالصراخ والشجار والضرب على الطاولة بشدةٍ وعنف.

(الله أكبر)!

وتقوم وسط القاعة بضع سوارٍ تمنع السقف من الانهيار، وقد ثُبِّتت عليها وعلى أكثر الجدران ملصقاتٌ ضخمة، ويبدو أنها ملصقاتٌ دعائيةٌ تابعةٌ لإحدى الجمعيات، ولو اقتربتَ لتتأكد من ذلك فستجده كما ظننتُ، وستجد أن تلك الإعلانات جميعاً تابعةٌ لجمعيةٍ اسمها (جمعية مربِّي الحمام الأصيل بطنجة)، وعلى ما يبدو فإن هذا القبو كان محجوزاً للجمعية في وقتٍ مضى، أو هو لا يزال محجوزاً لها في أيامٍ وأوقاتٍ محددة.

(سمع الله لمن حمده… ربنا ولك الحمد)!

وأما المساحات التي شغرت من الملصقات فقد ثُبِّتت عليها مرايا استولت على أكثر الجدران والسواري، وقد اكتشفتُ أن تعدد المرايا وانعكاس بعضها على بعضٍ يوفِّر لي متعةً نادرة؛ وهي أنها تتيح لي النظر إلى نفسي من زوايا كثيرةٍ جداً منها ما هو مستحيلٌ في المرآة الواحدة، وهكذا وجدتُ نفسي أخطو هنا وهناك لأتعرف على نفسي وكيف أبدو من الزاوية الخلفية، أو من الزاوية الجانبية، أو من زاوية 38 درجة من الخلف، وكذلك من زاوية 88 درجة من الجانب، ولا أنسى طبعاً زاوية 16 درجة من الأمام مع إرسال النظرة إلى الجانب الأيسر!

(الله أكبر)!

لكن… أحقاً هذا هو أنا؟ أحقاً أبدو هكذا للآخرين؟ لأول مرةٍ أرى نفسي من زوايا لا يمكن أن يراني منها إلا الآخرون، وقد كان لقبو Dolcy 5 فضلٌ عليَّ في اكتشاف أني لم أكن أعرف نفسي حقاً، وأن الانطباع الذي كان عندي عن شكلي الخارجي لم يكن دقيقاً بما يكفي!

(الله أكبر)!

إنها نفس تلك الدهشة التي تعتريك عندما تشاهد مقطع فيديو لك وأنت تتحرك وتتكلم، وينتابك ذلك الخليط العجيب من الدهشة والخجل لأن مظهرك هذا ليس هو ما تعرفه عن نفسك، وأن صوتك الذي تسمعه هو صوت شخصٍ آخر لا يمتُّ بصلةٍ لصوتك الرخيم الذي تعرفه!

(الله أكبر)!

ربما كان هذا من الأسباب التي تجعل الممثلين وأهل الإعلام مستحقين لبعض الغبطة، إذ ينبغي أن يكونوا أعرف الناس بحقائق أنفسهم، لأنهم يرون أشكالهم بعيون الآخرين ويسمعون أصواتهم بآذانهم!

أتقدم خطوةً أخرى وأشرئبُّ بعنقي لأكتشف صورتي التي ستنطبع على تلك المرآة هناك، وأعتقد أنها زاوية 45 درجة من الجانب الأيمن، هكذا إذاً يراني جلال عندما أكون جالساً بجانـ…
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… السلام عليكم ورحمة الله)!

فرغ القوم من الصلاة أخيراً… بحركةٍ سريعةٍ أتوقف عما كنتُ أفعله، وأدسُّ يدي في جيبي وأقطِّب حاجبيَّ مرسلاً نظرتي إلى الأرض، وأتمشى ذهاباً وجيئةً بخطواتٍ وقورةٍ توهم بالانتظار، وأحاول رسم الجدية على ملامحي متظاهراً بأني أفكر في الملف النووي الإيراني وتداعياته المستقبلية على السياسة الدولية.

يدسُّ المصلون أقدامهم في أحذيتهم وينصرفون صاعدين الدرج، لقد فرغ المسجد أخيراً وصار بإمكاني أداء الصلاة فيه. ومسجد Dolcy 5 هو عبارةٌ عن مساحةٍ صغيرةٍ مربَّعةٍ فُرشت بحصيرٍ رديء، وحُدَّت من جوانبها بجدارٍ من المقاعد الكثيرة الموضوع بعضها فوق بعض، ولأن القبلة كانت إلى زاوية المربع وليس إلى ضلعه، فلم يكن المسجد يتسع لأكثر من أربعة مصلين وصفٍّ واحدٍ فقط، ولم يكن ممكناً إضافة صفٍّ ثانٍ إلا بالتزاحم الشديد والعنت.

ومن طرائف الأمور أنه ما كانت هناك في المسجد إشارةٌ لجهة القبلة، عدا قطعةً صغيرةً من الورق المقوَّى كُتبت عليها كلمةٌ بخطٍّ جاف، والواضح من أسلوب الخط أن كاتب الكلمة أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب! وكانت الكلمة المكتوبة شيئاً عجيباً يراد به (القبلة)، غير أن المتأمل لها يجد أنها – وبسبب أخطاء الرسم الشنيعة – قد تكون أي شيءٍ إلا أن تكون (القبلة)! وقد كنتُ أقرؤها أحياناً (القبة)، وأحياناً أخرى (القالة)… المهم أنها لم تكن (القبلة) بحالٍ من الأحوال.

وكانت قطعة الورق المقوَّى هذه ملقاةً بإهمالٍ في زاوية المربع، وقد ظللنا نصلي إلى جهتها مدة سنواتٍ طويلة، حتى اكتشفنا أخيراً وفي آخر أيام Dolcy 5، وعن طريق الصدفة فقط؛ بأن اتجاه القبلة الذي كنا نصلي إليه خاطئٌ تماماً، وأن الاتجاه الصحيح لها منحرفٌ بزاويةٍ قدرها 45 درجة تقريباً!

ثارت ثائرة الشباب بعد هذا الاكتشاف الصادم، وصار الجميع يشكُّ في صحة صلاته للمغرب والعشاء منذ أكثر من أربع سنواتٍ خلت! وقد أزمع (سي مصطفى) أمره على أن يحمِّل النادل (سي احمد) مسؤولية هذه الغلطة الجسيمة، فذهب إليه وواجهه بالأمر، إلا أن النادل (سي احمد) – وهذا ما أثار غضب (سي مصطفى) – لم يعر الأمر اهتماماً يُذكر، بل اعتبره مجرد تخليطٍ وثرثرة شبابٍ وفلسفةً فارغة! مما جعل (سي مصطفى) يدعو النادل (سي احمد) إلى النزول معه والتأكد بنفسه وسط شهادة الشهود!

وافق (سي احمد) – بتواضعٍ يُحسب له! – على هذا العرض، ونزل إلى المسجد مع (سي مصطفى)، وكان هناك عددٌ من الشهود منهم جلال، وأبو محمدٍ السَّلفي، وآخرون!

ثم إن (سي مصطفى) قد وُفِّق إلى أن يثبت علمياً بأن اتجاه القبلة خاطئ، مستعملاً تطبيق البوصلة في جهاز iPhone، فلم يقتنع (سي احمد) بذلك ورفضه بشكلٍ قاطع، فاستعمل الشباب تطبيق البوصلة في جهاز Samsung، ولم يقتنع (سي احمد) أيضاً! بل أصرَّ بتعصبٍ واستماتةٍ على أن اتجاه القبلة الصحيح هو الذي كان من قبل، وأن البوصلات وأجهزة الهواتف الذكية إن كانت تشير لاتجاهٍ آخر فالعيب فيها هي، وليس في قطعة الورق المقوَّى!

قال (سي احمد) كلماته النهائية هذه وعاد صاعداً الدرج ليواصل عمله، بخطواته الواثقة إياها، وقد بدا أنه غير مستعدٍّ على الإطلاق لتغيير رأيه والاقتناع بدقة التكنولوجيا، غير أن (سي مصطفى) أبى إلا أن يتصرف بنفسه ليريح ضميره، فتناول قطعة الورق المقوَّى ووضعها في اتجاه القبلة الصحيح، وانصرف إلى حال سبيله.

بعد يومٍ أو يومين؛ فوجئ الشباب بأن قطعة الورق المقوَّى قد عادت إلى مكانها الأول، وليس غيره (سي احمد) من فعل ذلك! تباً… إننا نحتاج لمعجزةٍ عظمى كي نجعل هؤلاء الكهول يؤمنون بدقة التكنولوجيا، وعرفنا أن الأفضل لنا أن نيأس من محاولة إقناعه، وأن نفعل ما نحن مقتنعون به وكفى.

وذلك ما كان؛ فقد صرنا نصلِّي إلى الجهة الصحيحة، ونخبر بذلك الناس الذين يتفق أن نتقاطع معهم في المسجد، بغضِّ النظر عن الاتجاه الذي تشير إليه قطعة الورق الغبية تلك…

* * *

ومما كان موجوداً في القبو دورة مياهٍ غير معتنىً بها ولها بابٌ مهترئ، وكانت ضيقةً جداً تغلب عليها القذارة، وكنتَ تجد على بابها من الداخل عدة زخارف ونقوشٍ رُسمت بالأقلام والأدوات الحادة، وتتناثر ههنا وههناك عباراتٌ بذيئةٌ جداً وألفاظٌ فاحشةٌ للغاية، وأرقام هواتف لا تدري – أو تدري – سبب وجودها هناك، وأحياناً كنتَ تجد شعاراتٍ سياسيةً جريئة، وهي جرأةٌ تليق بدورات المياه على كل حال! أذكر منها مثلاً عبارة (يسقط بنكيران)، وقد حُفرت على الباب بخطٍّ أسود ثخين، ثم جاء في وقتٍ لاحقٍ من شطب عليها بعنف، واضعاً فوقها علامة x بقلم أحمر منفعل!

مناقشةٌ سياسيةٌ بليغةٌ جداً، وأبطالها أناسٌ لا يعرفون بعضهم بعضاً، ولا يجمع بينهم شيءٌ إلا دورة مياه Dolcy 5 القذرة!

وقرب الباب من الخارج كانت تقوم مغسلةٌ صغيرةٌ مخصصةٌ للوضوء، وكانت هي الأخرى على درجةٍ لا بأس بها من القذارة، وقد وُضعت على حافتها قطعة صابونٍ هزيلةٌ تحتضر، وقد شارفت على النفاد لكثرة ما غُسل بها من الأيدي التي تتوضأ للصلاة.

غير أن الجزء المؤسف من هذا المشهد كان منظر تلك السيدة البائسة التي غلَّف سحنتَها طابعٌ مزمنٌ من الكآبة والحزن، وكانت تمضي كل الأمسيات أو جلَّها جالسةً على كرسيٍّ صغير يبعد ثلاثة أمتارٍ أو أربعةً عن باب دورة المياه، وأمامها طاولةٌ صغيرةٌ وُضع عليها صحنٌ مخصصٌ لتلقي الصدقات، والتي لم تكن سوى تلك الدريهمات التي يجود عليها بها الخارجون من دورة المياه كمقابلٍ لحراستها لهم…

حراسةٌ مماذا؟ من لا شيء!

الخدمة الوحيدة التي تقدمها السيدة هي أن تخبر من ينزل الدرج قاصداً دورة المياه بأنها مشغولة، وليست هذه بخدمةٍ ذات بالٍ كما ترون، لأن الباب يكون مغلقاً من الداخل أصلاً، كما أن حراستها لسترات المتوضئين ومعاطفهم ليست ذات غَناءٍ على كل حال. بل إن الأمر – بكلماتٍ صريحةٍ – هو استجداء إحسان، تسوُّلٌ قُنِّع بشكل فاشل!

أشعر بالأسف كلما رأيتها جالسةً على كرسيها دون حراك، مهنةٌ كهذه تمتهن الكرامة الإنسانية بشكلٍ فاجع، وقد كان صدري ينقبض في كل مرةٍ أشاهد فيها هذا المنظر الذي لا يليق ببني البشر، وأتجنب النظر في عينيها وأنا أضع درهماً على صحنها وأسرع بالانصراف…

سيدةٌ أربعينيةٌ تمضي كل الوقت جالسةً ووجهها إلى دورة المياه على بعد أمتار منها في مقهىً شعبي، لا تفعل شيئاً سوى انتظار ذلك (الدرهم) الذي يجود به عليها ويلقيه في صحنها كل من يمرُّ بجوارها ممن استعمل دورة المياه لتوِّه.

لكم هذا محزن… لماذا لم نسمع حتى الآن أي تغطيةٍ إعلاميةٍ تلقي الضوء على هذه (المهنة) التي لا يكاد يخلو مقهىً منها؟ هذا الصنف من النساء مهمَلٌ ومنسيٌّ تماماً، وأعتقد أنه يستحق التفاتةً حقوقيةً ما، لأن هذا الوضع منافٍ تماماً للكرامة الإنسانية بشكلٍ عام، ولكرامة المرأة بشكلٍ أخص…

وكان من خصائص تلك السيدة أنها هادئةٌ جداً، وصموتةٌ جداً لا تُرى لها حركةٌ ولا يكاد يُسمع لها صوت، إلا كلمةً واحدةً فقط كانت تقولها بشكلٍ آليٍّ تماماً لكل من يضع لها درهماً، وتلك الكلمة هي (شكراً!)، ورغم تعاقب الأشهر والسنوات في مقهى Dolcy 5 إلا أني لم أسمع من المرأة أي كلمةٍ أخرى غيرها! ولو أني ادَّعيتُ لأحدٍ بأن تلك المرأة هي تمثالٌ دائمٌ منصوبٌ هناك، أو إنسانٌ آليٌّ متقن الصنع، أو آلةٌ مبرمجةٌ على نطق كلمة (شكراً!) فور سماعها لصوت اصطدام الدرهم بالصحن، لما بدا ذلك غريباً أو خيالياً، ولما وجد ذلك الأحد أي صعوبةٍ في تصديقي!

