نصف فارغ .. نصف ممتلئ

10/09/2009 عند 01:09 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

-[ تأملوا هذه الكأس جيداً ، الخط يقسمها إلى نصفين أحدهما ممتلئ ماءً والآخر هواءً ، كثيراً ما يسألون هل الكأس ممتلئة إلى النصف أم أنها فارغة إلى النصف ؟! وكثيراً ما يقولون أن الأفضل هو أن ننظر إلى الجانب المشرق ونقول أن الكأس ممتلئة إلى النصف ، لكن هذا لن يغير أن هناك نصفاً فارغاً ، ولن يغير أن وجود نصف ممتلئ أفضل من أن تكون فارغة تماماً … ]

* * *

نصف فارغ .. ونصف ممتلئ

خرجت إلى الشارع واندسست في الزحام لأقضي بعض شأني ، إلتفتّ يسرة ، فرأيت الأوجه العابسة والأحوال البئيسة ، سمعت صراخ الناس وسبابهم لبعضهم البعض ، ورأيت أكثرهم يملؤون المقاهي ، ويتسكعون في الشوارع دون جدوى ، يعاكسون الفتيات ويغتابون الناس ..

والتفتّ يمنة ، فرأيت أوجهاً وضّاءة تشع ابتساماً ، أحوالاً مفرحة ، وسمعت تلاطف الناس وتسامحهم مع بعضهم البعض ، أذن المؤذن فرأيت جموعهم تتجه صوب المسجد ، وألسنتهم تلهج بالذكر والحمد …

* * *

نصف فارغ .. ونصف ممتلئ

حملت محفظتي واتّجهت صوب الجامعة ، إلتفتّ يسرة ، رأيت شباباً تافهاً لا اهتمام له سوى سفاسف الأمور ، شباباً مائعاً لم يترك من خوارم المروءة شيئاً إلا ارتكبه ، شباباً لا يعير للعلم والتحصيل وزناً ، لا هم له ولا همة ، سوى تحقيق ذات وتحصيل لذّات لازالت تشق طريقها نحو الحضيض ..

والتفتّ يمنة ، فرأيت شباباً طاهراً يشع نور الإيمان من وجهه ، شامخ في اهتمامه محصّل لعزائم الرجولة والنضج ، متحلّ بمكارم الأخلاق وطموحاته تناطح السحاب ، همه التحصيل وهمته أن يكون فرداً صالحاً في مجتمع إسلامي منشود تتظافر الجهود لتحقيقه …

* * *

نصف فارغ .. ونصف ممتلئ

دخلت المسجد وصليت ركعتين ، سلّمت عن يميني فرأيت المسجد عامراً ممتلئاً ، بشباب ورجال تشرّب قلبهم بالإيمان فحرك خطاهم إلى المسجد ويمّم وجوههم شطر المسجد الحرام ، إذا صلوا أتقنوا وإذا تكلموا أحسنوا ، وإذا اختلفوا تجاهلوا واحترموا ، وإذا جلسوا رعوا للمسجد حرمته ..

وسلّمت عن شمالي ، فرأيت المسجد فارغاً إلا من بضع شيوخ ، لا يعرفون عن الدين سوى ما سمعوه عن آبائهم الأولين ، وإذا نُصحوا عبسوا وشتموا وطردوا ، إذا صلوا ابتدعوا وإذا تكلموا تشاجروا ، وإذا خاصموا فجروا ، ولو رأيت أحوالهم ما وجدت فيها أثراً من سنة أو هدياً من قرآن ..

