داخل سيارة الأمن الوطني ~

24/08/2015 عند 13:28 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

amn watani

.

السابعة مساءً تقترب…

وبعينين منهكتين من فرط التحديق في شاشة الحاسوب استدرتُ لإلقاء نظرةٍ على الساعة الحائطية، سفيان يفعل الشيء نفسه، والتقتْ عينانا لتتبادلا بصمتٍ العبارة الدائمة: “هروبٌ على رأس السابعة كالمعتاد.”

وإلى شاشة الحاسوب عدتُ وقد فضتُ ضجراً…

استأنفت إغراق نفسي في السطور البيضاء لجداول المحاسبة المملة، تلك التي تنتظم مسطورةً وسط الشاشة الزرقاء البدائية لبرنامج RODIN، والذي لا تكاد تفرِّق بينه وبين نظام التشغيل الطاعن في القِدَم Ms-Dos.

الجميع منهمكٌ في حاسوبه، في طاحونته، لا تكاد تسمع إلا وشوشةً وهمساً يعلو بين الفينة والأخرى، ثم يبدِّده مرور المدير (الإمبراطور) بجوار مكتب المتدربين، إنه يتعمد التجوال قرب الباب وإجراء المكالمات الهاتفية قبيل السابعة مساءً وبعدها بقليل، لكي يحبط محاولة أي متدربٍ سوَّلت له نفسه الخروج في الموعد (القانوني) لانتهاء الدوام.

تصرفٌ كهذا جعل الخروج على رأس السابعة يتطلب منا مغامرةً يوميةً تفعمنا بالحنق والسَّخط والشعور بالظلم والاضطهاد، غير أني قدَّرتُ بأن مهمة الهرب في ذلك اليوم ستكون أسهل، وما ذاك إلا لأن (الإمبراطور) الأشقر ذا العيون الزرقاء الجاحظة والظَّهر المقوَّس قليلاً قد أغلق عليه باب مكتبه بعد أن جاءه زائرٌ ما في غاية الأهمية. صحيحٌ أن أخته تشتغل سكرتيرةً عنده ولها مكتبٌ ينتصب قبالة الباب مباشرة، إلا أنها لم تكن تستطيع – في مطلق الأحوال – منعنا من الانصراف إن نحن عزمنا عليه…

ارتفعت همهماتنا نحن المتدربين ممزوجةً بضحكاتنا الكئيبة، وكان يخفِّف من أصواتنا أحياناً زجر الموظفين الذين كانوا بدورهم في حاجةٍ إلى الفكاهة والضحك والترويح عن أنفسهم، لولا أن (الإمبراطور) قد عهد إليهم بمهمة ضبطنا وإسكاتنا إن ارتفعت أصواتنا فوق الحدود التي تسمح بها جدية المكان وهيبته.

كنا في ذلك المكتب سبعة متدربين يشرف علينا موظفان بائسان، نجلس متلاصقين تقريباً ووجوهنا إلى الحواسيب المسندة شاشاتُها إلى الجدران، وبيننا فتاة واحدة فقط هي مريم، وكان سفيان يقف عند رأسها متظاهراً بتقديم مساعدةٍ حاسوبيةٍ ما، إلا أن الخبيث كان يتعمَّد إطالة الوقفة كي يمطرها بمزيدٍ من النكات والطرائف التي تجعلهما يقهقهان بأصواتٍ مكتومةٍ تتحرى عدم لفت الانتباه.

يجلس إلى جانبي شابٌّ غريب الأطوار ورثُّ الثياب إلى درجةٍ لافتةٍ للنظر، ولم يفارقني الشعور بأني رأيته من قبل لكن نسيت أين، حاولتُ أن أدقق النظر في ملامحه لكن دون جدوى… هل رأيته في الجامعة؟ في المعهد؟ لا أذكر بالضبط.

نظاراتٌ سميكةٌ جداً، سنٌّ أمامية مسودَّة، ونحولٌ زائدٌ جعل ثيابه المهترئة تبدو فضفاضةً جداً…

ارتفع رنين هاتفه مؤذناً برسالةٍ نصية، أخرجه من جيبه، هاتفٌ محطَّمٌ وقديمٌ جداً، ملفوفٌ معظمه بالشريط اللاصق كي لا تتناثر قطعه على الأرض. قرأ الرسالة فتغيرت ملامح وجهه، بدا عليه الهلع وزمَّ شفتيه حانقاً… انتبه إلى أني أراوح النظر إليه فقال لي دون أن ينظر إلي:

– “رسائل… رسائل غريبةٌ تأتيني… لا أعرف من أين…”

– “وما المشكلة؟”

– “المشكلة في الرسائل… إنها تتضمن عباراتٍ غريبة… لا أدري من يرسلها لي… لقد تكرر الأمر أكثر من مرة…”

لم أعلق… فقرأ علي الرسالة وهو لا يزيح عينيه عن شاشة هاتفه المصفرَّة:

– “يجب أن تتألَّم… كي تتعلَّم!”

كتمتُ ضحكتي! لسببٍ ما ذكَّرتني هذه العبارة بعباراتٍ قديمةٍ تعود لأيام الطفولة من قبيل (الفتاة بلا حبيب كالبقرة بلا حليب)! ووجدتها فرصةً ملائمةً لبعض الفكاهة والترويح:

– “يا لطيف! هذا تهديدٌ صريحٌ منها لك، ما كان عليك أن تتركها بتلك الطريقة… أنت تعرف، بعض الفتيات مجنوناتٌ ومتطرفات، وانتقامهن يكون مريعاً!”

لم يبتسم ولم يضحك، بل رفع حاجبيه دلالة (لا أدري، ربما!)… لقد أخذ الشاب كلامي على محمل الجدِّ وهذا ما لم أرده، أخشى أنه يعتبر الرسالة رسالة تهديدٍ حقيقية! قلت له مهوِّناً من الأمر وساعياً إلى تلطيف الأجواء:

– “لا تهتم يا أخي، لا تهتم… لعلها رسالةٌ بالخطأ أو لعله أحد أصدقائك يريد ممازحتك، انس الأمر ولا تشغل بالك به.”

– “لا أدري… ربما… أتلقى الكثير منها مؤخراً لذلك لا أدري ما الأمر.”

وأعاد الهاتف الملفوف بالشريط اللاصق إلى جيبه، ومحدِّقاً في عينيه الخضراوين خلف زجاج نظارته السميك قلتُ له:

– “المعذرة، نحن هنا منذ مدةٍ لكني لم أتشرف بمعرفة اسمك بعد.”

ابتسم، لأول مرةٍ منذ عرفته، وأجابني وهو ينظر إلي:

– “اسمي جلال.”

* * *

السابعة مساءً وخمس دقائق…

تمت عملية الهروب بنجاح! وها نحن ذان (أنا وسفيان) حرَّان طليقان بالقرب من بوابة العمارة.

عببتُ الهواء بملء رئتيَّ وأنا أجيل بصري في السماء الداكنة التي اشتقتُ لها كثيراً، ما كان من فرقٍ بين ذلك التدريب المرهق والسجن إلا فترات النوم في المنزل.

كم الساعة الآن؟ كم اليوم؟ كم الشهر؟ كم العام؟

إنها السابعة مساءً وخمس دقائق من يوم الأربعاء العشرين من فبراير لعام 2008.

كنا محرومين حتى من ضوء النهار إلا قليلاً في منتصف اليوم، ففي تلك الفترة من العام يحلُّ الظلام في وقتٍ مبكرٍ جداً، وكان يثير مخاوفنا المستقبلية ما نسمع عنه دائماً من الأهوال التي تنتظر الموظفين والمتدربين في مكاتب المحاسبة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وخصوصاً شهر مارس…

كنت قد اعتزمت إنهاء التدريب بعد أسبوعٍ أو أكثر، واستطعت إقناع سفيان بذلك أيضاً، إذ ما كانت لي رغبةٌ في أن أمضي ليالٍ بيضاء في الكدِّ الحماريِّ دون مقابلٍ على الإطلاق. لقد علمنا أن الموظفين الرسميين في مكاتب المحاسبة يتلقون راتباً لا يتجاوز 2500 درهم، مقابل أعمالٍ مضنيةٍ تتجاوز القدرة الآدمية على الاستيعاب والتخيل.

يا للضياع… يا لضبابية المستقبل… يا للتشاؤم الذي يطغى على مجال بصائرنا…

إنها بداية العشرينيات من العمر، تلك الفترة من حياة الإنسان التي طالما تحرَّقتُ شوقاً إلى بلوغها أيام كنتُ طفلاً، ظناً مني أنها جنة الشباب على الأرض، حتى إذا بلغتُها وتجاوزتُها تأكَّد لي – ويا للخيبة – أنها أسوأ فترةٍ عمريةٍ مررتُ بها طوال حياتي.

العشرون من العمر وسنواتٌ قليلةٌ بعدها… تلك الأيام الكئيبة التي يكفُّ فيها الآخرون الأكبر منك عن اعتبارك طفلاً صغيراً ومراهقاً غراً تُلتمس له الأعذار، دون أن يرحِّبوا بك في عالمهم عالم (الكبار)، ودون أن يأخذوا أمرك باحترامٍ وجديةٍ تليق بما أنت ملتاثٌ به من الخواطر الوليدة التي ترفرف خفَّاقةً في صدرك، والاكتشافات الدَّهِشة لمساحاتٍ جديدةٍ من خبايا الناس والحياة تتمنى من أعماق قلبك أن تصرخ بها ليسمعها جميع الثَّقلين.

الأصغر منك يرونك كبيراً ناضجاً تجاوز مرحلة الإعذار، ويُنتظر منك أن تقدِّم لهم النصيحة والعون والإرشاد والقدوة الحسنة التي يحاكمونك إليها، أو إلى تصوراتهم الذهنية الساذجة حولها، وأما الأكبر منك فيرونك غراً معدوم الحيل التجارب، يقْدِم بالكاد على أولى خطواته المتعثِّرة في حياةٍ قاسيةٍ لا ترحم الضعفاء ولا تشفق على الحالمين.

تبخيسٌ وازدراءٌ من الأسفل ومن الأعلى، من الأمام ومن الخلف، وأنت تداري كيانك عن الوجوه متسائلاً أين أنت وماذا تفعل هنا، منتظراً حصولك على هويةٍ تعرِّف بها نفسك للآخرين، ثم تكتشف في هلعٍ أن ما أنت فيه ليس سوى مخاضٍ عسيرٍ لا تدري إلى أين يُسْلمك، وأنك في سنواتك تلك تتخبَّط في دائرة فراغٍ جوفاء، وبرزخٍ معتمٍ لا تستبين له حداً ولا تعرف له عمقاً ولا ارتفاعاً.

ما من ماضٍ وراءك تفخر به، وما من مستقبلٍ أمامك تطمح إليه…

وتخسف بك الخيبة أرض أحلامك القديمة التي حسبتَها صلبةً لا تتزحزح، وأنت ترى نفسك تعيش عمراً يُفترض أنه الأجمل من كل ما مضى وكل ما سيأتي، لأنه العمر الذي تعوَّدتَ أن ترى فيه أبطال الأفلام يقومون بأعظم مغامراتهم وملاحمهم، وهو العمر الذي يتزوج فيه أبطال الروايات بحبيباتهم ليعيشوا معاً فيما شيَّدوه من قصور الأحلام المطلَّة على براري السعادة.
كل هذا كان يتحول في أعماقك إلى ضغوطٍ نفسيةٍ تصيب الذات وكبرياءها بطعنةٍ نجلاء تجعلها تضمر وتتضاءل، تتصاغر أمام نفسها، وينكأ الجراحَ حالةُ الفقر المدقع إلى المال وإلى الوظيفة، بل إلى أي شيءٍ يُشعرك بأنك مستحقٌّ لوصف الوجود، وتشغل حيزاً محترماً معترفاً به من الحياة التي شرعت في التهام عشرينياتك بذلك الحياد الزمني المؤلم، والذي يشعرك دوماً بتفاهتك أمام قوس الشمس ورقصة العقارب.

– “كم عمرك؟”

– “24 عاماً.”

– “كم رصيدك من المال؟”

– “0 درهم!”

قالها مبتئساً وانطلق في ضحكةٍ مريرةٍ على نفسه وعلينا جميعاً، ولم نجد إلا أن نشاركه الضحك على همومنا، وعلى ما كنا نعانيه في ذلك الخندق الفظيع وهاوية الفراغ السحيقة التي تردَّينا فيها بين مرحلة استلام الشهادة واستلام الوظيفة.

وما الحل؟

سفيان يعرف دون شك… الحل هو الضحك! الكثير منه… الإفراط فيه!

فرط الضحك الذي نغطِّي به فرط الهم.

سفيان يفهمني…

– “أرأيت ما حدث اليوم؟ لقد أخطأ رضا في سورة الفاتحة بينما يصلي المغرب!”

وارتفعت الضحكات صاخبةً مدوية، وانطلقنا في مسيرتنا اليومية على الأقدام، من عمارة (يامنة) بشارع (لبنان) قرب (ساحة موزارت)، إلى قنطرة (بن ديبان) حيث كنا نفترق أخيراً ليذهب كلٌّ منا إلى حال سبيله؛ أنا إلى منزلي، وسفيان إلى المدرسة الابتدائية حيث يقيم، فقد كان والده مديراً لإحدى المدارس في حي (بن ديبان)، وكان يقيم مع أهله في نفس المدرسة التي يعمل مديراً لها.

وبخطىً ثملةٍ متعثرةٍ انطلقنا، نتمايل ونهتزُّ يمنةً ويسرةً من الضحك الذي نراود به همومنا علَّها تُنسى، وكانت رحلةُ المشي تلك هي تسليتنا الليلية الوحيدة، والثمينة جداً، قبل مجيء صباحٍ جديدٍ من السجن المشدد مع الأشغال الشاقة في مكتب المحاسبة، ودون أي مقابلٍ ماليٍّ على الإطلاق.

* * *

السابعة مساءً وعشرون دقيقة…

مثل هيكلين عظميين يرتديان ثياباً مهلهلة، كنا نترنَّح من الضحك بمحاذاة المحطة الطرقية التي تركناها عن يميننا، في حين امتدَّ عن يسارنا الشارع الذي تليه مساحةٌ خضراء واسعةٌ يتبدَّى وراءها مسجد (السوريين) شامخاً بمئذنته غريبة الشكل. انعطفنا يميناً قبالة المدار الطرقي العملاق المسمى (رياض تطوان)، وبين الزحام بدت لنا قامة فتاةٍ نعرفها جيداً وهي تتجه نحونا.

إنها مريم…

لقد استطاعت هي الأخرى الهرب من المكتب في السابعة مثلنا، كانت تمشي ذاهلةً عما يدور من حولها وقد انهمكت تماماً في مكالمةٍ هاتفيةٍ باسمة…

تقترب ونقترب.

لمحتنا…

لوَّحتْ لنا بخفةٍ مع هزة رأسٍ سريعةٍ مفادها (مساء الخير، لقد رأيتكما!)، ثم أشاحت بصرها عنا وعادت للانغماس في مكالمتها الهاتفية.

تقترب ونقترب…

وتقاطعنا…

وبحركةٍ غير متوقعةٍ مال عليها سفيان وكان ثملاً بالهزل والضحك، وبصوتٍ خافتٍ غامزٍ همس لها قائلاً:

– “سلمي عليه!”

وفي أقل من لمح البصر حدث ما حدث…

كان كل شيءٍ خاطفاً أسرع من قدرتنا على الاستيعاب، فجأةً لمحت سفيان وهو يرتفع من الأرض نحو الفضاء، ثم يُقذف بعنفٍ داخل صندوقٍ كبيرٍ لم أنتبه لوجوده قبل تلك اللحظة!

وقبل أن يرتدَّ إلي طرفي وأحاول فهم ما حدث لصاحبي شعرتُ بيدٍ آدميةٍ عملاقةٍ تقبض على ثيابي من الظَّهر، وإذا بجاذبية الأرض تختفي، وإذا بي أرتفع نحو الأعلى طائراً في الفضاء وقد فقدتُ السيطرة على أطرافي، وفي أقلَّ من ثانيةٍ شعرتُ بتلك القوة الدافعة وهي تقذفني قذفاً، أنا الآخر، داخل ذلك الصندوق الضخم الفاغر فاه عن عتمةٍ رهيبة.

لملمتُ وقفتي والتفتُّ حولي لأفهم ما يحصل، لم أر شيئاً إلا غابةً من رجال الشرطة بملابسهم الزرقاء وقبعاتهم البيضاء يسدُّون بأجسادهم الضخمة باب الصندوق، ثم التفتُّ إلى سفيان فوجدته ملقىً على الأرض متكوِّماً، وما إن حاول النهوض حتى اندفع إليه شرطيٌّ شديد السُّمرة طويل القامة ضخم الجثَّة بارز الكرش، وقبض بكفِّه اليسرى الغليظة على طوق سترته ورفعه إلى أعلى بحركةٍ شديدة العنف.