وأما ملامحها الكئيبة فكانت جامدةً تماماً على تعبيرٍ واحدٍ لا يتغير، وكأنها بالفعل تمثالٌ قُدَّ من الصخر! لا تبتسم ولا تغضب، لا تضحك ولا تتكلم، ولولا خشية المبالغة لقلت بأن طرفها لا يرتدُّ إليها!

إلا أن جلالاً قد أكد لي، في أحد الأيام؛ أن هناك حالةً واحدةً معينةً فقط شوهدت فيها ملامح المرأة وهي تتغير تغيراً طفيفاً نحو الغضب والعبوس! وبدا لي الأمر عصياً على التخيل، ولم أصدقه في بداية الأمر، ولم أستطع حتى أن أتصور المشهد في ذهني، لكنه أقسم لي يميناً على أنه رآها أكثر من مرةٍ وقد امتقع وجهها قليلاً مع عبوسٍ خفيف، ثم استنتج أن هذا التغير في ملامح المرأة لا يحدث إلا في حالةٍ واحدةٍ فقط؛ وهي مرور (سي مصطفى) بجوارها!

نعم، الآن لا غرابة… إذا عُرف السبب بطل العجب! أستطيع الآن أن أتخيل الوضع بسهولة، والسبب – بطبيعة الحال – هو أن هذا الرجل (سي مصطفى) هو الوحيد في العالم الذي لم يسبق له أن أعطى المرأة أي درهمٍ على الإطلاق، وذلك لأن (ضميره الاقتصادي) لا يسمح له بالخضوع لمثل هذا الابتزاز الصارخ، ولأن الأمر في بعده الفكري متعلقٌ بـ (الأحوال الاقتصادية المتأزمة في إطار الظرفية السوسيولوجية التي يعيش فيها شباب المغـ…)!

على كل حال… بدا الأمر لي مثيراً، وقررتُ أن أتأكد من الموضوع بنفسي، فتحايلتُ مرةً على (سي مصطفى) متحرياً لحظة مروره بجوار السيدة المسكينة، وكانت دهشتي عظيمة حقاً!
ربَّاه! كان جلالٌ العبقري على حق!

ها هو ذا (سي مصطفى) يرتدي معطفه بعد أن فرغ من الوضوء، وها هو ذا يمر بجوارها دون أن يضع لها درهماً، وها هي ذي ملامح السيدة وقد امتقعت قليلاً، مع عبوسٍ خفيفٍ وتقطيبٍ طفيفٍ للحواجب!

يا للهول… ما زال (سي مصطفى) قادراً على إغضاب من لا يغضب!
إن هذا بحقٍّ إنجازٌ عظيمٌ جديدٌ يُضاف إلى إنجازات (سي مصطفى) التي لا حصر لها، وإلى مواقفه الطريفة التي نرويها عنه دائماً، وهي مواقف جديرةٌ حقاً بكتاب (البخلاء) لأديبنا الجاحظ عليه رحمة الله!

* * *

(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… السلام عليكم ورحمة الله)!

فرغتُ من صلاتي، والتفتُّ لأجد أن الشبحين الواقفين أمامي هما جلال و(سي مصطفى)، وكانا يتمتمان بالقرآن بعيونٍ مسبلةٍ تنظر بوقارٍ إلى موضع سجودهما.

خرجتُ من المسجد لأكتشف أن (قاعة الاجتماعات السرية) قد امتلأت بما يزيد عن عشرة شبابٍ متحمسين! أحياناً أنزل للصلاة فأجد القبو يضجُّ بصراخهم، وأحياناً أخرى أجد في القبو صمت القبور…

سيبدأ الشباب في الصراخ بعد قليل، وسترتفع أصواتهم وتُضرب الطاولاتُ بقبضاتهم، لكن من أجل ماذا ينفعلون بهذه الطريقة المنكَرة؟

بدا لي منظرهم مضحكاً! وخاصةً عندما لا أفهم شيئاً عما يتحدثون عنه ويتشاجرون من أجله… والحق أني أجد صخب الاجتماعات ذاك مضحكاً دائماً؛ أن ترى أولئك الشبَّان الذين يصرخون بأعلى ما في حناجرهم من صوت، ويضربون الطاولة بأشدِّ ما في قبضاتهم من قوة، وتتساءل ساخراً هل هناك فعلاً في هذا العالم موضوعٌ يستحق كل هذا الانفعال؟!

ذكَّرني مشهدهم ببعض فصول الرواية العظيمة (البؤساء) لأديب فرنسا المقتدر (فيكتور هيغو)، وخطر لي انطباعٌ بأن المكان الموحش بإضاءته الخافتة وملصقاته الجدارية الكثيرة؛ شبيهٌ تماماً بمقهى (الموزين musain)، والذي كان يشهد اللقاءات الغامضة التي تعقدها فيه جمعية شباب (أصدقاء الألفباء – Les amis de l’ABC)، من أجل التشاور السري حول إعدادات الثورة على النظام الملكي القائم.

نعم… ما أشبه تلك الاجتماعات الصاخبة الهادرة للشباب الجمعوي في قبو مقهى Dolcy 5 باجتماعات (أصدقاء الألفباء) في مقهى (الموزين)… إنه النور الخافت والطابع العتيق للمكان والملصقات الجدارية الكثيرة، إنه ذلك الصخب، ذلك الصراخ الجماعي، ذلك الانفعال المفرط المبالغ فيه، تلك النظرات الجاحظة الشرسة، تلك الأذرع التي يلوَّح بها بجنون…

الجميع يحاول فرض رأيه بالقوة، وجميع الآراء متصلِّبةٌ لا تقبل التنازل ولا المناقشة، وأما محاولات التهدئة فهي فاشلةٌ كلها بلا استثناء…

ينهض ذلك الشاب المهذَّب باسطاً كفَّه اليسرى وواضعاً طرف سبَّابته اليمنى على باطنها، في إشارةٍ منه إلى (نقطة نظام)، لكن أحداً من المجتمعين لا يعيره اهتماماً، بل ينهض شابٌّ غاضبٌ آخر واقفاً ويقذف بأقسى الكلمات الانفجارية بأعلى صوتٍ ممكن، ويكون بذلك عند نفسه بمثابة من يدلي بشهادةٍ خطيرةٍ إلى محكمة التاريخ، ثم يجلس بعد انتهاء خطبته العصماء والشرر يتطاير من عينيه، لكنه يبدو مع ذلك مرتاح الضمير لأنه (قال كلمته وأدى ما عليه للتاريخ وللبشرية)!

وطبعاً؛ لا يكون الشاب الغاضب قد نجح في شيءٍ إلا في إثارة غضب البقية، والذين ينهالون عليه بالصراخ والعويل وهم يلوِّحون بأيديهم التي تكاد تقتلع رأسه، وعيونهم المشتعلة تكاد تخرج من محاجرها وتسقط على وجوههم، ولولا قوانين الجريمة القاسية لانقضُّوا عليه بلا رحمةٍ وافترسوه وأكلوا لحمه وكبده، وقطَّعوه إرباً إرباً!

أجواء ديمقراطيةٌ فاتنة! لكنها مشاهد متعوَّدٌ عليها في قبو الأشباح لمقهانا العزيز Dolcy 5.

إلا أن فكرة التشبيه بـ (أصدقاء الألفباء) راقت لي حقاً، وألقيتُ نظرة على المجتمعين الذين ما زالوا في طور التسخينات النقاشية ولم تحتقن الأجواء بينهم بعد، كنت أعرف أن اشتعالها قادمٌ لا محالة وأنها مسألة وقتٍ فقط…

ذلك الشاب الوسيم هناك، ذو الملامح القيادية والحضور الآسر، لا شك أنه الزعيم (آنجولراس Enjolras). والمثقف الهادئ صاحب النظارات ذاك، الجالس بجواره، لا بد أنه المفكر العميق (كومبوفير Combeferre). ومن ذاك الذي زحف الصلع إلى رأسه مبكراً؟ نعم… إنه (ليغل Leagle). أرى هناك ضخم الجثة الذي لا يكفُّ عن الثرثرة وإلقاء التعليقات المتهكِّمة… نعم، طبعاً! ومن غيره؟ إنه محبوب الجماهير (غرانتير Grantaire)!

والبقية؟ هم بالتأكيد (جولي Joly) و(كورفيراك Courfeyrac) و(فوي Feuilly) و(باهوريل Bahorel)، ولست أدري هل (ماريوس Marius) معهم في ذلك الاجتماع، أم أنه ذهب إلى حديقة (اللوكسمبورغ) أو متنزه (إيبريا) قرب مسجد محمدٍ الخامس، متحرياً لقاء محبوبته الفاتنة (كوزيت Cosette)!

ابتسمتُ لهذه الخواطر الطريفة، والحق أني لو كنت مخرجاً سينمائياً وأردتُ إخراج مسلسلٍ أو فيلمٍ مغربيٍّ عن قصة البؤساء، فإني ما كنتُ لأجد مكاناً أفضل من هذا القبو لتصوير مشاهد الاجتماعات الثورية؛ اجتماعات (أصدقاء الألفباء) في مقهى (الموزين)!

خلَّفتُ القبو ورائي وصعدتُ الدرج عائداً إلى النور من جديد، تفاديتُ حافة الجدار الهابطة وأنا أدسُّ يدي في جيبي باحثاً عن قطعةٍ نقديةٍ من فئة (عشرة دراهم) لأناولها للنادل العزيز (سي احمد)، والذي ستكون لهذا النص كلماتٌ حوله في الفصل القادم منه بإذن الله تعالى، إذ لا تكتمل اللوحة الأدبية لمقهى Dolcy 5 إلا بالحديث عن نادله العبوس، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من ذكريات المقهى التي تستحق بكتابتها أن تُحفظ من الفناء، ومن أن يسحبها قطار النسيان الذي ينأى بنا عن كثيرٍ من لحظاتنا العذبة وذكرياتنا الجميلة…

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار ~

31/05/2015 عند 17:29 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 6 تعليقات

.

dolcy-5-oumsiyat

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

* * *

(5) – أمسياتٌ على قارعة (البولفار) ~

حقاً… لا فائدة تُرجى من هذا الفتى!

وخير ما أفعله الآن هو أن أنسى أمره وأستمتع بهذه الأمسية الرائقة من أمسيات مقهانا الحبيب، إنها أمسيات Dolcy 5 الجميلة…

أغوص أكثر في مقعدي طلباً لمزيد من الاسترخاء، سأحاول أن أضع دماغي جانباً وأن أبعد عن تفكيري جميع هموم الحياة ومشاغلها، وسأغرق نفسي تماماً في جمالية اللحظة، وأستنشق بعنفٍ هواء طنجة المسائي بملء رئتيَّ.

أستسلم للاسترخاء تماماً… وتتعاقب على حواسي مناظر وأصواتٌ ممتزجةٌ تشكِّل المشهد المعتاد الرائع.

لغط المارة وأصواتهم المختلطة، هدير عجلات السيارات، صخب رواد المقهى، ثرثرتنا وضحكاتنا العالية، الارتشاف المتلذذ للقهوة التي تتشعَّب نشوتها الحارة وتنتشر في الرئتين والعروق والأنسجة، طعم الفطائر الشهية التي اشتريناها من مخبزة البريد، كوب الماء البارد الذي يأتي مع القهوة، همساتٌ ذات معنى، مواضيع جديةٌ جداً، مواضيع هزليةٌ جداً، ممازحاتٌ ومشاكسات، ثم صمتٌ وانهماكٌ في شاشات الهواتف الذكية، ثم مطالعةٌ لوجوه الناس وقامات الغادين والرائحين، تبادل التحايا مع هذا وذاك… وغداً أمسيةٌ أخرى مماثلة!

إني أزداد حباً لهذا المكان حقاً، كيف لم أكن منتبهاً لروعته من قبل؟!

المساء يزحف بشكل أكثر إبطاءً بما أننا في أواخر الشتاء، سأشتاق كثيراً للأمسيات الشتوية، والتي كنت أشتاق إبانها لأمسياتنا الصيفية التي سنستقبلها عما قريب. هناك اختلافٌ كبيرٌ من الأمسيات الشتوية التي يرتفع فيها أذان المغرب في نحو الخامسة والنصف مساءً، وبين الأمسيات الصيفية التي يرتفع فيها أذان العصر في نفس الموعد تقريباً، وكلتا الأمسيتين وجهان لعملةٍ واحدة؛ إنها عملة الجمال الطنجي الثمينة التي لا تباع ولا تشترى…

أمسياتنا الشتوية تبدأ بآخر النهار حين يكون الظلام قد قال كلمته الأخيرة أو كاد، وتغمر الشارعَ الرئيسيَّ تلك الأضواءُ البرتقاليةُ الدافئةُ ومصابيحُ السيارات التي تشقُّ طريقها بتؤدة، ونحن نتدثر بملابسنا الكثيفة ومعاطفنا الثقيلة، نحتمي بها من لسعات البرد ودفقات المطر التي تغسل طنجة وتجعلها أكثر بهاءً وأعظم فتنة.

وأما الأمسيات الصيفية ففيها نعرِّض رقابنا وأذرعنا لتلك النسمات المسائية التي تواجه حرَّ الشمس ولفح القيظ، وتكون للشمسِ الساطعِ نورُها الكلمةُ العليا حتى ساعةٍ متأخرةٍ من المساء، زادها تأخراً الساعة الصيفية الإضافية المثيرة للجدل، والتي انقسم المغاربة بين مؤيدٍ لها ومعارض، بين محبٍّ لها وكاره.

