خدعة اللحى الطويلة ~

29/03/2014 عند 17:44 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

li7a

.

في حدثٍ فريدٍ من نوعه، ربما يصل في أهميته الرمزية إلى أن يكون مستحقاً لوصفه بـ (الحدث التاريخي)، وقف الشيخ محمدٌ الفزازي بلحيته الطويلة المشهورة، خطيباً للجمعة أمام ملك المغرب محمدٍ السادس، في مسجد طارق بن زياد بمدينة طنجة.

وقد كثرت تعليقات المعلقين حول هذا الحدث الفريد، والذي لم يكن أحدٌ ليتوقع حصوله قبل خروج الشيخ الفزازي من سجن طنجة، بعد أن أمضى فيه ثماني سنوات تقريباً على خلفية أحداث التفجير الإرهابي التي وقعت في مدينة الدار البيضاء عام 2003.

وكان الشيخ محمدٌ الفزازي قد سُجن متهماً بتنظيره لما يسمى بـ (السلفية الجهادية)، وهي الحركة التي نُسبت إليها تفجيرات الدار البيضاء الإرهابية، وقد كان الناس قديماً يعرفون الشيخ المتميز بلحيته الطويلة جداً، والتي دخل بها إلى السجن وكانت سوداء فاحمة، ثم أُطلق سراحه بعفوٍ ملكيٍّ وقد تحول لونها إلى الرمادي بعد أن تغلغل فيها الشيب.

ومعروفٌ أن الشيخ قد خرج من السجن إنساناً آخر غير ذاك الذي دخل إليه، وصار رقماً مهماً أضيف إلى قائمة أصحاب ما يسمى بـ (المراجعات)، والتي تكثر كما هو معلومٌ في أولئك الخارجين من السجن بعد أن دخلوه بتهمة الإرهاب، غير أن الأمر الثابت الذي لم يتغير في الشيخ الفزازي، قبل السجن وبعده؛ هو تلك اللحية الطويلة المميزة، التي حبَّبته في أناسٍ وبغَّضته في آخرين.

فهل اللحية السوداء للفزازي (التكفيري) سابقاً، تلك الطويلة جداً، هي نفسها لحية فزازيِّ اليوم الذي يخطب الجمعة أمام الملك؟ وهي أيضاً طويلة جداً كسابقتها؟!

إن إلقاء نظرةٍ على الرأي العام بخصوص هذا الموضوع، وعلى انفعالات الناس وتعليقاتهم العفوية، بل وعلى عددٍ من المقالات التي تُكتب وتُنشر على شبكة الإنترنت، يشير إلى وجود خلطٍ رهيبٍ في المفاهيم، وخللٍ عظيمٍ في الرؤية، وضحالةٍ شديدةٍ في تصور الخارطة الفكرية الإسلامية، ويتجلى كل هذا في الركون إلى بعض القوالب الفكرية الجاهزة، أو ما يسمى بـ (الأصنام الفكرية)، والتي تربط كل لحيةٍ طويلةٍ بمسمى السلفية، ثم تربط مسمى السلفية بإطلاقٍ إلى التكفير والتفجير، وربما تتوسع مدارك بعض أنصاف المثقفين وأرباعهم من الحزبيين، فيقولون بأن أصحاب اللحى الطويلة هم متطرفون غلاةٌ لا محالة؛ إما تكفيريون تفجيريون، أو عبيدٌ يحملون مباخر السلطان ويسبِّحون بحمده.

ومثل هذه المغالطات، والأصنام الفكرية والقوالب الجامدة، لا نجدها فقط عند عموم الناس من غير المهتمين بالشأن الفكري، بل إننا نجدها، ويا للغرابة، حتى عند بعض أتباع الحركات الإسلامية المختلفة، بل حتى عند بعض أصحاب المناصب المرموقة فيها.