– “لكن يا سيدي مهلاً… إننـ…”

ولم يكمل سفيان جملته حتى كان الشرطي قد رفع كفه اليمنى إلى الأعلى، وهوى بها على وجهه بلطمةٍ سُمع دويُّها مزلزلاً يجمِّد الدَّم في العروق… صفعةٌ بهذا العنف هي ولا بد، قد تسببت لسفيان بارتجاجٍ دماغيٍّ على أقل تقدير…

– “اخرس! يا ابن العاهرة! تتحرش بالفتيات أمام رجال الشرطة وأمام سيارة الأمن الوطني؟! هكذا أمامنا تتحرش بفتاة؟! هل ترضى أنت يا ابن الكلبة أن يتحرَّش بأختك أحد؟!”

قالها الشرطي مزمجراً وأتبعها بركلةٍ فظيعةٍ جعلت سفيان يخرُّ على الأرض مثل كيس رمل، مبعثر الأطراف شبه فاقدٍ للوعي…

– “لأعلمنَّك الليلة كيف يكون الرعب من رجال الشرطة، لأعلمنَّك كيف تقعقع عظامُك وترتعد أوصالُك في كل مرةٍ ترى فيها شرطياً!”

ثم قبض من جديدٍ على تلابيبه ورفعه إلى الأعلى بهمجيةٍ تخلو من ذرة رحمة.

وفهمتُ ما حدث…

نحن معتقلان داخل سيارة الأمن الوطني بتهمة التحرش بفتاة، بل بتهمة عدم احترام رجال الشرطة المتمثل في التحرش بفتاةٍ أمام أعينهم… وألقيتُ نظرةً مرعوبةً على ما يدور من حولي.

المكان معتمٌ جداً لا تكاد تتبين فيه وجوه الموجودين… رجال شرطةٍ تذكِّرك وجوههم، أو ما تبقى منها في تلك العتمة، بزبانية جهنَّم وخزنتها، كل شيءٍ فيهم مظلمٌ كالجحيم… ملامحهم، نظراتهم، أصواتهم، حركاتهم، شتائمهم التي يندى لبذاءتها الجبين، وكان الشرطي الذي تفرَّغ لسحق سفيان قد أطلق، بصوته الجهوري المغلَّظ، ماسورة البذاءات العادمة التي بلغت في فحشها حدوداً لا تصلح للنشر…

وفي آخر الصندوق لمحتُ ما بدا لي جثثاً آدميةً متكوِّمةً على غير نظام، قدَّرتُ أنها تعرضت للضرب إلى درجةٍ أفقدتها القدرة على النهوض والحركة، وتململ بعضهم على إثر ما يتعرض له سفيان من الرفس واللطم والشتائم القذرة، ولما تجرأ بعضهم على الالتفات لاحت لي وجوههم المتَّسخة المليئة بالندوب والبثور وآثار الجروح الغائرة الملتئمة، وكانت أعناقهم المهزولة متصلةً بما يرتدونه من أطمار ممزقةٍ تدلُّ على أنهم متشردون أو قطاع طرقٍ أو مجرمون تم القبض عليهم في ذلك المساء.

هل سنبيت ليلتنا مع هؤلاء؟

ارتجفتُ للفكرة…

وسُمع دويُّ صفعةٍ أخرى هزَّت أرجاء المكان… وبصوتٍ حشرجه البكاء صرخ سفيان في وجه الشرطي العملاق محاولاً التفسير:

– “لكن… لكن… إنها تدرس معنا!”

وكان جواب الشرطي ركلةً حطَّمت عظام فخذه وأوقعته أرضاً:

– “دراسةٌ في مثل هذا الوقت يا ابن السَّافلة؟! وتتجرأ على الكذب علينا؟!”

– “إنها تتدرب معنا! نحن نعرفها! نحن نعرفها جيداً! نحن نتدرب معاً في نفس المكتب! والآن التقيناها بالصدفة!”

وكان الجواب صفعةً أخرى ما زال صداها يتردد في أذنيَّ حتى اليوم، وأحسب أنها رجَّت ما تبقَّى من عصارة دماغه:

– “تدريبٌ في مثل هذا الوقت أيها الكلب؟! قبل لحظةٍ دراسةٌ والآن تدريب؟! فوق كل ما فعلت تتجرأ على الكذب علينا؟!”

ركلةٌ أخرى رضخته بالأرض…

– “لآخذنَّك أيها الوغد إلى حيث تتعلم الأدب، لآخذنَّك أيها النذل إلى حيث تعاد تربيتك!”

ولم أعد أستطيع الرؤية، وتمنيتُ أن يضرب على أذنيَّ أيضاً حتى لا أسمع أصوات الصفعات والركلات التي تمزِّق نياط القلب، وتجمَّدتُ في مكاني محاولاً استجماع ما في عضلاتي الضامرة من قوة، وما في نفسي من قدرةٍ على تحمل الألم القادم…

حاولتُ أن أعدَّ نفسي لتلقي الصفعات والركلات متمنياً ألا يصيبني بعضها بكسرٍ أو تهشُّم عظام، وكنتُ في تلك الأيام ناحلاً جداً أقرب إلى هيكلٍ عظمي.

إن (صفعة الشرطي) كانت دائماً مضرب مثلٍ في القسوة والشدة، ولا أذكر أن شرطياً صفعني إلا مرةً واحدةً تعود لأيام طفولتي، عندما وقفتُ بانبهارٍ أمام حادثة سيرٍ مروعةٍ وقعت فوق قنطرة (بن ديبان)، وكنتُ أتأمل مندهشاً مقدمة السيارة المعجونة تماماً، وفي داخلها رجلٌ عجوزٌ فاقد للوعي وقد انزلقت على صلعته اللامعة عدة خيوطٍ حمراء من الدَّم.

لم أنتبه للشرطي ذي الشارب الكثيف الفاحم الذي يدفع زحام الناس للابتعاد وبقيتُ متسمراً في مكاني، ولم يوقظني من دهشتي إلى صفعته المدمِّرة التي جعلتني أركض مذعوراً على غير هدى، واكتشفتُ بعد توقفي عن الركض أني لا أكاد أسمع شيئاً إلا صفيراً مستمراً، وأني لا أستطيع المشي إلا مترنِّحاً وبي دوخةٌ تجعل كل الموجودات خارج عينيَّ تدور وتدور…

– “اجلس مكانك!”

قذفها في وجهي شرطيٌّ تكلف بمهمة السيطرة علي، أطعتُ أمره وجلستُ على لوحٍ خشبيٍّ مستطيل.

– “قف!”

ونهضتُ واقفاً وأنا أحدِّق في وجهه… كان شرطياً شاباً قدَّرتُ أنه في العشرينيات من عمره، وبدا لي أرقَّ فؤاداً من زملائه الكهول الذين أفرغتْهم سنوات الخدمة الطويلة من كل شفقةٍ ورحمة، وحوَّلتهم إلى وحوشٍ آدميةٍ ضاريةٍ لا تعرف للرقة والإحسان أي معنى.

كان شرطياً شاباً، وكان يحدِّق في عينيَّ بنظراتٍ ناريةٍ نافذة، ولم تمنعني تلك النظرات رغم قسوتها البالغة من الشعور بأن فيها شيئاً مفتعلاً ما…

كان يحاول اصطناع الحزم الذي تقتضيه مهنته الجديدة، لم تكن قسوةً أصيلةً فيه، ولم تفقد عيناه شيئاً من بريق الشباب ولمعان الرقة، ذلك اللمعان الذي لم يعد له أي وجودٍ في عيون بقية رجال الشرطة من كهولهم والشيوخ، تلك المنطفئة التي تغلِّفها دوماً سحابةٌ داكنةٌ من الظلمة والغلظة والوحشية.

– “اجلس!!”

جلستُ.

وبحدةٍ متصاعدةٍ مع أوامره المتناقضة، وقفتُ وجلستُ مراتٍ عديدةً متتاليةً دون جدوى…

– “قف!!!”

– “اجلس!!!”

– “قف!!!!”

– “اجلس!!!!”

– “قف!!!!!”

– “ارفع يديك عالياً!!!!!”

رفعتهما.

وانقضَّ علي يتحسس جسمي من أعلاه إلى أسفله، لم يجد سوى عظامي البارزة من قفصي الصدري.

عاود العملية من جديد، تحسس جيوبي فلم يجد فيها غير مجسَّم الهاتف وقطعاً نقديةً قليلة.
– “ماذا تفعلان هنا؟”

– “نجتاز تدريباً، ونخرج في السابعة.”

– “تدريب؟ أين؟”

– “في مكتب محاسبة… fiduciaire.”

– “fiduciaire?!!”

ولم أدر ما الذي ذكَّرني بإحدى حصص اللغة العربية في السنة الخامسة الابتدائية، وعاد بي الوعي إلى ذلك اليوم الذي كنتُ جالساً فيه في الصف الأول، معلِّقاً عينيَّ وانتباهي على الأستاذ الإدريسي ذي اللحية التي خطَّها الشيب، والنظارات السميكة التي تغطي نصف وجهه، والوزرة البيضاء الملطَّخة بآثار الطباشير…

– “إن الله يا أبنائي مجيبٌ الدعاء، فادعوه دوماً بتضرُّعٍ وإخلاص… في كل مرةٍ تتعرضون فيها للخطر توجهوا بالدعاء إلى الله وأنتم موقنون بالإجابة: يا ربِّ نجِّني، يا ربِّ نجِّني. وسينجيكم الله حتماً.”

وشاء الله أن أطبق النصيحة بعد أيامٍ من تلك الحصة التي علقت بذهني وأبت أن تفارقه، فقد طاردني كلبٌ متوحشٌ شرسٌ مررتُ بجواره، ففررتُ منه بأقصى ما أستطيع من الركض المذعور وأنا أستشعر أسنانه تلمس كعبيَّ وحذائي، ثم تذكرتُ كلام الأستاذ وشرعتُ في الدعاء بينما أركض بأقصى سرعةٍ تسمح لي بها أعوامي العشرة:

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

نفدت قوتي الضئيلة وفقدتُ القدرة على الركض، توقفتُ مستسلماً لقدري، منتظراً ما سيفعله بي الكلب المتوحش… التفتُّ ورائي، وكانت المفاجأة أني لم أجد له أثراً كأنما تبخَّر!

وبينما الشرطي يواصل تفتيشي الجسدي انطلقتُ أدعو سراً:

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

– “بطاقتك الوطنية، هاتها فوراً!”

بطاقتي الوطنية؟

سبحانك ربي ما أرحمك! لم يكن من عادتي قطُّ أن أحملها معي، وفي صباح ذلك اليوم بالذات وضعتها في جيبي دون سببٍ محدد… يحدث أحياناً أن نستجيب لدوافع غامضةٍ لا تفسير لها، ثم نكتشف لاحقاً أنها كانت من اللطف الخفي الذي يغمرنا به الله عز وجل بحكمته ورحمته.

أخرجتُ له البطاقة وناولته إياها، شرع يتأملها ويراوح عينيه بين وجهي والصورة.

كنتُ مرتاح الضمير رغم كل شيء… وجعلتُ أبرمج عقلي على جميع الاحتمالات من أفضلها إلى أسوئها…

في جميع الأحوال لن يأخذونا إلى (تزمامارت)!

أفضل ما قد يحصل هو أن يطلقوا سراحنا هنا والآن، هذا هو الاحتمال الأول.

الاحتمال الثاني (الأسوأ قليلاً) هو أن يأخذونا إلى مركز الشرطة ثم يطلقون سراحنا بسلامٍ ودون أن نوقِّع على أي محضر.

الاحتمال الثالث (الأسوأ كثيراً) هو أن يأخذونا إلى مركز الشرطة ثم يطلقون سراحنا بعد أن نوقِّع على محضرٍ يلوِّث سيرتنا الذاتية النظيفة.

الاحتمال الرابع (الأسوأ على الإطلاق) هو أن نبيت ليلةً كاملةً في الحجز مع القتلة والمجرمين وقطاع الطرق والمتشردين، ثم يطلقون سراحنا صباح الغد بعد أن يبلغ الخبر والدينا وأهلنا ويروِّعهم.

لتكن مشيئة الله…

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

وانفتح باب الصندوق، وبرز من خارجه شرطيٌّ عجوزٌ ذو ملامح شديدة القسوة، كان نحيفاً جداً وقد برزت جميع عظام وجهه وعروق رقبته، وكان رغم نحافته المفرطة يضع شارباً ضخماً شائكاً رماديَّ اللون ميالاً إلى البياض. مدَّ كفَّه المعروقة نحوي مشيراً إليَّ بسبابته الطويلة وهو يقول للشرطي الشاب القابض علي:

– “هذا… دعه يذهب، دعه ينصرف.”

أطاع الشرطي الشاب الأمر، ودفعني بغلظةٍ إلى الخارج طارداً إياي من ضيافته:

– “هيا… اذهب! انصرف!”

وبقفزةٍ رشيقةٍ وجدتُ نفسي خارج سيارة الأمن الوطني، واقفاً أمام الشرطي العجوز أنظر حولي بذهولٍ ورهبة… مدَّ يده نحوي وقبض على ذراعي بأصابعه المخلبية، ثم قذف بي بعيداً بعنفٍ قائلاً بلهجةٍ شديدةٍ القسوة:

– “هيا! هيا! انصرف! بسرعة! اغرب عن وجوهنا فوراً! هيا!”

أسرعتُ مبتعداً عدة خطوات، واستدرتُ لألقي نظرةً أخيرةً على سفيان، كان آخر ما سمعته صوت الشرطي الضخم وهو يزمجر:

– “هذا العاهر هو من نريد.”

وتلت العبارةَ صفعةٌ اختفى سفيان على إثرها من مجال نظري، ذلك أن أبواب الصندوق قد أغلقت، وانطلقت سيارة الأمن الوطني تشقُّ مدار (رياض تطوان) بسرعةٍ عصبية…

شعرتُ بأن الأرض تميد من تحت قدميَّ، ومضيتُ أسرع الخطو وسط دوارٍ ذاهل، ولم أعلم متى ولا كيف وصلتُ إلى البيت أخيراً…

* * *

“يجب أن تتألَّم… كي تتعلَّم!”

* * *

– “ما بك؟ تبدو متعباً وشاحب اللون جداً!”

– “لا شيء يا أمي، إنه التعب فقط.”

– “كل هذا تعب؟ ألن تنتهي من هذا التدريب المجاني؟ منذ أشهرٍ وأنت تروح وتجيء دون أي مقابل، انظر إلى نفسك كيف أصبحت، لقد صرت هيكلاً عظمياً يا ولدي!”

– “سأفعل يا أمي… قريباً جداً سأفعل.”

* * *

الحادية عشرة ليلاً…

ساعاتٌ أمضيتها في فعل لا شيء، محدِّقاً في الفراغ أطرح الأسئلة وأحتمل الاحتمالات…
سفيان… أين ذُهب بك؟

وهل ستكون بخيرٍ رغم كل ما أصابك؟ هل ستعود كما كنت من قبل؟

سفيان… ماذا فُعل بك؟ ماذا فُعل بك يا صديقي؟

رنَّ هاتفي، أضاءت شاشته الصغيرة مظهرةً رقماً منزلياً يبدأ بـ 039… متوجِّساً أجبتُ على الاتصال، وجاءني صوته ممزوجاً باللهاث والضحك:

– “السلام عليكم… أنا سفيان…”

– “سفيان؟! أين أنت الآن؟ كيف حالك؟ ماذا أصابك؟”

– “أنا في المنزل الآن، لقد أطلقوا سراحي…”

– “أطلقوا سراحك؟ كيف ومتى؟ ماذا حدث بالضبط؟”

– “ذهبوا بنا إلى مركز شرطة (العوَّامة)، وهناك زجُّوا بي مع شرذمةٍ من الحثالات والمتشردين في غرفةٍ متعفِّنة، ثم جاء بعض رجال الشرطة وأشبعونا زجراً وتقريعاً، وتعاملوا معي كواحدٍ من المقبوض عليهم في جرائم السرقة وقطع الطريق بالسلاح الأبيض ومحاولات الهجرة السرية، إلى أن طلبتُ منهم أن يمهلوني حتى أشرح لهم وضعي وموقفي.”

– “وسمعوا منك؟”

– “بعد أن طُحنت عظامي بالصفع والركل! أخبرتهم أني بريءٌ من كل هذا، وأني مجرد متدربٍ مسكينٍ في مكتب محاسبة، وأني طالبٌ جامعيٌّ وخرِّيج معهد، وأني ابنٌ لمدير مدرسةٍ ابتدائية.”

– “وبعدها؟”

– “كل ما فعله الشرطي أنه ألقى عليَّ نظرةً سريعة، واقتنع من ملامحي البريئة ومظهري النظيف بأني لست كغيري من أولئك المجرمين، وببساطةٍ طردني من مكتبه دون تفكير!”

– “بهذه البساطة؟”

– “نعم! وما إن خرجتُ من مركز الشرطة حتى طرت إلى منزلي لا ألوي على شيء، والآن أتصل بك فور دخولي!”