وفيها كذلك تتحول القهوة الثقيلة الساخنة إلى مشروبٍ غازيٍّ بارد، وما زال جلال ينغِّص علي كل زجاجة (شويبس ليمون) أطلبها من (سي احمد)، بسبب نصائحه لي بالتوقف عن احتساء المشروبات الغازية لأنها مضرةٌ بالصحة وتسبب الأمراض والسمنة وبروز الكرش، وهو ما سيتسبب لي بأن ترفضني أي فتاةٍ أتقدم لخطبتها لأظل غولاً متوحشاً طول عمري!

وطبعاً صار من نافلة القول أن أذكر بأن جلالاً لا يلقي نصائحه هذه إلا وهو يستفُّ من دخان سيجارته ويبعثره حولنا في الهواء الطلق…

غير أني لم أكن أعرف ما الذي يعجب جلالاً في الجلوس بداخل المقهى! وهذه على كل حالٍ عادته الدائمة التي لم نعرف غيرها؛ لا يخيَّر هذا الأعرابي بين أمرين إلا اختار أقبحهما، وهو ما كان يغيظني بحق.

كنت أفضِّل دائماً الجلوس خارجاً قرب الرصيف، بحثاً عن مزيد من الضوء والهواء والقرب من عالم الناس، وكنت أشعر بالحنق والندم والاختناق في كل مرةٍ أساير فيها رغبة جلالٍ وأوافق على اتخاذ مقعدٍ في داخل المقهى. لم أستطع يوماً أن أفهم كيف يمكن لإنسانٍ أن يفضل الحجرةَ المظلمة على الفضاء الواسع، والإضاءةَ الخافتة الخانقة على نور الشمس أو مصابيحِ الإنارة وأضواءِ السيارات، ودخانَ السجائر المسموم على الهواء الطلق المنعش!

توجهتُ بسؤالي هذا إلى جلال، متوقعاً منه إجابةً عبقريةً كعادته، ولم يخيِّب ظني طبعاً! بل أجاب بحكمةٍ مزعومةٍ وحصافةٍ مدَّعاة:

– “إنه البرد يا صديقي… الجلوس بالخارج يعرِّضنا للبرد، ألا تشعر به يتغلغل في عظامك؟ يجب إذاً أن نجلس بالداخل حيث المزيد من الحرارة والدفء، لأن كثرة تعرُّضنا للبرد ستنتهي بنا إلى الروماتيزم وآلامه الممضة عندما نتقدم في السن!”

ويواصل تعليله السخيف هذا بلهجةٍ تتظاهر بالعمق وبعد النظر:

– “نحن الآن في سن الشباب لا نشعر بشيء، لكن في الشيخوخة سندفع ثمن طيش الشباب هذا، وسنصاب حتماً بالروماتيزم إذا ما بقينا نجلس في الخارج… يجب أن ننظر إلى المستقبل البعيد لا إلى اللحظة العابرة فقط، يجب أن نتوقف عن كوننا لا ننظر لأبعد من أنوفنا!”

ولا ينهي كلامه الحكيم هذا إلا وقد أشعل سيجارته المسائية التالية، ونفث دخانها في الهواء لتغطي سحابتُه مشهد الشارع المزدحم.

كدت أقول له بأنه يهرب من (الروماتيزم) المزعوم في الخارج، إلى دخان السجائر في الداخل، والذي يجعل منه مدخناً سلبياً إضافةً إلى كونه مدخناً بالفعل، وأن هذا الذي يفعله قد يؤدي به إلى (السرطان) في سنٍّ أقرب بكثيرٍ من شيخوخة الروماتيزم تلك التي يخوِّفنا بها!

كدت أقول له هذا لكني التزمت الصمت، والسبب أني قلت له نفس الكلام مراراً من قبل دون فائدة! كنت أعرف أنه لن يهتم، وأنه سيكتفي بهزةٍ متعظةٍ من رأسه وجذب نفسٍ من سيجارته، ثم ينحاز إلى داخل المقهى وسط الظلام والكآبة ودخان السجائر الذي لا يهمد.

اكتفيتُ بالإشارة له إلى أن معظم الذين يجلسون في الخارج هم كهولٌ أو شيوخٌ في الخمسينات والستينات من أعمارهم، وأنهم لا يخافون من أي (روماتيزم) قد يصيبهم بسبب البرد، لكنه لم يجب بشيءٍ طبعاً، كما توقعت، بل اكتفى بتلك الهزة من رأسه وأصر على الدخول إلى عالمه المظلم الكئيب وسط المصابيح التي تحتضر!

وعلى ذكر المصابيح؛ فإن (سي مصطفى) كان قد عبر عن استيائه البالغ من تلك الإضاءة الخافتة الكئيبة في داخل المقهى، والتي تقع في منزلةٍ فوق الشموع ودون المصابيح الصفراء، وبات يوجِّه الانتقاد اللاذع واللوم الشديد لصاحب المقهى الذي يهمل العناية به وتحسين مستواه، وأنه من وجهة نظرٍ اقتصاديةٍ فإن بعض الإنفاق على جودة الإضاءة من شأنها أن تستجلب للمقهى زبائن أكثر، لكن هؤلاء المستثمرين الأغبياء لا يفهمون، ويفضلون الاقتصاد في بعض المصاريف التي لو رفعوها أكثر قليلاً لعادت لهم بربحٍ وفير.

وكان قد عزم أمره مرةً على أن يصارح النادل (سي احمد) بفكرته هذه، وأن يحمِّله رسالةً إلى رئيسه ومالك المقهى يخبره فيها أن زبائنه الأوفياء يطالبون بإضاءةٍ أفضل. ثم إنه قد فعل، وكانت المفاجأة أن وجد الإجابة المفحمة حاضرةً عند النادل العبوس، والذي قال له بأن تلك الإضاءة الخافتة هي متعمدةٌ ومقصودة، وليست مجرد عشوائيةٍ وإهمالٍ وبخل، وسببها متعلقٌ بشيء من (الإخراج السينمائي) المتميز لفضاء المقهى، والذي يراد منه إضفاء أجواءٍ من (الرومانسية والشاعرية) عليه!

يا إلهي! أي رومانسيةٍ وأي شاعرية؟ أنا لم أر في حياتي أنثى واحدةً ترتاد المقهى، فضلاً عن حبيبين أو عاشقين! بل إن معظم رواده إما من الكهول والشيوخ المتخثِّرين في مقاعدهم، والذين يمضون الساعات في التدخين والنميمة والتحديق في التلفاز وتقليب أوراق الجرائد وحل ألغاز الكلمات المتقاطعة، وإما من الشباب الذين يقتلهم الملل والفراغ، ويمضون الوقت في مشاهدة المباريات ومتابعة الغاديات والرائحات، أو يحدِّقون في هواتفهم المحمولة ومحادثاتهم الغرامية، فما حاجة ذلك المقهى بالذات إلى أجواء رومانسيةٍ وشاعرية؟!

بدا لي التبرير الذي قدمه (سي احمد) سخيفاً ومبتذلاً جداً، ويفتقر لأبسط عوامل الإقناع العقلي، لكن العجيب حقاً وما أدهشني كثيراً هو أن (سي مصطفى) قد صدَّقه واقتنع به تماماً! وصار هو نفسه يدافع باستماتةٍ عن تلك الإضاءة الخافتة الكئيبة التي كان يكرهها ويحاربها من قبل، لأنها – وكما قال له (سي احمد) – تضفي على فضاء المقهى وأجوائه العامة مسحةً رومانسيةً شاعريةً محببة!

عجيب هو (سي مصطفى) هذا! إنه بحقٍّ تحفةٌ نادرة، ومما أعتقده جازماً أنه ينبغي تحنيطه عندما يموت، ووضعه في متحفٍ للآثار التاريخية، حتى يتمكن الشباب بعد مئة عامٍ أو مئتين من التقاط صورٍ تذكاريةٍ معه ونشرها في (الفيسبوك) الذي سيكون متوفراً عندهم في ذلك الوقت.

لكن ما علينا…

إنني ما زلت منزعجاً من تصرفات جلالٍ الناتجة عن فساد رأيه، ورغبته الدائمة في حشر نفسه في الداخل بين جدران المقهى، ووسط تلك الأجواء (الرومانسية الشاعرية) التي صار (سي مصطفى) يحبها فجأة! ويبدو أني قررت أن أتشاجر اليوم أيضاً مع جلال بسبب خلافنا الأزلي هذا حول الجلوس في داخل المقهى أو خارجه.

كان يحدث أحياناً أن يركب أحدنا – أو كلانا – رأسه، فأصرُّ أنا إصراراً شديداً على الجلوس في الخارج، ويصر هو إصراراً مماثلاً على الجلوس في الداخل، وسرعان ما يحتدم الجدل بيننا، ثم يفعل كل واحدٍ منا ما يدور في رأسه متجاهلاً رغبة الآخر تماماً، فأجلس أنا في الخارج وحدي، عابساً مُغْضباً، ويجلس هو في الداخل وحده، عابساً مُغْضباً أيضاً!

لا بأس بالجلوس وحيداً على كل حال، سأمارس هوايتي المحببة في مراقبة الناس والأشياء، وأرفع بصري لأتأمل نُدَف السحاب المتناثرة على صفحة السماء، وتختلط في أذني أصوات المارة مع عجلات السيارات، تقطعها أحياناً صافرة إسعافٍ تبدأ منخفضةً ثم تبلغ أوجها وهي تمر أمام المقهى، ثم تنخفض من جديدٍ وقد صارت قريبةً من (سور المعاجيز).

هناك في الجانب الآخر من الطريق أناسٌ جالسون بمللٍ ظاهرٍ في المقهى المقابل تماماً لمقهانا، واسمه Le claridge. لم نجرب الجلوس فيه من قبل تفادياً لشعور (الأكل بالشمال) ذاك، لقد تعودنا على زاوية النظر هذه ولم يعد يسعنا تغييرها.

بجانب مقهى Le claridge هناك مكتبةٌ أنيقةٌ لولا أن أكثر كتبها أجنبية، وبجانب المكتبة هناك محلٌّ للعطور يسمي نفسه (القرشي للعود والعنبر والعطور)، وهو ما ذكرني بإعلانٍ قديمٍ كان يُعرض على إحدى القنوات التلفزية، يقول فيه صوتٌ رجوليٌّ رخيم: “عبد الصمد القرشي: بيت العود والعنبر والعطور… أصلٌ له جذور.”

وأمام هذا (القرشي) هناك محلٌّ لبيع المستلزمات المنزلية وأدوات التجميل التي لن أفهمها – على ما يبدو – ما حييت، وكل ما أراه خلف واجهته الزجاجية مجموعةٌ من آلات الحلاقة وغيرها مما لا أعرف لأي شيءٍ يصلح بالضبط، مع عددٍ كبيرٍ من العلب الملونة لمستحضراتٍ تُرشُّ وتُدهن، من يشتري هذه الأشياء يا ترى؟

ويلي بائع الدهون التجميلية هذا محلٌّ لبيع وإصلاح الهواتف المحمولة، ويلتصق به متجرٌ فاسقٌ اسمه Zindagi لبيع نوعٍ معينٍ من الملابس النسائية، وقد حرص صاحب هذا المتجر على إبراز الطابع الهندي الذي يوحي به اسم متجره، فنصب على بابه بشكلٍ بارزٍ مجسماتٍ أنثويةً بالحجم الطبيعي ألبسها ثوباً من أثواب (الرقص الشرقي) الفاضحة، وهو ليس ثوباً في الحقيقة بقدر ما هو مجموعةُ خيوطٍ وأشرطةٍ متدليةٍ تتناثر فيها مجوهراتٌ لامعة، تشبه ما يُسدل على أبواب بعض المطابخ!

أين مقص الرقيب عن هذا المتجر؟

غير أن (شرخ الصداقة) هذا الذي نشأ بيني وبين جلالٍ قبل لحظاتٍ لا يدوم إلا قليلاً، إذ سرعان ما يملُّ كلانا الوحدة والصمت، فينضم إلى الآخر من يكون منا أسرع إلى الاستسلام؛ فإما يخرج هو إلي، أو أدخل أنا إليه! وقد صار مألوفاً عندي أن أنتبه لظل قامته وهو يجلس بجانبي حاملاً كوب قهوته أحياناً، وصار مألوفاً عنده في أحيانٍ أخرى أن يراني وقد نهضت وحملت كوب قهوتي، واتهجت إلى داخل المقهى أتلمس مقعداً بجانبه…

* * *

وتتكرر المشاهد المألوفة في تلك الأمسيات الدافئة على قارعة (البولفار) ذات الرائحة التي لا تقاوم، هي رائحة طنجة التي لا يشمُّها إلا من تغلغل حب هذه المدينة في تلافيف روحه وتجاويف كيانه…

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ لكنها عصيةٌ على الملل، وأنا ما زلت أستمتع بها في كل يومٍ وكأنها جديدةٌ تماماً، ويغمرني الحبور وأنا أتأمل مجموعة السياح الأجانب المسنِّين يديرون عيونهم هنا وهناك، ويلتقطون الصور التذكارية في أماكن أمرُّ فيها كل يومٍ عدة مرات.