ولقد رأيتُ واحداً من الحركيين الحزبيين، بل من قدمائهم وله في الحركة منصبٌ لا بأس به، رأيته يؤسس أحكامه وتصنيفاته على الإسلاميين بناءً على طول لحاهم! فكل من كان طويل اللحية محلوق الشارب أو مقصوصه، هو عنده (سلفيٌّ وهابي)، وكل سلفيٍّ وهابيٍّ بالنسبة له يعتنق بالضرورة فكر حزب النور المصري، وعلى هذا الأساس يصنف الناس جميعاً من أصحاب اللحى الطويلة، وكلما رأى إنساناً طويل اللحية محلوق الشارب، وإن كان لا يعرفه ولم يره من قبل، نسبه تلقائياً إلى حزب النور، وشتمه بهذه الجريرة شتماً شديداً!

ومن تجليات هذا (البرنامج الدماغي) عند هؤلاء، أنهم وإلى جانب اشمئزازهم غير المبرر، وإصدارهم الأحكام التعسفية السطحية على كل من له لحيةٌ طويلة، فإنهم في المقابل يحسنون الظن بأناسٍ آخرين ويبذلون لهم ألوان الثناء والمديح، بناءً على أشكال لحاهم أيضاً، وأعني هنا من كانت له لحيةٌ قصيرةٌ مقصوصةٌ مشذَّبة، وكان يلبس البدلات العصرية وربطة العنق، وحبذا لو كان يستمع إلى الموسيقى ويباشر مستجدات العصر من الفنون المختلفة، فمن كانت هذه صفاته، يصير عنده إسلامياً متفتحاً، معتدلاً وسطياً، يعتز بدينه وإسلامه دون غلوٍّ ولا تشدد، فلا يحلق لحيته حلقاً تاماً، وهو في نفس الوقت لا يتركها تطول، بل يقصُّها بشكلٍ (وسطيٍّ معتدل)، مبتغياً بذلك سبيلاً بين الانفلات العلماني الحالق للحيته، والتشدد السلفي التارك لها تكبر وتطول.

وتأسيساً على هذه التصورات سالفة الذكر، يقوم البعض بتصنيف الناس في خاناتٍ مختلفةٍ بحسب طول لحاهم، غير أن هذه (القوالب الفكرية) قد عرفت اهتزازاً وارتباكاً شديدين في السنوات الأخيرة، وتحديداً بسبب تداعيات ما يسمى بالربيع العربي، إذ طفت على السطح معايير أخرى لتصنيف المنتسبين إلى الالتزام الإسلامي، هي أكثر نضجاً وأقل سطحيةً من مجرد الاستناد على (طول اللحية)، بل لقد صارت أسئلة (الموقف من الثورة)، وأيضاً (الموقف من الحكام والحكومات القائمة)، أسئلةً محوريةً للتقييم والتصنيف، عليها يُعقد الولاء والبراء، وبناءً على أجوبتها تُمنح ألقاب التعديل أو التجريح، والتشريف أو التخوين.

غير أن هذا الزخم الفكري المتصاعد لم يمنع بقاء صنم (اللحية الطويلة) ماثلاً في أذهان بعض الذين صارت تتقاذفهم الحيرة وتتلاعب بهم الأسئلة الملتبسة، وجميعها تتمحور حول رمزية (اللحية الطويلة) وموقعها من الإعراب، هل اللحية الطويلة تدل على التكفير والتفجير والعنف؟ أم أنها تدل على المسالمة والمداهنة والركوع للسلاطين؟

وما موقع لحية الشيخ الفزازي من الإعراب؟

إن من المفارقات العجيبة أن نجد من يعتقد بأن الشيخ كان دائماً (سلفياً وهابياً)، أعني قبل دخوله إلى السجن، وربما كانت (لحيته الطويلة) هي السبب الذي ألصق به هذا التصنيف في أذهان البعض، لكن ما غفل عنه أولئك الذين وقعوا في هذه المغالطة الكبيرة الفادحة؛ هو أن الشيخ قبل سجنه كان على النقيض تماماً من التوجه السلفي المنسوب إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل إنه كان يكفِّر أكبر رموز هذا التوجه من علماء المملكة العربية السعودية، كالشيخ ابن بازٍ وابن العثيمين وغيرهما، ثم إنه قد أعلن رجوعه وتوبته عن تكفير الشيخين بعد خروجه من السجن.

