بين الظلمتين – سناء بنعتو

10/06/2021 عند 10:36 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: بين الظلمتين

تأليف: سناء بنعتو

رسوم: نسيبة الرحموني

البلد: المغرب

صدر عام: 2020

.

=====

* بين يدي العنوان (بين الظلمتين / بين ظلمتين):

أول ما وقع بصري على عنوان هذه المجموعة، وقبل أن أعرف إلى أي نوع أدبي تنتمي، خطرت ببالي العبارة التالية لنجيب محفوظ: “الحاضر نورٌ يخفق بين ظلمتين”. وقد ظننتُ في البداية أن الكاتبة تعمدت اقتباس عنوانها من هذه العبارة، لكني حين سألتُها أخبرتني أنها لم تسمع بها من قبل، وأن عنوانها من بنات أفكارها، وهو ما شكَّل مع العبارة المحفوظية حالة جميلة مما يسمى بلغة العصر “التناص”، وباللغة القديمة “وقوع الحافر على الحافر”.

وقد كنتُ قبل قراءتي للمجموعة كأني أستثقل قليلاً تعريف لفظة “ظلمتين”، بسبب تأثُّري بعبارة محفوظ وتمكُّنها من ذاكرتي، وكنت أقول في نفسي: لو أنها نكَّرت الظلمتين ليكون عنوان المجموعة “بين ظلمتين”، فلعل ذلك أن يكون أخفَّ وأفضل. لكني بعد قراءة المجموعة أعدتُ النظر في هذا الرأي، وتبين لي أن العنوان مناسب تماماً لمحتوى الكتاب، وأن وجه الاختلاف بين دلالته ودلالة العبارة المحفوظية يبرر تماماً تنكير هذه وتعريف تلك.

حين كتب محفوظ “الحاضر نورٌ يخفق بين ظلمتين”، فإنه قصد بالحاضر كل لحظة تمرُّ من عمر الإنسان، وبذلك فظلمتا محفوظ هما اللحظة التي مضت للتو، واللحظة التي ستأتي فوراً، فهما إذن ظلمتان تتعددان بتعدد الأزمنة والأمكنة والخلائق، وبينهما اختلاف كامل بحيث يستحيل أن تشبه إحداهما الأخرى. لذلك نفهم أن الأنسب في حقهما التنكير.

وأما مؤلفة الكتاب فتقصد بما بين الظلمتين عمرَ الإنسان في مجمله، فظلمتاها إذن هما ظلمة الرحم وظلمة القبر، وهما معروفتان متشابهتان بل متطابقتان، ولذلك فالأنسب في حقهما التعريف.

* “تعتذر الدار عن نشر المجموعات القصصية والخواطر“:

ينتمي كتاب “بين الظلمتين” إلى فئة الخواطر، وربما إلى نوع مكثف منها يسمونه “الشذرات” (سنعود لموضوع التسمية لاحقاً)، وهو نوع أدبي قائم بذاته، وله خصائصه ومميزاته، وجمالياته وصعوباته، لكنه للأسف الشديد من الأنواع التي أمست مظلومة تعاني الإهمال والنبذ في زمننا هذا الذي طغت عليه الرواية، وكسفت بنورها الساطع كثيراً من الأجناس الأدبية المعتبرة بما فيها القصة القصيرة نفسها.

لقد صار من الشائع حين نبحث عن شروط تقديم الأعمال إلى دور النشر، ولا سيما الكبرى منها، أن نجد ضمن الشروط العبارة التالية: “تعتذر الدار عن قبول المجموعات القصصية والخواطر”. وهي عبارة وإن كان لها ما يبررها، من وجهة نظر تجارية (وما أبشع جناية التجارة على الأدب)، إلا أنها كرَّست نوعاً من النظرة الدونية لكل جنس أدبي غير الرواية، فصار يُنظر إلى المسرحية والقصة القصيرة والخواطر على أنها محاولات للمبتدئين، وصار لقب “القاص” كأنه أدنى رتبةً من “الروائي”، بل إن الكتَّاب أنفسهم تأثروا بهذه التراتبيات الأدبية فصار بعضهم يعتبر قصصه القصيرة أو خواطره مجرد “تدريبات” يمهِّد لنفسه بها طريق الرواية.