فكرتُ في أن هناك من ينفق أموالاً سياحيةً طائلةً ليأتي من بلدٍ بعيدٍ كي يرى هذه الأزقة والشوارع والمشاهد، في حين أنها عندنا نحن أبناء المدينة مبذولةٌ متعوَّدٌ عليها… لن أسمح لقاعدة (مطرب الحي لا يطرب) أن تنطبق عليَّ أو أن تؤثر فيَّ، وسأعتبر نفسي (سائحاً) أبدياً في مدينتي، ولن أنظر إليها إلا بعين المستمتع بجمالها، حامداً الله تعالى على هذه النعمة العظيمة ملء البحر والسماء وما امتد إليه الأفق.

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ لكنها ترسم كل يومٍ بسمةً جديدة…

وعلى منصة المراقبة في Dolcy 5 أمارس هوايتي الأثيرة في تأمل ملامح الناس ومحاولة الإطلال من عيونهم على نفوسهم، واستشعار تلك الانطباعات المختلفة التي تتركها في النفس الملامحُ وتعبيراتُها المختلفة.

يحدث أحياناً أن تلمح من بين المارة شخصاً تعرفه من قبل، وذلك الشخص قد يكون وحده، وقد تحين منه التفاتةٌ إليك فيحييك من بعيدٍ تحيةً وديةً حارة، وربما أقبل عليك يصافحك ويعانقك ويسألك عن أحوال العمل وهل تزوجت أم ليس بعد!

وقد يكون مع فتاةٍ متبرجةٍ فاتنةٍ مغناجة، هي بالتأكيد إحدى صديقاته أو حبيباته، فيكتفي إذا وقعت العين في العين بهزة رأسٍ سريعةٍ ثم يشيح عنك بصره، متمنياً لو أنه لم ير (خنشوشك) ولم تر (خنشوشه)، وأنت تستغل هذه الفرصة الخاطفة لتغمزه بعينك مبتسماً له بخبث، تلك الابتسامة الشريرة التي تقول: “ضبطتك أيها المجرم!”

وقد تلمح أحد أصدقائك يتمشى مع زوجته المتحجبة المحترمة، وهذا النوع إما يفرُّ ببصره عنك إلى الجهة الأخرى متظاهراً بأنه لم يرك أصلاً، ويكون عليك أن تتظاهر أيضاً بأنك لم تره احتراماً لموقفه المحرج، وإما يكتفي بهزة رأسٍ وقورةٍ مع تلويحة سلامٍ محترمة، ويكون هذا فقط إن وقعت العين في العين ولم يبق هنالك مجالٌ للتهرب، لأن سيادة (المحترم) لم يعد يشرِّفه أن يظهر أمام زوجته بمظهر من يصادق أمثالنا من الغوغاء الرعاع والعزاب الأشرار، الذين يتدلَّوْن من المقاهي الرديئة على أرصفة (البولفار) ويزعجون الناس بمطالعة وجوههم وقاماتهم على طريقة الماسح الضوئي أو (السكانر)، وهذا بالمناسبة لقبٌ حقيقيٌّ تطلقه الفتيات بانزعاجٍ وتسخُّطٍ على كافة المقاهي المصفوفة على طول شارع طنجة الرئيسي.

لا بأسَ لا بأس… ورغم أني أحس في موقفٍ كهذا بأني مجرد عالةٍ على المجتمع لا نفع فيها سوى الاستهلاك، وبأن معرفتي تسبب الحرج لأولئك الأوغاد الذين صاروا محترمين فجأةً بعد أن تزوجوا؛ إلا أني لو كنت مكانهم لفعلت الشيء نفسه مع أصحابي هؤلاء، بل لو عرفت أن هؤلاء المجرمين من أصدقائي يجلسون في مقهى معينٍ لما تمشيت مع زوجتي إلا مبتعداً عنهم بدائرةٍ قطرها مئة مترٍ على الأقل! أنا أتفهم موقف هؤلاء (السادة المحترمين) تماماً لذلك لا ألومهم…

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ وقد يكون في بعضها ما يحزن القلب…

ما زالت تلك المتسولة الصغيرة ذات الثوب الأسود وقَصَّة الشعر الذكورية تمر على المقهى وتمدُّ يدها للجالسين وهي تمضغ علكةً على الدوام، لقد تعودتْ على تلقي تلك الإشارات اليدوية الخفيفة التي معناها (الله يسهل)، فلم تعد تبدي أمامها أية ردة فعلٍ على الإطلاق.

يمر بعدها بقليلٍ – كما هي العادة – ذلك الشاب ذو الرأس البالغ الصغر والأسنان العلوية البارزة جداً والفك السفلي الذي لا وجود له تقريباً، والذي تراه دائماً يمشي في الشوارع مصدراً أصواتاً رفيعةً جداً تنطق بكلماتٍ غير مفهومة، ويلوِّح بمجموعةٍ من علب المناديل الورقية (كلينكس) عارضاً إياها للبيع. لم أر أحداً يشتري منه قط لكني ما زلت أراه بشكلٍ يوميٍّ منذ عدة سنوات، لا بد إذاً أنه يحقق أرباحه التي سمحت له بالاستمرار على نفس هذه الوتيرة كل هذا الوقت.

ولا بد طبعاً من أن نلمح أحياناً الشخصية الطنجاوية المحبوبة (عبد السلام المسكسف) أو (عبد السلام الأناقة) وهو يمشي بجانب مقهانا بخطواته الواثقة وبدلته الأنيقة التي اشتهر بها في الأوساط المحلية.

وتمر بالجوار فتاةٌ كاسيةٌ عاريةٌ شديدة التبرج، تمشي بتيهٍ وخيلاءٍ يثيران بركان الأعصاب الكامنة من أعماقه البعيدة، وتتابعها العيون والأعناق منذ ظهورها في مجال الإبصار لتشيِّعها إلى حيث تختفي وسط الزحام أو الظلام في الجهة الأخرى من (البولفار)، وتتعالى الضحكات المكتومة والغمزات ذات المعنى، وعبارات المديح المفرط والإعجاب الشديد بذلك القوام الممشوق والملامح القسيمة والملابس الكاشفة، ثم تتلوها مباشرةً موجةٌ من الانتقادات اللاذعة والألفاظ الجارحة والشتائم البذيئة لجميع الفتيات المتبرجات وغير المتبرجات، وأنهن السبب وراء كل مصيبةٍ وبلاءٍ وجفافٍ وتصحُّر! ثم تغمر الجميعَ حالةٌ من (التدين المفاجئ) التي تنبثق فجأة من مكانٍ ما داخل خزانة الضمير، ويُشرع في انتقاد الأوضاع الأخلاقية المتدنية وما وصل إليه حال الفتيات من التبرج والفساد، وأن الناس قد ابتعدوا عن مبادئ الإسلام ولن يحرروا فلسطين ما داموا على هذه الحال، وأن علينا أن نستغفر الله ونراجع أنفسـ… فتاة متبرجةٌ جديدةٌ تظهر! وتلتفُّ الأعناق من جديد ليعاد نفس مشهد الانبهار الذي تتلوه الشتائم البذيئة متبوعةً بمشهد التدين المفاجئ، ثم تتكرر نفس هذه الحلقة المفرغة مرةً أخرى، وأخرى، وأخرى…

مشاهد مسائيةٌ مألوفةٌ عذبة، تطفو في ظلام الليل الذي يزدان بنجومٍ عملاقةٍ هي مصابيح الإنارة، وأقمارٍ متحركةٍ هي أضواء السيارات. لقد اختفى ضوء النهار تماماً، وهو ما يعني أن ازدحام المارة ما زال في بدايته…

* * *

« Tu as reçu une nouvelle question »

توصلتُ مجدداً بهذا الإشعار الذي أحبه من تطبيق الـ ask.fm على هاتفي، صار من حسنات Dolcy 5 أنه يلتقط شبكة wifi مجانيةً تصدر من مكتبة المؤلفات الأجنبية الكائنة قبالة المقهى. كم الساعة الآن؟

صوت أذان العشاء يرتفع من هاتفي، حان وقت الصلاة! لقد مرَّ الوقت بسرعةٍ دون أن أنتبه له… من حسنات هذا المقهى – وقد صارت حسناته كثيرةً في الآونة الأخيرة – أن له (مسجداً) في دوره السفلي، ولأن صديقنا الفاضل أبا محمدٍ السَّلفي متغيبٌ عن الحضور اليوم، فلن نجد من يستحثُّنا على الذهاب إلى مسجد (موسى بن نصير) لأداء الصلاة فيه، لذلك سأكتفي اليوم بالصلاة في مسجد المقهى، ثم أنقد النادل العبوس (سي احمد) دراهمه العشرة وأمضي عائداً إلى بيتي، هناك من ينتظر إجابتي عن أسئلته العويصة في العالم الموازي الذي أعيش فيه، والذي لا يعلم عنه جلال ولا (سي مصطفى) ولا غيرهما من رفاق المقهى شيئاً على الإطلاق.

وهناك في الدور السفلي من Dolcy 5 حيث المسجد وقاعة الاجتماعات؛ عالمٌ مختلفٌ تماماً عما يوجد فوق سقفه، ولأن التأريخ لهذا المقهى لا يمكن أن يتمَّ إلا بتسليط أضواء الوصف على ما تضمُّه جدران هذا الدور السفلي، فإن لنا فيه هذه الكلمات التي ستقرؤونها في الفصل القادم من هذا النص؛ وهو فصل (أصدقاء الألفباء)…

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد ~

31/05/2015 عند 17:19 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 7 تعليقات

.

dolcy-4-barid

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

* * *

(4) – حبٌّ في مخبزة البريد ~

(سي مصطفى) يقع في الحب؟!

إن هذا لشيءٌ عجاب!

* * *

الخامسة والنصف مساءً…

ساعةٌ كاملةٌ مضت ونحن ننتظر انتهاء الـ (عشر دقائق) التي يطلب منا جلال انتظاره إياها ريثما ينهي شغلاً عالقاً في يده. وكما في كل مرة؛ إنها (عشر دقائق) تتجدد باستمرارٍ كل عشر دقائق، لتتحول في النهاية إلى ساعةٍ أو أكثر من الضجر والتهديد بالانصراف ومحاولة الانشغال بأي شيءٍ آخر.

الحمد لله… يبدو أنه انتهى أخيراً من دقائقه العشر التي تحولت إلى ساعةٍ وربع، هذا الجلال يستحق فعلاً أن يُقرع رأسه بالعصا بسبب تصرفاته التي تصيب بشتى أنواع السكري والجلطة وانسداد الشرايين! لكن لا بأس… يحسن بالإنسان أن يتناسى ما كان يزعجه في الحياة بعد مجيء الفرج أخيراً، هي أمسيةٌ ضاحكةٌ تنتظرنا على كل حال، وحقاً ليس هناك ما هو أجمل من نزول المصعد آخر اليوم بعد ساعات عملٍ طويلة.

تضيء الأرقام الحمراء في أعلى بوابة المصعد معلنةً العد التنازلي لطوابق المبنى، وألقي نظرةً على مرآته – وكل جدرانه مرايا – لأتفقد هل ما زلتُ نفسَ الشخص الذي أعرفه أم لا، أقرِّب وجهي من المرآة مع تقطيبٍ زائدٍ لأتأكد من أن ملامحي لا تزال في أماكنها المعتادة، أقوم بحركاتٍ سريعةٍ أصلح بها هندامي بعض الشيء لأبدو وسيماً، وأعتقد أنه جيدٌ بشكلٍ عام، وصالحٌ للمشي به وسط زحام المارة في البولفار الكبير… ألاحظ أن جلال يفعل الشيء نفسه.

فكرتُ في أن حياتنا نحن الشباب بسيطةٌ جداً مقارنةً مع حياة الفتيات، وحمدتُ الله الذي عافانا مما ابتلاهن به من الحقائب وأدوات الزينة التي لا أول لها ولا آخر!

انفتح باب المصعد وخرجنا منه متظاهرين بالوقار، تلويحةٌ وإلقاءُ سلامٍ على موظف الاستقبال، وعلى زميلين يتهامسان في بوابة المبنى وكأنهما يناقشان موضوعاً خطيراً، وها نحن أخيراً تحت الشمس في ضوء النهار…

اهتزَّ الهاتف في جيبي منذراً باتصالٍ ما، وهذا أكثر شيءٍ أمقته في حياتي! يوماً ما سأجد طريقةً لأخنق بها هذا العقرب البغيض إلى الأبد. انقطع الرنين بسرعة، وصعد الدم إلى رأسي عندما وجدتُ أن المتصل هو (سي مصطفى)!

لماذا يكتفي هذا المجرم بـ (رنةٍ) فقط ما دام يستطيع إجراء مكالمةٍ قصيرة؟

لعلها إحدى نظرياته الاقتصادية تلك… تباً له! سألقنه درساً لن ينساه عندما أراه بعد قليل! لن يفلت من قبضتي هذه المرة، ولأسمعنَّه مني قولاً غليظاً!

كنتُ أقول هذا في فورة انفعالي وأنا أعرف جيداً أن ما كان يحدث دائماً سوف يحدث اليوم أيضاً؛ يثير (سي مصطفى) غضبي وجنوني إلى الحد الأقصى بسبب بعض تصرفاته العجيبة، وأفكر في أن موعد لقائي القادم به سيشهد أول جريمة قتلٍ أرتكبها في حياتي، ثم وما إن أراه مقبلاً علي بخطواته القصيرة ونظراته الصافية حتى تغلبني موجةٌ من الضحك الذي لا أعرف له سبباً، وأجد نفسي أعانقه بحرارةٍ وقد نسيتُ تماماً ما الذي كان أغضبني منه!

تحدد موعد اللقاء قرب مبنى البريد الكبير، هي أمسيةٌ أخرى إذاً من أمسيات Dolcy 5… لا بأس! لقد تخلصتُ من عقدتي القديمة تجاه ذلك المقهى، وصرتُ أرتاده عن طيب خاطر، ولا سيما في أيام الربيع والصيف التي تصير جلسات الأصيل فيها منعشةً بحق.

