صحيح الكافي، زبدة الكافي! ~

06/12/2014 عند 20:05 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

sahih kafi

.

أُهديَ إلي منذ بضعة أسابيع، بحثٌ قيمٌ مختصرٌ من ثمانية أجزاء، عنوانه (براءة آل البيت مما نسبته إليهم الروايات)، للأستاذ الدكتور أحمد بن سعد حمدان الغامدي، أستاذ العقيدة بقسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، وهو بحثٌ أخذ على عاتقه كشف بعض الجوانب من جناية المراجع الشيعية الكبرى على دين الإسلام العظيم، وكيف أن أعظم وأكبر أمهات الكتب عند الروافض تحوي من الكفر والزندقة ما يشيب له الولدان، وما يستحيل أن يقبل به مسلمٌ بحالٍ إن كان على معرفة ولو ضئيلةٍ بدينه وإلهه وحقيقة توحيده عزَّ وجل.

وقد أحسن الكاتب وأجاد – جزاه الله خيراً – عندما عنون أجزاء بحثه بتعبيرٍ يصف وصفاً دقيقاً الأثرَ الوخيم لتلك الروايات المكذوبة التي يعتقد بها القوم ويدرِّسونها لأبنائهم، وذلك التعبير – البليغ في الحقيقة – هو (قطع الصلة)، فكانت عناوين الأجزاء الثمانية، بعد الجزء الأول الذي هو مقدمةٌ تمهيدية، كالآتي:

– براءة آل البيت من روايات قطع الصلة بالخالق عز وجل.

– براءة آل البيت من روايات قطع الصلة بالقرآن الكريم.

– براءة آل البيت من روايات قطع الصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

– براءة آل البيت من روايات قطع الصلة بعبادة الله ومقدساته.

– براءة آل البيت من روايات قطع الصلة بالصحابة وقبائل العرب.

– براءة آل البيت من روايات قطع الصلة بالأمة الإسلامية.

– براءة آل البيت من روايات انتقاص الأنبياء والملائكة.

– براءة آل البيت من روايات انتقاص علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

ولفهم المراد من عبارة (قطع الصلة) التي وُصفت بها تلك الروايات، فإن من الأمثلة عليها ما امتلأت به أمهات كتب القوم ومراجعهم الكبرى، مثل الكافي وبحار الأنوار وغيرهما، من الروايات الطويلة التي يقشعرُّ لها البدن ويشيب لها رأس الوليد، والتي تَنسب للأئمة وآل البيت رضوان الله عليهم من صفات الربوبية والألوهية ما لا يليق إلا بالله تعالى، حتى لم تترك الروايات صفةً من صفات الرب عز وجل إلا ونُسبت للأئمة وآل البيت، ولم يبق لله تعالى شيء من صفاته العليَّة التي نسبوها جميعاً – زوراً وكذباً – لأولئك الأفاضل رضوان الله عليهم.

فهذه الجريمة الشنعاء، وهذا الكذب الأسود على الله ورسوله وآل بيته الكرام، كان من نتيجته (قطع صلة) القوم بربهم، وتنصيب البشر المخلوقين مكان الإله العلي، وفي هذا من الكفر الصريح والشرك الأكبر ما لا يُحتاج إلى تكلف بيانه.

وكان مما ذُكر في الجزء الأول من السلسلة، وهو تمهيدٌ لها؛ أن بعض علماء الشيعة قد تنبهوا لهذا الأمر، وأخذ بعضهم على عاتقه مهمة تنقيح الكتب المعتمدة عند الطائفة، مما دُسَّ فيها من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة والروايات الباطلة، إلا أن أمثال هذه الجهود العلمية تلقى دائماً الرفض القاطع من طرف أحبار القوم ورهبانهم، والذين يُثبتون في كل مرةٍ عدم استعدادهم لأي مراجعةٍ علميةٍ لما تورطت فيه مراجعهم الكبرى من الزندقة والكفر والشرك الأكبر الذي لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان.

