البؤساء – فيكتور هيغو

26/01/2021 عند 15:49 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

💯 المراجعة المئة 💯

رواية: البؤساء

تأليف: فيكتور هيغو

البلد: فرنسا 🇫🇷

صدرت عام: 1862

ترجمة: منير البعلبكي

.

=====

شغل بالي، منذ بعض الوقت، العنوانُ الذي سأختاره لمراجعتي المئة، وأحببت -بطبيعة الحال- أن يكون عنواناً خاصاً مميزاً أتوِّج به المئة الأولى، ثم قرَّ رأيي، أخيراً، على أن أخصص هذا العدد المميز لروايتي المفضلة في كل العصور: البؤساء.

غنيٌّ عن الذكر أن ما سأكتبه الآن لا يرقى لأن يكون “مراجعة”، لأن (البؤساء) أضخم وأعظم بكثير من أن يكتب مثلي مراجعة عنها، لكنه أشبه ما يكون بخواطر وذكريات خاصة حول علاقتي بهذه الرواية، وحول ما تركته داخلي، إنسانياً وأدبياً، من أثر عميق لا يُمحى…

* القراءات الأولى، النسخة المختصرة:

قرأتُ (البؤساء) أول مرة في أواخر تسعينيات القرن الماضي، على الأغلب في عام 1999، وكان ما قرأتُه نسخة مختصرة لا يتجاوز عدد صفحاتها مئتين، ولعلي لا أكون مخطئاً لو قلتُ بأنها كانت من أوائل الروايات “الكاملة” التي قرأتها في حياتي، وربما كانت الأولى فعلاً.

كنتُ صبياً آنذاك، وما زلتُ أذكر جيداً تلك الدهشات الأدبية الأولى وأنا ألتهم الصفحات بنهم وشوق، متأثراً بالأحداث والشخصيات، متلهفاً لمعرفة المصائر والنهايات. وما زلتُ أذكر أيضاً آخر كلمات خُتمت بها الرواية: “ولم تتحرك اليدان بعد ذلك”، وكيف أحدثت هذه الكلمات الختامية في داخلي هزة عاطفية عظمى لم يُحدثها عملٌ أدبيٌّ قبلُ ولا بعدُ.

لقد فتحت أمامي قراءتي الأولى للرواية، وأنا بعدُ صبي، أبواب العوالم المسحورة للفن القصصي، وما زلت أبحث في كل عمل أقرؤه، منذ ذلك اليوم، عن ذلك الأثر الهائل الذي أحدثته في نفسي خاتمة رواية البؤساء، دون أجده ولا شيئاً قريباً منه حتى الآن.

أعدتُ قراءة نفس النسخة من الرواية عام 2008، وإلى حدود عام 2012 لم أكن أعرف أن ما قرأته لم يكن سوى نسخة مختصرة هزيلة عن الرواية الأصلية الضخمة، والتي صدمني حجمها الهائل وأنا أتأمل، غير مصدق، عدد الصفحات الذي تجاوز 2340 صفحة من القَطع الكبير…

* النسخة الكاملة:

كان الذي قادني إلى النسخة الكاملة للرواية، بترجمة منير البعلبكي، ما اعتزمتُ عليه في بداية عام 2012 من ترجمة مسلسل الأنيمي (البؤساء) الصادر عن استوديو (نيبون) عام 2007 في 52 حلقة، وهكذا وجدتُ نفسي أترجم حلقات المسلسل في نفس الوقت الذي أقرأ فيه الرواية الكاملة، وقد استغرق مني ذلك عاماً كاملاً تقريباً، حيث كنت ألتهم عدداً من فصول الرواية، ثم أرتاح مؤقتاً بكتاب أو رواية أخرى، ثم أعود إلى “البؤساء” من جديد وهكذا… لقد قرأتُ كتباً وروايات كثيرة أثناء قراءتي للبؤساء، لكني ما زلت إلى اليوم لا أتذكر عام 2012 إلا وتتمثَّل لخيالي شخصيات البؤساء مكتوبة ومرسومة. لقد كان عام 2012، بالنسبة إلى ذاكرتي الخاصة، “عام البؤساء” دون منازع.

* المعمار الروائي:

حين نتأمل رواية أصلية في 2340 صفحة من القَطع الكبير، اختُصرت إلى 200 صفحة من القطع الصغير، فإن أول سؤال يطرح نفسه هو حول كمية المحذوف من الرواية الأصلية. وإن كانت النسخ المختصرة، على ضعفها وهزالها، قادرة على إحداث كل ذلك التأثير في القارئ، فكيف ستكون النسخة الكاملة؟ لقد كنتُ مدفوعاً بالفضول وأنا أتلو بدايات الفصل الأول بعنوان (رجل مستقيم)، وما زلت أذكر دهشتي وأنا أشاهد كيف أن مئة صفحة كاملة استُهلَّت بها الرواية، لا تتحدث إلا عن شخصية ثانوية ذات دور محدود في القصة، وأعني (الأسقف ميرييل) أو (مونسينيور بيينفينو). لقد شككتُ جدياً في أن يكون الأسقف شخصية خيالية، بسبب العدد الهائل من التفاصيل التاريخية والشخصية المتعلقة بسيرته، والتي كادت تحوِّله، حرفياً، إلى إنسان من لحم ودم. إن كان كل هذا التفصيل في بناء شخصية ثانوية عابرة فكيف ستُبنى الشخصيات الرئيسية للقصة؟ هنالك بدأت أفهم سر الحجم الهائل للرواية، وعلمتُ أني على موعد مع كثير وكثير من الاسترسال والتعمق في الوصف، وأنه ستأتي عليَّ لحظةٌ أصير عاجزاً فيها تماماً عن التفريق بين الحقيقة التاريخية والمتخيَّل الروائي.