كما أن الشيخ الفزازي بمقتضى اعتناقه السابق للفكر التكفيري، كان يكفِّر حكام البلدان الإسلامية الحالية، كما هو حال جميع أتباع التيارات التي تسمي نفسها جهادية، ونُسبت له في ذلك مقولةٌ هي: “من وقَّعوا وقَعوا”، بمعنى: من وقَّعوا على المعاهدات الدولية وقَعوا في الكفر. لكننا نراه اليوم يخطب الجمعة أمام ملك المغرب، ويشهد له بإمارة المؤمنين، ويتبرأ تماماً من ماضيه التكفيري، بل وينكر وجود الجماعات التكفيرية في المغرب أصلاً، كما جاء في تصريحه الصادم في مقابلةٍ تلفزيةٍ أجريت معه على قناة France 24.

كل هذا، واللحية الطويلة هي نفسها لم تتغير، بل إن من المفارقة العجيبة أن بعض أصحاب (الثورة الإسلامية السلمية) من المعتنقين لأفكار (الوسطية والاعتدال)، وجلُّهم يرجع لأصولٍ إخوانية، يحملون على الشيخ الفزازي حملاً شديداً بسبب (تطرفه وتكفيريته)، وينسبونه عنوةً إلى مسمى (السلفية) من أجل تشويهه وضربه إعلامياً، ولو بحث هؤلاء لوجدوا أن الفزازي بتطرفه السابق ذاك إنما كان من ذوي قرابتهم هم، وأنه كان أقرب إلى أفكارهم وتصوراتهم من السلفيين الذين ينسبونه إليهم، رغم تشابهه الظاهر معهم في (اللحية الطوية) تلك.

وأذكر أيضاً، من تجليات ظاهرة (التصنيف بناءً على طول اللحية)، أن بعض الحزبيين هنا في بلاد المغرب، يعتمدون على هذا المنهج في التصنيف عند تعليقهم على الأحداث السياسية في البلدان الأخرى، كمصر وسوريا وغيرهما، فهُم وبشكلٍ تلقائيٍّ تماماً، دون أن يشعروا بذلك، يطلقون على صاحب اللحية الطويلة اسم (السلفي) أو (المتشدد)، وعلى صاحب اللحية المقصوصة اسم (الإخواني) أو (المعتدل).

ولقد سمعتُ بعضهم يصف رمزاً سياسياً صاحب لحيةٍ طويلةٍ في مصر بأنه (سلفيٌّ شريف)، بسبب مواقفه السياسية الداعمة للرئيس الإخواني السابق، وبعد البحث تبين لي أن صاحب اللحية الطويلة ذاك إنما هو إخوانيٌّ في الحقيقة وليس سلفياً! لكنها (خدعة اللحى الطويلة)، تلك التي بلبلت أفكار الناس وجعلتهم في حيرةٍ من أموهم، وأوقعتهم في مآزق ومتاهاتٍ من المصطلحات والتصنيفات التي ترسَّبت في الأذهان بعد سنواتٍ طويلةٍ من القولبة الفكرية المنظمة.

إن من الأمور المهمة التي ينبغي أن يلتفت إليها جميع المهتمين بفهم الخارطة الفكرية الإسلامية؛ التحرر من خدعة (اللحية الطويلة) تلك، وإقصاؤها من الاعتبار فيما يخص إصدار التصنيفات والآراء والمسميات على الأشخاص، ذلك أن الخارطة الفكرية الإسلامية هي أكثر تنوعاً وتعقيداً من أن يتم اختزالها في مسألة (طول اللحى)، وأنه بعد البحث سيتبين لنا أن اللحى الطويلة، والوجوه الرجالية الحليقة على حدٍّ سواء، موجودةٌ في كافة التيارات الإسلامية المختلفة والمتناقضة، بل والمتصارعة فيما بينها على كافة الأصعدة والمستويات.