(سي مصطفى) يقترح علينا التوجه نحو مخبزة البريد الكبير (La grande poste) لشراء شيءٍ نأكله. من حسنات Dolcy 5 أنه يسمح بإدخال الأطعمة وتناولها فيه، لأنه مقهى شعبيٌّ بسيط يحترم نفسه ولا يملك ترف وضع الشروط على زبائنه، وأما المقاهي الفاخرة فهي تمنع إدخال أية أطعمةٍ لها، وخاصةً تلك التي تبيع قطع الحلوى الصغيرة بأثمنةٍ باهظةٍ مبالغٍ فيها، وهو الأمر الذي كان يغيظنا كثيراً ونعتبره غطرسةً واستغلالاً يجعل تلك المقاهي المغرورة مستحقةً لمقاطتها بشكلٍ نهائي.

ليس هناك ما هو أجمل من البساطة، وليس هناك ما هو أروع من أن تدخل إلى Dolcy 5 حاملاً بيدك كيساً من الحلويات والمعجَّنات لتتناولها مع كوب القهوة اللذيذ المنعش…

لكن… ما الذي دهى (سي مصطفى)؟

هذا الفتى صار يتصرف بشكلٍ غريبٍ في الآونة الأخيرة! هو الذي كان يتصل بنا هاتفياً، أو – على الأصح – يرنُّ علينا لنتصل به نحن، ثم يطلب منا أن نشتري له شيئاً يأكله ريثما يلحق بنا إلى المقهى، شريطة ألا تتجاوز الميزانية درهماً ونصف كحدٍّ أقصى!

ما الذي يحدث؟ وما الذي دفع بـ (سي مصطفى) إلى أن يصير هو من يدعونا إلى شراء المعجَّنات من تلك المخبزة بالذات دون غيرها؟

وافقنا على اقتراحه وتمشينا نحو المخبزة المذكورة، وهناك عرفتُ القصة كاملة.
استنتاج الأمر لم يكن صعباً على كل حال…

الخبيث… لأول مرةٍ أعرف أن تلك الكتلة الصخرية الحية المسماة (سي مصطفى) تملك أجهزة استشعارٍ للجمال! بدا خجلاً ومرتبكاً، بينما عاملات المخبزة يتهاديْن وراء الحلويات وأسراب النحل، وهي بينهنَّ تشعُّ نوراً كشمسٍ تطفو بين مجموعة أقمار… وهناك طبعاً وكما هي العادة في كل مخبزة؛ ذلك الـ (صمصم بن قمقم) المزعج الذي يقف خلف الصندوق متظاهراً بأنه يجمع المال من الزبائن، بينما مهمته الحقيقية هي حراسة الجميلات اللواتي يتراكضن حوله، على اعتبار أن مجرد وجوده هناك وتحديقه في عيون الزبائن سيمنعهم من أي تحرشٍ أو معاكسةٍ للعاملات، أو استغراقٍ معهن في أية أحاديث جانبيةٍ غير ضرورية.

تغامزنا ضاحكيْن أنا وجلال ونحن نلقي نظرةً تحليليةً على الأثر الذي تركه الحب في عيون (سي مصطفى)، لكننا نعذره على كل حالٍ ونتفهمه، فجمالها الباهر لا تخطئه عينٌ إلا عين الضرير…

بيضاء ناصعةٌ صافية الملامح، بهية الطلعة طلقة المحيا، محجبةٌ حييةٌ خفيضة الصوت، وعيناها مسبلتان دائماً لا ترفعهما إلا لضرورة البيع، ثم تسبلهما مجدداً في حياءٍ أنثويٍّ فاتنٍ يخلب الألباب… ما الذي جاء بكل هذا الجمال ليشتغل في مخبزة؟ ومن أين تأتي المخبزات بكل هذا الجمال؟

كنا نعرف أن أصحاب المخبزات يتعمدون اختيار فتياتٍ جميلاتٍ ليشتغلن عندهن، والغرض من ذلك طبعاً هو اجتذاب الزبائن، فكل فتاةٍ هناك هي بمثابة مغناطيسٍ يراد منه أن يحمل أكبر عددٍ ممكنٍ من الزبائن على العودة إلى نفس المخبزة من جديد، وأعتقد أن (سي مصطفى) أثبت بأن هذه النظرية التسويقية صحيحةٌ تماماً!

فجأةً صار الولد يبتسم بكثرةٍ ويتكلم بأدب، وينفق بسخاءٍ أيضاً وهو ما أثار دهشتي!

فجأةً صار يمنح للآخرين دوره في المخبزة مفضلاً الانتظار قليلاً، وهو الذي كان مستعداً لافتعال شجارٍ صارخٍ لأسباب كهذه… حقاً إن الحب يفعل بأصحابه الشيء الكثير!

حملنا أكياس مشترياتنا من الـ petit pain والـ chausson وغيرهما من المعجَّنات الشهية، وانطلقنا على رصيف (البولفار) نحو مقهانا العزيز الذي ينتظرنا بشوقٍ بعد أن تعوَّد على ثرثرتنا وأحاديثنا التي لا تنتهي. (سي مصطفى) يبدو شارداً بينما نحن نحدثه وننصحه:

– “إن شئتَ الحق فهي من أجمل الفتيات، ويبدو أنها ذات أخلاقٍ رفيعةٍ أيضاً والله أعلم، لكن المهم أنها أوقعتك على أمِّ رأسك! ويجب أن تطير بها فوراً وإلا طار بها غيرك! أمثال تلك الفتاة يُطار بهنَّ بسرعة البرق، إنها تجمع بين الجمال والحياء، ولعله لولا ظروفها العائلية لما اضطرت للعمل في مخبزةٍ كتلك… إن كنتَ أحببتَها حقاً – وهذا ما يبدو – فعليك أن تسرع وتبادر قبل أن تطير من يديك، إن بقيت تتردد هكذا فسوف تكتشف بعد أيامٍ قليلةٍ بأنها لم تعد في المخبزة، وأنك لن تستطيع الوصول إليها مهما حاولت…”

– “هيا يا رجل… هيا… تشجع! استخر ربك وتوكل عليه، نريد أن نحضر عرسك وأن نأكل (فقُّوصتك)… هيا اعزم أمرك وكفاك تردداً…”

– “الأمر ليس صعباً كما تظن، تحتاج فقط إلى بعض الشجاعة، فاتحها في الموضوع بهدوءٍ وأدب، أو قم بزيارةٍ للمخبزة مع أمك لتفاتحها هي بالموضوع، المهم أن تفعل شيئاً وبسرعةٍ قبل فوات الأوان، لا تنس أنك على أبواب الثلاثين!”

ظل صامتاً وبدا أنه لا يسمعنا، يبدو أن الحب قد ذهب بما تبقى له من عقلٍ وتمييز… وصلنا إلى المقهى أخيراً، واستوينا على مقاعدنا في الخارج وقد وجدناها فارغةً لحسن الحظ، وضعنا أكياس المعجَّنات على الطاولة، وجاء النادل (سي احمد) محيياً إيانا بعبوسه الدائم الذي نسي وجهُه أي تعبيرٍ آخر سواه، وانصرف إلى داخل المقهى بعد أن أملينا عليه ما نريد أن نشرب من أكواب القهوة وأباريق الشاي.

(سي مصطفى) يجلس شارد الذهن يقلِّب في رأسه ما كنا نقوله له إن كان قد سمع شيئاً منه. وبصراحةٍ أشك في أنه سيفعل شيئاً! وعندما نطق أخيراً لم يبتعد كثيراً عن توقعاتي… قال وهو ينظر إلي لكن بعينين لا تريان، وكأنه يكلم نفسه ولا يكلم كائناً بشرياً يجلس أمامه:

– “هذه هي المشكلة، هذه هي المصيبة العظمى التي ابتلينا بها في هذا البلد السعيد… نحن شبابٌ على أبواب الثلاثين ولا نستطيع باءة الزواج بعد! وأين نحن من الزواج وما زال توفير المسكن بعيداً كل البعد عن متناولنا؟

إن أزمة السكن هي المصيبة النازلة على رؤوسنا، وهي السبب الرئيسي في تأخر سن الزواج، بل والعزوف عنه في كثير من الأحيان… هذا وإنَّ توفُّر المسكن والزواج في سنٍّ مبكرةٍ نسبياً هو من أبسط الحقوق التي يجب أن تكون مكفولةً لكل مواطن!

والله إن أوضاعنا لمزرية، وكل ذلك عائدٌ إلى هذه الظرفية الاقتصادية الشنيعة التي نرزح تحت نيرها جميعاً نحن الشباب… ثم يطالبوننا بعد ذلك بحب الوطن! تباً للوطن وتباً للحكومة وتباً للناس أجمعين!”

حسناً… يبدو أن الفتى فقد عقله تماماً! لكني لا أراه مخطئاً على كل حال، إن كلامه يعبر عن الواقع الذي نعاني منه جميعاً، والذي نمضي أكثر الوقت في تناسيه والتغافل عنه حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

(سي مصطفى) مصرٌّ على تقليب الأوجاع هذا المساء… طبطبتُ على ركبته وأنا أزمُّ شفتيَّ وأهزُّ رأسي بحسرة، وقلت له متنهداً:

– “هوِّن عليك يا صديقي، كلنا ذلك الرجل… إن كانت من نصيبك فسيرزقك الله بها، إنها مسألة أرزاقٍ على كل حال…”

سأقول له كعادتي أشياء حول ضرورة اتخاذ الأسباب رغم ذلك، وحول التقوى التي تجلب الرزق من حيث لا تحتسب، وسيجيبني بنفس ما يجيبني به في كل مرةٍ منذ عرفته، وذلك ما حدث بالضبط دون تغيير… قال بنبرةٍ يغلب عليها الانفعال:

– “واتخاذ الأسباب يقتضي إجراء الحسابات الضرورية وعدم الارتماء في الظلام، وتخيل معي – بالله عليك – موظفاً يتقاضى من المال (كذا وكذا)، ويكون عليه في كل شهرٍ أن يقتطع من مرتَّبه مصاريف الكراء أو أقساط المنزل، ومعها فواتير الماء والكهرباء والهاتف، وأضف إلى ذلك مصاريف الـ…”

واستغرق في عملياتٍ حسابيةٍ معقدةٍ من الجمع والطرح والقسمة لم أستوعب منها شيئاً، وكاد ذهني يشرد عن كلامه حتى انتهى أخيراً من عملياته الافتراضية قائلاً:

– “فكم يبقى له إذاً من الراتب؟ أرأيت؟ لا شيء… (صفرُ درهم)! وهذا كما ترى في الأحوال العادية ودون أخذٍ بعين الاعتبار للمصاريف الطارئة كالأمراض والحوادث وغيرها لا سمح الله، فمن أين يتزوج الإنسان إذاً ومن أين سيصرف على بيته وامرأته؟”

عاد مجدداً إلى نظرياته الاقتصادية المحكمة، وإلى منطقه العقلي الحسابي الصارم… والذي لا أجد نفسي بصراحةٍ كثير الإيمان به فيما يتعلق بأمور الزواج.

لن أجادله أكثر لأنه سيغضبني ولن يقتنع، ومرةً أخرى أفكر في أن عدم ارتكابي لجريمة قتلٍ حتى الآن في حق (سي مصطفى) هو معجزةٌ من معجزات هذا العصر!

أتوقع أن مصير هذا الفتى سيكون إلى الزواج التقليدي، وأعتقد أنه على كل حالٍ يناسبه…
لم تمض إلا أيامٌ قليلةٌ حتى اختفت الفتاة من المخبزة، وطال اختفاؤها حتى تأكد لدينا أنها لن تعود مجدداً، وذلك ما كان، ولم يرها أحدٌ منا بعد ذلك أبداً…

– “أرأيت يا (سي مصطفى)؟ استغرقتَ في ترددك وحساباتك الاقتصادية السخيفة حتى طاروا بها وخطفوها من بين يديك!”

– “ماذا تقصد؟ طاروا بمن؟ خطفوا من؟”

– “فتاة المخبزة طبعاً!”

– “أية مخبزة؟ وعن أية فتاةٍ تتحدث؟!”

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه ~

31/05/2015 عند 17:09 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 8 تعليقات

.

dolcy-3-lakini

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

* * *

(3) – لكني وجدت نفسي أحبه ~

نعم… كنت مصراً على موقفي المتصلِّب إصراراً مستميتاً؛ أنا لا أطيق هذا الـ Dolcy 5، ومشاعري الوحيدة نحوه هي الكره العنيف والمقت الشديد الصادر من أعمق أعماق نفسي! أنا الذي لا أحب ارتياد المقاهي أصلاً، حتى الأنيقة منها، وأحاول ما أمككني ذلك أن أقلِّل منها قدر الإمكان، فكيف إذاً بهذا الجحر المظلم الكئيب الممل الذي لا محل له من الإعراب؟!

إن فكرة أن أمضي ثماني ساعاتٍ من اليوم أو أكثر جالساً أمام الحاسوب بين جدران المكتب، ثم أخرج من ظلمة المكتب لأنتقل مباشرةً إلى ظلمة المقهى دون أن أنعم بشيءٍ من ضوء النهار إلا في الطريق بين الظلمتين؛ لهي فكرة مريعة حقاً!