من الواضح أن فيكتور هيغو قد منح نفسه حرية مطلقة في الاسترسال، غير واضع لنفسه حدوداً متعلقة بحجم الرواية أو عدد الصفحات، كما أنه اعتمد، إلى جانب السرد الكلاسيكي على طريقة الراوي العليم، أنماطاً عديدة ومتنوعة من السرد تتضمن تقنيات الاسترجاع، والسرد بالقصاصات، والسرد بالتناوب، والمونولوغ الداخلي، وأدب الرسائل… إلخ. بل إنه تجاوز في روايته القصة نفسها إلى المقال والخاطرة، إذ ليس من النادر في رواية “البؤساء” أن يتوقف السرد القصصي عند منعطف حاسم ما، ثم لينتقل بنا المؤلف إلى “مقالات” تاريخية أو نفسية أو اجتماعية أو فلسفية أو سياسية معمقة، قبل أن يعود لاستئناف القصة من جديد. ولعل هذا مما سهَّل مهمة تلخيص الرواية واختزالها إلى أدنى الأحجام الممكنة، لأننا لو حذفنا المقالات التقريرية، والاسترسالات الكثيرة التي أطنب فيها المؤلف في التعبير عن آرائه في شتى المواضيع، فستبقى لدينا قصة متكاملة واضحة العناصر، ويمكن تلخيصها بسهولة في بضع مئات من الصفحات المقتصرة على خلاصات الأحداث.

* البناء النفسي والأخلاقي للشخصيات:

من أبرز ما تتميز به الآداب الكلاسيكية، الواقعية والرومانسية؛ العناية الشديدة ببناء الشخصيات، وهو ما صرنا نفتقده بشدة في الآداب المعاصرة التي لا تكاد تعبأ بعنصر “الشخصية”، حتى إن الشخصيات الثانوية في تلك الآداب القديمة تبنى على نحو أغنى وأعمق بكثير من الشخصيات “الرئيسية” في الآداب الحديثة.

وبالحديث عن شخصيات رواية “البؤساء”، فإن المسألة هنالك أعمق بكثير من أن تُختزل في قضايا اجتماعية تمت معالجتها؛ الظلم الاجتماعي متجسداً في (جان فالجان)، امتهان المرأة متجسداً في (فانتين)، انتهاك الطفولة متجسداً في (كوزيت)، قسوة القانون متجسدة في (جافير)… إلخ. بل إن تلك الشخصيات هي تمثُّلات إنسانية بُنيت بأبعاد مجسَّمة شديدة العمق، وجُعلت بحيث تتخذ لنفسها مكاناً حقيقياً في التاريخ الإنساني، مزاحمةً فيه بعض أشهر الشخصيات الحقيقية.

لقد تعوَّدنا من بعض قراء هذه الأيام إبداء انبهارهم بالأعمال الأدبية التي توصف بأنها “تتعمق في النفس البشرية”، وبتأمل ما يقصدونه بذلك “التعمق” فإننا نجدهم محصورين في رؤية أحادية تختزله في إبراز الرذائل الباطنة المختفية خلف الفضائل الظاهرة أو العكس. الشخصية “العميقة” عندهم هي التي يخالف ظاهرُها باطنَها، وأما العكس فغير وارد إلا حين يتعلق بالأمر بجانب الشر الذي يُتعاطف معه وربما يُنسب إلى فضيلة “التصالح مع الذات”، وأما جانب الخير فلو قدَّم كاتب ما شخصية خيِّرة صرفة، ظاهراً وباطناً معاً، فسيُرمى على الفور بأنه كاتب “سطحي” وقع في ما يسمونه “الوعظ المباشر”. هذا الكيل بمكيالين، وهذه الرؤية السطحية، وغير البريئة في معظم الأحيان، تجد ما يفنِّدها تماماً في رواية (البؤساء)، حيث قُدِّمت لنا شخصيات بعيدة الغور، ومآزق أخلاقية شديدة الاستعصاء، إلى حد يعجز عنه كل كتَّاب هذا العصر، دون أن يمنع ذلك من وجود شخصيات تتدفق بالخير والفضيلة ظاهراً وباطناً، مثل الأسقف (ميرييل) الرجل المستقيم، ومثل (جان فالجان) الذي تجول بنا الرواية في أعماق ضميره الزاخر بأسمى المعاني الإنسانية النبيلة، كلُّ ذلك دون أن يخرج به المؤلف عن آدميته المجبولة على النقص، ليس فيما يتعلق بإقدامه على السرقة في بداية الأحداث فقط، بل وحتى في مشاعر الغيرة الحارقة التي كوت قلبه وهو يشاهد (ماريوس) يحوم حول صغيرته (كوزيت)، تلك الغيرة التي لم تلبث أن تحولت إلى كراهية عميقة لـ (ماريوس)، لكنها لم تمنعه رغم ذلك من المخاطرة بحياته من أجل إنقاذه عبر المجارير، مستجيباً في ذلك لدواعي إنسانية أسمى بكثير من أحقاده الشخصية.

إن موقف (جان فالجان) البطولي مع (ماريوس)، يعبِّر عن ذلك الكدح النفسي الشاق في سبيل التزكية، في سبيل الارتقاء والتسامي. إنه الاعتراف بنقائص النفس البشرية، لكن دون استسلام لها ودون استمراء للتلطخ بالرذيلة، بل إن الإنسان ليكتسب معنى وجوده من موقفه الأخلاقي الذي يرضي به ضميره النبيل، مهما بلغ حجم تضحياته المادية والمعنوية.