إلا أن المفارقة الصارخة هي أن هذا الجنس الأدبي المظلوم قد يحظى بإقبال شديد من لدن الكتاب الكبار من ذوي الشهرة الطاغية، وهنا فقط يغيِّر الناشرون شروطهم ويوافقون على نشر الخواطر، كأن هذا النوع الأدبي يظلُّ يسِم الكاتب الشاب بالسطحية والرداءة، وأن عليه أن يمضي عمره القلمي في كدح روائي طويل وشاق حتى يبلغ ذروته الأدبية، فحينئذ فقط يحقُّ له أن يحال إلى التقاعد وأن ينعم بمميزاته، وحينئذ فقط يصير بمقدوره أن ينشر خواطره ونصوصه القصيرة بكل سهولة ودون أن يتجرأ أحد على الاعتراض عليه، بل سيُنظر لأي شيء يكتبه على أنه عصارة حكمة ونتاج خبرة حياتية مديدة.

من الأمثلة على هذا الجانب من واقعنا الأدبي نجيب محفوظ نفسه، فقد كان إبان شبابه يكتب الروايات الطويلة دون أن يلتفت إليه أحد، ثم انتُبه إليه وارتقى سلم المجد الأدبي حتى بلغ ذروته، ثم بعد ذلك كف عن الرواية بل وحتى عن القصة القصيرة، وصار كل ما ينشره نصوصاً قصيرة من بضعة أسطر، شذرات وخواطر وذكريات وأحلام منام (“أحلام فترة النقاهة” نموذجاً)، وقد مات نجيب محفوظ وصدرت بعد موته نصوص قصيرة وأسقاط نصوص وُجدت ضمن متعلَّقاته (آخر ما نُشر له “همس النجوم”).

أحمد خالد توفيق كذلك له منشورات من قبيل “تويتات من العصور الوسطى” و”فقاقيع”، وهي أقرب لمنشورات فيسبوكية طريفة ما كان أيُّ كاتب شاب ليحلم بأن يُنشر له مثلُها أو حتى أفضل منها، إلا إن بلغ مثل شهرة أحمد خالد توفيق وراكم مثل نتاجه الروائي الدسم.

“فقه الحب” ليوسف زيدان نموذج آخر. وعموماً فإن واقعنا الأدبي يزدري الخواطر والنصوص القصيرة حين تصدر من الشباب، ويحتفي بها حين تصدر من مشاهير الأدباء، وغني عن الذكر أن هذا الواقع الذي تشكله في الغالب مزاجية الناشرين لا يتعلق بالجودة الأدبية إطلاقاً، بل باعتبارات تجارية واجتماعية أبعد ما تكون عن الأدب.

وأنا حين أتيتُ على هذا الحديث فلكي أضع كتابنا المُراجَع في سياقه من حيث نوعه الأدبي وموقعه من مسيرة كاتبته، فـ “بين الظلمتين” كتاب خواطر ونصوص قصيرة، لكنه ليس عملاً أول حتى يُنسب إلى التدريبات الكتابية، وليس عملاً أتى في أواخر المسيرة، بل هو عملٌ لكاتبة شابة في مقتبل عمرها الأدبي، ولها قبله رواية منشورة، فهي إذن قد اقتحمت غمار الرواية أولاً، وأدلت فيها بدلو، ثم جاء كتاب الخواطر هذا ثانياً، وعلى نحو لا يُشعر القارئ والمتابع بأن الكاتبة تستصغره مقارنة بروايتها الأولى، بل ربما على العكس من ذلك، وهو ما دلَّ على وعيها -ووعي ناشرها كذلك- بأن الجمالية الأدبية غير مقصورة بالضرورة على فن الرواية، وأن ثمة أجناساً أدبية عديدة تستحق أن يجرَّب فيها، وأن تحظى بفرصة النشر.

* نصال مرهفة، ذات أطراف ضئيلة حادة:

يمكننا القول بأن تعبير “النصوص القصيرة” هو الأشمل لهذا الجنس الأدبي، وإن لم يكن مستعملاً بسبب شيوع تحديدات أخرى، قديمة وحديثة. فقديماً كانت القطعة منه تسمى “قولاً” أو “موعظة” أو “عبارة”، وقد نُقل منها الشيء الكثير على ألسنة العرب القدماء، وهناك من صنف منها كتباً كابن الجوزي في “صيد الخاطر” وابن عطاء الله السكندري في حِكمه الشهيرة. وفي العصر الحديث شاعت تسميات أخرى من قبيل “الاقتباس” إن انتُزعت العبارة القصيرة من رواية أو مقالة، كما نجد أيضاً “الخاطرة” و”الشذرة”. وفي السنوات الأخيرة شاع ما يسمى “التويتة” أو “التغريدة”، كما أن “المنشور الفيسبوكي” صار جنساً أدبياً قائماً بذاته، فارضاً لنفسه وإن لم يُعترف له بهذه التسمية، بل أُلحق بفئة عامة شاملة هي “الخواطر”.