* * *

نصف فارغ .. ونصف ممتلئ

ذهبت إلى السوق .. وانغمست في ضوضائه ، إلتفتّ يسرة ، فرأيت عَلَماً نصبه الشيطان ، رأيت الغلاء والاحتكار ، والنشل والاحتيال ، رأيت باعة جفاة ليس فيهم ذرة من حسن خُلق ، يغالون في الأسعار ويطففون في الميزان ويحتكرون السلع ويقدرونها أكبر من قدرها ، يخدعون ويغشون ، ورأيت نشالين هنا وهناك يدسون أيدٍ لا وزن لها ولا سمك في جيوب المشترين …

والتفتّ يمنة ، فرأيت وجوهاً باسمة وتجاراً يخشون الله في معاملاتهم ، سماحةً في البيع وسماحةً في الشراء ، إذا ثمّنوا لم يغالوا وإذا وزنوا أقسطوا ، وإن كان في السلعة عيب أخبروا به المشتري ، يتحرون بذلك لقمة حلالاً يطعمونها أطفالهم ، ورأيت صالحين كلما مروا بفقير أودعوا في يده صدقة يبتغون بها وجه الله …

* * *

نصف فارغ .. ونصف ممتلئ

دخلت إدارة ما ، ووقفت في الطابور أنتظر دوري ، إلتفتّ يسرة ، فوجدت موظفاً عبوس الوجه مهملاً لمظهره لا يحترم غيره ، يأتي متأخراً ويمشي متكبراً وكأن مصائر الناس كلها بيده ، فإذا جلس مكانه ظلم واعتدى ، رشى وارتشى ، وقدّم أصحابه على من لا يعرفهم ، ثم يجلس في آخر النهار يتفقد حصيلة ما اختلسه من مال ليس بماله ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ، إن غاب فرح زملاؤه بغيابه وإذا تقاعد أو مات ، أراح ولم يسترح ..

والتفت يمنة ، فرأيت موظفاً بشوش الوجه دائم التبسم ، حسن السمت والمظهر ، يأتي في موعده ويهتم لأمور الناس ويسمع مشاكلهم ويساعدهم على حلها ، لا يقبل رشوة ولا يحتمل أن يدخل جيبه درهم حرام ، ولا يقدّم قريباً على بعيد ولا معرفة على نكرة ، فإن قدّم قدّم العجوز وذا الحاجة على رضىً من الآخرين ، إذا حدث صدق وإذا وعد أوفى وإذا ائتمن أدى ، إن غاب فقده الجميع وإذا مرض عادوه ، وإذا قدِم فرح الجميع بقدومه لأنهم يحبونه …

* * *

نصف فارغ .. ونصف ممتلئ

عدت إلى البيت ، ودخلت إلى شبكة المعلومات ، أبحرت فيها نصف ساعة فأحزنني ما رأيت ، من مواقع مخلة ومنتديات تافهة ، وشباب لا هم لهم سوى تضييع الوقت بما لا يفيد ، ومواقع محادثات تعج بالذئاب البشرية التي تنشب مخالبها في فتيات ساذجات غافلات ، فضلاً عن العفن الفكري والتيارات الهدامة التي يريدون أن يطفئوا بها نور الله ..

وأبحرت نصف ساعة أخرى ، فأسعدني ما رأيت ، مواقع تنشر المعرفة ومنتديات ترتقي بالحوار الهادف ، وشباب حمل راية الدعوة إلى الله على ضوء من الكتاب والسنة ، فتيات واعيات يحفظن قواعد الإبحار ولا يقعن في محظور من القول أو الفعل ، ومواقع دعوية تسهم في نشر النور لتكوين جيل جديد يستعمل ما جد في عالم المعلومات والتواصل استعمالاً يرقى به لمقام حمل مشعل التقدم المنشود …

* * *

نصف فارغ .. ونصف ممتلئ

-[ تأملت أحوال الناس فوجدتها تنقسم بين خير وشر .. وبياض وسواد .. وتأملت أحوال المتأملين ، فوجدت غالبها تشاؤماً مفرطاً أو تفاؤلاً مبالغاً فيه .. وبرأيي أن نظرتنا إلى العالم يجب أن تكون على قدر من الاعتدال فلا تكون تشاؤماً هادماً ولا تفاؤلاً ساذجاً ، إعلم أنك إن رُزقت حسن النية في قولك وفعلك فإنك على خير عظيم ، وثق بأن الله سيفتح لك من أبواب البصيرة النافذة والفراسة الصائبة ما سيجعلك تحسن قراءة واقعك بسلبياته وإيجابياته ، فتعرف متى تتفاءل ومتى تتشاءم ، ومتى تفرح ومتى تحزن ، فأحوالنا ليست بالمثالية بعد لكنها ليست بذلك السوء الذي يجعلنا نفقد الأمل في كل شيء ..