المفتش (جافير) أيضاً، ورغم أن بعض القراء قد يصنفونه خطأ ضمن معسكر الشر، إلا أن المؤلف يخبرنا بصريح العبارة أنه ليس شريراً، ولم يكن خسيساً قط، بل إن استقامته القانونية المفرطة، والمستمدة من موقفه الأخلاقي الصارم، هي التي أعمته عن النظر إلى أية ألوان أخرى غير الأبيض الناصع والأسود الحالك، ما جعله سبباً في أحداث مأساوية ترتبت عن رؤيته المتعصبة الضيقة، دون أن يقصد ذلك أو يتعمده.

نلاحظ أيضاً أن المؤلف قد عصم نفسه، في عرضه لشخوص روايته، عن الانجرار وراء الاستقطابات الآيديولوجية والسياسية، إذ نجد أن الشخصيات الطيبة والشريرة قد توزعت على المعسكرين معاً؛ المؤيد للملكية والمناصر للثورة، ما دل على أن الكاتب قد بلغ من النضج الإنساني والأخلاقي حداً جعله يتسامى فوق الآراء المتطرفة التي تبجل هذا أو تشيطن ذاك بناء على موقفه الفكري أو انتمائه السياسي، بل إننا في (البؤساء) ننظر إلى الأرواح الإنسانية في صميمها، مجرَّدة في قيمتها عن متعلَّقاتها الدنيوية؛ عن طبقتها الاجتماعية أو موقفها السياسي.

إن المتأمل لأسلوب هيغو في تناول شخصياته ليستشعر تياراً من الرحمة يشملها جميعاً، مهما بلغت أخطاؤها، ولو تساءلنا عن مصدر الشرور التي يرزح المجتمع تحت نيرها، والتي لم تُكتب (البؤساء) إلا للتعبير عنها، فحتماً لن تقودنا الإجابة إلى أشخاص بأعيانهم، وإنما هي تفاعلات تراكمية معقدة من الظروف والأسباب، نستطيع أن نرى نتائجها أمام أعيننا، لكن يعسر جداً أن نمسك بأصولها فضلاً عن أن نحمِّل مسؤليتها هذا الشخص أو ذاك، ويظل الرهان الأخلاقي، رهان الضمير، هو التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسانَ في حياة لم تُفرش له بالورود.

* ترجمة منير البعلبكي:

قرأتُ انتقادات كثيرة حول ترجمة منير البعلبكي لرواية (البؤساء)، إذ وصفها بعضهم بأنها ترجمة حرفية ركيكة، رغم أنها في الواقع أكملُ ترجمة للرواية حتى الآن، وأعتقد أنها الوحيدة التي تناولتها كاملة دون اختصار.

أتفهَّم أن يبدو أسلوب البعلبكي في هذه الرواية غريباً بعض الشيء، لقد استشعرتُ تلك “الغرابة” وأنا أقرأ فصولها الأولى قبل أن أتعوَّد على الأسلوب لاحقاً، وهي غرابةٌ مصدرُها البحثُ المضني في القواميس عن الكلمة العربية الأقرب إلى الأصل الفرنسي، ومن ثمَّ جاءت بعض التعبيرات مختلفة عن المعتاد، ووردت بعض الكلمات بحيث تبدو معانيها بعيدة عن سياق الجملة، إلا أن وصف الترجمة بأنها “ترجمة حرفية” اتهام ظالم جداً، إذ من الواضح أن المترجم قد بذل جهداً جباراً للمزاوجة بين انتقاء اللفظ الأكثر ملاءمة للأصل من جهة، وبين صياغة تراكيب عربية بليغة من جهة أخرى. والحق أنني، وبعد إيغالي في الرواية، صرتُ أقرأ أسلوب البعلبكي كما أقرأ لغة مستقلة قائمة بذاتها، لها قواعدها الخاصة التي تولَّدت من مجهود المترجم لتقريب الألفاظ العربية إلى المعاني الفرنسية، وتقريب المعاني الفرنسية إلى الألفاظ العربية.

* مسلسل الأنيمي (البؤساءالفتاة كوزيت):

لا أعرف رواية قطُّ حظيت بما حظيت به (البؤساء) من مسرحيات وأفلام ومسلسلات ورسوم متحركة، وما زلنا كل بضع سنوات، ومنذ عقود طويلة، نستقبل فيلماً أو مسلسلاً يتناول نفس الملحمة الإنسانية الخالدة.

يذكر كثير من أبناء جيلنا أنهم شاهدوا قصة البؤساء عبر رسوم متحركة قديمة مدبلجة، وللأسف فقد كانت تلك الرسوم دون المستوى المطلوب، ولم تتناول إلا أجزاء مبتورة ناقصة من القصة، إلى أن صدر عام 2007، عن استوديو (نيبون) الياباني المعروف بتقديمه روائع الأدب العالمي، مسلسل في 52 حلقة يتناول كامل القصة بما فيها ثورة 1832 الفاشلة. مما لا شك فيه أن هذا المسلسل هو أفضل ما قُدِّم للرواية حتى الآن في مجال الرسوم المتحركة، وإن كان نفسُه قد أحدث فيها -مع الأسف- تغييرات كثيرة تمثَّلت في ابتكار شخصيات جديدة، وعلاقات بين شخصيات لا وجود لها في الرواية، إضافة إلى تخفيف شديد في حدة العنف بلغ حدَّ إلغاء بعض المصائر المأساوية (مقتل غافروش وانتحار جافير).