ويبقى الختام بإشارةٍ عابرةٍ سريعةٍ إلى بعض أبرز الأطياف التي تشكِّل التوجهات الإسلامية الكبرى في وقتنا المعاصر، والتي تستحق من جميع المهتمين بحثاً معمقاً من أجل تشكيل صورةٍ أوضح وفهمٍ أعمق لحقائق الأوضاع القائمة ومآلاتها.

هناك من هذه الأطياف الفكرية التيار الإخواني، نسبةً إلى جماعة الإخوان المسلمين، وله خصائص ومميزاتٌ تتلخص في كونه تياراً حركياً حزبياً، تجميعياً تغلغلياً غير متعجل، طويل الأمد جداً، متماهياً مع العواصف السياسية، ومحتكاً بالأساليب العصرية الديمقراطية لتحقيق مبتغاه في الوصول إلى السلطة والحكم.

وهناك التيار القطبي، نسبةً إلى سيد قطب، وهو نابعٌ من التيار الإخواني ومتفرعٌ عنه، ويعرف الآن في أيامنا هذه توسعاً وانتشاراً، ومنه انبثقت الحركات التكفيرية والخارجية المتطرفة، فهو تيارٌ يقوم على الاعتقاد بكفر الحكومات القائمة، وضرورة المواجهة معها بواسطة التفجيرات والاغتيالات والأعمال العنيفة والثورة المسلحة.

وهناك ما يعرف بالتيار السروري، نسبةً إلى محمد بن سرور زين العابدين، وربما سمي بالتيار الصحوي، وهو التيار الذي يمثل تزاوجاً عجيباً بين السلفية متمثلةً في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وبين القطبية متمثلةً في دعوة سيد قطب. وقد كان لهذا التيار نشاطٌ في المملكة السعودية على خلفية بعض الأحداث السياسية التي تسببت في انقسامٍ فقهيٍّ حاد، وهو يجمع بين التشديد السلفي في مسائل التوحيد وأحكام الفقه، وبين الحركية القطبية متمثلةً في نظرية الحاكمية، وهي قائمةٌ على الاعتقاد بحتمية المصادمة مع الحكومات القائمة التي يعتقد بكفرها وردَّتها عن الإسلام ووجوب جهادها.

وعلى النقيض من هذه التيارات الحركية سالفة الذكر، هناك ما يسمى بالسلفية المدخلية، نسبةً إلى الشيخ ربيعٍ المدخلي، أو السلفية الجامية، نسبةً إلى الشيخ محمد بن أمانٍ الجامي. ويميل أتباع هذا التيار، وهو منسوبٌ لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية، لمصادمة التوجهات الحركية الإخوانية والقطبية السالف ذكرها، بسبب ما يعتقدونه من مخالفتها لمناهج الأصوليين وأهل الحديث في الموقف من الحكام الظلمة، وما يدعون إليه من عدم الخروج على الحكام بأي شكلٍ من أشكال الخروج، بالسيف أو الكلمة.

وبين هذا التيار وسابقيه تناقضٌ تامٌّ وانكسارٌ هائل، وحروبٌ ضاريةٌ من التبديع والتخوين، لا تخفى على مطَّلع، وذلك بين رموز التيارات من شيوخٍ وقادةٍ وبين العوام المنتسبين إليها على حدٍّ سواء.

ولجميع هذه الأطياف خصائص ومميزات، يُعرف بها أتباعها والمنتسبون إليها، سواءٌ أكان انتساباً حقيقياً تنظيمياً أو بالولاء والتعاطف، كما أن لهم كلماتٍ وعباراتٍ تتكرر في ألسنتهم، يعرِّفون ببعضها أنفسهم، ويصفون ببعضها الآخر غيرهم بحسب مواقفهم منهم.

ويبقى الأمر الثابت والمتكرر أن (اللحى الطويلة) موجودةٌ في كافة هذه التيارات بلا استثناء، وكذلك اللحى المقصوصة والوجوه الحليقة موجودةٌ فيها جميعاً.