– “ووقَّعت على محضر؟”

– “أي محضر؟ لا لم أوقع على شيء.”

– “الحمد لله… الحمد لله على سلامتك!”

ومضت لحظة صمتٍ تخيَّلتُ فيها ما حدث، وانفجرت الضحكتان عبر الموجات الهاتفية…

– “تباً لك، أيها الوغد المنحوس! لقد أقلقتني عليك حقاً!”

* * *

صباح اليوم التالي، كانت أول مرةٍ أسرع فيها إلى المكتب متشوقاً للوصول إليه، كنتُ أعرف أن كثيراً من الضحك ينتظرني هناك.

وبالفعل، ما إن دخلتُ حتى لفت انتباهي أنْ لا أحد من الموظفين أو المتدربين جالسٌ إلى حاسوبه، إلى طاحونته، وأنهم جميعاً متجمهرون حول سفيان الجالس جلوس الأبطال الأشدَّاء على كرسيٍّ وسط القاعة.

كان يروي للجميع تفاصيل ما حدث بلهجةٍ فكاهيةٍ أجبرت الجميع على الإغراق في الضحك جملةً بعد جملة، وكان الأكثر إضحاكاً من قصة سفيان نفسها ما التصق بخدِّه الأيسر من آثار أصابع الشرطي الذي أشبعه صفعاً ولطماً.

صُعقتُ من منظر تلك الأصابع وهي مطبوعةٌ بوضوحٍ شديدٍ على وجهه منذ ليلة الأمس، وبعينين ذاهلتين قرَّبتُ وجهي منها لأتأملها! إنها آثارٌ شديدة الحمرة لأصابع حقيقيةٍ واضحةٍ جداً!

هناك يظهر الخنصر وشيءٌ من البنصر في منطقة العنق، وفي صحن الخدِّ يلوح ما تبقى من البنصر مع الوسطى والسبابة، وتلك النقطة الحمراء هناك تحت عينه هي الإبهام دون شك.
يا للهول!!!

وجاءت مريم رشيقة الخطوات غير عالمةٍ بشيءٍ مما حصل، وأدهشها تجمهرنا المريب حول سفيان، وأرعبها أن الجميع انفجر ضحكاً بمجرد دخولها إلى القاعة تقلِّب عينيها وكفَّيها متسائلةً عن الوضع.

– “ها هي ذي قد جاءت، ها هي ذي سبب المصائب والكوارث!”

– “ولكن… أنا؟!”

وحُكي لها ملخص ما حدث، فجحظت عيناها حتى كادتا أن تخرجا من المحجرين، وفغرت فاها الذي سارعت إلى تغطيته بأصابعها، ونزَّ من سحنتها رعبٌ حقيقيٌّ غير مفتعل.

– “يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للهول! أقسم أني لم أركما! أقسم بالله العظيم أني لم ألتفت ورائي! أقسم لكم أني لم أنتبه لشيءٍ مما حصل، أقسم بالله العظيم أني كنت مشغولةً بالهاتف فاكتفيتُ بإلقاء التحية فقط! أقسم أني لو كنتُ رأيتُ ما حدث لأخبرتُ رجال الشرطة بحقيقة الأمر! يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للإحراج! يا لمصيبتي! لماذا لم تناديا علي؟! لماذا لم تطلبا من الشرطة أن يسألوني؟! يا ويلي! يا ويلي!”

ولم تكن من إجابةٍ إلا انفجار الضحك…

وانفضَّ الجمع عن سفيان مع كثيرٍ من الطبطبات على الكتف وعبارات المواساة من قبيل (تكبر وتنسى) و(في سبيل الله) و(تستاهل)، وعاد كل واحدٍ منا إلى حاسوبه، إلى طاحونته، لينهمك في جداوله وأوراقه وحساباته، دون أن نكفَّ عن القهقهة في كل مرةٍ نلمح فيها خاتم الشرطة لائحاً بوضوحٍ على وجه سفيان، متمثلاً في أصابع خمسةٍ حمراء بشكلٍ لافت، ومطبوعةً على صفحة خدِّه بوضوح شديد يثير التعجب والدهشة…

أنس سعيد محمد
23/08/2015

بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الثالث والأخير: سندويش ~

09/08/2015 عند 16:00 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

pizza kabab sandwish 03

.

(3) – سندويش ~

السابع عشر من مارس، عام 2012.

محطة قطار القنيطرة…

صخبٌ وزحامٌ ومعاطف وحقائب، وصفوفٌ طويلةٌ متراصَّةٌ أمام شبابيك التذاكر التي خفَّ عبد الجليل إلى أحدها سعياً منه ليخالف قانوناً ما لا أدري ما هو.

وضعتُ حقيبة سفري الثقيلة على الأرض وثبَّتُّها بين ساقيَّ، وأسندتُ عليها حقيبتي اليدوية التي تضمُّ جريدة المساء وبعض الكتب. ساعاتٌ قليلةٌ فقط تفصلني عن طنجة بعد أسبوعين من الاشتياق…

أسبوعان انتهيا أخيراً وانتهت معهما الدورة التكوينية، وانتهت مدة إقامتي مع عبد الجليل الذي اقتحم علي الشقة اقتحاماً دون أن يطلب مني إذناً أو يسألني عن رأيي، وها هو ذا قد أصرَّ – جزاه الله خيراً – على أن يصطحبني إلى محطة القطار، وألا يتركني حتى يتأكد من أني ركبتُ بسلام، ولو كنا في مسلسلٍ كرتونيٍّ لوقف يلوِّح لي دامعاً من رصيف السكة ثم انطلق يركض نحوي بينما ألوِّح له من نافذة القطار حتى نختفي عن أنظار بعضنا البعض! يصرُّ هذا الكهل على معاملتي كطفلٍ صغيرٍ لأني أصغر من بعض أبنائه، وهو أكبر من والدي بقليل، لذلك لا أجد خياراً آخر إلا أتفهم تصرفاته هذه وأقدرها.

ها هو ذا قد عاد أخيراً من الشباك حاملاً بيده تذكرة القطار التي اقتناها لي بالورقة النقدية التي سلَّمتها له، دسَّ التذكرة في جيب سترتي الجلدية السوداء وهو يقول متوجساً بصوتٍ منخفض:

– “فقط لأنبهك، اسمع ما أقول: زوجتي تشتغل في التعليم وعندهم بطاقةٌ يستفيدون بها من تخفيضٍ على أسعار تذاكر القطار، لقد استعملتُ البطاقة لاقتناء تذكرتك ووفَّرت لك بعض المال، لكن احذر! أحياناً يسألك مراقب التذاكر عن بطاقتك، لو سألك فتظاهر بأنك تبحث عنها في حقيبتك وجيوبك ثم قل له إنها سقطت منك أو نسيتها عند صديقٍ لك في المحطة، وغالباً سيصدِّقك لأنهم لا يركزون في هذه الأمور.”

بدا علي الوجوم والارتباك، فحدجني بنظرةٍ أكثر حدَّةً وتابع كلامه قائلاً:

– “لا تقلق يا ولد! هم في الغالب لا يسألون، وليس في مظهرك ما يمنع من أن تكون أستاذاً على كل حال، لكن أقول لك (في حالة ما إذا) سألك، حتى تكون فاهماً للموضوع، وإلا فهُم في غالب الأحيان لا يسألون، اطمئن ولا تقلق، ليست هناك أي خطورةٍ في الأمر.”

عبدَ الجليل… تباً لك!

لا يستطيع هذا الرجل أن يمضي يوماً كاملاً أو أن يقوم بأي نشاطٍ من نشاطاته دون أن يرتكب مخالفةً سافرةً للقانون، وأعتقد أن ضميره لا يرتاح إلا بذلك، بحيث لو لم يخالف القانون لأنَّبه ضميره بشدةٍ ولحرمه من النوم طوال الليل.

وأما أنا فصار عليَّ أن أمضي هذه الساعات التالية في القطار متوجساً مرتبكاً مذنباً، وأن تزداد خفقات قلبي عندما يأتي مراقب التذاكر ذو الجثة الضخمة والشوارب العملاقة ليقرع باب المقصورة الزجاجي… لا حول ولا قوة إلا بالله!

لكني مع ذلك شكرته وابتسمت، وصافحت كفَّه العملاقة ثم عانقته بحرارة…

كانت أياماً جميلة بحقٍّ رغم كل شيء! والآن في نهايتها أكتشف أن ما ظننته في البدء شراً لي كان منطوياً على خيرٍ كثير، وأن صحبة عبد الجليل والإقامة معه لم تكن بذلك السوء الذي تخيلته في البداية.

ولقد تيقنتُ من الأمر أكثر عندما عاد إلى مدينته القنيطرة في عطلة نهاية الأسبوع الأول، وعدتُ من جديدٍ إلى مخالب الوحدة القاتلة وأنيابها التي نهشتني في أول يوم، عندها عرفتُ قيمة أن يكون معك إنسانٌ يكفي وجوده إلى جانبك بصوته وصورته لتبديد وحشتك وجعل ما تقوم به في حياتك ذا هدفٍ ومعنى، وهكذا وجدتُ نفسي أنتظر انتهاء اليومين الثقيلين بفارغ الصبر، ولم يرتح لي خاطرٌ حتى عاد عبد الجليل صباح الإثنين، واستأنفنا من جديدٍ حياتنا المشتركة الهادئة.

والحق أني أشهد له بأنه كان يتركني وشأني في أغلب الأوقات (وهذه بالنسبة لي أعظم صفةٍ إيجابيةٍ في الآخرين)، ولم ألق منه إزعاجاً أو تعنتاً أو مشاكل مالية، وبدوري كنت له طيِّعاً أنزل عند رغباته واقتراحاته عن طيب خاطر، وقد منحتنا بعض تلك التنازلات المشتركة مساحةً مريحةً من الرضا والامتنان المتبادل جعلتْ كل واحدٍ منا يذكر صحبته للآخر وذكرياته معه بخيرٍ كثير.

ثم إني لا أنكر أني استفدتُ منه فيما يتعلق بامتلاكه سيارة، بحيث ضمنتُ وسيلة نقلٍ مريحةً لجميع التنقلات التي قمنا بها بين المحمدية والدار البيضاء والقنيطرة، وقد أراحني ذلك من الحافلات الكريهة المهترئة وسيارات الأجرة العصبية المزدحمة التي تجعلك تمقت السفر والمدن والناس وحتى نفسك أحياناً!

وكنتُ قد احتجت لبضعة أيامٍ حتى أضبط انفعالاتي وردود أفعالي على سنه المتقدم بالنسبة لي، ولم يكن سهلاً أن أوطِّن نفسي على نمط عيش (السلحفاة) التي تتحرك ببطءٍ وتفكر ببطءٍ وتتخذ القرارات ببطءٍ وتنفعل ببطء، لكني وجدت نفسي مجبراً على ذلك في نهاية الأمر، حتى خشيتُ أن تتحول روحي إلى خمسينيات العمر دون أن أحسَّ بذلك أو أشعر به.

إنها عدوى الشيخوخة تتسرَّب إلى روحي، علمتُ ذلك عندما لاحظتُ تغيراً طرأ على ذوقي الغنائي بسبب الأقراص المدمجة التي لم يكن يشغِّل غيرها في سيارته المرسديس العتيقة حتى حفظتها عن ظهر قلب، وهي أقراصٌ مليئةٌ بأغاني عبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط ومحمد الحياني، وهذا الأخير بالذات ضبطتُ نفسي أكثر من مرةٍ أترنَّم بأغانيه التي انسابت كلماتها على لساني دون عناء، وقد كنت في البداية أمجُّها وأستثقلها، ثم لم ألبث أن تعودتُ عليها، إلى أن وجدتُ نفسي في النهاية وقد أحببتها، بعد أن اكتشفتُ في الأغاني المغربية القديمة أبعاداً جماليةً رائعةً لم أنتبه لها من قبل!

الخلاصة أن عبد الجليل قد سافر بي عبر الزمن إلى الماضي الجميل ببساطته وسذاجته وبطء الحركة فيه… لكن وعلى العموم، وعندما أنظر إلى تلك الأيام نظرةً شمولية، فإني أعتقد أن كل شيء مرَّ على ما يرام…

على ما يرام… تقريباً!

فقط إذا استثنينا مشكلةً صغيرةً وقعت في اليوم التالي لليلة الكباب تلك، وهي ليلة الثامن من مارس التي سننتقل إليها الآن، لنستمع معاً إلى قصة عبد الجليل التي فتحت أمام عقلي أبواباً من الجدليات الأخلاقية الشائكة، ثم أروي لكم ما حدث بعدها في تلك الليلة المشؤومة التي لن أنساها ما حييت…

* * *

الثامن من مارس، عام 2012.

– “وأنا والله لم أفهم، والله لم أفهم! لم أفهم لماذا عدتما إلى ذلك المطعم مرةً ثانية! أمضيتُ الليل كله وأنا أحاول التفكير في الأمر وتقليبه في ذهني على جميع أوجهه لكني لم أجد لكما عذراً… لا عذر لكما فيما فعلتماه، إنها الصراحة!”

عونَك يا رب! إنها المرة المئة وهو يكرر لي عبارته هذه منذ الصباح الباكر، بل منذ ليلة الأمس، وفي كل مرةٍ كنت أجيبه بما أحاول أن أبرِّر له الأمر به، فلم يكن يزيده جوابي إلا إصراراً على موقفه وحدَّةً في تأنيبي وإنزال اللوم علي…

هذه المرة قررتُ أن أصمت، وناب عني صوت المطرب الراحل (محمد الحياني) وهو ينبعث من مسجِّل سيارته ليجيبه على تساؤله المحير…

(( يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

لله افهمني، أنا شفتو وعجبني ~

يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

بغيتْ نذوق الحبّْ، خلِّي نارو تذوّْبني ~

حلو ولَّا مرّْ، سلّْمتو أمري، يفرَّحني أو يعذّْبني، دابا تحبّْ وتعذر ~

ويغلبك كيف غلبني، وداك الساعة جاوبني ~

يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

لله افهمني، أنا شفتو وعجبني ~ ))

يا للملل… إنها المرة الألف التي تتكرر فيها نفس هذه الأغنية في سيارته خلال يومٍ واحد… أخشى أني سأعود لطنجة في الخمسين من عمري بعد انقضاء الأسبوعين لو بقيتُ على نفس هذه الوتيرة الغنائية العتيقة!

لكن ما بيدي حيلة! يجب أن أصبر على كل حال، لقد عاد عاصم إلى طنجة وكان هذا أول يومٍ نمضيه معاً أنا وعبد الجليل، ولم يتركني حتى استفسر مني عن جميع ما يمكن أن أخبره به من معلوماتي الخاصة وظروفي العائلية ومشاريعي المستقبلية، وقد نشأت بيننا لذلك ألفةٌ سريعة كان مردُّ جزءٍ كبيرٍ منها لحرصي على إرضائه وعدم مخالفته، ورغم أننا نشتغل معاً في نفس الإدارة منذ ثلاث سنواتٍ تقريباً إلا أن العلاقة بيننا لم تتعدَّ تبادل التحيات وعبارات المجاملة. إن السفر حقاً يفتح صناديق الأرواح المغلقة أكثر مما يفعل أي شيءٍ آخر.

فرغتُ من إخباره عن خيالاتي الساذجة حول مستقبلي، وجاء دوره ليحدثني عن ماضيه المثير ويروي لي قصته العجيبة التي كان الغموض لا يزال محيطاً بأكثر أجزائها، ولعله لم يروها إلا لعددٍ قليلٍ من الناس منذ انتقل للعمل في طنجة عام 2009.

وبانتباهٍ مشتتٍ بين قيادته المتعقلة للسيارة وروايته للقصة، انطلق عبد الجليل يحكي، بصوته الجلمودي المتدحرج، مع خلفيةٍ موسيقيةٍ يترنَّم فيها (محمد الحياني) بصوتٍ صافٍ مفعمٍ بأحاسيس الحب ومشاعر الحرية…

* * *

(( ما بيدي حيلة ~

وفين الحيلة؟ ~

من أول نظرة قلبي مال، قلبي مال، قلبي مـــــــــــال ~

وغير البارح، وانا هاني ~

غير البارح، وانا هاني، واليوم أنا مشغول البال، مشغول البال، مشغول البـــــــــــال ~ ))

– “بدأت القصة منذ نحو أربعة عشر عاماً، وكنت يومها لا أزال شاباً في الثلاثينيات من عمري، وكنت قد عُيِّنت رئيساً لوكالة التوزيع بمدينة إفران، ورؤساءُ الوكالات في ذلك العصر لم تكن أحوالهم تدعو إلى الرثاء كما هي في أيامنا هذه، بل كان لرئيس الوكالة من الهيبة والوقار والتعظيم ما يفوق حتى مديري هذه الأيام…

الحق أني كنت ذا شأنٍ عظيم، وكانت الوكالة التي أرأسها شاسعةً مترامية الأطراف، مشيَّدةً على الطراز الإفراني ذي الأسقف القرميدية الحمراء الفاتنة، وكان يشتغل تحت إمرتي عشراتٌ من المرؤوسين آمر فيهم وأنهى، ولم يكن أي واحدٍ منهم يستطيع أن يرفع رأسه ليحدَّ النظر في وجهي. في تلك الأيام كان الرئيس رئيساً بحق، وأما الآن فلا تكاد تفرِّق بين المدير وبين أصغر موظفيه! وأما مكتبي الفسيح الفاخر فلم يكن يصل إلى أعتابه إلا علية القوم من كبار المسؤولين، بعد أن يجتازوا ممراتٍ مرصوفةً طويلةً تشقُّ المساحات العشبية التي تجعلهم منبهرين بالأجواء (السويسرية) التي تميز مدينة إفران الساحرة، حتى إن أحد كبار المديرين لما زارني ذات يومٍ بدأ مقابلته معي بأن قال لي منبهراً وهو يدخل مكتبي: لكنك ملكٌ هنا يا سيدي! Mais vous êtes roi ici monsieur.