ترجمتُ المسلسل كاملاً خلال عام 2012، أثناء قراءتي الأولى للرواية الكاملة، وهو مسلسل جميل يناسب كل الأعمار ويغطي جل أحداث الرواية، وبإمكان من أراد مشاهدته أن يجد الحلقات كلها على اليوتيوب.

دُبلج المسلسل إلى العربية بعد ذلك وعُرض على قناة سبيستون، ما منحه انتشاراً واسعاً في العالم العربي جعله، كما أرى، واحداً من الكلاسيكيات التي شكلت ذاكرة طفولة جيل بأكمله.

* الخاتمة:

رواية (البؤساء) ملحمة روائية وإنسانية وأخلاقية خالدة. لقد كنتُ وما زلت، وعلى الأغلب سأظل، أعتبرها أفضل رواية قرأتُها في حياتي على الإطلاق، كما أنها من الأعمال التي يستحيل أن تخرج منها كما دخلتها، بل ستدمغ روحك ولا شك بأثر لا يمحوه الزمن…

#أنس_سعيد_محمد

26/01/2021

العمى – خوسيه ساراماغو

14/01/2021 عند 15:03 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: العمى

تأليف: خوسيه ساراماغو

البلد: البرتغال 🇵🇹

ترجمة: محمد حبيب

صدرت عام: 1995

.