ولعموم هذه “النصوص القصيرة” خصائص ومميزات تجمع بينها رغم اختلاف مضامينها بين ما يخاطب العقل والقلب والضمير، فمن تلك الخصائص صغر الحجم، وصغر الحجم يستدعي ولا بد تكثيف الألفاظ والمعاني، والبعد ما أمكن عن الدقة والتحديد، والتحليق في سماء العموميات والأفكار العريضة، وهو ما يوسِّع دائرة المشترَك بين الكاتب والقارئ، بحيث لا بد أن يجد القارئ في الخاطرة تقاطعاً ما مع حياته الخاصة ومشاعره وأفكاره، وهذا من أبرز نقاط قوتها وجاذبيتها، لما فيه من تواصل خفي بين الكتَّاب والقراء في عوالم أثيرية سرية وغامضة. ومن خصائصها أيضاً اختلاف النبرة في خواتمها، ولنا أن نتخيل خطيباً أو ملقياً صوتياً للمواعظ أو الخواطر أو القصص القصيرة ذات المغزى الأخلاقي والتأملي، وكيف أنه يبدأ الإلقاء بنبرة خافتة يرفعها تدريجياً، حتى إذا بلغ العبارة الأخيرة توقف لحظةً ليشدَّ انتباه السامع، ثم يتلو الخاتمة بنبرة مختلفة ليُحدث في نفس السامع التأثير المطلوب.

نفس الشيء ينطبق على العبارات المكتوبة (والتي لها نبرةٌ أيضاً كالمسموعة تماماً)، وقد كان طه حسين من الذين حاولوا وصف هذا الجنس الأدبي وتحديد خصائصه، بل والتأليف فيه وذلك في كتابه المتميز “جنة الشوك”، حيث عرض في مقدمته وصفاً مستفيضاً لتاريخ ذلك الفن ومميزاته، وذكر أنه يعود في أصله إلى منقوشات شعرية يونانية ولاتينية قديمة تسمى “إبيجراما”، وكان مما ذكره اعتمادُ هذا الفن على خواتمه التي تجعل مقطوعاته شبيهةً بالسهام في سرعة انطلاقها وقدرتها على اختراق الأهداف بنصال مسننة.

يقول طه حسين في مقدمة كتابه “جنة الشوك”: “ثم يمتاز هذا الفن بخصلة أخرى لا أدري كيف أصوِّرها، ولكن سأحاول ذلك كما أستطيع، وهي أن تكون المقطوعة منه أشبه شيءٍ بالنصل المرهَف الرقيق ذي الطرف الضئيل الحادِّ، قد رُكِّب في سهم رشيق خفيف لا يكاد ينزع عن القوس حتى يبلغ الرَّمْية، ثم ينفذ منها في خفة وسرعة ورشاقة لا تكاد تُحَسُّ. ومن هنا امتاز هذا الفن بالبيت الأخير أو البيتين الأخيرين من المقطوعة؛ فهما يقومان منها مقام الطرف الضئيل النحيل الرقيق الرشيق من نصل السهم، فإذا كانت المقطوعة بطيئة الحركة ثقيلة الوزن، فليست من هذا الفن في شيء”.

وقد راعيتُ أن ألاحظ هذه المسألة أثناء قراءتي لـ “بين الظلمتين”، فوجدتُ أن الكاتبة اعتمدتها في جلِّ خواطرها اعتماداً فطرياً، لأن جنس الخواطر يفرض طبيعته على متعاطيه حتى دون أن يتعلمه ويقرأ عن خصائصه ومميزاته، وهو ما يدلُّ على أن الأديب بسليقته لا يعلَّم الأدب، وأن الأدب سابقٌ للنقد، وأن كلَّ ما يحاول النقد فعله هو أن يُخرج إلى حيِّز التجسيد اللفظي ما يعرفه الكاتب بفطرته.