كنت أفضِّل أن أتمشى قليلاً في شوارع المدينة وساحاتها، ثم أعود إلى المنزل لأواصل أشغالي في العالم الافتراضي… طالما حاولتُ أن أقنع الأصدقاء بفكرة أن الجلوس في المقهى بعد الدوام مباشرةً ليس سوى سجنٍ للنفس وتعذيبٍ لها، وتضييعٍ للأوقات الثمينة دون طائل، وحاولت أن أغريهم بالقيام بجولات مشيٍ ممتعةٍ هنا وهناك، أو في الأسفل على طول الشريط البحري، أو في أي مكانٍ ينعش النفس ويبهج القلب.

لكنهم – الكسالى! – وما إن كنت أقترح عليهم شيئاً من ذلك حتى تتساقط أكتافهم إلى الأسفل، وترتسم على ملامحهم علامات تعبٍ شديدٍ بسبب مجهودٍ تخيَّلوه فقط ولم يبذلوه! ولا يكون جوابهم إلا التملص المتثائب من اقتراحي، والسير بخطواتٍ تلقائيةٍ عمياء تعرف وجهتها جيداً؛ مقهى Dolcy 5.

هي مشكلةٌ إذاً ويا لها من مشكلة… لقد تعوَّد الأصدقاء على مقهاهم البغيض، وصار فعلاً يستحق لقب “المقر” الذي أطلقه عليه (سي مصطفى)، لأنه – حسب رأيه – المقهى الوحيد الذي يجمع التركيبة الثلاثية السحرية؛ الجودة والموقع والسعر!

بتعبيرٍ آخر؛ لقد صار مقهى Dolcy 5 بالنسبة لهم أشبه بوطنٍ حبيبٍ ينتمون إليه ولا يستطيعون عنه فراقاً، بل كاد يصل الأمر بهم إلى الاعتقاد بأن الجلوس في مقهى آخر دون سببٍ وجيهٍ خيانةٌ للمقهى الوطن! وفكرتُ في أني لو اكتشفتُ لاحقاً بأن النادل (سي احمد) قد دسَّ لهم في أكواب القهوة (حجاباً) أو سحراً ربط قلوبهم بمقهاه لما بدا لي ذلك غريباً ولا بعيداً عن التصديق! وكنتُ دائماً أتساءل بحيرة: ما الذي يعجب أولئك الأوغاد في هذا الجحر الكريه؟!

توجهتُ بسؤالي هذا إلى جلال قائلاً:

– “أسألك بالله أن تجيبني… بالله… واصدقني القول… ما الذي يعجبكم في هذا الجحر؟!”

فأجابني قائلاً، ببرودٍ ولا مبالاةٍ دون أن ينظر إلي، بعد أن نفث سحابةً من دخان سيجارته:

– “هي جودة القهوة التي تشرب، ليس هناك في طنجة من يقدم قهوةً أجود!”

ولأن حاسة الذوق عندي ضعيفة التمييز لم أجد إجابته مقنعةً على الإطلاق، وما زلت لا أفهم كيف يستطيع الناس تمييز الاختلافات بين طعم القهوة والشاي والمثلجات! كلها عندي سواءٌ في أغلب الأحيان، هي قهوةٌ فقط ولا شيء آخر!

توجهتُ بالسؤال نفسه إلى (سي مصطفى)، فأجابني قائلاً وهو يحدِّق بي بعينيه الواسعتين الصريحتين:

– “هذا حقٌّ يا صديقي… شئنا أم أبينا، يجب أن نعترف بذلك؛ هذا هو أفضل مقهى في المنطقة! الشاي الذي يقدمه (سي احمد) يصعد نحو رأسي مباشرةً قبل أن ينزل إلى معدتي، وقد جربتُ شاي المقاهي كلها فلم (ينغِّمني) سواه… ولا تنس أن السعر مناسبٌ جداً، لأن الأحوال الاقتصادية المتأزمة في إطار الظرفية السوسيولوجية التي يعيش فيها شباب المغـ…”

ويستمر في تحليلاته الاقتصادية المعتادة التي لا تنتهي…

وأما أنا فقد ضقتُ ذرعاً بهذا كله، ولقد اتخذتُ قراري النهائي الذي لا رجعة فيه: لن أجلس في ذلك الجحر اللعين مجدداً، ولن أصغي لدعوات الأصدقاء وإلحاحهم على مشاركتهم الأمسية هناك… إما أن نجلس في مقهى آخر أو أعود إلى بيتي بسلام! هذا قرارٌ نهائيٌّ لا رجعة فيه على الإطلاق…

وبالفعل… شرعتُ في تنفيذ هذا القرار على نحوٍ صارم، وقاطعتُ المقهى لأيامٍ متتاليةٍ وأسابيع، وملَّ الأصدقاء من دعوتي إليه في كل يومٍ ثم سماع رفضي القاطع المتكرر، مع كلماتٍ جارحةٍ أحياناً لمقهاهم العزيز، ويبدو أنهم فقدوا أملهم فيَّ أخيراً، فلم يعد أحدٌ منهم يعزم علي إلى المقهى، ولم أعد محسوباً على مجموعتهم، وصارت تفصل بيني وبين لقاء بعض الأصدقاء من غير زملاء الوظيفة أزمنةٌ طويلة، ولا أنكر أن ذلك كان مريحاً لي… إلى حد ما!

ثم إني كنتُ أتساهل أحياناً في بعض نهايات الأسبوع، فأقبل على مضضٍ الجلوس معهم في ذلك الـ Dolcy الكريه، ثم لا ألبث – بعد دقائق – أن أندم بشدةٍ على جلوسي هناك، وأشعر بالضيق والملل يحتشدان في صدري، ويتحول الحنق إلى شوكةٍ مؤلمةٍ تنغرس في حنجرتي، وتغمرني كراهيةٌ شديدةٌ لذلك الظلام الدامس المخيم على أجواء المقهى، ولدخان السجائر البغيض الذي تغطي سحابتُه رؤوسَ الجالسين، فأعزم على عدم العودة مجدداً إلى ذلك الوكر ما حييت، لا في نهايات الأسبوع ولا في غيرها، وأخبر الأصدقاء بقراري الحاسم، بنبرةٍ أجتهد كي أجعلها تبدو صارمةً وخطيرة، فلا أسمع منهم إلا القهقهات المرتفعة المزعجة، متبوعةً بعبارةٍ ذات طابعٍ استهزائيٍّ تهكميٍّ ساخر:

– “نعم نعم… سمعناك تقول نفس هذا الكلام ألف مرةٍ من قبل! إلى متى تنوي أن تكرر على مسامعنا نفس هذه الأسطوانة؟!”

تباً لهم… معهم حق!

نعم… معهم حق! مرت أشهرٌ وسنواتٌ وأنا أتخذ القرار بتوديع المقهى، ثم أجد نفسي – بقدرة قادرٍ – محتلاً أحد مقاعده، لا أدري كيف ولا لم! لن أقول بأنه الإدمان، لكن ربما هو ذلك الشيء الذي لا يقاوم في مجالسة الأصدقاء، أو ربما هو الحرص على عدم تفويت تلك الأحاديث الفارغة والطرائف المضحكة وما يكون هناك من (تبرگيگٍ وقرقرة)، أو ربما كنت أدفع عن نفسي تهمة التكبر والغرور التي يصرُّ البعض على أن يلحقها بي أينما ذهبت، وهي التهمة التي يلصقونها دائماً بذاك الذي يترفَّع عن مجالس القوم الرديئة!

المهم… لست أدري!

بمعجزةٍ غامضةٍ ما وجدتُ نفسي وقد صرتُ جزءاً من مجموعة Dolcy 5، لا أعرف كيف ولا لماذا، كل ما أعرفه أن المكان صار مألوفاً لي وصرت مألوفاً له، وصار شعوري وأنا أدخل إليه شبيهاً بشعوري وأنا أدخل إلى بيتي. بل أخشى ما أخشاه أن أقول بأني صرت مستمتعاً – أعوذ بالله! – بعض الشيء بالمعرفة المتبادلة وسقوط الكلفة ذاك بيني وبين نادل المقهى وعماله. ما حدث كان شبيهاً بـ (الاستسلام للقدر)، وكان الأمر مع ذلك كله يقلقني إلى حدٍّ ما.

والحق أن أولئك الأوغاد الأعزاء من أصدقائي كانوا يوافقون أحياناً – بكرم نفسٍ – على تغيير المقهى من أجلي، تطييباً لخاطري من جهة، وإبداءً لصدق رغبتهم في أن أشاركهم المجلس، وعربوناً للمحبة والوفاء والإخلاص لعهد الصداقة الأبدي من جهةٍ أخرى… فكنا نذهب أحياناً إلى مقهى (النجمة) الأنيق، وكان مكلفاً بأكثر مما يحتمله جيب (سي مصطفى) صاحب النظريات الاقتصادية، وفي أحيانٍ أخرى كنا نقصد مقهى (اليمامة) للعب النرد أو ما يسمى بـ (البارتشي)، وكانت جودة القهوة هناك أسوأ مما قد يقبله ذوق جلال الرفيع، والذي كنت دائماً أشك في أنه يدَّعيه فقط!

وكان أن افتُتح في نحو عام 2011 مقهى جديدٌ ساطع الأضواء، على بعد أمتارٍ قليلةٍ من Dolcy 5، وقد بدأ نجم هذا المقهى يسطع في المنطقة، وكان اسمه Mak Doo.

وبرغم أن مقهى Mak Doo لم يكن يوفر مقاعد خارجيةً على قارعة الطريق، إلا أن الأصدقاء استحسنوا فيه أموراً كثيرة، وقد بدا أنهم في الطريق إلى الانتقال إليه بشكلٍ رسميٍّ بعد ازدياد عدد زياراتهم له بشكلٍ تدريجي.

ولستُ أخفي أن هذا الأمر أسعدني كثيراً، لأني كنت بالفعل أستحسن هذا المقهى الجديد الذي كان على قدرٍ جيدٍ من الجمال والأناقة، وكنتُ إذا دعوتهم إليه بدلاً من مقهاهم الكريه لم أجد منهم أي تمنُّع، فصارت تجمعنا جلساتٌ مسائيةٌ أكثر، وتوطَّدت علاقتي بالمجموعة من جديد، وكنت أستغل كل مرةٍ نختار فيها المقهى الجديد لأزيِّنه في عيونهم أكثر، ممارساً بذلك نوعاً من (غسيل الدماغ) الذي كنت أهدف منه إلى قطع العلاقة مع Dolcy 5 بشكلٍ نهائي، وتحويل Mak Doo إلى مقرٍّ رئيسيٍّ دائمٍ للمجموعة.

غير أن الأمر لم يتم على النحو المطلوب مع الأسف، فما أن مرت أشهرٌ قليلةٌ على افتتاح Mak Doo حتى بدأ جلال يحنُّ إلى جلسته القديمة، وأما (سي مصطفى) فظل مصراً على أن شاي (سي احمد) هو الوحيد الذي يصعد إلى رأسه مباشرة، كما أن تلك الدريهمات الزائدة في تعريفة المقهى الجديد قد أحنقته كثيراً، لأنها لا تتماشى مع نظرياته الاقتصادية الدقيقة التي تؤكد أن سعر القهوة لا يجب أن يتجاوز تسعة دراهم كحد أقصى، مع اعتبار أن هذه الدراهم التسعة نفسها هي سعرٌ مبالغٌ فيه!

وكان هناك سببٌ آخر وجيهٌ جعل الأصدقاء يفقدون انبهارهم الأول بالمقهى الجديد؛ وهو أنه تحول إلى (مجمع شيوخٍ) أقرب إلى دور التقاعد! فكان أكثر مرتاديه من المتقاعدين وكبار السن، وكنا إذا دخلنا إليه لا نكاد نجد إلا الجثث الضخمة المتأنقة الوقورة، التي تزينها شوارب بيضاء تماماً وشعورٌ أقرب إلى نُدَف الثلج، وكانت تلتمع هنا وهناك صلعةٌ برَّاقةٌ انعكست عليها مصابيح المقهى الساطعة.

نعم، أعترف بذلك… إن هذه الأجواء لم تكن تناسبنا، لأنها كانت تضطرنا إلى المحافظة على هدوء الجلسة، وعدم رفع الكلفة، ومحاولة التظاهر بالوقار والسكينة، وبأننا (رجالٌ) عاقلون قد صاروا أكبر من نزق الشباب وصخبهم…

وأين هذا الجو المأتمي من جلساتنا الصاخبة في Dolcy؟ وأين هذا الوقار المصطنع من ضحكاتنا الهادرة التي تلفت انتباه المارة، وأين هذه الكلفة الثقيلة الجاثمة على صدورنا من جلساتنا المريحة المسترخية التي لا نتكلف فيها شيئاً أمام رواد المقهى أو غيرهم؟

نعم، أعترف بذلك…

لقد استعاد Dolcy 5 مكانته المتميزة، وخبا نجم المقهى الجديد شيئاً فشيئاً، واكتمل الأمر عندما تم إغلاقه بشكلٍ نهائيٍّ بعد أقل من عامٍ واحدٍ على افتتاحه، لتحلَّ محله وكالةٌ تابعةٌ لشركة الاتصالات Méditel.

وهنا بدأت الحقيقة المخيفة تفرض نفسها علي… بتدريجٍ بطيءٍ امتدَّ لسنوات!

بتُّ أخشى من أن أولئك الأوغاد من أصدقائي كانوا على صواب، وأن Dolcy 5 هو فعلاً – كما يقول (سي مصطفى) – أفضل مقهى في المنطقة!

لكن… أحقاً؟!

هل يُعقل هذا؟!

تباً! لقد حصل فعلاً ما كنت أخشاه!

كيف حصل ذلك؟

لقد بدأتُ أحب ذلك الجحر اللعين وآنس به! وبدأتُ أشعر بألفةٍ متزايدةٍ تجاه أجواء المقهى الخافتة، ونادله العبوس المكفهر، وتلك الوجوه المتكررة لبعض مرتاديه…

شيئاً فشيئاً صارت الجلسة فيه تشكِّل (الوضع الطبيعي)، والجلسة في غيره صارت استثناءً بغيضاً غير مريح!