ولم تدم حياة النعيم التي كنت أحياها في إفران إلا سنواتٍ معدودات، فسرعان ما نشأت مشاكل عويصةٌ بيني وبين الإدارة، وتُربِّص بي من طرف بعض الحاقدين، وما هي حتى جاءني تعيينٌ جديدٌ كان بلا شك على سبيل العقوبة غير المباشرة، إلى مدينة سيدي قاسم!

ولك أن تتخيل شعور الانتقال من إفران إلى سيدي قاسم، من الجنة إلى الجحيم!

وهكذا بدأ فصل الشقاء في حياتي، وصرتُ بعد أن كنتُ حاكماً مطاعاً في إفران مجرد رئيسٍ مهملٍ محشورٍ في أحد المكاتب البائسة في سيدي قاسم، وقد اضطرني عدم التوفر على سكنٍ في تلك المدينة البغيضة إلى عمل رحلةٍ يوميةٍ شاقةٍ صباح مساء بين منزلي في القنيطرة ومقرِّ عملي الجديد في سيدي قاسم. واستمرَّ هذا الوضع الكريه الذي لم أكد أطيقه عدة شهور، إلى أن كان ذلك الصباح المشؤوم في أحد أيام عام 1998…

كنت أقود سيارتي في الطريق الرابطة بين القنيطرة وسيدي قاسم، وقد أضجرتني شاحنةٌ ضخمةٌ كانت تسير أمامي بسرعةٍ بطيئةٍ لا يسمح لها حجمها الهائل بأكثر منها، فقررتُ تجاوزها رغم أن الخط كان متصلاً، وما إن تجاوزتها وصرت في الممر المقابل حتى فوجئتُ بشاحنةٍ مسرعةٍ تلقاء وجهي مباشرة، وقبل أن أفكر في ردة فعلٍ كان الاصطدام الفظيع قد وقع، وأحسست بجسدي وهو ينعجن مع حديد السيارة التي كانت تنقلب عالياً في الهواء بدوراتٍ عنيفة…

ولم أفتح عينيَّ إلا وأنا على سرير المشفى…

* * *

(( خلِّيني منِّي ليه، منِّي ليه، منِّي ليه منِّي ليـــــــــــــه ~

نوهْبلو روحي، نهديلو حيــــــــــــاتي ~

يا سيدي تنبغيه، تنبغيه، تنبغيه تنبغيـــــــــــــــه ~

بيني وبين قلبي، أنا حر بذاتــــــــــــــي ~

أنا ماشي من هادوك، اللي ميقطفوشي الوردة، غير الا كان ما فيها شوك ~

وإذا كْتاب وحبِّيتي، وتجرحتي وبريتي، يغيرو منّْك ويحسدوك ~ ))

– “يا للهول… حادثة سير؟!”

– “وكانت لتكون مميتةً لولا أن الله سلَّم، أصبتُ بجروحٍ وكسورٍ ورضوض، وأرسلتُ للمكتب شهادةً طبيةً للتوقف عن العمل ريثما أشفى، ثم كنتُ بعد انتهاء كل فترةٍ مرَضية أرسل لهم شهادةً طبيةً أخرى لتجديد المدة… إلى أن مرت خمس سنوات…”

– “خمس سنوات؟ وأنت متوقفٌ عن العمل؟”

– “نعم، بالطبع، وكنت أنال فيها مرتَّبي كاملاً غير منقوصٍ درهماً واحداً، لأن ما حدث كان مصنفاً كـ (حادثة شغل)، وحوادث الشغل ليس لها أي تأثيرٍ على الراتب.”

– “لكن… هل كنتَ عاجزاً عن الحركة لمدة خمس سنواتٍ كاملة؟”

ضحك لسذاجتي وأجاب:

– “أمجنونٌ أنت؟ لقد شفيتُ تماماً من جميع إصاباتي بعد شهرٍ ونصف أو شهرين من الحادث، لكني استمررتُ في تقديم الشواهد الطبية دون توقف، وكنت أنوي الاستمرار في تقديمها إلى الأبد!”

يا للكارثة! إن لهذا الرجل أعصاباً تفوق الوصف، والآن أتأكد فعلاً أنه لم يوهب جلد وجهه الثخين عبثاً… خمس سنواتٍ من الشواهد الطبية المزوَّرة؟ كان هذا فوق ما أستطيع تخيُّله من الجرأة والجسارة وصفاقة الوجه…

– “ثم جاء ذلك اليوم في العام الخامس الذي تلا الحادث، وكانت فترةُ الشهادة السابقة قد انقضت، فشخَصتُ إلى المكتب كعادتي لأقدِّم لهم شهادةً طبيةً جديدةً لتمديد الإجازة، ففوجئتُ بأن الموظف رفض استلامها مني…

كنت أعرف أنها تعليماتٌ جاءته من الأعلى، فحذرته من عاقبة ما يفعل، وأنه لا يحقُّ له من وجهة نظر القانون أن يمتنع عن استلام شهادةٍ طبيةٍ موقَّعة، وأن ذلك قد يُعتبر اتهاماً بالتزوير له تبعاته القانونية الوخيمة، لكنه أبى أن يستمع لتحذيري وركب رأسه، ورفض استلام الشهادة، فعدتُ إلى منزلي وواصلت حياتي الطبيعية دون أن ألتحق بالعمل، وعند انتهاء الشهر علمتُ أن الإدارة اعتبرتني متغيباً عن العمل دون مبررٍ لمدة تجاوزت ما هو مسموحٌ به، وأني بذلك قد صرت مطروداً من المكتب بشكلٍ رسمي، وتم توقيف أجرتي بشكلٍ تام.”

– “وبعدها؟”

– “وبعدها يا ولدي بدأتُ حربي الأسطورية مع الإدارة الظالمة، فاستشرتُ أهل الخبرة وتسلحتُ بالقانون وبكافة أوراقي الإدارية التي تصبُّ في صالح قضيتي، ثم تقدمتُ بدعوةٍ إلى المحكمة…

وبدأ مضمار المبارزة الصعب… أن تقف وحدك منفرداً لا تحمل معك إلا قضيتك وأوراقك، وأن تواجه بنفسك ودون مساعدةٍ من أحدٍ مكتباً عمومياً كاملاً بقضِّه وقضيضه وعدده وعدَّته، وأن تصوغ الخطابات وتتناقش مع المحامين وتمضي الليالي البيضاء في دراسة القانون ونصوصه وثغراته، وأن تحتمل الفقر والحاجة وانقلاب الأحوال، وأن تصطلي بنار الصبر المرِّ على الانتظار الطويل الذي يبدو غير ذي نهاية، وأن تظل متيقظاً شديد الانتباه لما يحاك لك وما يراد بك، وما يُنتظر منك أن ترتكبه من الأخطاء والزلَّات التي ستودي حتماً بقضيتك وعملك وحياتك وحياة أولادك…

كانت أياماً رهيبةً قاتلتُ فيها بكل شراسة، وحاربتُ فيها دون هوادة، واستمرَّ الصراع الطويل ستَّ سنواتٍ كاملةً حتى أصدرت المحكمة حكمها الأول في عام 2009.”

– “ستُّ سنواتٍ كاملة؟ وخمس سنواتٍ قبلها؟ أحد عشر عاماً وأنت بلا عمل؟”

– “نعم، حتى نصرني الله عليهم بعونه تعالى وقوته، وأصدرت المحكمة حكمها النافذ لصالحي وضدَّ المكتب، بأن يعيدني إلى الوظيفة وهو صاغر، وأن يعوِّض لي كل الأجر الذي قطعه عني طيلة السنوات الستِّ الماضية، وهكذا صدر مرسوم تعييني في إدارتكم هناك في طنجة، مع تعويضٍ أوليٍّ تجاوز الأربعين مليوناً.”

– “يا إلهي!!!”

– “لا تندهش، تلك كانت البداية فقط، وقد استمررتُ في رفع المزيد والمزيد من القضايا إلى المحكمة، وفزتُ فيها جميعاً حتى الآن، وحصلتُ على تعويضٍ إضافيٍّ قدره عشرة ملايين، وآخر قدره ستة ملايين، وتعويضاتٍ أخرى كثيرة، وبعد أسابيع قليلةٍ سأستلم تعويضاً قدره سبعة ملايين، وإني الآن منشغلٌ بجمع الأوراق اللازمة لرفع قضايا جديدةٍ إن شاء الله تعالى…”

عقدت الدهشة لساني ولم أجد ما أقول، وبصعوبةٍ لملمتُ كلماتي وسألته:

– “وحول ماذا تتمحور القضايا الجديدة؟”

– “القضية الأولى كانت تتعلق بالطرد التعسفي الناتج عن رفض استلام شهادةٍ طبيةٍ رسمية، وتلتها التعويضات عن الأضرار، ثم بعد ذلك أثرتُ للمحكمة موضوع الترقية، وأن من كانوا مثلي في التسعينيات قد بلغوا إلى المراتب العالية التي يجب أن أكون قد بلغتها مثلهم لولا الطرد التعسفي، وقد نلتُ الترقيات كلها مع تعويضاتها، ثم انتقلتُ لهم إلى حساب الإجازات والتعويضات عن الساعات الإضافية والأسفار وغير ذلك، بحيث أنها يجب أن تُحسب على أساس الدرجة الجديدة بعد الترقية وليس قبلها، وربحتُ القضية أيضاً، وما زالت رحلتي طويلةً معهم حتى أستخرج منهم كل ما أستطيع استخراجه من أموالي المغصوبة…

سأحال على التقاعد في نهاية عام 2014، أي بعد عامين ونصف تقريباً، لكني حتى بعد التقاعد سأستمر، سأستمر دون توقفٍ ومهما طالت السنوات، لقد صارت أجواء المحاكم والحياة مع القضايا المرفوعة جزءاً لا يتجزأ من أسلوب حياتي، ولا أراني أستطيع التخلص منه، ثم إنها حقوقي على كل حال، ونحن في زمنٍ إن لم تكشِّر فيه عن أنيابك ومخالبك لتستردَّ حقوقك استرداداً سُلبت منك أمام عينيك، أمام عينيك وأنت تنظر ببلاهةٍ عاجزاً عن فعل شيء…”

ولمعت عيناه وظهر الجدُّ على ملامحه القاسية، وضغط على الدوَّاسة ليزيد من سرعة السيارة التي تتجه نحو المحمدية مغمورةً بضوء الغروب الشاحب، ورفعتُ إلى وجهه نظرةً فاحصةً له بعمق…

في الثالثة والخمسين من عمره، عتيق الطراز في ملبسه وأسلوب حياته، متوقفٌ عند التسعينيات تقريباً، يرتدي بدلةً رسميةً دون ربطة عنق، مع حذاءٍ لا تراه إلا عند من تجاوز الستِّين من عمره، وهو حذاءٌ ضخمٌ جداً، يدوس به القانون بلا رحمةٍ ولا هوادة، فليس في حياته أي وجودٍ أو اعتبارٍ للقانون والالتزام به.

– “سيد عبد الجليل… سؤالي لك… سؤالي لك هو لماذا؟ لماذا فعلت كل هذا؟”

فكأنه بوغت ولم يحر جواباً… صمت للحظةٍ مفكراً ثم هزَّ كتفيه باستهانةٍ وقال بصوتٍ مغموسٍ في اللامبالاة:

– “لا أدري… لعله الانتقام!”

وساد بيننا صمت الحيرة…

(( خلِّيني منِّي ليه، منِّي ليه، منِّي ليه منِّي ليـــــــــــــه ~

نوهْبلو روحي، نهديلو حيــــــــــــاتي ~

يا سيدي تنبغيه، تنبغيه، تنبغيه تنبغيـــــــــــــــه ~

بيني وبين قلبي، أنا حر بذاتــــــــــــــي ~ ))

* * *

رُكنت المرسديس الخضراء العتيقة بجانب الشقة تحت ليل المحمدية الذي بدأ يصير دامساً، واقترح عبد الجليل أن يأخذني لمكانٍ جيدٍ يعرفه لنتناول طعام العشاء عنده… كان يتكلم ويتكلم بلا توقف، يلقي علي دروساً في كل ما يتعلق بـ (التحراميات) التي يمكنني اللجوء إليها لمخالفة القوانين بشتى أنواعها، قوانين العمل وقوانين السير وغيرها من القوانين الجاري بها العمل في مختلف المجالات. كان يختم جميع (نصائحه) لي بعبارته الشهيرة: “فإن لم ينفع معك كل هذا فما عليك إلا أن تجمع أوراقك وتتقدم للمحكمة.”

كان يتكلم ونحن نتمشى، وشردتُ بفكري بعيداً بحيث لم يبق من كلامه إلا خلفيته الصوتية المتحشرجة…

كلماتٌ ظلَّت تتردد في ذهني وتلحُّ علي… تدعوني إلى تفكيرٍ عميق:

– “الإدارة الظالمة – الطرد التعسفي – نصرني الله عليهم – أموالي المغصوبة…”

إن الرجل قد أنزل نفسه منزلة المظلوم المعتدى عليه، وكان طيلة السنوات الماضية يتصرف على هذا الأساس، وينطلق من فكرة أن ما يقوم به ليس سوى انتصاراً مشروعاً للظلم الواقع عليه…

ما أعجب شأن الإنسان حين يلقي معاذيره، وأعجب منه عندما يخدع نفسه بنفس ما يريد أن يخادع به غيره… هل حقاً عبد الجليل مظلوم؟ وهل حقاً أمواله مغصوبة؟

نعم… إنه مظلومٌ من وجهة نظر القانون والمحكمة، لكنه في ميزان الحقِّ ظالمٌ استعمل شهادة زورٍ لتحقيق مآربه الخاصة، وشهادة الزور الطبية لا تؤخذ إلا برشوةٍ يُرشى بها الطبيب، لكنها مع ذلك تظل وثيقةً رسميةً تقبلها المحكمة دون نقاش، وعليها تبني أحكامها وقراراتها…

المحكمة بريئةٌ إذاً، وهي وإن انتصرت للظالم لم تكن ظالمةً هي نفسها، لأنها غير مسؤولةٍ عما حدث تحت الطاولات مما لا يمكن إثباته، إنها تنطلق فقط مما بين أيديها من الأوراق الموقَّعة بأيدي أصحابها. وأما المكتب فهو مظلومٌ لأنه حُرم يداً عاملةً بسبب شهادة زور، لكنه ظالمٌ عندما رفض استلام شهادةٍ طبيةٍ موقعةٍ دون موجبٍ من القانون يسمح له بذلك.

من الظالم ومن المظلوم؟ من المعتدي ومن المعتدى عليه؟ وما حدود الحق والباطل في هذه القصة التي أدخلتني في جدلياتٍ أخلاقيةٍ عميقة؟

لا أدري… كان دماغي يدور بسرعةٍ أكبر من المعتاد ليلتئذ، بينما الذي تسبَّب لي بهذا الدوار مستمرٌّ في ثرثرته غير مبالٍ بشيء…

– “عليك أن تعلم يا ولدي أن الإدارة هي سالبةٌ لحقك حتماً بلا ريب، وأن الذين وضعوا القانون هم الخصوم والحكَّام في الوقت نفسه، فصَّلوه على مقاس مصالحهم، لذلك يجب أن تكون دائم التيقُّظ وعلى حذر، وألا يمنعك شيءٌ من استغلال ما يمكنك استغلاله من أموال الإدارة لمصلحتك الخاصة، لأنك مهما استغللتَ من أموالها فما هي إلا أموالك المسلوبة رُدَّت إليك… يجب فقط أن تكون حذراً وألا تترك ثغراتٍ تسبِّب لك متاعب قانونيةً أنت في غنىً عنها، يُفضَّل أن تكون ضرباتك صامتةً لا تترك أثراً، وإلا فالمحكمة هي آخر الدواء…”

وعند المنعطف المظلم قال لي وهو يمسك بيدي بعطفٍ أبويٍّ غامر:

– “وهي قاعدةٌ في الحياة ستتعلمها لاحقاً يا بنيَّ عندما تنضج أكثر وتكتسب مزيداً من الخبرات والتجارب؛ لا تسمح لأحدٍ أن يستغلَّك! ولا تنخدع بالبريق الزائف والبهرجات الخادعة… مثلاً إن عودتكم إلى ذلك المطعم بالأمس كان دليلاً على أنكما غرَّان لم تتعلما شيئاً بعد، فما ذلك المطعم إلا محلٌّ للنصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل.