وبهذا، يكون من السذاجة المفرطة والسطحية البالغة التي ينبغي تجاوزها، أن نجعل من شكل اللحية وطولها عاملاً من عوامل التصنيف للناس وإصدار الأحكام والألقاب والمسميات عليهم، لا سيما وأننا نعيش الآن في زمنٍ صار الجميع فيه يطيلون لحاهم، دون أن يكون لذلك ارتباطٌ حقيقيٌّ بحقيقة الولاء أو الانتماء المذهبي. فالعبرة إذاً بفحوى الانتماءات الفكرية وحقيقتها التي لا تُعرف إلا بالبحث والاستقصاء المتعمق والمتأني، وأما اللحى الطويلة فهي في الواقع مظهرٌ خادع، وفي غالب الأحيان يكون غير ذي دلالةٍ على المحتوى والمضمون.

29/03/2014

بيان ونقطة مراجعة ~

29/03/2014 عند 17:41 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

منذ أن اتخذت قراراً غير معلن بترك التعليق عن المواضيع والأحداث السياسية، وحالتي العقلية والنفسية في تحسن مستمر!

غير أني كنت ومازلت في بحث مستمر وإن كان صامتاً، وسأظل بإذن الله أتعقب آثار الحقائق حتى أجدها وأطمئن إليها، وإلى ذلك الحين، أود الإعلان لجميع أصدقائي الأعزاء، بأني أسحب سحباً كاملاً كافة الآراء السياسية التي عبرت عنها طيلة الشهور بل والسنوات الماضية، وأن أي رأي سياسي يُنسب إلي يجب أن يكون بعد هذا التاريخ وليس قبله.

ولقد قمت ببعض الترتيبات المتعلقة بهذا القرار: تم حذف كافة المقالات السياسية المنشورة في مدونتي، وتمت إزالة كافة الصور المعبرة عن مواقف سياسية من حسابي الفيسبوكي، ولعلي أتفرغ في وقت لاحق بإذن الله لحذف كافة المنشورات السياسية المعلقة على حائطي.

إن مما يؤسف الإنسان حقاً، أن ينتبه لنفسه فجأة وقد انجرف، أو كاد أن ينجرف، مع تيار من التيارات، وأنه قد انساق مع إحسان الظن بأناس، وإساءته بآخرين، وأنه قد اعتمد لنفسه مصادر للمعلومات يستقي منها انفعالاته وأفكاره، وبناءً عليها يناصر ويعادي، ويمدح ويذم، ويزكي ويخوّن، ثم إذا توالت الأحداث وتعاقبت الأبحاث وهُتكت بعض الأستار عن الحقائق، اكتشف أن جل ما ينشر من معلومات، في معظم القنوات الإعلامية الرسمية والحرة، مغلوط كاذب، أو مسيَّس مؤدلج، أو ناقص مبتور.

وأن بعض الذين كان يمدحهم، ويزكيهم، ويحسن ظنه بهم، ويجادل عنهم، إنما هم في الواقع خونة أرذال، لا يستحقون من التعاطف قليلاً ولا كثيراً، فضلاً عن المدح والتزكية.

وأن بعض الذين قد ولغ في أعراضهم سباً وشتماً وتخويناً، إنما كانوا أنفذ بصيرة وأصدق فراسة، وأقرب للحق وأرحم بالخلق من أولئك الذين كان يحسن ظنه بهم ويزكيهم.

وأن كثيراً من الأشرار الذين تضافرت الجهود على شيطنتهم وتشويههم، إنما هم أشرار فعلاً! لكن قسماً مما نُشر عنهم مغلوط كاذب لا يثبت في حقهم، رغم ما هو ثابت من سوئهم وفسادهم.

وأن كثيراً من الأخيار الذين غلا فيهم المدَّاحون ورفعوهم إلى مصاف الملائكة، إنما هم أخيار فعلاً! لكن كثيراً مما نُشر عنهم مغلوط كاذب روج له أتباعهم، تلميعاً لصورهم وغلواً في مدحهم والتطبيل لهم.