=====

رواية (العمى) من الروايات التي شاعت من جديد تحت ظل جائحة كورونا العالمية، إذ ليس غريباً، أمام الأحداث الجليلة الخارجة عن المألوف، أن يبحث قراء الأدب عن الروايات التي سبق أن عالجت مواضيع مشابهة أو ذات صلة، التماساً منهم لمواطن الإسقاط المُعين على استقراء الوقائع الجديدة واستنطاقها على عدة مستويات. ولقد نصحني بقراءتها عدد من أصدقائي، والحق أن موضوع الرواية نفسه أغراني بالقراءة وأثار فضولي؛ لأن موضوع (العمى)، بشكل عام، هو من المواضيع التي كانت ولا زالت تثير في داخلي أسئلة كثيرة دون أن ينقضي عجبي منها، وما زلتُ أنظر إلى عاهة العمى، وإلى طرائق عيش العميان، على أنها من الخوارق المذهلة التي لا يكاد يستوعبها العقل. وإني كلما صادفتُ ضريراً يمشي في الشارع وحده، يقرع بلاط الأرض أمامه بطرف عكازه، إلا ووقفتُ أتأمله ملياً، لا أكاد أصدِّق كيف يمشي على الرصيف قاصداً إلى هدفه، مهتدياً إلى طريقه، واعياً بالمكان والمساحة من حوله، حامياً نفسه من الجدران والأعمدة والسيارات… إن عقلي ليعجز عن تصور الحياة دون حاسة جوهرية كالإبصار، كما لا أستطيع تصور ما يقال من أن العميان يطوِّرون حواساً أخرى تعوِّضهم عما فقدوه من نعمة النظر. هذه أمور لا يستطيع إدراكها إلا من جرَّبها، ولا أجد أمامها إلا التسليم بما أراه وأقرأ عنه تسليماً نظرياً، وإن كنتُ عاجزاً عن تصوره تصوراً دقيقاً. أذكر أني تحدثت حول هذا الموضوع في مراجعتي لسيرة طه حسين الشهيرة (الأيام) التي نشرتُها منذ بضع سنوات، وما زلتُ كلما صادفتُ قصة يدور موضوعها حول العمى إلا ووقفتُ أمامها متوجساً، أدقق في تفاصيل ما يُروى من أقوال الشخص الضرير وأفعاله، وأكاد أصف بالتناقض والاستحالة كل ما أقرؤه، لولا أني أحمل نفسي على بعض التساهل في التصديق، والنابع من معرفتي بأن وراء العمى أسراراً لا تدركها حواسُّ المبصرين. حدث معي هذا أثناء قراءتي لـ (الأيام)، وكذلك للعدد 68 من سلسلة (ما وراء الطبيعة) والمسمى (أسطورة أرض الظلام)، كما أذكر أيضاً قصة قصيرة لنجيب محفوظ تتحدث عن فتيان كانوا يلعبون الكرة في إحدى ضواحي المدينة فإذا بهم يعمون جميعاً فجأة دون سبب محدد. وهذه رواية (العمى) لـ (خوسيه ساراماغو)، إحدى أشهر الروايات التي اتخذت من العمى موضوعاً لها، مازجة إياه بحالة وبائية غامضة يصعب تخيلها، ويصعب كذلك تخيل ما يمكن أن يكون لها من آثار وخيمة على الأفراد والمجتمعات. تدخل الرواية في الموضوع مباشرة، دون مقدمات. منذ السطور الأولى يخبرنا الكاتب أن إنساناً عمي فجأة، وبعد فقرات قليلة بدأت تتضح الصفة الوبائية، أو التي تبدو كذلك، لفقدان البصر الطارئ والفريد من نوعه، والذي يتميز بأنه ليس أسود اللون كما نتخيل، وكما اعتدنا أن نستشعر العمى على أنه ستار أسود رقيق يفصل بيننا وبين الأشياء، بل هو (عمى أبيض) لا يرى المصاب به إلا البياض المطلق، ما جعل الأشياء “غير مرئية مرتين” على حد تعبير الرواية. أسلوب (ساراماغو) في هذه الرواية يتضح، بصراحة فجة، منذ السطر الأول؛ لا تنتظر مقدمات ولا ديباجات بلاغية، لا تنتظر تفسيرات لما يحدث، لا تنتظر أن يوقف المؤلف سرده ليشرح لك أو يبرر، لا! بل إن الكاتب ينقضُّ على ذراعيك بمخالبه، مباغتاً إياك بذلك، ثم يقتادك بغلظة وعنف نحو روايته كجندي يقتاد أسيراً أو كشرطي يقتاد مجرماً، ثم يقذف بك في داخلها كيفما اتفق، تاركاً إياك تتخبط مع العميان غير واجد، أنت أيضاً، طريقة للخلاص من ذلك العالم الكابوسي المرعب. لم يدَّخر الكاتب جهداً في أن يجعل حتى من تجربة قراءة روايته تجربة شبيهة بالعمى، إذ لم يتكلف تقسيمها إلى فصول، بل هي قطعة واحدة مسترسلة، ولم يُعنَ كذلك بعلامات الترقيم ولا بالرجوع إلى السطر عند الحوار، بل إن الحوارات تُلقى متتابعة داخل الفقرة نفسها، لا نكاد نعرف من يكلم من إلا من خلال السياق، لا علامات استفهام وتعجب، لا علامات تنصيص، لا شرطات حوارية، لا زمان ولا مكان ولا حتى أسماء للشخصيات. اختيارات أدبية مدروسة بعناية لتشتت القارئ وتبلبل فكره، وتُشعره رغماً عنه بنوع من (العمى) الملائم لأجواء الرواية. وإن كان القارئ يظن أن الكاتب سيتكرم عليه بتفسير لما حدث في نهاية الرواية، أو سيجيب عن بعض الأسئلة البدهية التي ربما تكون راودته، فلا شيء من ذلك سيحصل إطلاقاً، لن نعرف أبداً سبب العمى، ولا كيفية انتشاره، وهل هو وباء ينتقل بالعدوى أم لا، كما لن نعرف أيضاً سبب زواله في نهاية الرواية، ولا سبب نجاة زوجة الطبيب منه… هي ألغاز وُضعت كي تظل كذلك، ولكي نظل إلى الأبد في عمى عن معرفة تفسيراتها. لقد تكوَّن لدي أثناء القراءة انطباع بأن (ساراماغو) قد وصل إلى درجة معينة في سنه وتجربته، جعلته أعلى قدراً من أن يتكلف التبرير لأحد كائناً من كان، فضلاً عن محاولة إرضائه. هو شيخ كبير يقيم في برجه العاجي، لا يجد حرجاً في أن يقول ما شاء كيفما شاء، ولا في أن يكون فظاً إلى أقصى درجات الفظاظة، بذيئاً فاحشاً إلى أقصى درجات البذاءة والفحش، لا يعبأ بأية قواعد اجتماعية أو أخلاقية أو حتى أدبية، بل هو يكتب ويكتب وفقط، يقول كل ما عنَّ له وبأقسى الألفاظ الممكنة، ثم يقذف به في وجه القارئ كمن يقذف شتيمة. أحداث الرواية لا تدور في مكان محدد، بل هي مدينة وهمية في العصر الحاضر، ومن المعلوم أن المدينة الوهمية يُرمز بها إلى العالم كاملاً، كما أن الشخصيات منزوعة الأسماء ترمز إلى الإنسان في عمومه، مع مراعاة الاختلافات العمرية والثقافية والاجتماعية، كل هذا يمنح الرواية بُعداً كونياً يسمو بها فوق الاعتبارات الآنية، إضافة إلى التحرر من أية أعباء ثقافية أو معلوماتية. البطل هنا هو الرمز، هو الفكر، وليس التاريخ ولا الأحداث ولا المعلومات الثقافية. والهدف هو تفكيك الإنسان إلى أقصى درجة ممكنة، وتجريده من كافة ألبسته الأخلاقية والاجتماعية، لغرض الاطلاع على حقيقة روحه العارية حين يتعرض لأعنف الضغوط الداخلية والخارجية. إن كنا ننتقد السلطة في كثير من ممارساتها اللاإنسانية، فماذا لو سقطت السلطة سقوطاً تاماً؟ ماذا لو اندثرت؟ هل سيتحقق الخلاص المنشود بما نتصوره في انهيار السلطة من تحقق للحرية، أم أن الإنسان بطبعه يُنتج السلطة ويشتطُّ في استخدامها متى ما قدر على ذلك؟ كيف ترينا الأوبئة -والجهل أخطر الأوبئة- سوءاتنا؟ متى تنتهي الشفقة ويبدأ العقل؟ ومتى ينتهي العقل وتبدأ الوحشية؟ كيف نقوِّم من وجهة نظر أخلاقية تعامل الحكومة / السلطة مع حالة وبائية تنذر بالدمار الشامل؟ وما مدى أخلاقية نبذ المصابين وعزلهم بل والسعي إلى الخلاص منهم لما يشكلونه من خطر داهم على الأصحاء؟ هل سلطة الحكومة تمثل الشر المطلق أم أن في داخل كل إنسان، حتى لو كان من طبقات الشعب الدنيا، طاغية جباراً لم تسعفه فرصة الظهور؟ وهل ينقطع الخير انقطاعاً تاماً في الظروف المأساوية التي تسيطر فيها الأنانية المطلقة، أم أن بذرة الخير لن تخبو أبداً في نفوس أناس يبذلون كل شيء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ إن العمى في هذه الرواية يمكن أن يرمز إلى أشياء كثيرة جداً، إلى كل النواقص البشرية التي تُذكي فيه نوازع الأنانية التي تصير مرعبة حين تنطلق من عقالها بعد زوال الروادع السلطوية، وإن كان الكاتب قد قدَّم لنا في روايته هذه النموذج الأشد تطرفاً وتشاؤماً لما يمكن أن يحدث، فإن كثيراً من مآسي العالم ما هي إلا نماذج (مصغَّرة) للمأساة الكبرى المتخيَّلة في رواية (العمى)، وكأني بالكاتب يسأل البشرية سؤالاً متوجساً سيئ الظن: ماذا لو…؟ ثم وكأني به يجيب بنبرته الفظة كمن يلقي شتيمة: الأفضل ألا نرى…