ولتتعلم مني، فإني سآخذك اليوم لتتناول العشاء عند محلٍّ أعرفه يقدِّم سندويشاً ممتازاً، وسترى كيف أنك ستحظى بوجبةٍ صحيةٍ ومغذيةٍ ورخيصة الثمن في الوقت نفسه، لقد كنتُ قديماً أتناول العشاء عنده في زياراتي للمحمدية، تعال معي، من هنا…”

سندويش؟ عبد الجليل يأكل سندويشاً؟ وما المانع؟ لقد أكل بالأمس ما هو أسوأ بكثير، ومنذ الأمس لن أستغرب منه حتى لو رأيته يأكل الحيات والعقارب!

سندويش؟ ولم لا؟ لكن منذ متى يوصف السندويش بأنه وجبةٌ صحية؟

ليكن… من نعم الله عليَّ أني لا أتأثر بالوجبات السريعة حتى الآن، وقد أكلتُ مئات السندويشات في حياتي دون أن يضرني منها إلا واحدٌ فقط، وكان سندويش مخٍّ أخبرني الأصدقاء بعد مرضي بسببه أنه غير منصوحٍ به لأن المخَّ يفسد بسرعة.

لكن حسناً… بحسب منطقي العقلي والعلمي الصارم والذي سيلقي بي في الهاوية يوماً ما؛ فإن سندويش مخٍّ واحداً فقط لا يمثل أي قيمةٍ إحصائيةٍ تكفي لإصدار حكمٍ تعميمي، وبناءً على هذا الأساس المنطقي عدتُ لاتهام سندويشات المخِّ بعد أن برئتُ من مرضي، وبالفعل لم أصب بضررٍ منها بعد ذلك.

لقد أصررت على اعتبار ذلك الحادث (استثناءً يؤكد القاعدة)، وواصلتُ حياتي مستمتعاً بكون قاعدة (يحدث للآخرين فقط) تعمل معي بشكل ممتاز فيما يتعلق بالوجبات السريعة.

هل حقاً يتسمم الناس بسبب السندويشات؟ لا أصدق هذا… إنها خرافةٌ دون شك!

– “ها هو ذا، السندويش الذي حدثتك عنه.”

وتجمَّدتُ في مكاني!

عبدَ الجليل… ماذا أفعل بك؟!

إنه ليس حتى مطعماً فيه طاولاتٌ ومقاعد، بل جحرٌ ضيقٌ في جدارٍ يقف بداخله كائنٌ وقحٌ أشعث الشعر رثُّ الهيئة، فظُّ النظرات والكلمات، يتعامل بغلظةٍ شديدةٍ مع زبنائه، إنه يتحرك بانفعالٍ ذهاباً وجيئةً خلف منضدةٍ رُصَّت عليها قطع الخبز وأنواع السلَطات والنقانق وكل ما يوضع في السندويشات، ولا يخفى على ذي عينين أن الطابع العام للمكان يوحي بالقذارة الشديدة وانعدام أدنى شروط الصحة والنظافة…

وأما المصيبة العظمى فهي تجمُّع رهطٍ من الرجال يتزاحمون بأكتافهم عند باب المحل، ولأنه لا وجود لأي مقاعد وطاولاتٍ فإن كل ما تستطيع فعله أن تزاحم الناس بكتفيك عدة دقائق حتى يصل دورك، ثم تلتهم سندويشك واقفاً وقد انتحيتَ عن الناس قليلاً… يا للمهزلة!

كم علي أن أصبر على عبد الجليل هذا ومطاعمه التي يأخذني إليها؟ عبد الجليل الذي بدا راضياً تماماً وهو يزاحم الناس بكتفيه منتظراً دوره… يبدو أن عجز هذا الرجل عن الشعور بالملل حوَّله إلى كتلةٍ من الملل هو نفسه.

الصبرَ الصبر… وهل لي غيره؟

نصف ساعةٍ من الانتظار الواقف، ثم انتحينا جانباً وفي يد كل واحدٍ منا سندويشه الملفوف بقطعة ورق، لحسن الحظ أني لا أملك ترف تمييز الأذواق القريبة، إنه يشبه أي سندويشٍ التهمته سابقاً وسيشبه أي سندويشٍ ألتهمه لاحقاً… هناك بالطبع تلك اللذة الناتجة عن قذارة السندويش نفسها! وهي ما وشَّحت سندويشاتنا المغربية بلقبها المشرِّف الذي تفتخر به: (خانز وبنين)!

لو كان أكثر نظافةً مما هو عليه لكان أسوأ مذاقاً… وفي مدينتي طنجة يُعدُّ السندويش الذي يقدمه مطعم (الكرم) هو الأسوأ طعماً والأقل إقبالاً، لسببٍ واحدٍ بسيطٍ هو أنه الأنظف!

وبصوت ممزوج بهمهمة المضغ سمعته يقول:

– “ألم أقل لك؟ سندويشٌ لذيذٌ ونظيف، رغم أنه محلٌّ صغيرٌ ومحشورٌ في هذه الزاوية المظلمة إلا أن له كما رأيتَ زبائن كثراً يتوافدون عليه من كل مكان.”

– “نعم يا سيد عبد الجليل، نعم… هو كذلك، هو كما قلتَ.”

وبدا راضياً…

وعدنا إلى الشقة بعد جولةٍ قصيرة، وخلدنا إلى النوم متعبين…

انطفأت الأضواء وسادت العتمة، وانحشرتُ تحت غطائي…

شيءٌ ما ليس على ما يرام… إحساسٌ غريبٌ مقبض، غثيانٌ ما أصاب روحي…

وبدأتُ أشعر بالألم يتسرَّب في أحشائي…

ألماً عارضاً ظننته في البداية، لكنه يشتدُّ شيئاً فشيئاً…

ربَّاه… إنني أرتعش!

حنجرتي… ما هذه الحلقة الخانقة التي تشنقني؟

يا إلهي… إن أحشائي تحترق، تتمزَّق… إنها تتحول إلى أسياخ حُميت في الجحيم!

إنها النار تضطرم، إنها الحيَّات والعقارب تنهش جوفي نهشاً، إنها المقارض والسكاكين تقطِّع أمعائي تقطيعاً… يا للهول!

ربَّاه…

هذا أكثر من أن يُحتمل…

كنتُ أتصبَّب عرقاً وقد تحوَّل جبيني إلى مضخة لا تنضب، شعرتُ بالبلل يغمر جميع ملابسي، لم أتعرَّق بهذه الشدة منذ مدةٍ طويلة…

أضع يدي على بطني وأضغط بعنف، أتلوَّى يمنةً ويسرة، أعضُّ بأسناني على الوسادة، وألهث من الألم المبرِّح، لا جدوى…

إن الألم الفظيع يزداد…

محكمة تفتيشٍ كاملةٌ تدور مجرياتها داخل معدتي…

تسمُّمٌ لعين بسبب السندويش المتعفِّن…

عبدَ الجليل… قتلتني قتلك الله!

لا أريد أن أمرض أو أموت في هذه المدينة الغريبة، لا أريد أن تكون نهايتي في هذا العمر الغضِّ بسبب سندويشٍ فاسدٍ أخذني إليه عجوزٌ بخيل! لا أريد… لا أريد…

أتلوَّى أكثر، أركل الغطاء بقدمي وأشعر به ينحسر عني، لا شيء سوى الظلام الدامس، لا شيء سوى العتمة الطاغية…

أرفع عينيَّ الواهنتين إلى النافذة فوق رأسي، سوادٌ في سواد، ومصابيح برتقاليةٌ بعيدةٌ بعيدة…

وخُيِّل إلي أني أسمع صوت صافرة القطار وجرسه…

طنجة… متى العودة إليكِ؟

وبدأتُ أرتخي، وشعرتُ بالوعي ينسحب مني شيئاً فشيئاً…

الألم بلغ حدوداً غير قابلةٍ للاحتمال…

إنني أفقد القدرة على الحركة، إنني أفقد القدرة على التمييز…

أفقدان الوعي هو؟ أم النوم فقط؟ أم لعله الموت؟

لا أدري…

لا أدري…

وتلاشى وعيي في العدم…

* * *

لم يكن ضوء الصباح هو ما أعاد إليَّ بصيص الوعي الخافت، بل ركلة ألمٍ حادة…

فتحتُ عينيَّ ببطءٍ بينما أحاول تذكر من أنا وماذا أفعل هنا ومن أين جاءني كل هذا الألم…

ضوء الصباح البِكر يغمر الغرفة، وتململتُ من مكاني وقد بدأتُ أتذكر…

كنتُ ما زلت أتألم وإن كان ذلك بشكلٍ أخفَّ قليلاً، تحاملتُ على نفسي حتى جلست، وأسندتُ مرفقيَّ على ركبتيَّ ودفنتُ رأسي في كفَّيَّ…

سمعتُ خطواتٍ قادمةً إلى الغرفة، رفعتُ رأسي بصعوبةٍ فإذا به عبد الجليل بمنامته المخطَّطة وهو يفرك عينيه من أثر النوم، كان يبدو نضر الوجه سليماً معافىً وكأنه أمضى ليلته في الجنة.

– “صباح الخير يا ولدي، كيف أصبحت؟”

– “بـ.. بخيرٍ والحمد لله.”

– “كيف كان سندويش الأمس؟ ألم أقل لك بأنه صحيٌّ ونظيف؟ لقد جرَّبتُ سندويشاتٍ كثيرةً في حياتي وكان أكثرها يضرُّ معدتي، لكن هذا بالذات لم أنل منه ضرراً قطُّ، ولهذا فإنـ…”

– “آي!!!”

صرخة ألمٍ مكتومة.

– “ما بك؟”

– “لا… لا شيء، لا شيء…”

نظر إلي لثوانٍ ثم نسي الأمر وتابع كلامه:

– “كنت أقول… بأن من الضروري أن يكون الإنسان حريصاً فيما يتعلق بهذه السندويشات، وألا يتناول سندويشاً إلا وهو واثقٌ من أنه نظيفٌ وغير مؤذ، فأن يتعشَّى الإنسان وينام نومةً هانئةً كما حدث معنا نحن أفضل بكثيرٍ من أن يتعشَّى ويمضي ليلته يتألَّم ويتوجَّع. أليس كذلك يا ولدي؟”

– “بلى… بلى…”

ثم أطلق ضحكته المجلجلة وقال وهو ينصرف ليرتدي ملابسه:

– “أليس هذا إذاً أفضل من مطعمكما ذاك الذي أخذتماني إليه؟ اعترف، قل الحقيقة! لكن لا بأس، يا لحماقة الشباب! ستتعلمان مع الوقت… ستتعلمان!”

ولم يبق منه إلا صدى ضحكته…

وعدتُ إلى دفن رأسي في كفَّيَّ، ثم تحاملتُ على الآلام حتى وقفتُ، دوارٌ استبدَّ بي وجعل الموجودات تنسخ نفسها وتتراقص أمام عيني.

استندتُ على الجدار، كنتُ أحاول أن أجد لنفسي موطئ قدمٍ في صباح هذا اليوم الجديد، ونحو المغسلة مشيتُ أترنَّح…

أنس سعيد محمد
09/08/2015

(( ~ النــهــايــة ~ ))

بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الثاني: كباب ~

06/08/2015 عند 20:47 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

pizza kabab sandwish 02

.

(2) – كباب ~

السابع من مارس، عام 2012.

العاشرة والربع صباحاً…

ما زالت الأكداس البشرية تتجمَّع في القاعة وما حولها من الممرات المرصوفة في مركز التكوين بـ (عين السبع)، ويحمل كل واحد من الحاضرين كوباً ورقياً أبيض يحتوي على تلك القهوة المريعة!

لسببٍ ما يصرُّون على أن يطبِّقوا عبارة (pause-café) تطبيقاً حرفياً، وأما أنا فما زلت عند عهدي، منذ طعِمْتُ قهوتهم الشنيعة في المركز قررتُ ألا أذوقها ثانيةً ما حييت، ثم إنه ليس من عادتي احتساء القهوة في العاشرة صباحاً على كال حال…

سأمضي فترة الاستراحة – كما أفعل دائماً – في الذهاب والمجيء هنا وهناك على غير هدى، محاولاً أن أفسر سلوك الناس الذين يتكدَّسون ويتزاحمون بأكتافهم لعدة دقائق من أوقاتهم الثمينة من أجل كوب قهوةٍ هي أبشع ما يمكن أن تذوق في حياتك!

أحياناً أجد نفسي عاجزاً تماماً عن فهم تصرفات البشر…

بالمناسبة، أين عاصم؟ لعله فضَّل البقاء في قاعة الاجتماعات أو ربما انشغل في الحديث مع بعض أصدقائه، أو لعله قد خرج من المركز أصلاً وطار إلى مكانٍ ما رغم أن التعليمات بعدم الخروج قبل الخامسة مساءً صارمةٌ للغاية، لكنه عاصم على كل حالٍ ولا أستغرب لو فعلها!

لا بأس… سأواصل مهمتي في مطالعة وجوه الناس ومحاولة تجنُّب أولئك الذين أعرفهم عبر التظاهر بعدم رؤيتهم، وخصوصاً منهم أولئك الذين يثرثرون بلا توقفٍ حول مواضيع لا يتعدى اهتمامي بها نسبة 0.01%. إنه الجحيم بالنسبة لي أن يتسلَّط علي موظفٌ عجوزٌ أمضى عمري كله أو أكثر منه في الخدمة، ثم يحدثني بالساعات الطوال عن مشاكل العمل والمديرين والترقيات وصندوق التقاعد والضمان الاجتماعي والنشاطات النقابية وغير ذلك من هذا الهراء، ويزداد الأمر سوءاً عندما يسألني – وكأن الأمر من البدهيات – عن أحوالي مع قرض السكن الذي أخذته لاقتناء الشقة!

أي شقة؟ ومن أخبره أصلاً أني ملتزمٌ بقرضٍ سكني؟ لا أحد! لكن بالنسبة لهم هذه أمورٌ بدهيةٌ مثل الطعام والشراب تنطبق على جميع الناس دون استثناء…

بدؤوا يلقون أكوابهم الورقية في حاويات القمامة هنا وهناك، وألقى المدخِّنون منهم أعقاب سجائرهم وداسوا عليها بأقدامهم، بعضهم مجتمعون على الصخب والضحك والبعض الآخر منزوٍ يتحدث في مواضيع جديةٍ جداً، وذاك الرجل هناك أعرفه…

إنه هو! والمشكلة أنه لمحني ولوَّح لي بيده من بعيد، لا مفر من الذهاب إليه فهو من زملائي في طنجة ويمضي أسبوعيْ تكوينٍ هنا مثلي.

كان واقفاً على مبعدةٍ مني يحادث رجلاً خمسينياً مثله في موضوعٍ يبدو من هيئته وانفعالات يديه أنه ذو أهميةٍ شديدة، أقترب منه ويزداد حجمه اتساعاً في إطار بصري، وتختفي بقية عناصر المشهد البعيد شيئاً فشيئاً لتحلَّ محلَّها القامتان الوقورتان فقط.

وصلتُ إليهما أخيراً ومددتُ يدي إلى الرجل مرحباً:

– “سيد عبد الجليل، كيف حالك؟”

قبض على يدي بكفِّه العملاقة إلى حدٍّ عجيب، والتي تغوص يدك فيها حتى لا تكاد تجد منها فكاكاً، وأما الأسوأ فكان تلك العادة الغريبة له عندما يظل مصافحاً لك ممسكاً بيدك معظم الوقت وهو يحادثك، محدِّقاً بك بنظراته النفَّاذة التي تُعدُّ لوحدها عامل إرباكٍ يكفي لأن تفقد ذاكرتك.

وأما عندما يخفض رأسه قليلاً ويخترقك بعينيه العاريتين من فوق إطار نظارته فاعلم يقيناً أنه قد وضعك في إحدى قوائمه، ولا يبقى لك إلا أن تدعو الله ألا تكون قائمته السوداء المرعبة.

ظلَّ مصافحاً لي يعتصر كفي بقبضته العملاقة وهو يحادثني بصوته الأجشِّ الذي تتكسَّر حروفه وتتدحرج كلماته لتتحطَّم وتنفجر بين شفتيه مذكرةً إياك بانهمار الصخور الجبلية أو بحوافر الخيل في حفلات (التبوريدة):

– “كيف حالك يا ولد؟ ألم تأخذ قهوة؟”

– “بخيرٍ والحمد لله، لا أحب قهوتهم هنا.”