* تأليف: سناء بنعتو

– تقوم فكرة الكتاب على عرض خواطر قصيرة ترافق مراحل عمر الإنسان بدءاً من مغادرته ظلمة الرحم وحتى دخوله ظلمة القبر، وقد أُرفقت كل خاطرة برسمة تعبر عن معناها، فكان الكتاب جامعاً لفنين اثنين هما الكتابة والرسم، بحيث يَنظر القارئ إلى صفحته اليمنى فيقرأ الألفاظ والتراكيب اللغوية، ثم ينظر إلى الصفحة اليسرى فيصمت متأملاً جمالية الرسم، ثم يراوح بصره بين اللوحة المكتوبة واللوحة المرسومة متأملاً عناق القلم والريشة، وكيف تُرجمت كلمات القلم إلى رسمة بالريشة، أو كيف تُرجمت رسمة الريشة إلى كلمات بالقلم.

– الخواطر قصيرة مركزة وهذا ما ينبغي أن تكون عليه، وبذلك صار الكتاب أشبه بواحة يستراح تحت ظلالها من تعب الكتب الثقيلة والروايات الطويلة. هو كتاب صغير الحجم ويصير أصغر عند قراءته، لا يكلف قارءه وقتاً ولا جهداً (يمكن إتمامه في جلسة واحدة قصيرة)، بل يدفعه إلى حالة من الصمت الداخلي والتأمل في تلك المساحات المتقاطعة بين خواطر الكتاب وحياته الخاصة وأفكاره ومشاعره.

– يبدأ الكتاب بخواطر واضحة حول الميلاد والطفولة، لكن في صفحة ما (وربما بتدرج غير محسوس) ينتقل بنا إلى خواطر عامة حول الحياة في مجملها لا تنتمي إلى أية مرحلة عمرية. وجدتُ هذا الانتقال متسقاً مع منطق الحياة كما هي، ويعبر عما نعيشه جميعاً من تلك الغفلة الممتدة التي ابتدأت فينا منذ غادرنا الطفولة، ولا ندري متى نفيق منها. لكني مع ذلك وددتُ لو أن الكاتبة كانت أكثر تحديداً في عرض بعض المراحل المفصلية في حيواتنا، كما كانت محددة تماماً في تناولها للطفولة والشيخوخة. ونعم لكل إنسان حياته الخاصة المختلفة عن غيره، لكن ثمة بلا شك ترتيباً قياسياً محدداً قلَّ من يشذُّ عنه (طفولة – دراسة – تخرج – عمل – زواج – أطفال – تربية – كهولة – شيخوخة – موت). ولستُ أقصد أن تُعرض خواطر مباشرة تدلُّ على تلك المراحل، لكن ربما كان من الأمثل والأكثر ملاءمة لموضوع الكتاب أن يشار ولو من بعيد إلى تلك المحطات، حتى تكون نقاطاً مرجعية مرتبطة بفكرة الكتاب، وحتى يحافظ القارئ على إحساسه بخط الحياة الزمني.

– عرفتْ بعض مواضع الكتاب اختلالاً في نسقه الدلالي على مراحل الإنسان العمرية، كان أولها في الصفحة 18 (خاطرة: دهشة)، وهي وإن كانت من الخواطر الأولى في الكتاب التي تتحدث عن دهشاتنا الطِّفلية المبكرة حين نكتشف الحياة أول مرة، إلا أنه ورد فيها: “كركوبنا الدراجة أو تسلُّقنا الجبال أو اختبارنا لمشاعر المحبة”. نلاحظ هنا أن “تسلق الجبال” ليس نشاطاً طفولياً إذ لا يتأتَّى إلا بعد اشتداد العود، لذلك لم يكن مناسباً إضافته إلى خاطرة من خواطر الكتاب الأولى. نلاحظ أيضاً أن الكاتبة لم تتحدث عن تجربة “الولادة” إلا في الصفحة 142 (خاطرة: معجزة)، حين كان الكتاب يدنو من نهايته. ومعلوم أن تجربة الأبوة أو الأمومة تقع عموماً في الثلث الأول من الحياة أو قبيل منتصفها بقليل. مكان الخاطرة لم يكن موفقاً بدليل أنه انتُقل بنا بعد خاطرة واحدة فقط (الصفحة 146 – خاطرة: إشارات) إلى الحديث عن الشيخوخة والمرض ودنوِّ الأجل.