في الجانب الآخر من الشارع تصطف الكراسي التابعة لمقاهٍ أخرى، منها مقهى Zagoura الذي يلاصقه مقهى Esquima، وعندما تساءلتُ أمام (سي مصطفى) عن السبب الذي يجعلنا لا نطيق الجلوس في مقاهي الجانب الآخر من الشارع، لم يجد تعبيراً ملائماً لما يدور في ذهنه، وعندها كفيتُه مؤونة الإجابة بأن قلتُ له:

– “لأننا تعودنا على هذا الجانب من الشارع… لو انتقلنا للجانب الآخر لأحسسنا بنفس شعور الأكل بالشِّمال!”

ولكن… كيف حصل هذا؟ متى حصل؟ لا أدري! المهم أنه حصل وكفى…

لقد بدأتُ أحب Dolcy 5 حقاً! هذه هي الحقيقة التي لم أكن أجد الجرأة الكافية للاعتراف بها… حتى بيني وبين نفسي!

أذكر أني قرأتُ في إحدى الروايات بأنهم لو أجبروك على معانقة (غوريلا) مليئةٍ بالقمَّل مدة عامٍ كامل، ثم أراحوك من ذلك بعد اكتمال العام، فإنك حتماً ستشعر بالشوق والحنين لمعانقة تلك (الغوريلا)!

أعتقد أن ما حدث معي شبيهٌ بهذا المثال إلى حدٍّ ما…

نعم… بشكلٍ أو بآخر، لقد (عانقتُ) مقهى Dolcy 5 لمدة أربع سنواتٍ أو أكثر، فكيف لا أتعوَّد على هذه (الغوريلا)؟ وكيف لا أحبها ولا يغمرني الشوق لها كلما غبتُ عنها يوماً أو يومين؟

كل شيءٍ فيه رديءٌ جداً، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

كل شيءٍ فيه قبيحٌ جداً، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

كل شيءٍ فيه مظلمٌ جداً، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

كل شيءٍ في المقاهي الأخرى أفضل منه، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

النادل (سي احمد) عبوسٌ مكفهر، ولم أر له سناً من قبل، إنه لا يضحك إطلاقاً ولا يبتسم، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

المقاعد غير مريحة، الطاولات قديمة مهترئة، لكني وجدت نفسي أحبه!

الأجواء معتمةٌ غارقةٌ في البؤس والكآبة، اللوحات الجدارية تصيبك بالاشمئزاز وقرحة المعدة، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

جودة شاشة التلفاز رديئةٌ جداً، وجوه الجالسين عابسةٌ كالحة، يخيل إليك أنهم سينقضُّون عليك ليقتلوك بعد لحظات، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

كنت أكرهه بعنفٍ من قبل، لكني وجدتُ نفسي أحبه!

وجدتُ نفسي أنقاد إليه مع المجموعة دون مقاومة، بل صرتُ أنا نفسي أقودهم إليه وأفضِّله على غيره، ماذا فعلتَ بي أيه الجحر الكريه؟

سأنتقم منك يا (سي احمد) عندما أكتشف أمر السحر الذي تدسُّه في قهوة زبنائك!

لكن أنتما السبب في كل هذا…

تباً لكما يا جلال ويا (سي مصطفى)!

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الثاني: المقر ~

31/05/2015 عند 17:00 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 9 تعليقات

.

dolcy-2-maqar

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

* * *

(2) – المقر

لماذا أكتب هذه الذكريات؟

حقاً لا أدري…

ما زلت حتى الآن عاجزاً عن تحديد السبب الحقيقي وراء اندفاعي للتدوين، ووراء اشتعال حماستي للكتابة عن مواضيع وذكرياتٍ بعينها دون غيرها… ما إن تلقيتُ خبر إغلاق المقهى للأبد حتى علمتُ بأني سوف أكتب عنه… وربما أطيل!

قال أحد الكتَّاب يوماً بأن “الذكريات بضاعةٌ لا قيمة لها إلا في خزانة صاحبها”، وهي عبارةٌ جعلتني أفكر لوهلةٍ في جدوى نثر أمثال هذه الذكريات على الورق… ذكرياتنا مع Dolcy 5 تخصنا نحن وحدنا، أنا وتلك المجموعة الصغيرة من أصدقائي الأعزاء، فأي جدوى يكون للاسترسال في الكتابة والتوصيف لأيامٍ لا تعدو كونها ذكرياتٍ عاديةً لمقهى من المقاهي؟

هو التأريخ ولا شيء غيره! التأريخ لأجل التأريخ، وبعض التأريخ مطلوبٌ لذاته وإن كان محض ذكرياتٍ عابرة… إنها ذكرياتٌ ثمينةٌ رغم بساطتها، ولسوف تُقرأ في قابل الأيام بشفاهٍ باسمةٍ وعيونٍ يتلألأ فيها بريق الحنين، ولسوف تصير هذه السطور وثيقةً تسلِّط شعاع التأريخ على جانبٍ غنيٍّ من زمان طنجة ومكانها، وما أقلَّ ما يؤرَّخ لطنجة بأقلام كتَّابها وحملة الأقلام فيها!

فهنا إذاً مدينة طنجة العالية، وهنا قلمٌ يسلِّط شعاع الضوء على تلك الزاوية المتميزة في شارعها الرئيسي المسمى (البولفار)، وهنا مرحلةٌ زمنيةٌ تتراوح بين عام 2008 وعام 2014.

هنا سأحدثكم عن مقهى Dolcy 5 الذي لم يعد الآن قائماً، هنا سأحدثكم عن الزاوية المظلمة التي تحولت بقدرة قادرٍ إلى ما أطلقنا عليه اسم (المقر).

هنا بضاعةٌ لا قيمة لها إلا في خزانتي، أو في خزانة مجموعتنا الصغيرة، لكن فيها ما فيها من التقاطعات ومساحات التداخل التي قد تكون مفيدةً لبعض القراء، مع طنجة وأجوائها وأماكنها، ومع طباع أهلها وطرائفهم، ومع ما يدور في جلساتهم المسائية الباسمة على قارعة (البولفار) العزيز، والذي يمتد في منحدرٍ لطيفٍ زاخرٍ بدءاً من مدافع (سور المعاجيز) الأثرية، وانتهاءً بـ (ساحة الأمم) التي يقسمها الشارع الرئيسي إلى قسمين، ليواصل طريقه نحو (النجمة) التي يصير الساحل البحري على بعد خطواتٍ قليلةٍ منها…

* * *

والحق أن للناس في ما يعشقون من المقاهي مذاهب! وفي طنجة تكثر المقاهي وتكثر مذاهب العشاق فيها، بأنواعها وأجوائها المختلفة اختلافاً بيناً؛ فمن محبٍّ للمقاهي الشعبية الحشيشية الغيوانية، المعروفة بشايها اللذيذ المتقن الصنع، والألذِّ مذاقاً من أكثر المقاهي رفعةً ورقياً! ومن مفضِّلٍ للمقاهي القابعة على قارعة الطريق، تلك التي تتيح للجالس فيها أن يمارس ضرباً من تلك الحركات الرياضية المفيدة لعضلات العينين ومنطقة العنق، وهو ما يصطلح عليه بلهجتنا بـ (تخضير العينين)! وهناك أيضاً أولئك الذين يميلون دوماً لتلك لمقاهي الفاخرة المترفة، وهم أولئك الأنيقون الذين يعتبرون أنفسهم عِلية القوم، والذين لا تسمح لهم مكانتهم الاجتماعية المرموقة بمزاحمة أمثالنا من الرعاع الغوغاء في المقاهي الشعبية أو مقاهي الطبقة الوسطى…

وطبعاً؛ ما أكثر الذين ينوِّعون بين هذه وتلك، وتكاد تجدهم في كل مكانٍ وكل مقهى، من أكثرها حقارةً إلى أعلاها مكانةً ومنزلة، وهم يتقلَّبون بين هذه وتلك بحسب ما تسمح به أيام الأسبوع أو الشهر، أو أحوال الجيب أو مكانة الجلساء.

وإني أحدثكم اليوم عن تلك الحالة التي يحدث فيها أن تُرزق، أو تُبتلى بتعبيرٍ أصح، بمجموعةٍ من زملاء العمل الذين لا يتم لهم اليوم إلا بأخذ الوجبة المسائية قهوةً أو شاياً، والذين لا تتم صحبتك لهم إلا بمشاركتهم الجلسة المسائية إياها. وقد حصل في الفترات الأولى التي تلت توظيفنا معاً، أن تردد الشباب على عدة مقاهٍ في طنجة، وكان ذلك عندهم في إطار (البحث عن الذات) و(إيجاد الحلول التوافقية)، بحيث كان عليهم أن يلتمسوا بين كل مقاهي طنجة ذلك المقهى المثالي الملائم، الذي يرضي جميع أطراف المجموعة.

وكانت مهمةً صعبةً بخلاف ما بدت عليه في البداية، بسبب تعدد المقاهي من جهة، وتعدد أمزجة الأصدقاء وأذواقهم من جهة أخرى…

البداية كانت مع مقهى Donust الذي لا تنفك عنه سحابة دخان السجائر في كل وقتٍ وحين، ولم يمرَّ زمنٌ طويلٌ حتى ضجر الأصحاب من كونه محشوراً في موقعٍ (غير استراتيجي)، لا يرقى للتطلعات ولا يملأ المواصفات المطلوبة لجلسةٍ مريحة، فوقع الإجماع أخيراً على تركه والبحث عن مقهى آخر أفضل منه.

وكانت الوجهة الثانية إلى مقهى Davinchi، وهو مقهى راقٍ يتميز بموقعه البارز وسط الشارع الرئيسي، لكن سرعان ما أبدى بعض الأصدقاء استياءً بالغاً من السعر المرتفع للقهوة، فهذا المقهى (دافنتشي) يعتبر نفسه من المقاهي الفاخرة التي ترفع سعر مشروباتها بسبب كثرة الزخارف المنثورة هنا وهناك، وتلك اللوحات الفنية الأنيقة المعلَّقة على جدرانها، وهذا النوع من المقاهي تتناسب جودة القهوة فيه عكسياً مع سعرها! لكن الزبناء يضحُّون بجودة القهوة وارتفاع السعر، مقابل جودة المكان ورقي الإطار العام، والمكانة الاجتماعية للمقهى ورواده، وهو بالتحديد ما لم يكن ليلائم صديقنا (سي مصطفى) لأسباب تتعلق بفلسفته الاقتصادية، وهي ما سيتم تناوله بشيءٍ من التفصيل بعد حين.

ثم كانت القشرة التي قصمت ظهر البعير هي ذلك الشجار العنيف الذي نشب بين أحد الأصدقاء وأحد النُّدُل المتحذلقين، مما دفع بالمجموعة إلى اتخاذ قرارٍ صارمٍ بمقاطعة المقهى مقاطعةً تامةً كاملةً لا رجوع فيها، وكذلك كان! حتى إنه قد مرت الشهور والسنوات على الحادث، ولعل ذلك النادل قد رحل وجاء غيره، بل لعل طاقم العمَّال كله قد تغير، لكن ومع ذلك لم يعد أحدٌ من الأصدقاء لذلك المقهى أبداً، بسبب ذكرى الشجار القديم الذي صار عمره الآن بضع سنوات!

لا يعود الناس أبداً إلى مقهى تشاجروا مع نادله، حتى لو تغير النادل ألف مرة…

وهو نوعٌ من التصرفات اللاعقلانية التي أجد من العسير حقاً إيجاد تفسيرٍ منطقيٍّ مقنعٍ لها!

ومن هنا نشأت بين الأصدقاء إشكاليةٌ فلسفيةٌ عميقة؛ بحيث صار مطلوباً إيجاد مقهى يكون بمثابة المقر الثابت للمجموعة، وينبغي أن يكون المقر مرضياً لجميع الأطراف. وموطن الإشكال هنا أن مجموعة الأصدقاء تتكون من ذوَّاقةٍ وبخيلٍ ولاعب تنس، وافهموا جيداً قصدي بهذا الوصف الأخير!

أما الذوَّاقة فهو يبحث عن جودة الشاي أو القهوة، لا يهمه غيرها، وهو لن يرضى أبداً بالجلوس في مقهى يقدم شاياً رديئاً، أو قهوةً هي أقرب إلى عصير الجوارب، كما وصفها بذلك الكاتب المصري المشهور.

وأما البخيل فهو يزعم أنه ذو أعباء اقتصاديةٍ جسيمةٍ تثقل كاهله، وأن جلوسه اليومي في المقهى يتطلب منه لزوماً اختيار المكان الذي يتميز بسعرٍ رخيصٍ للاستهلاك.

وأما لاعب التنس فهو – بالطبع – يبحث عن (الموقع الاستراتيجي) الذي يتيح له التأمل في خلق الله، ومطالعة (الغادين والرائحين) من زاوية مريحة، وذلك في إطار أبحاثه الاجتماعية المتعمقة ودراساته الأنثروبولوجية لساكنة المدينة!