وأن كثيراً من المعلومات والأخبار التي انتشرت بين الناس انتشار النار في الهشيم، إنما هي أكاذيب ملفقة، وإن صحت فهي مبتورة، وإن لم تبتر فقليل من يحسن قراءتها واستنباط الدروس والعبر منها.

وأن الأهواء السياسية بريد الحزبية والتعصب، وأحادية الرؤية والتحجر الفكري.

وأنه لا يقين في السياسة، بل هي قائمة على الظنيات المحتمِلة، ومغرور من أسرع إلى تزكية فلان أو تخوين علان دون بينة ولا تثبت، إلا ما كان من زخارف القول وتنميقات الحديث وسحر الدعاية.

وأن للصناعة الإعلامية والدعائية أثرها البالغ، لكنها زبد يذهب جفاء، ولا تغني من الحق شيئاً، ولا يستند عليها مطمئناً لها إلا حزبي متعصب ينظر بعين واحدة ويرى العالم من ثقب إبرة.

وأن معظم الثرثارين في السياسية إنما هم تابعون مقلدون، لا يعرفون ما يخرج من رؤوسهم، تتلاعب بهم الأخبار الكاذبة والأهواء الفاسدة والوصلات الدعائية تلاعب الرياح بأوراق الشجر المتطايرة.

فلهذه الأسباب، وغيرها، أحب أن أعلن أمام الجميع براءتي وسحبي لكل رأي سياسي عبرت عنه في الماضي، مع الاحتفاظ التام بكافة ثوابتي العقائدية والفكرية التي يعرفها من يعرفني، وأراهن على ذكاء جميع أصدقائي الأعزاء فيما يخص التفريق بين ما هو فكري وما هو سياسي.

وختاماً أسأل الله تعالى أن يتجاوز عني وعن الجميع ما وقع من اللغو والأخطاء وفضول القول، وأن يغفر لي وللجميع كل إساءة وجهناها لمن لا يستحق، و كل تزكية زكيناها من قد انكشف عواره وبان ظلمه وفساده.

والحمد لله رب العالمين…

27/03/2014

إلى كل ناصح ~

25/03/2014 عند 21:52 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

ila koli nasi7

.

إلى أخي الناصح، وفقك الله وسدد خطاك:

اعلم رعاك الله أن النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يكون باقتحام الخصوصيات الشخصية لمن تريد نصحه، والتدخل فيها تدخلاً فجاً سافراً، وممارسة خطاب الأمر والنهي، والسعي لإجبار المنصوح وإرغامه على ما تريد له من إتيان الخير والبعد عن الشر.

ويزداد الأمر سوءًا عندما تتعامل مع واحدٍ من شباب هذه الأيام، وعندما تعامل عدم المستجيب لك معاملة الساقط من عينيك، المخيِّب أملك فيه.

إن من يلجأ إلى مثل هذه الأساليب الساذجة، رغم ما في قلبه من حسن النية وسلامة القصد، إنما يقوم في الواقع بعملية تنفيرٍ وصدٍّ للناس عن أهل الصلاح والاستقامة، يقوم بذلك وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، فتكون النتيجة عكسيةً تماماً، مناقضةً للقصد الذي جُعلت لأجله النصيحة.

فليس هناك أحدٌ يحب أن يقتحم الآخرون حياته الشخصية ويبدؤوا بإسداء النصائح بطريقةٍ هي أشبه بالأوامر، ولا سيما في الأمور اليسيرة، لأن الأمر مزعجٌ لهم ويشكل ضغطاً عليهم، وربما يتحول عند كثيرٍ من الناس إلى شيءٍ أشبه بالإرهاب النفسي الذي ينتهي عادةً بالابتعاد والنفور والإعراض.