– لغة الكتاب سلسة سليمة خالية من الأخطاء، لا أذكر أني صادفتُ خطأ لغوياً أثناء القراءة إلا واحداً فقط تكرر مرتين أو ثلاثاً: لا شك أن الكاتبة تعلم بأن أداة الشرط “كلَّما” تُذكر مرة واحدة فقط في بداية الجملة الشرطية، ومن الخطأ تكرارها قبل جواب الشرط، وأعتقد أنها طبَّقت القاعدة بشكل صحيح في أكثر من موضع، لكنها وفي استعمالها لأداة مماثلة هي “قدرما” وقعت في الخطأ، وكرَّرت “قدرما” مرتين؛ واحدةً في بداية الجملة الشرطية وأخرى قبل جواب الشرط.

– لم تقع الكاتبة في فخ السوداوية المفرطة والمبالغة في التشاؤم (الإفراط في السوداوية غالباً ما يكون حيلة تجارية رخيصة)، بل على عكس ذلك نلاحظ أن معظم خواطر الكتاب مفعمة بطاقة إيجابية تدعو إلى التفاؤل وعدم فقدان الأمل، وهذا من أكثر ما أعجبني في الكتاب.

* رسوم: نسيبة الرحموني

الرسوم في هذا الكتاب ليست عاملاً مساعداً فحسب، أو إضافات فنية ثانوية، بل تسير مع الخواطر بالتوازي تماماً، جنباً إلى جنب، وتتقاسم معها نفس القدر من الأهمية (إحصائياً قد تزيد الرسومات على الخواطر بواحدة أو اثنتين، حيث إن بعض أزواج الصفحات تضمنت رسوماً فقط)، والكاتبة تركِّز في أحاديثها وتعليقاتها على الإشارة إلى هذه المسألة، وإلى أن الكتاب ثمرة جهد مشترك يجب أن يُنسب لشخصين، إذ تقول دائماً: “أعددناه أنا ونسيبة – نشرناه أنا ونسيبة…”.

رسوم الكتاب بديعة جداً، وعلى مستوى عالٍ من الجمالية الفنية والعمق التعبيري، وقد أحسنت الرسامة استغلال اللونين المتاحين لها (الأبيض والأسود) استغلالاً ذكياً لصناعة لوحات تجسِّد ما في الخواطر من الاستعارات اللغوية والمعاني المجازية، كما أن أسلوبيَّتها في الرسم ترتكز على تباين مزدوج بين “الأبيض والأسود” من جهة، وبين “الإفراغ والملء” من جهة أخرى.

لقد اعتمدت الرسامة أسلوب “الإفراغ” في عرضها للهياكل الآدمية، ولما هو مشترَك ومعروف، إذ اكتفت برسم الحدود الخارجية للأشخاص والأشياء فقط، مع أقل قدر ممكن من التفاصيل. لكنها في المقابل اعتمدت أسلوب “الملء” في عرضها للأفكار والمعاني والاستعارات المجازية المعبرة عن الحالات النفسية، والتي عبَّرت عنها بطريقتين هما: السواد الكثيف أو الخربشات الفاحمة المنفعلة للمعاني السلبية كالحزن والخوف والخيبة، والخامة الزخرفية المشبعة بالتفاصيل للمعاني الإيجابية كالسعادة والمحبة والتفاؤل.

وعموماً فقد كانت فكرة الرسومات الموازية للخواطر ذكية جداً وفي محلها تماماً، لأنها تملأ ذلك الفراغ المعتاد في كتب الخواطر التي لا يُستحسن فيها عرض أكثر من خاطرة واحدة في الصفحة الواحدة، ولأنها تتراوح بالقارئ بين تأمل المكتوب والمرسوم، القلم والريشة، ما يُشبع لديه ذائقتين فنيتين اثنتين وليست واحدة فقط.

كتاب “بين الظلمتين” تجربة أدبية وفنية فريدة في فكرتها، وهو من الكتب الخفيفة التي تستحقُّ أن تظل قريبة من العين وفي متناول اليد، وأن تُفتح بين الفينة والأخرى على صفحة عشوائية منها، فلربما يقع القارئ فيها على معنى يسلِّيه أو فكرة ترشده، أو يبعث في نفسه جرعة أمل ودفقة تفاؤل…

أنس سعيد محمد

10/06/2021

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.