أنس سعيد محمد

14/01/2021

انفراد عن موكب الزمن – مروان أوبل

13/01/2021 عند 11:34 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | تعليق واحد

مجموعة قصصية: انفراد عن موكب الزمن

تأليف: مروان أوبل

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

جاء اطِّلاعي على المجموعة القصصية (انفراد عن موكب الزمن) لمؤلفها المغربي الشاب مروان أوبل ضمن (سياسة الانفتاح) التي انتهجتُها مؤخراً على الإبداعات الأدبية المغربية، والشبابية منها على الخصوص، بعد أن كانت قراءاتي الروائية مقتصرة، ولسنوات طويلة، على الأعمال المصرية والخليجية والشامية.

هي مجموعة قصصية صغيرة الحجم، وتضمُّ ثمانيةً وعشرين قصة قصيرة لا تتعدى الواحدة منها بضع صفحات، وقد قرأتُ القصص الأولى قراءة متقطعة، ثم قرأت ثلاثة الأرباع المتبقية في جلسة واحدة متواصلة دون ملل.

أعتقد أن هذه المجموعة هي العمل الأول للكاتب، وأستطيع من تأمل طبيعة القصص وأسلوبها أن أتبين ميولاً أدبية معينة وإن كانت غير واعية، وأن تلك الميول ستشكل هوية خاصة للكاتب في أعماله القادمة، وهي ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

– ذكَّرتني الأجواء العامة للمجموعة بقصص جبران القصيرة، والمتميزة ببعدها الفانتازي المشبع بالرمزية، كما أن لها طابعاً (كافكوياً) لا يخفى، إذ تبدأ القصص كلها بوصف سريع لموقف معين، مبتور عن أي سياق سابق له، وعجائبيٍّ في كثير من الأحيان، ثم يُنتقَل مباشرة إلى الحوار الذي يشكل الدعامة الرئيسية للبناء القصصي.

– الاعتماد الكبير على الحوار يدلُّ على ميول مسرحية للكاتب، بل إن معظم قصص المجموعة استقبلها خيالي على أنها (مسرحيات تمثيلية قصيرة)، ولعلي لا أكون مخطئاً لو وجَّهتُ الكاتب إلى الكتابة المسرحية التي أظن أنه سيجد نفسه فيها.

– الهوية الكافكاوية لقصص المجموعة، العجائبية والكابوسية أحياناً، تكاد تجعل منها جزءاً من (أدب الأحلام)، أجواء القصص تجبر القارئ على الشعور بأن ما يقرؤه حلم من أحلام المنام يرويه الكاتب، وهذا النوع من الأدب له جماليات كثيرة تجعل من قراءته متعة حقيقية للخيال.

– أعجبتني قدرةُ الكاتب على تنويع بيئاته القصصية، وعلى ابتكار المواقف الرمزية، ما يدلُّ على سعة خياله، وكذا محافظتُه في نفس الوقت على إطاره القصصي العام. هذه المزاوجة الذكية بين الحفاظ على الإطار العام (ثبات الإيقاع) والتنويع في التفاصيل المتخيَّلة هي من أبرز نقاط القوة في هذه المجموعة القصصية.

– رغم الاعتماد شبه الكامل لقصص المجموعة على عنصر الحوار، إلا أن الحوار هو نقطة ضعفها الأبرز، إذ اتصف بإغراقه في المثالية والمباشَرة في الوعظ، بل وفي أسلوب الخطابة الذي لا يليق بالحوار أساساً. من المستحيل تخيل أناس يتحاورون كما في قصص المجموعة، وأخصُّ بالذكر العبارات الموضوعة على ألسنة الشخصيات النسائية، والتي بدت بعيدة كل البعد عن الطبائع الأنثوية، ما يدل على احتياج الكاتب للكثير من التمرس في التقاط تفاصيل الحوارات الواقعية، وقبله الوعي الدقيق بطبائع الناس الذين سيُنطقهم، أو سينطق بألسنتهم في أعماله القصصية.

– لم تخلُ المجموعة من أخطاء لغوية وإن كانت قليلة على العموم، ولستُ أنوي تصحيح الأخطاء الشاردة أو الواقعة بسبب السهو، لكن بعضها تكرر إلى حدٍّ وجب معه التنبيه إليها، وأعني هنا رفع المفاعيل بها المثنَّاة، من قبيل: (لقد سحرتْ عيناي)، وصوابها (لقد سحرتْ عينيَّ). وكذلك إعراب أحد الأسماء الخمسة وهو (ذو)، إذ تكرر في الرواية مرفوعاً في غير موضع الرفع، مثل: (وأنا أنظر إلى الرسام ذو الحركات الغريبة)، وصوابها (وأنا أنظر إلى الرسام ذي الحركات الغريبة).

تلخيصاً لما سبق؛ للكاتب خيال واسع، وقدرة جميلة على ابتكار المواقف وشحنها بحمولات ترميزية، كما أن له ميلاً واضحاً نحو الفانتازيا والأجواء العجائبية. اعتماده الكبير على الحوار (وليس على الأحداث) يشير إلى موهبة في الكتابة المسرحية تحتاج إلى الصقل، وإلى محاولة جادة لتطوير أساليب الحوار من حيث جعلها أكثر واقعية ونبضاً بالحياة، بعيداً عن المثالية والمباشَرة والخطابة في غير محلها.