قد لا يكون الكأس ممتلئاً عن آخره لكنه ليس بالفارغ تماماً ، لنجعل النصف الممتلئ سلوى ، والنصف الفارغ دافعاً نحو الأمام ، وهذا هو معنى وجودنا في هذه الحياة ، وما سنُحاسب عليه غداً يوم القيامة … والله المستعان ^_^ .. ]

وهل سهلٌ .. إضحاكنا ؟!

02/09/2009 عند 18:45 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

[ هي صفعة تتكرر كل يوم على وجه المتفرج المغربي ، توقظه فجأة شارة نهاية ما يسمى ( مسلسلاً كوميدياً ) كان يتابعه منذ لحظات … ]

وككل عام ، مازالت الأسر المغربية تتجمع حول مائدة الإفطار خلال شهر رمضان المبارك ، تبتلع بمرارة غصة ما يعرض أمامها من أشياء أسموها كذباً ( مسلسلات كوميدية مغربية ) ، وأنا أرى أن تلك الأعمال هي ( أشياء مغربية ) فقط فهي لا تستحق أن تكون مسلسلات فضلاً عن أن تكون كوميدية ..

كل عام تتكرر تلك المهازل والسخافات التافهة التي تُصرف في إعدادها الأموال الطائلة لتُفرض عنوة على المشاهد المغربي ، ما يثير غضبي ويجعلني أثور في وجه تلك الأعمال ليس فقط ضعف السيناريو والإخراج والتمثيل ، وليست سطحية المواضيع التي تقدمها لكنه ذلك الاستغباء للمشاهد والاستخفاف بعقله ، بالله عليكم هل يسع مغربياً أن يضحك على مشاهد من مسلسلات مثل ( هدا حالي ) أو ( لاباس والو باس ) الذي أفرط بشكل فظيع في الابتذال وثقل الدم حتى أصبح جديراً أن يصيب كل من يشاهده بالغثيان ، هل سيضحك المغاربة على مواقف سعيد الناصري الذي تتكرر كل عام في كونه ضيفاً ثقيل الدم على أسرة غريبة ، منذ سلسلته ( أنا وخويا ومراتو ) وحتى ( نسيب الحاج عزوز ) ، مروراً بفضلات إعلامية مثل ( الربيب ) و ( العوني ) !

هل سيضحك أحد على محمد الخياري الذي يعجن الكلام عجناً ليخرجه بصورة مشوهة تؤذي الأذن ، وليته كان كلاماً مضحكاً بل هي مجرد مصطلحات لا هدف منها ولا فائدة !

هل سيضحك المغربي بعد يوم شاق من العمل على مسلسل يعطي صورة سيئة عن الأسرة المغربية مثل ( عائلة محترمة جداً ) ؟ قائمة طويلة لا تكاد تنتهي ، مسلسلات تتكرر كل عام ، بل وتُضاف عليها مسلسلات أسوأ منها وقد تمادت في تقديم أسوأ صورة عن عبثية وانحطاط الإعلام المغربي العاري من كل قيمة أو هدف ..

* * *

لن أتحدث عن تكرار المواضيع المطرحة كل عام ، بل لن أتحدث عن المواضيع نفسها وما تزخر به من سطحية وتفاهة وعدم مسؤولية ، لن أتحدث عن السيناريو الذي قد يكون أي شيء عدا أن يكون تمثيلاً لمشهد الأسرة المغربية في حياتها اليومية ، كما لن أتحدث عن عبث الممثلين الذين يلوون أوجههم بشكل مثير للاشمئزاز ويلقون كلمات عابثة لا ترابط بينها ولا هدف ، تتخللها تلك الضحكات الصناعية المستفزة التي تزيد من غضب المتفرج وحسرته على مأساة كوميديا بلد يُعرف أهله بالظرف وخفة الدم ..