– “معك حق، قهوتهم رديئةٌ جداً، لكننا نصبر عليها على كل حال… بالمناسبة، هل بتَّ هنا في الفندق؟”

– “لا، أقيم في المحمدية، في شـ…”

– “شقة أحمد في المحمدية؟ نعم أعرف أن عنده شقةً هناك، أفارغةٌ هي؟”

– “نعم، وقد فضَّلتُ الإقامة فيها على المبيت في فندق الدار البيضاء، وحتى على الفندق هنا في هذه المنطقة النائية.”

– “نعم، معك حق… ثم إن الفندق هنا قد امتلأ عن آخره ولم يعد هنالك مكانٌ لأحد، لم أحجز غرفةً عندما كنتُ في طنجة ولما جئتُ هنا وجدتُ أن الأوان قد فات.”

– “حقاً؟ وأين بتَّ ليلة أمس؟”

– “عدتُ إلى منزلي في القنيطرة ثم استيقظتُ في الصباح الباكر وجئتُ هنا، إن ذلك متعبٌ جداً ولن أطيقه لمدة أسبوعين كاملين.”

– “معك حق… إنها مشكلة!”

عندها حدث ما لم يكن في الحسبان…

ظل معتصراً كفِّي بقبضته طوال المحادثة، ثم إنه قد أخفض رأسه قليلاً ورمقني من فوق إطار نظارته، وصوَّب نحوي واحدةً من نظراته المميتة تلك والتي تذيب عظامك وتحوِّلك إلى كائنٍ من فصيلة الرخويات.

قال:

– “قلتَ إن الشقة في المحمدية فارغة؟ وتقيم فيها وحدك؟ وطيلة هذين الأسبوعين؟”

وعند الساعة الخامسة مساءً كنا ثلاثتنا، أنا وعاصم وعبد الجليل، ننطلق في سيارتين نحو مأوانا في مدينة المحمدية، بينما أنا أندب حظي وأفكر في مخرجٍ من هذه المصيبة الكارثية التي هوت على أمِّ رأسي ولم أحسب لها حساباً…

عبدَ الجليل… بأي ذنبٍ سلَّطك الله علي؟!

* * *

اسمه عبد الجليل، رجلٌ في الثالثة والخمسين عمره، أجمع كل الذين عرفوه قديماً بأنه إنسانٌ (خطيرٌ جداً) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وخطورته مستمدةٌ من ولعٍ عجيبٍ له بالمشاكل ذات الطابع القانوني، والتي يبحث عنها حيثما حلَّت وارتحلت، ولا يكاد يجد لنفسه راحةً إلا في أحضان مشكلةٍ عويصةٍ ما يكون قد افتعلها افتعالاً، وكأنه يستمدُّ من تلك المشاكل سرَّ وجوده ومعنى حياته…

وأما المفارقة هنا فهي أنه وجد في عالم المعضلات هذا منجماً سخياً استخرج منه كنوزاً من الأموال الطائلة التي تدفَّقت عليه دون توقف، دون أي جهدٍ يُذكر بالنسبة لمواهبه وقدراته الفريدة.

فإذا كان أصحاب الفن التجريدي قد وجدوا منجمهم في تلطيخ الأقمشة بألوان عشوائيةٍ مع الادِّعاء الصفيق بأن ثمة فلسفةً ما لا يفهمها إلا الراسخون في الفن، فإن عبد الجليل هذا قد وجد منجمه الخاص في ردهات المحكمة الإدارية وأروقتها! وفي رفع القضايا التي لا أول لها ولا آخر على المكتب الذي يشتغل فيه.

وإن في هذه المحاكم لعالَماً كاملاً من الحيل الماكرة والتلاعبات بالأوراق الإدارية والفراغات القانونية، وفيها من الثغرات العظيمة ما يمكِّن المتمرِّسين وأهل الخبرة من استخراج كنوزٍ وكنوزٍ من الأموال الطائلة، إلا أن هذا الأمر ليس متاحاً لكل أحد، ويحتاج في الواقع إلى مهاراتٍ خاصةٍ نادرة جداً، ومعرفةٍ عميقةٍ راسخةٍ بالنصوص القانونية وثغراتها، وشخصيةٍ نافذةٍ ذات نظراتٍ ثاقبةٍ مصمِّمةٍ لا تعرف العاطفة أو الضمير أو التردد، وكل هذا مع عجزٍ كاملٍ عن الشعور بالملل، وقدرةٍ خارقةٍ على الانتظار الطويل وتجاهل عامل الوقت إلى درجة إهماله تماماً.

وهي صفاتٌ اجتمعت كلها في شخص السيد عبد الجليل، ليكون مقدَّراً له أن يمضي أغلب سنوات مسيرته المهنية الطويلة في رفع القضايا والتردد على أروقة المحاكم ومكاتب المحامين، وقد زاده ولعاً بهذه الأجواء القانونية ما ناله منها من الخير الوفير والمال الكثير، فقد رفع على المكتب عدة قضايا على مدى سنواتٍ طويلةٍ كان في أكثرها ظالماً، لكنه فاز فيها جميعاً دون استثناء، وتحصَّلت له منها أرباحٌ هائلةٌ بلغت عدة عشراتٍ من الملايين.

وما زال حتى اليوم يتابع قضاياه القديمة ويرفع أخرى جديدة، ويطارد بلا مللٍ ولا كللٍ ملايين أخرى ستأتيه حتماً دون شك، وقد استخرجها استخراجاً من ثغرات القانون والإدارة أمام أعين القانون والإدارة.

مجرَّدٌ من العواطف تماماً، حادُّ النظرات عند الحاجة، القانون الوحيد الذي يحكم كل أفعاله وتصرفاته هو قانون (مصلحته الخاصة) ولا شيء آخر، لا يشكُّ الناظر إليه في أن جلد وجهه أثخن من جلد وجه غيره، كأن ثمة طبقاتٍ إضافيةً من الجلد المسلَّح تجعل وجهه لحمةً راسخةً لا يبدو على صفحتها أي انفعالٍ عاطفي.

عتيق الطراز في ملبسه وأسلوب حياته، متوقفٌ عند التسعينيات تقريباً، يرتدي بدلةً رسميةً دون ربطة عنق، مع حذاءٍ لا تراه إلا عند من تجاوز الستِّين من عمره، وهو حذاءٌ ضخمٌ جداً، يدوس به القانون بلا رحمةٍ ولا هوادة، فليس في حياته أي وجودٍ أو اعتبارٍ للقانون والالتزام به. لقد علَّمته سنواته الطويلة مع المحاكم والقضايا أن لكل مشكلةٍ حل، وأن بإمكان كل من يخالف القانون أن يجد لنفسه مخرجاً وأن يحوِّل دفة القضية إلى صالحه، لذلك لم يكن يبالي بشيء إطلاقاً، ولم تكن عنده أي مشكلةٍ في رفع القضية إلى المحكمة في أي وقتٍ يريد، حتى صارت عبارته التهديدية الدائمة التي يلقيها بثقةٍ أمام كل من يشهر في وجهه سيفاً من سيوف القانون:

– “وإن أبيتَ فهيا إلى المحكمة، وعندها سنرى لمن تكون الغلبة!”

وهي عبارةٌ أنصح كل من يسمعها من عبد الجليل أن يستسلم فوراً، مهما كان مظلوماً ومهما كان عبد الجليل ظالماً، لأن وحش المحاكم سيفوز في النهاية حتماً دون شك…

* * *

وصلنا إلى الشقة أخيراً…

صعدنا أنا وعاصم بينما تأخر عنا عبد الجليل قليلاً في سيارته.

– “أينوي المبيت عندك هنا؟”

– “أظن ذلك ويا لمصيبتي!”

– “هذه الليلة فقط بطبيعة الحال أليس كذلك؟”

ولم يكمل عاصم جملته الأخيرة حتى كان عبد الجليل يصعد الدرج وهو يجرُّ حقيبة ملابسه الهائلة، وتبادلتُ مع عاصم نظراتٍ ذات معنى، ولم يستطع كتم ضحكته فتوارى عني – الشرير! – واستغرق في قهقهةٍ مكتومة.

وضع عبد الجليل حقيبته في إحدى الزوايا وشرع يجيل بصره في جدران البيت وسقفه، ثم قام بجولةٍ في الغرف – وكانت لا تزال مقلب قمامةٍ منذ الأمس – وهو يقول:

– “يا لطيف، يا لطيف! ما كل هذه الفوضى هنا؟ هذا الدَّمار خلَّفتماه في يومٍ واحدٍ فقط؟ أنتما من النوع الذي يعتمد على أمه ولم يتعلم بعد العناية بمنزل، يجب أن تتعلما أيها الولدان!”

ثم جلس بعد أن خفَّف قليلاً من فوضانا العارمة وقال وهو يحرك رأسه متأسفاً:

– “إن مهندس هذا المنزل رجلٌ فاشل… لو أن هذه الغرفة كانت هناك وأن هذا الجدار لم يكن، ولو أن تلك السارية نُقلت إلى هناك وجُعلت زاوية تلك الغرفة هناك، وأما المطبخ فإن مكانه كان ينبغي أن يكون هناك، وأما تلك الغرفة فكان ينبغي…”

ولم ينته حتى أعاد تصميم وهندسة البيت كاملاً من الصفر، ونحن نتظاهر بمتابعته والموافقة على آرائه، بالطبع لا نجرؤ على أن نخالفه في رأيٍ حتى لا نجد أنفسنا فجأةً في المحكمة!

– “نعم يا سيد عبد الجليل، (كاينة آالسي عبد الجليل، كلامك هو الكبير)، تصميم البيت كان يجب أن يكون كما ذكرتَ والمهندس رجلٌ فاشلٌ يستحق أن تُرفع عليه دعوةٌ في المحكمة.”

– “نعم، نعم.”

وبدا راضياً…

– “نخرج للعشاء؟”

– “فكرةٌ عظيمة، لقد جعنا حقاً.”

– “أين نذهب؟ تعرفان مكاناً جيداً؟”

– “لا ندري… اختر أنت يا سيد عبد الجليل.”

– “ليس في بالي أي مكانٍ محدد، من النادر أن أزور المحمدية لذلك لا أذكر أماكن الطعام فيها.”

– “لا بأس… كنا بالأمس قد تناولنا وجبة بيتزا في أحد المطاعم، والحق أنها كانت جيدة، ما رأيكما أن نعود لنفس المطعم؟”

– “بيتزا؟ هممم… لم لا؟!”

وتبادلتُ مع عاصم نظرةً سريعةً ذات معنى:

– “الثمن عندهم مرتفعٌ بعض الشيء، لعلمك فقط…”

وحملق فينا عبد الجليل في عدم فهمٍ ثم قال دون اكتراث:

– “قلتما إن الأكل الذي يقدمه جيد؟”

– “نعم، جربناه بالأمس وكان ممتازاً.”

– “على بركة الله إذاً، لا داعي للتردد.”

وانطلقت السيارة تنهب الطريق المظلم نهباً، وما هي إلا دقائق حتى كان عاصم يركنها بمحاذاة الرصيف في نفس موضع الأمس، ونزلنا…

نفس مشهد البارحة تقريباً، إذا استثنينا عربةً جديدةً من تلك التي أسميها (عربات الموت)، والتي نشاهد الكثير منها في طنجة قرب (مقهى عبد الرحمن) وفي بعض الأحياء الشعبية.

إنها واحدةٌ من عربات الأكلات السريعة القاتلة التي تغلِّفها دائماً سحابة دخانٍ في غاية الكثافة، ويقف عندها شابٌّ عصبيٌّ نحيلٌ رثُّ الثياب وذو لحيةٍ كثةٍ طويلة، وتراه ينشُّ على اللحم المشوي والكباب الذي يحشوه لك في قطعة خبزٍ ويبيعك إياه بأثمان بخسةٍ جداً، بخسةٍ لدرجة أنك تتساءل من أين يأتي بكل تلك القطط والكلاب والحمير التي يذبحها ويطعمها للرِّعاع الذين يأكلون عنده!

تجاهلنا العربة تماماً وكأننا لم نرها، وعبرنا الشارع الفارغ تقريباً، والذي لاحت في الجانب الآخر منه تلك اللافتة المضيئة بألوان العلم الإيطالي: LUIGINO.

الأضواء الهادئة التي تريح النفس، والموسيقى المنسابة التي تنعزف على أوتار الروح… مشهد الأمس يتكرر اليوم من جديد، مع شخصٍ إضافيٍّ هو وحش المحاكم عبد الجليل.

ظل عبد الجليل يحملق بعينيه في جدران المطعم وزواياه، وقد بدت على ملامحه أمارات الرضا والاقتناع، وهو ما أفعمنا بالفخر والاعتزاز لأننا جئنا به إلى مكانٍ نال إعجابه (وليس من السهل أبداً أن يعجب شيءٌ عبدَ الجليل)! وبصوته المجلجل المتهدِّج تدحرجت هذه الكلمات على لسانه:

– “جيد… جيد… صاحب هذا المطعم رجلٌ ذو ذوقٍ رفيع، لقد عرف كيف يزيِّن مطعمه للناظرين وهذه قاعدةٌ مهمةٌ في التسويق: (زوَّق تبيع).”

وافقنا على كلامه، وجاء أخيراً نادل الأمس الذي استقدموه من إحدى قصص الأطفال، وقد تذكَّرَنا بعد إذ رآنا فشاعت في وجهه ابتسامةٌ عذبةٌ مليئةٌ بالثقة والخيلاء والاغترار، وخُيِّل إلي أن ابتسامته المعلَّبة تلك تخفي وراءها العبارة التالية:

– “عدتما أيها المغفَّلان؟ أرأيتما؟ رغم أن بضاعتنا باهظة الثمن إلا أنها ذات جودةٍ أجبرتكما على العودة إلينا في اليوم التالي.”

فابتسمتُ في وجهه ابتسامةً عريضةً تمنيتُ أن يقرأ وراءها العبارة التالية:

– “نعم أيها الوغد، طعامكم اللعين لذيذٌ جداً وها نحن نعود إليك مع ضحيةٍ جديدة، هل أرضاك هذا الآن؟”

– “آش حبّْ الخاطر نعام آ سيدي؟”

ولم نطلب أنا وعاصم إلا ما طلبناه في الأمس، وأما عبد الجليل فقد أبى إلا أن يجعل أمسيتنا جحيماً بتنقيبه المتوحِّش في القائمة وفي تفاصيل كل طعامٍ معروض… لقد تناول كتاب القائمة وشرع يتفحَّصه من وراء نظارته ببطءٍ شديدٍ إلى درجةٍ لا تطاق، وقد ظهرت عليه – ويا للكارثة – علامات الصدمة من الأرقام المرتفعة لأسعار المأكولات.

– “هذه البيتزا هنا… ما مكوِّناتها؟”

– “إنها يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

– “هذا فقط وبهذا السعر المرتفع؟ وهذه هنا، ممَّ تتكون؟”

– “إنها يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

– “لا، هذا كثير… هذا كثير… وماذا عن هذه؟ ماذا تضعون فيها؟”

– “هذه يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

ونظرتُ إلى عاصم خفيةً مع ابتسامة تقول:

– “ما شأن هذا؟”

فأجابني بغمزةٍ ساخرةٍ تقول:

– “شيخٌ كبير، اصبر عليه ولك الأجر!”

وأما النادل المسكين فقد صار في حالةٍ مأساويةٍ تثير شفقة العدو! اختفت ابتسامته المغرورة وتقوَّس ظهره، وتجمَّعت حبَّات العرق على جبينه، وكان قد بلغ أقصى درجات الحرج والسأم من هذا العجوز الذي يستنطقه استنطاقاً نازياً، والمشكلة أنه بدأ الآن بتصعيد اللهجة بما لا يبشر بخيرٍ أبداً.

– “ما هذا؟! ما هذا؟! ما هذه الكارثة عندكم هنا في هذا المطعم؟! كل شيءٍ عندكم هنا باهظ الثمن بشكلٍ غير معقول! بشكلٍ لا يطاق! وماذا عساكم تتفوَّقون به على غيركم من المطاعم؟! أين مديركم؟ أين صاحب هذا المطعم؟ خذني إليه لأتكلم معه! خذني إليه الآن فوراً هيا!”

– “سيدي ولكن…”

يا للمشكلة… يبدو أن عبد الجليل هذا مصرٌّ على ألا تمرَّ الليلة بخير، لقد بدأ يصرخ حقاً ويرتفع صوته، ولأننا نحن من جئنا به إلى هنا فإن اللوم كله واقعٌ علينا، ومعناه أن ليلةً سوداء تنتظرنا نسأل الله السلامة والعافية!

– “لا بأس… لا بأس… لا تحضر لي أية بيتزا.”

ثم سحب سبابته إلى أرخص سعرٍ عندهم في القائمة وهو (45 درهم)، وكان مخصصاً لشيءٍ اسمه (سلطة الخضروات المشوية salade de légumes grillés)، فقال عبد الجليل وهو يسدِّد نظراتٍ ناريةً للنادل كادت تحوِّله إلى حلزون:

– “أحضر لي سلطة الخضروات المشوية هذه أو لا أدري ماذا، هيا! بسرعة!”