والأمر هنا لا يتعلق بأسلوب النصيحة المتسلِّطة، سواءٌ أكان أسلوباً جافاً قاسياً أو أسلوباً هيناً رحيماً، بل لعل الأسلوب الهين في اقتحام الخصوصيات باسم النصيحة يكون أكثر تنفيراً من الأسلوب الجاف القاسي، لأن المعني بالأمر سيجد نفسه محرجاً جداً، لا يستطيع أن يقاوم هذا الأسلوب بعنفٍ كما لو كان أسلوب الناصح فظاً غليظاً، وسيضطره الموقف بذلك إما إلى الابتعاد والتهرب مضطراً محرجاً، وإما إلى الامتثال للنصيحة تحت ضغط ما يسمى بـ (سيف الحياء).

هنالك أمورٌ لا بد من مراعاتها في التركيبة النفسية للمخاطَب أو المنصوح، والصواب برأيي – والله أعلم – هو تجنب ذلك الأسلوب المباشر في الوعظ والنصيحة، والذي يتم عبر الاقتحام السافر للأمور الشخصية والخصوصيات، ثم البدء بإلقاء المحاضرات الأخلاقية والأوامر والنواهي، والتي غالباً ما يكون المنصوح قد حفظها عن ظهر قلب، ويكون عالماً بها – ربما – أكثر من ناصحه.

ليس من الحكمة أن نعالج الأعراض التي تظهر على السطح ونُغفل الأصل العميق للمشكلة، ينبغي على الخطاب أن يكون عاماً، وأن يلامس تلك الأعماق السحيقة في الضمير، وأن يترك الإنسان في مواجهةٍ صادقةٍ مع نفسه وضميره، دون الحاجة إلى اقتحام خصوصياته، ولا حتى لتعيينه بالخطاب الشخصي.

فقط قل كلمتك الطيبة بصدق، ونعم، ربما لن تعجب سامعيها في البداية، وربما تصدر منهم مقاومةٌ نفسيةٌ تلقائيةٌ لها، وقد تكون مقاومةً عنيفةً أحياناً! لكن لا تهتم لكل هذا، فقط قلها، وستمر الأيام والليالي، وسيأتي يومٌ تزهر فيه تلك البذور التي نثرتها على تربة الضمير.

وعندها، إن أزهرت تلك البذور بإذن الله تعالى، فسوف ترى عجباً، وسيدهشك ذلك التغيير الذي لم تتوقعه، والذي يشمل تلقائياً حتى ذلك الغلاف الخارجي للسلوك، رغم أنك لم تذكره في نصيحتك ولم تتحدث عنه، ولم تحرج أحداً باقتحامه والتدخل في خصوصياته.

20/03/2014

مشيب ~

18/03/2014 عند 21:58 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | 3 تعليقات

.

لم أميِّز قامته من الخلف.

قيل لي أنه جاء لرؤيتي، التفتَ، عرفتُه!

لم أره منذ سنوات، كهلاً كنت أذكره، وقد ازداد الآن كهولة عما كنت أعرف.

أقبل علي مرحِّباً، الصوت هو نفسه، النظرات هي نفسها، لا تغير في تلك الابتسامة، لكن لا! شيء ما فيه تغير.

لقد شاب شعره!

أذكر جيداً صفة لحيته، سوداء يشوبها بياض قليل، فإذا بها الآن بيضاء يشوبها سواد ضامر.
متى حدث ذلك؟

ليست هذه هي المرة الأولى على كل حال.

أذكر دهشة أخرى مماثلة مع شخص آخر عرفته أسود اللحية، غاب عني بضع سنوات فإذا به وقد صار أبيضها تماماً!

كنتُ أفكر في هذا، ومشاهد متقطعة من ذاكرتي تتزاحم في شاشة الوعي، مررتُ بمحاذاة مقهى لم أزره منذ سنوات، لاحت مني التفاتةٌ إلى داخله فإذا بذلك الرجل جالساً في مكانه المعتاد، نفس الجلسة، نفس كوب القهوة، نفس الصحيفة المبسوطة على مصراعيها، لم يتغير في الرجل شيء سوى شاربيه! أذكر لونهما الأسود كالفحم، متى صار رمادياً باهتاً هكذا؟

وانتابني ذلك الشعور الغريب الخاص بالمسلسلات التلفزية، عندما تنتقل القصة فجأة إلى سنوات نحو الأمام، ويعمد المخرج إلى إحداث تغييرات على أشكال الشخصيات، يضيف على صفحات الوجوه خطوطاً وتجاعيد، وعلى الشعور ندفاً من البياض الرافع راية الانتصار على الزمن.