لن أتحدث عن كل هذا فقد تحدث عنه كثيرون قبلي ، لكن ما يجب أن نتساءل حوله هو هل القائمون على هذه المخلّفات الإعلامية يدركون حجم المسؤولية المنوطة على عاتقهم ؟ هل يعرفون حقيقة الأسرة المغربية وحياتها اليومية ، هل يعرفون فعلاً ما الذي يضحك المغاربة ؟ أكاد أجزم أن الجواب هو ” لا ” ، مهمة إضحاك المغاربة في التلفاز هي من أصعب المهام التي لا يمكن أن يقوم بها أياً كان ، لا سيما في زمن الكل فيه مشغولون بتحصيل لقمة العيش ولا وقت لديهم يضيعونه أمام مسلسلات تستخف بعقلهم وتجعلهم يظهرون بمظهر الأغبياء التافهين ..

في الماضي عشنا مع مسرحيات ومسلسلات جعلتنا ننفجر ضحكاً ، ولكم أن تذكروا أيام مسرحيات ( حسي مسي ) و ( العقل والسبورة ) و ( الرجل الذي ) ، ومسلسلات مثل ( زايد ناقص ) و ( عائلة السي مربوح ) ، كانت أعمالاً قام بإعدادها ممثلون جاؤوا من عمق الشارع المغربي ، ممثلون منحدرون من أحياء شعبية فقيرة ، ممثلون يعرفون لغة أبناء الشعب فيضحكونهم بها ، ضحكاً من الأعماق ..

كنا نشاهد في الماضي تمثيلاً من أعماق القلب ، من ممثلين يلبسون ثياباً رثة بالية ، ويتكلمون بلغة الواقع المعيش دون تصنع أو تنطع ، في تجسيد حي لهموم ومشاكل الشارع المغربي على حقيقته ..

أما الآن فنجد مسخاً لا يرتقي لكونه مجرد رصد واقعي لمشاهد الحياة اليومية ، فضلاً عن أن يكون عملاً كوميدياً ، ممثلون شباب أغلبهم من أسر غنية ، يلبسون أفخر الثياب ويمثلون في أفخر الشقق ، ويتكلمون تارة بعامية مصطنعة بعيدة عن لغة أبناء الشعب ، وتارة بفرنسية هجينة يدّعون بها أنهم على قدر من التفتح والمدنية !

* * *

إن من المفارقات فعلاً أن يكون هناك تناسب عكسي بين الجهد المبذول في مسلسل كوميدي مغربي وبين قدرته على إضحاك المغاربة ، فكلما كان العمل أكثر بساطة وعفوية في أدواته الإخراجية والتمثيلية  كان أقدر على الإضحاك والعكس صحيح تماماً ، لذا فليس غريباً أن تكون فترة التسعينيات هي أفضل فترة تم فيها إنتاج مسلسلات مغربية كوميدية ودرامية ..

* * *

ربما عشنا بصيص أمل منحه لنا الفنان المبدع حسن الفذ في عمله الناجح ( الشانيلي تيفي ) من تأليفه وإخراج رشيد بوتونس ، والذي أخذ عن جدارة واستحقاق جائزة أفضل عمل كوميدي مغربي لسنة 2006 ، بعد أن أبدع حسن الفذ وزميله طارق البوخاري ونخبة من الممثلين في تقديم مواضيع جديدة ذات حمولة فنية وثقافية فريدة احترمت عقل المشاهد المغربي المثقف ، وارتقت بذائقته إلى ضحك هادف جمع بين الرؤية العميقة للمواضيع المطروحة وتقديمها في قالب فكاهي مناسب ، لكن يبدو أن بصيص الأمل قد اختفى مجدداً ، في غمرة ما يُعرض حالياً من كوارث تعجز عن أن تضحك طفلاً ،

فيا حسرتاه على فن ضائع ، أُسند لغير أهله …

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.