وتوارى النادل المسكين مهرولاً وقد تخلَّى عن كل أرستوقراطيته ووقاره، كان غير مصدِّقٍ بأنه نجا أخيراً من هذه الكارثة الآدمية التي نزلنا بها عليه.

وبعد لحظاتٍ كنا نحاول فيها – دون جدوى – أن نلطِّف الأجواء ونغير الموضوع جاء النادل المسكين حاملاً معه الأطباق العجيبة، فأما طبقا البيتزا فكانا على ما يرام مثل الأمس، وأما طبق (سلطة الخضروات المشوية)… فهنا كانت الكارثة!

وضع النادل الأطباق وانصرف هارباً، وكلمة (هارباً) هنا مقصودةٌ بمعناها الحرفي فعلاً!

صببتُ لنفسي كوباً من المشروب الغازي وشرعتُ ألتهم البيتزا بتلذُّذ، وهو نفس ما كان يفعله عاصم، وأما عبد الجليل فكان يقلِّب كفيه عجباً وهو يزمُّ شفتيه:

– “ما هذا؟! ما هذا؟!”

ثم التفت إلى النادل ولوح له بحدةٍ آمراً إياه بالمجيء بسرعة، عندها عرفنا أن مصيبةً ما ستحصل دون شك، وشعرنا أنا وعاصم بدوار الخجل الشديد والحرج الذي يجعلك راغباً حقاً في أن تنشقَّ الأرض وتبلعك… وجمنا وتقلَّصت ملامحنا وغرسنا أعيننا في طبقينا كي لا تلتقي مع عيون النادل الذي تسبَّبنا له في ليلةٍ سوداء سيذكرها طوال حياته.

وبعنفٍ شديدٍ علا صوت عبد الجليل وهو يضرب أحياناً بقبضته على المائدة مما خلخل أحشاء النادل وزعزع كيانه:

– “هذه السلطة التي جئتَ لي بها، لم تعجبني! إنكم تكذبون هنا على الناس! أنتم تزعمون أنها (سلطة خضرواتٍ مشوية)، فأين هي الخضروات هنا؟! هل ترى هنا خضروات؟! هاه؟! أجب! لا أرى هنا سوى الخس! أقول لك أن تحضر لي خضرواتٍ مشويةً فتحضر لي خساً؟! هل حسبتني ماعزاً؟! هاه؟! (واش حنا المعاز)؟! ما هذا النصب والاحتيال؟! وتبيعني طبق الخسِّ التافه هذا بخمسين درهماً؟! أين مديرك؟! أين هو؟! قلت لك خذني إليه فوراً!”

شعرتُ بدماء الخجل والحرج والحياء تتدفَّق إلى وجهي وتفعم خديَّ، وألقيتُ نظرةً متسللةً إلى وجه عاصمٍ فوجدته قد احمرَّ خجلاً هو الآخر، وكان منكِّساً رأسه ينظر إلى أسفل متظاهراً بأن الأمر لا يعنيه، ثم ألقيتُ نظرةَ على طبق عبد الجليل فكتمتُ ضحكتي!

الرجل معه حقٌّ في احتجاجه! الطبق صغيرٌ جداً ومخيِّبٌ للآمال حقاً، ولم يكن فيه سوى طبقاتٌ كثيفةٌ من الخسِّ يعلو بعضها بعضاً، وفوقها تناثرت قطعٌ ذابلةٌ من الجزر والخيار مع بعض الزيتون، وقد فُرشت على الخسِّ بطريقةٍ فنيةٍ مضحكةٍ قطعٌ مشويةٌ صغيرةٌ وقليلةٌ من الكوسا والباذنجان… فقط!

نطق النادل أخيراً بصوت يرتعش ارتعاشاً تداخلت له حروفه:

– “سـ.. سيدي… نحن آسـ.. آسفون… هذا هو الطبق كما هو موصوفٌ في القائمة سيدي، وأنا… وأنا رهن خدمتك سيدي… هل تريد؟ هل تريد أن أشوي لك هذه الخضروات أكثر يا سيدي؟”

وكان عاصم أيضاً يكتم ضحكته، وأما عبد الجليل فقد صوَّب نحوه نظرته النارية تلك من فوق إطار النظارة، وظلَّ يرمقه صامتاً للحظة، فبدا وكأنه يفكِّر في الجواب الملائم على سؤاله الغبي إلى درجةٍ مرعبة…

وكانت المفاجأة أنه لم يجب بشيء، وأعتقد أن غباء السؤال والحالة الكارثية التي وصل إليها النادل جعلاه ييأس منه ويقرر تركه وشأنه، ليست هناك فائدةٌ من الإجهاز على فريسةٍ ميتةٍ على كل حال.

– “لا بأس… لا بأس… لا أريد شيئاً… أرجو المعذرة… شكراً.”

وفرَّ النادل من جديدٍ إلى داخل المطعم دون كلمة، وتنفسنا الصعداء قليلاً…

ذاق عبد الجليل أول قطعة كوسا في طبقه، فمجَّها وابتلعها بصعوبةٍ وهو يسبُّ ويلعن، ثم ظلَّ يقلِّب طبقات الخسِّ بشوكته وكأنه يبحث فيها عن كنزٍ ما، فزمَّ شفتيه وحرَّك رأسه متحسراً دون أن يكلمنا، وألقى نظرةً شاردةً إلى الخارج، فوقع بصره على عربة الموت تلك التي رأيناها عندما وصلنا، وكان صاحبها ذو اللحية الطويلة ما زال ينشُّ على الكباب المشوي الذي ترتفع فوقه سحابة دخانٍ هائلةٌ تحيط بالعربة وبصاحبها، والتمعت الفكرة في رأس عبد الجليل وبدا أنه اتخذ قراره أخيراً:

– “والله لا أدري ما الذي أعادكما إلى هذه الكارثة! أما أنا فقد اتخذتُ قراري الذي لا رجعة فيه، لن آكل شيئاً عند هؤلاء النصَّابين المجرمين، وسأتعشَّى عند صاحب الكباب ذاك.”

وظننَّا في البداية أنه يمزح، ولم نتأكد من جديته إلا وهو يستعجلنا لإنهاء طبقينا، والتقت عيناي المندهشتان بعيني عاصمٍ الأكثر اندهاشاً: أحقاً سيفعلها؟

أكملنا طبق البيتزا دون أن نحسَّ لها بطعم، وقمتُ إلى الصندوق لأدفع ثمن ما أكلناه بحرجٍ بالغ وخجل جعلني أتحاشى ما أمكن النظر في وجه النادل المسكين والتقاء عينيَّ بعينيه، وخرجنا مسرعين من مطعم Luigino، وتبعنا عبد الجليل الذي كان يقطع الشارع نحو عربة الكباب القاتلة.

وخَفَتَ صوت الموسيقى العذبة، تناقص صدى الإيقاع حتى تلاشى…

وكنا على موعدٍ مع إحراجٍ آخر، إن عربة الكباب تقع مقابلةً تماماً لباب المطعم، بمعنى أن المهزلة التي ستحصل بعد لحظاتٍ ستكون على مرأىً من نادل المطعم وعماله وزبنائه…

عبدَ الجليل… سحقاً لك!

– “كباب لو سمحت… بكم؟”

– “عشرة دراهم.”

– “أرأيتما؟ أيهما أفضل الآن؟ لحمٌ بعشرة دراهم أم طبق خسٍّ بخمسين درهماً؟ والله لو عرفتُ أن الأمر سيكون كذلك لقصدتُ منذ البداية هذا الرجل الطيب، أكلٌ نظيفٌ وصحيٌّ ولذيذ، وبثمنٍ مناسبٍ جداً فوق كل ذلك! تعلَّموا أيها الشباب تعلَّموا… ما زالت خبرتكم في الحياة منعدمةً تماماً وما زلتم تنبهرون بالأضواء اللامعة والزخارف التافهة، لا يصحُّ في النهاية إلا الصحيح، تعلَّموا مني هذا، تعلَّموا!”

ثم تناول سندويش الكباب ورفعه إلى فمه وقضم منه قضمةً محترمة… ألحم قططٍ هو؟ أم لحم كلاب؟ أم لعله لحم حمير؟ لا أدري… ربما لن تخرج الحقيقة عن أحد هذه الاحتمالات الثلاثة على كل حال، لكن عبد الجليل لا يبالي، وها نحن نراه واقفاً بجانب العربة وقد غمره دخانها الكثيف حتى كاد يختفي فيه، وكان يقضم ويمضغ كبابه بتلذُّذٍ ونشوةٍ واقتناعٍ تام.

سينفد صبري قريباً، وكذلك عاصم على ما يبدو لي… كنا واجمين غاضبين منزعجين إلى أقصى حدود الوجوم والغضب والانزعاج، وقد ابتعدنا عن الرجل قليلاً كي ندعه يلتهم كباب الحمير وحده دون إزعاج.

– “لم أستطع أن أنظر في وجه النادل أو أن تلتقي عيناي بعينيه، والله لو انشقَّت الأرض وابتلعتني لكان ذلك أرحم بي من هذه المهزلة!”

– “الخطأ خطؤنا… والله خطؤنا! ما كان علينا أن نُحضر ذلك (الجلاخة) إلى هذا المكان، الانتحارات الشبابية لا يفهمها إلا الشباب فقط، بعض الشباب فقط، وأما هؤلاء الكهول والعجائز فالواحد منهم ينطوي على الملايين لكنه في الطعام يتصرف كطالبٍ متغرِّبٍ لا تتعدَّى ميزانيته خمسين درهماً في الشهر… تباً لهذه العقليات القديمة المتحجِّرة وسحقاً لها!”

– “أياً يكن، أحمد الله أن هذه الليلة هي الأخيرة لي معكما هنا، وغداً إن شاء الله أطير عائداً إلى طنجة وأتركك مع صاحبك… يجب أن تصبر يا صاحبي! أسبوعان فقط وينتهي كل شيء!”

نعم يا عاصم، يحقُّ لك أن تسخر… غداً صباحاً ستمتطي سيارتك وتنطلق إلى طنجة لتتركني وحيداً مع هذا الوحش القانوني وآكل القطط المرعب، والمشكلة أن مزاجي الآن قد صار في أدنى حضيضٍ يمكن أن يصل إليه، ومع ذلك ما زالت تنتظرنا ليلةٌ كاملةٌ من اللوم والتقريع والدروس المبتذلة في حكمة الحياة وأساليب الإنفاق…

أطلَّ النادل – الذي كان وسيماً – برأسه من الباب وبدت لي قامته وهو يقف مشرئباً بعنقه وموجِّهاً إلينا نظرةً ثابتةً لا تدل على شيء، ثم عاد إلى الداخل وتوارى من جديد… الحق أن مشهدنا كان مخزياً للغاية، ويبدو أن عبد الجليل لن ينتهي من كباب القطط ذاك قريباً…

كنت قد تذمرتُ في ليلتي الأولى من الوحدة القاتلة التي خنقت أنفاسي، وأخشى أن رفقة هذا الكهل ستجعلني أتمنى عودة تلك الوحدة بكل مساوئها وسلبياتها التي بدأتُ أراها جميلة جداً ويا للأسف!

أين أنتم أيها السادة القضاة والأساتذة المحامون؟ أين أنتم يا وكلاء الملك ويا أيها المستشارون؟ تعالوا لتنظروا إلى عبد الجليل وهو يأكل الكباب من عربةٍ على الرصيف!

يا للسخرية…

وظننَّا أنه انتهى أخيراً، مسح يديه وشفتيه ونادى علينا، دنونا منه ونحن نلملم أجسادنا وملامح وجوهنا مستعدِّين للانصراف، لكنه فاجأنا بقوله وهو ينظر إلينا بعينين صافيتين بريئتين:

– “والله إنه لذيذ! خذا واحداً أنتما أيضاً.”

لم يكن منتبهاً حتى لمخايل الوجوم والملل التي كانت منطبعةً على ملامحنا بوضوحٍ هو الشمس نفسها في رائعة النهار!

– “لا داعي، شكراً… أكلنا البيتزا وشبعنا.”

– “هذا شأنكما! ولقد ضيَّعتما الكثير حقاً… الكثير من المال، والكثير من هذا الكباب اللذيذ! واحداً آخر يا زعيم!”

وخارت قوانا من جديد… وأخذ عبد الجليل سندويش كبابٍ جديداً، وجعل يلوكه بتلذُّذ من لا يريد أن يشبع منه، وكان مغموراً تماماً بدخان العربة الذي يزكم الأنفاس، بينما بائع الكباب الملتحي يمارس مهمته الأبدية في النشِّ على النقانق واللحم والكفتة، ووضع شرائح جديدةٍ منها فوق مقلاته الدسمة التي تنتج المزيد والمزيد بلا توقف، من سحائب الدخان الأبيض الكثيف…

أنس سعيد محمد
بيتزا، كباب، سندويش!

(( يـــُـــتـبـع >> ))

بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الأول: بيتزا ~

02/08/2015 عند 20:15 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

pizza kabab sandwish 01

.

(1) – بيتزا ~

الخامس من مارس، عام 2012.

سيُقضى علي اختناقاً ومللاً لو أمضيت الليلة وحدي في هذه الشقة، خاصة وأن المصباح المعطَّل المشنوق في وسط السقف سيجبرني على الغرق في بئرٍ من العتمة لا قعر له.
سأركِّب مصباحاً جديداً مساء الغد لكن… أسبوعان على هذا النحو؟ يا للكارثة!

إنها ليلتي الأولى هنا وهي تجثم على صدري كصخرة تزن أطناناً، حتى لو جاء عاصم في الغد فإنه لن يمضي معي أكثر من يومين أو ثلاثة أيام ثم يعود إلى طنجة، وعندها سيكون علي أن أرتمي من جديدٍ في أحضان الوحدة المطلقة في مدينة لا يعرفني فيها بشرٌ ولا شجرٌ ولا حجر.

الله المستعان على ذلك… ولعل خير ما أفعله الآن هو أن أخرج لأتمشى قليلاً في الشارع، عسى أن أكسر هذا الملل القاتل الذي تواطأ مع الزكام على تطويق حنجرتي…

المحمديةٌ مدينةٌ جميلة، وكانت لتكون أجمل لولا تلوث الجو بسبب بعض المصانع العملاقة، كما أني لم أطمئن قطُّ لنظرات المارة المستفزة ولتلك الأزقة الفارغة التي يزيدها الظلام رهبةً وتوجساً.

غير أني لم أندم على أن أخذت مفتاح الشقة الفارغة من أحمد، إن المحمدية هي الرئة التي تتنفس منها مدينة الدار البيضاء العامرة، وخيرٌ لمن سيمضى دورته التكوينية في (عين السبع) أن يقيم في المحمدية على أن يمضي لياليه في الدار البيضاء.

فقط أولئك الذين اصطلوا بجحيم أزمات المرور الخانقة تحت الشمس الحارقة وانقطاع الطرق بسبب الأشغال بين (عين السبع) والدار البيضاء المدينة، يدركون جيداً أن المحمدية هي أقرب إلى (عين السبع) من الدار البيضاء وأكثر رفقاً بالأعصاب وبمحرك السيارة!

ظلامٌ دامسٌ هو، ولا أحد في الشارع غيري، ولا يمزق رداءَ الصمت إلا صافرةُ القطار وجرسه الذي يدق بين الفينة والأخرى، لحسن الحظ أن الشقة على بعد خطواتٍ من محطة القطار، يؤنسني كثيراً صوت الصافرة التي تذكِّرني بأن كل زمنٍ يمضي عليَّ هنا يقربني أكثر لرحلة العودة إلى طنجة الحبيبة…

عقدتُ العزم على الذهاب إلى الفضاء الواسع المسمى عندهم بالـ Park، حيث تقوم كنيسةٌ تمتدُّ أمامها حديقةٌ واسعةٌ أنيقة، وعلى أطراف الحديقة سلسلة مقاهٍ متلاصقةٌ ممتازة، وما زال مقهى (فضاء الأفكار Espaces idées) الذي يتوسط سلسلة مقاهي الـ park هو محطتنا الدائمة لتناول وجبة الفطور في كل رحلة عملٍ نقوم بها إلى الدار البيضاء.

الوجهة هي الـ park إذاً، لكن أهذا كان طريقه؟ لا أذكر بالضبط!

سأواصل المشي على كل حالٍ حتى أجد أحداً أسأله.

مللٌ في الشارع أيضاً، وجوعٌ تذكَّر الآن أن يقرص معدتي بعنف… الوحدة المطلقة مزعجةٌ جداً في مدينةٍ لا يعرفك فيها أحدٌ ولا تعرف فيها أحداً، غمرني شعورٌ عارمٌ بالرغبة في صحبةٍ آدميةٍ كيفما كان نوعها، وكنت أنتظر بشغفٍ هادرٍ اتصالاً هاتفياً يؤكد لي فيه عاصم حضوره في الغد، والحق أني كنت في حالةٍ لو لقيت فيها أعدى أعدائي في طنجة لارتميتُ عليه معانقاً، ولأقمتُ معه صداقةً حميمةً لا تشوبها شائبةٌ من الخصومة أو سوء التفاهم.