استمتعتُ بقراءة المجموعة، وإن مما يبعث على السرور وجود محاولات أدبية جادة لشباب مغاربة تستحق القراءة، وتبشر بمواهب تستحق التشجيع على مزيد من الكتابة الإبداعية، وقبلها على مزيد ومزيد من القراءة في صفحات الكتب ووجوه الناس…

أنس سعيد محمد

13/01/2021

الغريب – ألبير كامو

06/01/2021 عند 18:46 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | تعليق واحد

رواية: الغريب

تأليف: ألبير كامو 🇫🇷

ترجمة: محمد آيت حنَّا 🇲🇦

صدرت عام: 1941

.

=====

هل ننسب المذهب الفلسفي إلى الروائي أم ننسب الروائي إلى المذهب الفلسفي؟ هل الرواية هي ابتكارٌ لمذهب فلسفي جديد أم أنها تشكيل فني لفكرة فلسفية قديمة؟ أسئلة يمكن أن تطرح نفسها على كل من قرأ رواية (الغريب) لكاتبها (ألبير كامو)، والمعروف بنزعاته العبثية التي جسَّدها، خير تجسيد، من خلال روايته القصيرة هذه التي لا تتعدى 144 صفحة، والتي قُسمت إلى فصلين متساويين تماماً من حيث عدد الصفحات، والتي ترجمها، ترجمة جيدة جداً تستحق الإشادة، الكاتب المغربي الشاب محمد آيت حنَّا.

تُعرف رواية (الغريب) بأنها تلخِّص مذهباً فلسفياً كاملاً، بل بإمكان الباحث الرجوع إليها إذا ما أراد التعرف عن قرب على مذهب العدمية والعبث، وأنا أعتقد أنها اكتسبت حرارتها ووضوحها من كونها أول عمل روائي للكاتب، فهي بذلك متصفةٌ ولا بد بما تتصف به الأعمال الأولى من لصوق شديد بذات المؤلف يحيل مباشرة إلى السيرة الذاتية، مهما كانت الواجهة القصصية متخيَّلةً أو مغايرةً في الظاهر لحياة المؤلف الخاصة.

يبدأ الفصل الأول من الرواية بتلقي البطل خبر وفاة أمه، وكان هذا الحادث الجلل بوابةً دخل منها الكاتب لوصف شخصية بطله اللامبالية إلى درجة غير آدمية، إذ تلقى البطل خبر الوفاة ببرود شديد مستفز جداً، وبنفس البرود الجليدي حضر جنازة أمه التي لم يتكلف حتى إلقاء نظرة أخيرة على وجهها قبل الدفن، ثم انطلق -بعد الدفن مباشرة- إلى حياته العبثية غير مبال بشيء، معلقاً على كل شيء بعبارته المتكررة الشهيرة: “لا فارق عندي”.

تمرُّ صفحات الفصل الأول في وصف تفاصيل الحياة اليومية للبطل، وهي تفاصيل بدت في البداية متنافرةً تفتقر إلى الترابط، بل ربما يسأل القارئ نفسه عن جدوى وصفها أصلاً، وبأي شيء تخدم القصة، ثم تتطور الأحداث لينتهي الفصل الأول بجريمة قتل يرتكبها بطل الرواية، دون أي دافع حقيقي لها.

في الفصل الثاني، المماثل في حجمه للفصل الأول، يتوقف السرد القصصي تماماً أو يكاد، ليقتصر الحديث على تفاصيل المحاكمة التي خضع لها بطل الرواية بسبب جريمته، وهنا يُفتح المجال للمونولوغات الداخلية، والتساؤلات الفلسفية، والإشكاليات الأخلاقية أو التي تبدو كذلك، والتي طرحتها ملابسات جريمة القتل تلك، وما أعقبها من تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو تافهة إبان سردها في الفصل الأول. سنرى كيف أن المحاكمة اتخذت منحى عجيباً تجاوز مؤاخذة القاتل على جريمته إلى النبش في أعماق سريرته، وإخضاع أتفه تفاصيل حياته اليومية -حتى التي لا علاقة لها بالجريمة- إلى مجهر أخلاقي لا يرحم، كأنما يريد القضاة بذلك أن ينقِّبوا في روح المجرم على ذرة خير، ولو واحدة، تعصمه من عقوبة الإعدام، وتجعله مستحقاً لظروف التخفيف، وهو ما لن يجدوا له أثراً بالنظر إلى أن كل ما صدر عن القاتل منذ وفاة أمه إلى لحظة ارتكابه للجريمة، لم يكن يدل إلا على نفس خربة صفر ٍمن أي شعور، لا شيء فيها إلا الفراغُ المطلق.

سيجعلنا الكاتب في الفصل الثاني نتساءل -على لسان بطله- عن أخلاقية المحاكمة، وهو ما يبدو مناقضاً تماماً لشخصيته العدمية التي تتنافى مع طرح الأسئلة الأخلاقية، بل بالتدقيق في الأمر نجد أن التساؤلات الأخلاقية للبطل نفسها كانت عبثية، وأنه كان ينظر إلى المحاكمة كما ينظر إلى أي ظاهرة طبيعية غريبة بعض الشيء. فقط نحن القراء بإمكاننا، بما نحتفظ به من الجدية في التعامل مع الحياة، أن نتأمل المحاكمة تأملاً أخلاقياً، أما بطل الرواية، موضوع المحاكمة، فـ “لا فارق عنده” على كل حال، ولا شيء يهمه حتى لو كان الإعدام نفسه.