وبعد مباحثاتٍ مطولةٍ واجتماعاتٍ مغلقةٍ لم تسفر عن شيء، وبعد تجارب علميةٍ كثيرة أجريت على عدد من مقاهي المدينة، في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها، بدأت البوصلة تشير تلقائياً إلى أحد تلك المقاهي، والذي كان يظهر أنه الأكثر اقتداراً على تلبية الرغبات الثلاث؛ فهو يقدم شاياً جيداً وقهوةً ممتازة بشهادة صاحبنا ذي الذوق الرفيع، أما سعر المشروبات فهو ملائم جداً، ولا يتجاوز تسعة دراهم فقط، مما لا يثقل كاهل صاحبنا ذي الأعباء الاقتصادية الجسيمة! ثم إنه يقع في قلب الشارع الرئيسي الأكثر اكتظاظاً في طنجة، وهو ما كان ملائماً تماماً للاعب التنس كما تعلمون!

وبذلك تحول ذلك المقهى، شيئاً فشيئاً وبشكل تلقائي، إلى “مقرٍّ” رسميٍّ ودائمٍ للمجموعة، ولم يكن ذلك المقهى العجيب سوى Dolcy 5، والذي لم أكن أستطيع إخفاء مقتي الشديد له في البداية، ورفضي الدائم لمشاركة الأصدقاء الجلوس فيه، حتى أني صرتُ بالنسبة لهم (صاحب الفتنة) الذي يصرُّ دائماً على السير عكس التيار، ويسعى في تفريق المجموعة وتبديد شملها…

والحق أنه ما من شيئٍ من ذلك كان، إلا أني بلغتُ من شدة مقتي لذلك المقهى وكرهي له حداً جعلني لا أطيق الجلوس فيه أكثر من دقائق معدودات، لأبدأ عباراتي المعتادة في التسخُّط والتبرُّم، والرغبة في الانصراف والعودة إلى المنزل في أسرع وقت، أو تغيير المقهى على الأقل، وهو ما كان يزعج الأصدقاء في البداية قبل أن يتعلموا تجاهلي، وبعضهم لم يكن يفهم سبباً لذلك الكره غير المبرَّر لأجمل مقهىً ممكنٍ في المنطقة! حسب ما يعتقدون…

(( يـُــتبع >> ))

Dolcy 5 – الفصل الأول: الأبواب المغلقة ~

31/05/2015 عند 16:46 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 10 تعليقات

.

dolcy-1-abwab

.

(1) – الأبواب المغلقة ~

ليس بوسع الإنسان أن يعرف، في خضمِّ روتين الحياة الذي لا ينتهي، أي مرةٍ ستكون هي الأخيرة!

لا أحد يعرف… متى ستكون آخر مرةٍ يرى فيها تلك العيون والملامح بما تطبعه في النفس من أثرٍ لا ينتهي، أو يوجد فيها في ذلك المكان بمشاهده المتناثرة على قطْر دائرة البصر، أو يسمع فيها ذلك الصوت بأنغامه التي تنفذ من أذنيه إلى روحه، أو يعيش فيها ذلك الجو التي يتوحَّد معه بكلِّ كيانه.

لا أحد يعرف متى تُحدُّ سلسلة اللحظات المتكررة بواحدةٍ تكون هي الأخيرة، ولا يأتي بعدَها مثلُها أبداً ما عاش الإنسانُ وأحرق من فتيل عمره…

ونحن… يوم شربنا آخر قطرةٍ من كوب القهوة في أحد أيام أبريل لعام 2014، ما كنا لنتوقع أو يخطر لنا على بالٍ أن تكون تلك الأمسية هي الأخيرة، ولم يدرْ لي في خيالٍ وأنا أنقد النادل الكهل (سي احمد) دراهمه العشرة، بأنها ستكون المرة الأخيرة التي أراه فيها!

* * *

أخيراً…

قذفتْ بي محطة القطار في طنجة بعد رحلة عملٍ سريعةٍ إلى الدار البيضاء، وخرجتُ من بوابتها حاملاً حقيبتي اليدوية، ومعلِّقاً على كتفي حقيبة الملابس. صار الجو لطيفاً – على ما يبدو – بعد هبوط الليل الذي غلَّف المدينة بملاءته السوداء القاتمة.

تركتُ ورائي حقائب المسافرين المتخمة وعناقاتهم الحارة، وسيارات الأجرة التي تنادي على زبائنها، والسيارات التي جاءت مستقبلةً للعائدين التي تفاوتت مدد غيابهم. كان والدي قد أصرَّ على أن يأتي لاصطحابي إلى المنزل بالسيارة، لكني – كعادتي – طلبت منه ألا يتعب نفسه، لأني لا أقاوم تلك الرغبة الجامحة في المشي وحيداً في طنجة بعد كل سفرٍ أعود منه، وانطلقتُ وسط نسائم مايو الليلية المنعشة، متجهاً نحو موقف سيارات الأجرة في (إيبيريا)، مشياً على الأقدام رغم طول المسافة وتعب السفر.

اشتقتُ لطنجة رغم قصر مدة الغياب، وكنت مستمتعاً بشعور العودة إلى الديار ذاك، عندما تحس بأن كل شيءٍ في مدينتك صار ملكاً لك، وأن كل شيءٍ من حولك صار في متناولك، وأن جميع الأماكن المحبَّبة لك قريبةٌ جداً.

وصلتُ إلى شارع طنجة الرئيسي، والمسمى بعاميتنا – وهو نفسه الاسم الفرنسي -: “البولفار”. الوقت متأخرٌ لكن الشارع لا يزال مزدحماً، ولغط المارة يدغدغ هدوء ذلك الليل المنعش.

طنجة مدينةٌ تحب السهر كثيراً، ولا تنام مبكراً كما هو معلوم… أتساءل تاركاً خلفي محطة الوقود التي اشتهرت بانبعاث تلاوة القرآن منها في كل وقت وحين وعلى مدار الساعة:

– “هل سأجد تلك العصابة من أصدقائي في أماكنهم المعتادة في مقهاهم المعتاد؟ وهل سيكونون – مرة أخرى – رافعين أبصارهم نحو الشاشة وقد انفتحت أفواههم قليلاً في ذهولٍ كامل، بعد أن استحوذت على عقولهم مباراةُ كرةٍ حاميةُ الوطيس؟”

إنني الآن أقترب من المقهى المشؤوم، ألقي نظرةً خاطفةً عليه ثم أجفل فجأة، يا لغرابة المشهد! إن أبوابه مغلقةٌ تماماً…

رفعت بصري في حركةٍ لا إراديةٍ وكأني شككتُ في المكان، لم أغب عن طنجة أكثر من أيامٍ معدودةٍ على كل حال! ومازال ذلك الاسم Dolcy 5 ماثلاً هناك، وإلى جواره نُصب مجسَّمٌ مضحكٌ لمثلجاتٍ تحيط بحوافها مصابيح (النيون) المضيئة، وقد بدا أنه لا علاقة لذلك المجسَّم بسياق المكان، لأن مقهانا العتيق لا تجمعه بعالم المثلجات أي صلة تُذكر!

نظرتُ إلى ساعتي، إنها العاشرة ليلاً، العاشرة الجديدة طبعاً، لأن (الدولة زادت ساعة) كما قال التوأم التطواني! متى يغلق (سي احمد) أبواب المقهى عادةً؟ لا أدري! لكن يخيَّل إلي أن الوقت ما زال مبكراً على الإغلاق.

ألقيتُ نظرةً على الكراسي المكدَّسة وراء الأبواب المغلقة، وعلى الضوء الخافت المنبعث من مطبخ المقهى، وواصلتُ طريقي غير مهتمٍّ بشيء.

في اليوم التالي جاءني الخبر (الفاجع) من عند صديقٍ لي، ألقاه على مسامعي وقد بدت عليه أماراتٌ حقيقيةٌ للحزن والتأثر:

– “صدقني أنا لا أمزح! هذا ما حدث يا صديقي… لقد تم إغلاق مقهى Dolcy إلى الأبد!”

(( يـُــتبع >> ))

متلازمات ~

31/05/2015 عند 16:09 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

* متلازمة النرجسية الفيسبوكية:

وتتكون من عنصرين:

الأول: البحث المتعطش الجشع من طرف أصحابها على تقدير الآخرين، بواسطة الغلو في مدح الذات وتمجيدها، والإفراط في نشر الصور الشخصية التي لا معنى لها ودون أي مناسبة أو دافع لذلك.

الثاني: أن هذه الطريقة بالفعل (صادقة ليهم)! وأنهم حقاً ينالون ما يطلبونه من مديح الآخرين وتقديرهم، لهذا نجد أن الشخصيات النرجسية في الفيسبوك محاطة دائماً بعشرات من المعجبين والمادحين والمبجِّلين.

وهو ما يجعلنا نتساءل بحيرة:

هل فقد الناس قدرتهم على تمييز الغرور ورفضه؟ أم أن الشخصيات المغرورة تتميز فعلاً بهالة خاصة ما تجعلها مستحقة لأن تكون كذلك؟!

* * *

متلازمة التقديرات المتناقضة:

“أنا أكثر ذكاءً مما يوحي به مظهري وأقل ذكاءً مما توحي به كلماتي!” (*)

تعاملتُ في حياتي (الفيسبوكية والواقعية) مع نوعين من البشر، كلاهما يسبب لي ضيقاً وحرجاً، لأن كليهما يعطيانني حجماً مختلفاً تماماً عن حجمي الحقيقي، إما أكبر بكثيرٍ وإما أصغر بكثير!

النوع الأول: تلقي أمامه بعبارةٍ عابرةٍ أو تريه جملةً سطحيةً كتبتها بأسلوبك، فيبدي لك دهشةً عارمةً وانبهاراً عظيماً بمدى حكمتك وحجم ثقافتك! ويرفعك إلى سقفٍ شديد الارتفاع يبني تعامله معك على أساسه، فتجده ينتظر منك الكثير ويتوقع أن كل ما ستنطق به أو ستكتبه حكمةٌ جليلةٌ وجوهرةٌ ثمينة!

النوع الثاني: تطلعه بالفعل على أهم وأجمل أعمالك الأدبية والفكرية، وتجعله يقرأ أفضل ما كتبت وما توصلت إليه في مسيرتك القلمية، فلا يكون منه إلا أن يمطَّ شفتيه في ازدراءٍ ويهزَّ كتفيه باستخفافٍ واضح، ويحاول أن يثبت لك بأنك مهما فعلت ستظل عبارةً عن (لا شيء)!

وفي النهاية تجد أنه لا أحد من المحيطين بك ينظر إليك نظرةً متوازنةً عادلة، ويتعامل معك على أساس حجمك الحقيقي بلا زيادة ولا نقصان، بلا تضخيمٍ أنت دونه بكثيرٍ ولا ازدراءٍ أنت دون شكٍّ فوقه.

ثم تكون النتيجة شعوراً عارماً بغربةٍ لا يعرفها إلا الكتَّاب، وأشباههم ممن يقدِّمون (شيئاً ما) للناس ليقرؤوه أو يسمعوه أو ينظروا إليه…

(*) العبارة للدكتور أحمد خالد توفيق.

29/05/2015

مغرورٌ متكبِّر ~

31/05/2015 عند 16:06 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

ما زال يصعب علي حتى الآن؛ أن أحدد بدقةٍ معايير الناس في الحكم على أحدٍ بأنه مغرورٌ متكبِّر! لأن كثيراً من هذه الأحكام لا تخرج إلا من أنانيةِ مُطلقها وحقده وحسده، أو من خسَّة معدنه ودناءة نفسه في كثير من الأحيان!

فأنت عندهم مغرورٌ متكبِّر؛ إذا آثرت العزلة عنهم والانطواء على عالمك الخاص…

وأنت عندهم مغرورٌ متكبِّر؛ إذا أبقيت مسافتك المريحة عن الآخرين، لأنك لا ترتاح إلا وحدك…

وأنت عندهم مغرورٌ متكبِّر؛ إذا أنزلت الناس منازلهم، وعاملت كل واحدٍ منهم بما تراه الأنسب لك وله…

وأنت عندهم مغرورٌ متكبِّر؛ إذا ترفَّعت عن بعض ما يتسفَّلون به من خوارم المروءة ومفاسد الأخلاق…

وأنت عندهم مغرورٌ متكبِّر؛ إذا كنت حرَّ الرأي والموقف، ذا أنفةٍ ونفسٍ أبية، لا ترضى بالدون، وتسعى لمراقي الأحوال والأقوال والأفعال…

أنت عندهم مغرورٌ متكبِّر؛ إذا كنت مختلفاً عنهم، مخالفاً لأهوائهم وما يريدون منك، وما يريدونك عليه!

* * *

وما أجمل ما خطَّته الكاتبة الإماراتية المتألقة (شهرزاد الخليج)، تعبيراً عن نفس هذا المعنى:

“(…) إذا رغبت في الاختلاء بحزنك وتجنُّب ضجيجهم… اتهموك بالغرور!

إذا ألقوا عليك السلام ورددت بصوتٍ خافتٍ فلم يسمعوك… اتهموك بالغرور!

إذا دلَّلت نفسك وحدَّثت بنعمة ربك عليك… اتهموك بالغرور!

إذا اعتنيت بزينتك وبدوت مختلفاً بينهم… اتهموك بالغرور!

إذا عرفت قدر نفسك، ورفعتها عما لا يليق بها… اتهموك بالغرور!

إذا ترفَّعت عن الخوض في مناقشاتٍ عقيمةٍ مع عقولٍ سقيمة… اتهموك بالغرور!

إذا انتقيت صداقاتك وعلاقاتك بحرصٍ تام… اتهموك بالغرور!

إذا تحدثت عن تاريخك الأدبي والعائلي بحسن نية… اتهموك بالغرور!

إذا كتمت أسرارك في أعماقك، ورفضت البوح بها لهم… اتهموك بالغرور!

إذا رفضت مشاركتهم أكل لحوم البشر ميتة… اتهموك بالغرور!

إذا تجنبت الخوض معهم في أعراض الناس… اتهموك بالغرور!”

22/03/2015

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.