مزيدٌ من المشي الهائم، مزيدٌ من الشرود الفلسفي الذي تفسده عليَّ قرصة الجوع…

العاشرة والنصف ليلاً…

لاح لي من بعيدٍ شبحٌ آدميٌّ قادم، تبينتُ فيه بعد أن اقترب شكل فتاةٍ ترتدي جلباباً وقد تركت شعرها الطليق ينسدل على كتفيها، تقترب وأقترب، وعندما تقاطعنا عند مفترق الطرق بادرتها بالسؤال قائلاً:

– “أختي… لو سمحت…”

فانتفضت مذعورة ووثبت خطوةً إلى الوراء، وحدجتني بنظرةٍ ناريةٍ قاتلةٍ وقد بدت في وضعٍ متأهبٍ للضرب والقتال والصراخ! نعم… حُقَّ لها أن تخاف في مثل هذا الوقت من الليل، وانتبهتُ إلى أني بالفعل أبدو مريعاً في مثل تلك الهيئة الصفيقة؛ ملابس سوداء بالكامل من طوق العنق إلى الحذاء، وسترةٌ جلديةٌ تجعلني أبدو فظاً، شعرٌ أشعث وعينان منهكتان وسط هالاتٍ سوداء أشعر بها ولا أراها، شفتان مشمئزتان، ووعثاء سفرٍ باديةٌ لا تخطئها العين، ما الذي ينقصني إذاً كي أبدو بلطجياً؟!

– “لو سمحت… من أين الطريق إلى الـ park؟”

قلَّبت عينيها الواسعتين فيَّ لحظةً وبدا عليها بعض الاطمئنان، أشارت بأصبعها السبابة إلى نفس الشارع الذي كنت أمضي فيه وقالت:

– “من هنا… وعند المدار خذ الشارع الثاني جهة اليمين.”

– “كم من الوقت؟”

– “اممم… عشرون دقيقةٍ ربما، نصف ساعةٍ على الأكثر.”

قالتها وتوارت مواصلةً مشيها وهي تسرع الخطى لتتوارى في الظلام من جديد…
– “شكراً…”

نصف ساعة؟ والساعة الآن العاشرة والنصف، لو ذهبتُ فلن أعود إلا بعد منتصف الليل وهذا شيءٌ لا أريده في مدينةٍ مرعبةٍ كهذه. الأفضل لي أن أظلَّ في الجوار وأن أبحث عن مطعمٍ أتناول فيه عشائي، إن قرصة الجوع تزداد ضراوةً فإني لم آكل شيئاً منذ غدائي في طنجة.

سأواصل المشي إلى ذلك المفترق وأنعطف يميناً، وهناك أواصل دورتي على الحي السكني حتى أعود إلى الشقة من الجهة الخلفية.

ضوءٌ ينبعث في تلك الزاوية هناك، عند مفترق الطرق، يبدو من بعيدٍ كشمعةٍ عملاقةٍ تمنح تلك الزاوية استثناءً من النور وسط العتمة السائدة. رائحةٌ زكيةٌ تنبعث من مصدر الضوء أنعشت روحي وأعادت إليَّ الحياة من جديد، دنوتُ فإذا بي أمام مطعمٍ صغيرٍ جداً شديد الضيق، لا يتسع لأكثر من مائدةٍ واحدة فقط أو مائدتين! ويبدو أنه متخصصٌ حصرياً في تقديم وجبات (البيتزا). هي السعادة إذاً! هات لي أضخم بيتزا لديك يا سيدي، إن لي في الطعام لمشغلةً عن هذا الملل القاتل الذي يعتصر ليلتي ومزاجي وروحي، وسيكون عليَّ أن أتحمله مدة أسبوعين من الآن.

وجلستُ أفتك بالطبق اللذيذ فتكاً، وأراوح بين لقمةٍ وأخرى بجرعةٍ ممتازةٍ من المشروب الغازي، بينما صاحب المحل ذو اللحية الكثيفة الطويلة جالسٌ وراء الصندوق يرمقني بارتيابٍ وتشكُّك…

* * *

السادس من مارس، عام 2012.

جاء الفرج أخيراً!

عاصم هنا معي في مركز التكوين بـ (عين السبع)، الصحبة الآدمية التي افتقدتها ليلة أمس جاءت أخيراً. شابٌّ طيبٌ ومسالمٌ هو، وفي مثل عمري تقريباً، أكبر مني بسنتين للدقة.

أمضيتُ يوماً كاملاً في الضحك والثرثرة وتجاذب أطراف الحديث، وكنت مسروراً منطلقاً أنساب في أودية الهزل وفجاج الطرائف أعوِّض ما خسرته من المزاج في كآبة الليلة الماضية، ولم ينغِّص علي هذه الفرحة إلا أن زيارة عاصمٍ مؤقتةٌ قصيرة، وأنه سيعود لطنجة بعد يومين فقط، ليتركني مجدداً في لجة الوحدة والكآبة التي ستلتهم ما يتبقى من الأسبوعين الثقيلين.

انطلقت بنا سيارته عائدةً إلى المحمدية في طريقٍ سلسٍ متصل، وقريباً من محطة القطار لاحت لنا جهةَ اليسار لافتةُ (أسواق السلام) العملاقة، فانعطف عاصم بسيارته إلى مركز التسوق، وانقضضنا عليه بشهيةٍ شبابيةٍ فتَّاكة.

وفي الشقة أفرغنا الأكياس البلاستيكية العامرة بما لذَّ وطاب من البسكويت والشوكولاتة وعلب الزبادي والعصير، فتحنا أكياس البسكويت وارتفعت أصوات القضم والقرمشة، ثم فتحنا بعض علب العصير وصار لدينا شاربان أبيضان مضحكان. التهمنا بعض ما اشتهينا التهامه وأودعنا البقية في الثلاجة بغير ترتيبٍ أو تنسيق، أصلحنا المصباح المعطل، وبعد نصف ساعةٍ تقريباً اكتشفنا أن الشقة صارت في حالةٍ مريعة!

إن عازباً واحداً فقط يكفي لتحويل شقةٍ إلى مقلب قمامةٍ خلال يومين لا أكثر، أما وقد كان الأمر يتعلق بعازبين جائعين، فقد تحولت الشقة إلى مقلب قمامةٍ في أقل من نصف ساعة.
انفجرت الحقائب وتناثرت الملابس هنا وهناك، أقمصةٌ وكنزاتٌ وستراتٌ وسراويل وجوارب وأحذية، بعضها على الأسرَّة وبعضها ملقىً على الأرض وبعضها يلتصق بالجدار وبعضها معلَّقٌ في السقف! أكياس البسكويت مرميةٌ هنا وهناك مع علب العصير التي بعضها فارغٌ وبعضها مشروب إلى النصف.

أجَّلنا مهمة التنظيف والترتيب إلى وقتٍ لاحق، وكان قد غلب علينا التعب فاستلقينا على أقفيتنا مستسلمين لاسترخاءٍ لذيذ.

– “أنخرج للعشاء؟”

– “أبك جوع؟”

– “نعم وأنت؟”

– “وتسأل؟ هيا لنقصف!”

– “(ساحوقة) كعادتك!”

– “منكم نتعلم!”

– “أتعرف مكاناً؟”

– “لقد دلَّني أحمد على واحدٍ قال بأنه جيد، شواء! مجموعة مطاعم شواءٍ متلاصقةٌ إلى جانب كل واحدٍ منها جزَّارٌ تشتري منه لحماً تشويه، قال إن ذلك في منطقةٍ عندهم هنا اسمها (العالية).”

– “عظيم… لكن أين هذه (العالية)؟ تعرفها؟”

– “قد أعطاني أحمد نعتها، وإن ضعنا نسأل، (اللي بلسانه ما يتلف)!”

– “على بركة الله!”

وانطلقت السيارة تنهب الطريق نهباً، يسرع بها جوعنا الشديد وشهيتنا النهمة لازدراد ما لذَّ وطاب من الأطعمة والأشربة، وألفينا أنفسنا وقد قطعنا شوطاً طويلاً في طريقٍ مظلمٍ تماماً يُفترض أنه يؤدي إلى منطقة (العالية) هذه، إلا أن أثراً للحياة لم يكن هنالك.

– “أأنت متأكدٌ من المكان؟”

– “أظن ذلك، أو لعله كان علي أن آخذ ذلك المنعطف.”

– “المشكلة أنه لا أثر للحياة هنا أصلاً، فضلاً عن مطاعم وشواء!”

وانعطفت السيارة باحثةً عن بصيص نورٍ لكن دون جدوى، واكتشفنا بجزعٍ أننا أوغلنا في منطقةٍ نائيةٍ تكاد تكون غير مأهولة…

– “ما رأيك أن نعود؟”

– “انظر… انظر هناك.”

– “أين؟”

– “هناك…”

وكان هناك بصيص نورٍ بعيد، جوهرةٌ لامعةٌ تتوهَّج وسط رقعةٍ سوداء تماماً، حتى مصابيح الإنارة العمومية كانت عاطلةً عن الإضاءة في تلك الليلة.

– “أهو مطعم؟”

– “أظن ذلك… لندْنُ منه.”

ودنت السيارة من بقعة الضوء، وإذا به مطعمٌ لا يدهشك فيه شيءٌ أكثر من عدم التجانس بينه وبين المحيط الذي يقوم فيه. مطعمٌ فاخرٌ لامعٌ متوهِّج، يتوسَّط شارعاً لا تكاد تتبين فيه غير الظلام والخرائب والمساحات الفارغة المرعبة.

اسم المطعم LUIGINO، مطعمٌ إيطاليٌّ أو يحاول ادِّعاء ذلك، لافتته الضخمة الأنيقة مضيئةٌ بألوان العلم الإيطالي؛ الأخضر والأحمر والأبيض.

– “أهو Luigi؟”

– “لا… لعله محاولة تقليدٍ له، اسمه Luigino وليس Luigi.”

– “أنتناول عشاءنا هنا؟”

– “يبدو باهظ الثمن جداً.”

– “وماذا يهمُّ في ذلك؟ وهل ترانا من أولئك الموظفين الكهول الذين يأخذون معهم احتياطي البسكويت عندما يسافرون في مهمات عمل؟”

– “معك حق… نحن نسافر مرةً كل عدة أشهر، فأي ضيرٍ في أن (ننتحر) أحياناً في مطعمٍ كهذا؟”

– “ألسنا شباباً؟

– “بلى.”

– “ألسنا عزَّاباً؟”

– “بلى!”

– “سنموت ويبقى المال هنا، سنموت ويرثه غيرنا، لا كان المال إذاً ولا كان من يرثه! والله لنأكلنَّ في هذا المطعم وإن أفلسنا!”

– “يعيش الشباب! يعيش يعيش!”

ركن عاصم السيارة بالقرب من المطعم، واندفعنا نحو مدخله ودماء العزوبة والشباب تغلي فينا غلياناً، وها نحن الآن داخل المطعم وقد أخذنا أماكننا.

مطعمٌ فاخرٌ هو بكل معنى الكلمة، يتهادى سابحاً في أنوار بيضاء ساطعةٍ تتموَّج فيها ألحانٌ موسيقيةٌ شديدة العذوبة، موائد مزينةٌ بالملاءات الملونة وقد وُضعت عليها أكوابٌ زجاجيةٌ مغناجةٌ تلوح منها أمارات البذخ والترف.

استرخينا على مقاعدنا ونحن نجيل أبصارنا في الجدران والزخارف التي زركشها ذوقٌ إيطاليٌّ بديع، إلى أن جاءنا النادل الوسيم إلى درجةٍ مستفزَّة، والأنيق إلى حدٍّ جعله شبيهاً بشخصيات الرسوم المتحركة، ووقف أمامنا في الزاوية التي علَّموه أن يقف فيها عندما كان يدرس في الجامعة العليا لعلوم المطاعم – إن كانت هناك جامعةٌ بهذا الاسم -، بحيث لا يحتاج الزبون إلى أن يلوي عنقه كي ينظر إليه ويخاطبه، فذلك – بحسب متحذلقي علم النفس والعقل الباطن – عاملٌ مقلقٌ لراحة الزبون وسيكون سبباً ينفِّره من المطعم حتى وإن لم يشعر هو نفسه بذلك!

– “مرحبا سيدي.”

قالها وهو يبتسم ابتسامةً صناعيةً ويضع على الطاولة كتابين فخمين نُقش على جلد غلافيهما: “Luigino… القائمة.”

انصرف عائداً من حيث أتى وسط الأنغام الموسيقية العذبة التي تتغلغل أكثر في أرواحنا.

قلَّبنا الأوراق الناعمة للقائمة اللعينة ونحن نحاول أن نضبط ملامحنا على الفخامة والجمود، متظاهرين بعدم الاندهاش من الأسعار الخيالية للمأكولات والمشروبات، وبدوْنا ونحن نتقارب برأسينا ونتهامس مثل مديرين عامين يتدارسان مشروعاً استراتيجياً خطيراً.

– “ننسحب بهدوء؟”

– “تباً لك! وتسمح لك كرامتك؟”

– “جيبي يسمح لي.”

– “لن نجد مكاناً آخر نتعشى فيه، لننتحر اليوم وأمرنا لله.”

– “بيتزا ملكية؟”

– “سعرها مفزع!”

– “لا يضرُّ الشاةَ سلخُها بعد ذبحها، انتحرنا وانتهى الأمر!”

– “سآخذ الملكية وأنت خذ فواكه البحر، لكي يذوق كلانا نوعين مختلفين.”

– “ليكن.”

– “يا رئيس…”

وخفَّ النادل نحونا بخطواته الأرستوقراطية:

– “مرحبا سيدي… آش حبّْ الخاطر نعام آ سيدي؟”

– “بيتزا فواكه البحر وأخرى ملكية لو سمحت.”

– “حالاً سيدي… تشربون شيئاً سيدي؟”

– “فانتا ليمون لو سمحت… وأنت يا عاصم؟”

– “لا… لا داعي للمشروب.”

– “كما تريد سيدي…”

نعم، نسيت… المسكين عاصم يعاني من حالةٍ متقدمةٍ من الاهتمام بصحته والحرص على ما يُدخل إلى جوفه، لحسن الحظ أنه لم يصل إلى درجة الوسواس بعد لكنه قطع مراحل بعيدةً في مستوى (الحرص)، إنه متوقفٌ عن المشروبات الغازية منذ مدةٍ طويلةٍ إلا في بعض المناسبات النادرة، لا شكَّ أنه قرأ مقالةً ما في مجلةٍ أجنبيةٍ جاء فيها أن كمية السكر الموجودة في زجاجة واحدة تكفي لقتل فيلٍ خلال ثلاث ساعاتٍ لو أنه تناولها دفعةً واحدة، ومنذ ذلك الحين أقسم يميناً مغلَّظاً على ألا يقرب المشروبات الغازية أبداً.

لا بد أن هذا هو ما حدث… أنا أعرفه!

– “تفضل سيدي… بالصحة سيدي.”

وحطَّ البدران المكتملان على المائدة، ويا له من قرص بيتزا يشعل الأشجان ويلهب الأحاسيس! ساخنةٌ وشهيةٌ تتناثر فوقها فواكه البحر وقطع الخضار وأشياء لم أتبين ما هي لكني عرفت بعد التهامها أنها لذيذةٌ جداً.

بدايةً عانينا بعض الشيء مع محاولات التقطيع والأكل بالشوكة والسكين، سعياً منا للمحافظة على مشهدٍ حضاريٍّ يليق بكل تلك الزخارف الإيطالية والأضواء المتلألئة المنسابة، والموسيقى التي تُلبسك ثوب السهرة مع ربطة عنق الفراشة! ثم لم نلبث أن ضجرنا من كل ذلك التكلُّف البغيض ووضعنا الأداتين المزعجتين جانباً، وأكملنا العملية بأيدينا مثل أي فلَّاحين قدِما لتوِّهما من بادية (غَوْجن)!

وبكل اقتناعٍ وامتنان، ناولنا موظف الصندوق ثمن الوجبة الهائلة ونحن في غاية السعادة والرضا، مع بقشيشٍ إضافيٍّ محترمٍ للنادل الوسيم ذي الابتسامة المرسومة بعنايةٍ فائقة.

وعندما كانت مصابيح السيارة تبدِّد ما حولها من العتمات المتراكمة لترسم لنا الطريق إلى أسرَّتنا الهانئة، في حين ما زالت آثار الأنغام الموسيقية السحرية تدغدغ أمزجتنا وأرواحنا، كان كلانا قد تجاهل تماماً ورقة المئة درهم التي تبدَّدت – تقريباً – في عشاء ليلةٍ واحدة، وقد أخفى كل واحدٍ منا عن صاحبه رغبته الدفينة في معاودة الزيارة لنفس المطعم دون غيره، في عشاء ليلة الغد…

أنس سعيد محمد
بيتزا، كباب، سندويش!

(( يـــتـبـع >> ))

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.