أحياناً يحدث ذلك في مسرحية الحياة هذه! أحياناً تنتقل الحياة – فجأة – إلى الجزء الثاني الذي تدور أحداثه بعد سنوات من الجزء الأول، أحياناً يُفتح الستار عن الفصل التالي…

18/03/2014

عالِمان ~

17/03/2014 عند 23:00 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

بئس العالِمان، عالِم الدولة وعالِم الجماهير!

الأول لا يقول كلمة حق عند سلطان جائر، والثاني لا يقولها أمام شعب ثائر.

17/03/2014

الإيمان في القلب ~

12/03/2014 عند 23:26 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

يسمح البعض لأنفسهم بالإيغال في المعاصي صغيرها وكبيرها، ثم يقولون إذا نُصحوا: “الإيمان في القلب.”

وربما يظن قائل هذه العبارة، أو من قيلت له، بأنها من بنات العصر الحديث، وأنها من أحدث ما توصل إليه المسلمون في فهم دينهم والرد على (المتشددين)، لكن الواقع خلاف ذلك، فهذه العبارة هي إسقاط لأحد أقدم المذاهب العقائدية التي نوقشت ورُدَّ عليها منذ مئات السنين.

عبارة “الإيمان في القلب” في سياقها الخاطئ الذي تُستعمل فيه، هي دالة في الحقيقة على مذهب (الإرجاء)، ويسمى القائلون به (المرجئة).

ومقتضى الإرجاء أن (الإيمان معناه التصديق القلبي، وأنه لا يزيد ولا ينقص)، وأن (الإيمان منفصل عن العمل)، وأنه (لا يضر مع الإيمان ذنب)، ولذلك لا يقيم المرجئة وزناً للمعاصي، لتعويلهم على ما في قلوبهم من الإيمان الذي يظنون أنه قوي، وأنه لا يتأثر بالمعاصي، وأن الذنوب والمعاصي لا تضره ولا تنقص منه.

وبهذا ينطبق مذهب الإرجاء في الإيمان على المعاصرين الذين يتساهلون في المعاصي تحت ستار (الإيمان في القلب)، حتى وإن لم يعلموا بذلك وكانوا بعيدين عن القراءة في مثل هذه المواضيع، فهي في الغالب عبارة ورثوها عن سابقيهم وسمعوها من الناس فكرروها، لأنها تلائم أهواءهم، دون أن يعرفوا لها أصلاً ودون أن يعلموا أن الإيمان كما يزيد بالطاعات فهو ينقص بالمعاصي.

12/03/2014

مقاسات ~

12/03/2014 عند 23:21 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

عجبت لأناس يفصِّلون العالم على مقاس عقولهم.

تجد في دماغ أحدهم تقسيماً لأحجام المواضيع، مبنياً على اعتبارات شخصية قاصرة، ثم يتعامل مع تلك الأحجام على أنها هي الأحجام الصحيحة، وأن على الناس جميعاً أن ينظروا إلى العالم بنفس عينيه، وأن يعطوا للمواضيع نفس أحجامه وتقديراته.

وهؤلاء، إذا رأوا اهتمام أحد بموضوع هو عندهم تافه قالوا: يكبِّر الأمور، يعطي المواضيع أكبر من حجمها الذي تستحق!

وإذا رأوا أحداً قليل الاهتمام بموضوع هو عندهم مهم وجوهري، قالوا: سطحي، يهتم بتوافه الأمور ويدع مهماتها.

والحق أن لكل إنسان مجال اهتمامه، وأن كل واحد منا على ثغرة من الثغرات يسدُّها بما يستطيع، وأن أهمية المواضيع وأحجامها هي ليست مما تحدده أهواء الناس وتقديراتهم الشخصية وأحلامهم الوردية…

11/03/2014

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.