أثار انتباهي في الرواية أنها أول عمل لكاتبها، وأنه كتبها في شبابه، في التاسعة والعشرين من عمره فقط، وهي وإن كانت مفعمة بحرارة دالة على لصوقها بذات المؤلف وسيرته النفسية الذاتية، كما هي في الواقع معظم الأعمال الروائية الأولى، إلا أنها تتميز بأسلوب رصين في الوصف والمعالجة، يوحي بنضج يفوق المرحلة العمرية للكاتب، كما يدلُّ على احتراف في الصنعة الروائية وقدرة عالية على الوصف الدقيق الخارجي والداخلي معاً.

وأما بالحديث عن لبِّ الرواية، وهو الفلسفة العدمية، فليس من الصواب بطبيعة الحال أن ننسب هذه الفلسفة إلى ألبير كامو ولا إلى غيره، فالكاتب هنا إن كان يعتنق الفكرة السيزيفية في تصوره لموقع الإنسان من الوجود، وأن سعيه في الحياة عذاب عبثي كسعي سيزيف، فما روايته هذه إلا تصوير أدبي لفكرته الخاصة التي اعتنقها بعد أن تعرف عليها واقتنع بها أو وافقت هوى في نفسه، بل إن قصة سيزيف نفسها ما هي إلا تصوير أدبي لفكرة العبث المجردة، وكل هذه الأفكار، بعد أن نجرِّدها من تمظهراتها القصصية والفنية، فإنها تعود بنا إلى أصلين عميقين لا ثالث لهما: الإيمان أو عدمه.

حين قرأتُ رواية (الغريب) متعرفاً بها على ما يدور في أعماق كاتبها، لم أجد في خلاصتها أكثر من تمثيل فني لحالة (الإلحاد التام)، وكل ملحد على وجه الأرض يفكر بنفس تلك الطريقة، ويتصرف على أساسها، مهما كان مستواه الثقافي. هناك فقط أشخاص تسعفهم قدراتهم الأدبية على تطويع اللغة لصياغة أفكارهم صياغة قصصية، وآخرون لا يُعنون بالكتابة، لكن أسلوبهم في الحياة، كما يصرحون به بألسنتهم وكما يظهر من خلال أفعالهم، ينطق بنفس تلك الأفكار وإن لم يكتبوها.

الأفكار هي انعكاسات لحالات نفسية وروحية، والإلحاد بما هو كفرٌ بالإله الخالق والبعثة بعد الموت والحياة الآخرة، فإن من طبيعته أن يولِّد أفكاراً مفرطة في الأنانية الدنيوية، وما دامت الحياة عبثاً فلا معنى للأخلاق ولا للفضيلة ولا للرحمة والشفقة، ومن ثمَّ فلا محرك للإنسان إلا منفعته الذاتية ولذَّاته الحسية، ولا رادع له إلا الخوف من الألم أو من فقدان القدرة على مزيد من الالتذاذ الحسي، وهكذا يغرق الملحد في اللذات الحسية حتى تتبلَّد حواسه ويفقد القدرة على الشعور بها، وحينئد يجد نفسه أمام خواء داخلي مطلق، خائبَ الأمل في المتع الدنيوية كلها، ليستفحل العدم في روحه استفحالاً سرطانياً يسوِّد في عينيه وجه الحياة فيضيق ذرعاً بوجوده فيها، فلا يبقى أمامه إلا الارتماء في أحضان الجريمة، أو الانتحار الذي يتوهَّمه خلاصاً أبدياً من آلام وجود لا غاية له ولا هدف.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا النمط من الشخصيات العدمية له جاذبية فنية شديدة، وغالباً ما يحظى بإعجاب جماهيري مفرط، لما يتيحه للكتاب من مجال خصب للاشتغال عليه، ولما يوحي به من متناقضات القوة والضعف، والشجاعة والجبن، والرقة والقسوة، فضلاً عن عذابات الروح التي تأتي في العادة بعد الارتفاع عن رغبات الجسد، ولعل هذا ما يفسر وجود (الشخصية العدمية) في عدد كبير، أو ربما في الغالبية العظمى من الأعمال الأدبية والفنية ذات الشهرة العالية، ولقد كان نجيب محفوظ من أوائل الكتاب العرب الذين قدموا أمثال هذه الشخصية، وأعني (محجوب عبد الدايم) بطل روايته الاجتماعية الأولى (القاهرة الجديدة)، كما أن (كمال أحمد عبد الجواد) بطل الثلاثية هو من أشهر الشخصيات الروائية العدمية على المستوى العربي.

أذكر أيضاً شخصية (يوهان ليبرت) من مسلسل الأنيمي الياباني (وحش)، وكذلك (والتر وايت) بطل مسلسل (بريكينغ باد) الشهير، والذي ارتمى في أحضان الجريمة في اللحظة التي أيقن فيها بالموت القريب، وهي لحظة (عدمية) إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن (والتر وايت) لا يؤمن بالحساب بعد الموت.

رواية (الغريب) لـ (ألبير كامو)، توصيف دقيق لحالة الإلحاد وما يترتب عليه من الأفكار العدمية، وهي رواية على قدر من الخطورة بالنسبة لمن كان مهزوز الإيمان ذا قابلية لتشرب الأفكار الإلحادية، إذ سيجدها تعبر عن دواخله على نحو يعجز هو عن مثله، وأما الثابتون على إيمانهم فستجعلهم يحمدون الله على نعمة الإيمان، وعلى أن الله تعالى لم يخلق شيئاً عبثاً، وأن ثمة بعد الحياة الدنيا حياة أخرى تُنصب فيها موازين القسط، ولا يظلم ربنا فيها أحداً.

أنس سعيد محمد

06/01/2021

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.