وإحدى القصص الشاهدة على هذا الواقع المرير، ما كان من الشيخ الشيعي محمد باقر البهبودي، وهو أحد علماء الشيعة، وقد قام بجهدٍ علميٍّ طويلٍ في تصحيح روايات كتاب (الكافي)، أحد أكبر المراجع الشيعية إن لم يكن أكبرها على الإطلاق، فقام البهبودي بإخضاع روايات الكتاب إلى منهج التصحيح المعتمد عنده، بغية تنقيته وإزالة ما فيه من الروايات الباطلة والأحاديث المكذوبة، فلم يبق لديه في المنتهى إلا أقل من ثلث الكتاب، حوالي ربعه فقط، وأما الثلاثة الأرباع الأخرى فكلها كذبٌ ودسٌّ وباطل، بشهادة البهبودي نفسه وهو من علماء الشيعة ومحققيهم.

ثم أخرج البهبودي كتابه المنقح، وأسماه (صحيح الكافي)، وهو الأمر الذي ما كان ليقبله علماء الشيعة الكبار، لما فيه من زعزعة ثقة القوم بصحة عقائدهم ومؤلفاتهم، وما يتعبَّدون به من الخرافات الشركية والعقائد الفاسدة والأدعية الباطلة، فثارت ثائرة القوم وقامت قيامتهم، وأثاروا جدلاً عظيماً حول هذا الأمر، وعرَّضوا البهبودي لضغوطٍ شديدة، وتدخَّلوا لسحب جميع نسخ كتابه (صحيح الكافي) من الأسواق، وبلغ بهم الأمر إلى أن أعادوا طبع الكتاب دون إذن كاتبه، وتصرفوا في عنوانه بالتبديل، فصار عنوان الكتاب (زبدة الكافي) بعد أن كان في الأصل (صحيح الكافي).

ولمن يتساءل عن سبب هذه الخيانة العلمية والدينية والأخلاقية الفجة، والتي يظهر منها أن كبار علماء الشيعة لا يهتمون بدينٍ ولا بتوحيد، بل إن التعصب المتحجِّر بلغ بهم حداً جعلهم يستميتون في الحفاظ على (صنمية) كتبهم ومراجعهم، دون أي مبالاةٍ بما قد تبثُّه في عقول أتباعهم من الأباطيل والأكاذيب والعقائد الشركية التي تُخرج معتقدها من دين الإسلام رأساً. لمن يتساءل عن سبب كل هذا، فإليه هذا الاقتباس من الجزء الأول من كتاب الدكتور الغامدي (الصفحة 61)، وفيه يظهر لنا سبب تغيير عنوان الكتاب من (صحيح الكافي) إلى (زبدة الكافي):

– “لكن الحقيقة أن التصحيح ينسف العقيدة الشيعية من أساسها كما اعترف كبار علمائهم بذلك، وسيأتي في أواخر المبحث الرابع من الفصل الثاني بمشيئة الله تعالى بيان ذلك.

ولما أراد البهبودي – أحد علمائهم – تصفية كتاب (الكافي) من الروايات الضعيفة والمكذوبة قامت عليه القيامة، وطبعوه دون إذنه، وغيروا اسم كتابه من (صحيح الكافي) إلى (زبدة الكافي)، وطبعوه بالاسم الجديد، وكأنهم يصرُّون على بقاء الباطل مخفياً يتعبَّد به الشيعة وهم لا يعلمون، والله حسيب هؤلاء المصرين على الباطل.

والفرق بين المختصر والتصحيح أن المختصر (بمعنى الزبدة) لا يدل على أن الروايات التي تركها ضعيفة، وأما إذا قال: (صحيح الكافي)، فيعني: أن ما لم يذكره فيه من روايات الكافي فهو ضعيف، وشيوخ الطائفة لا يريدون بيان الصحيح من الضعيف، لتبقى الطائفة تتعبد الله عز وجل بالباطل، والله حسيب من غرر بهم.”

06\12\2014

انتكاسةٌ علمانية ~

06/12/2014 عند 20:02 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

intikassa

.

لا أذكر على وجه التحديد أيَّ موجةٍ من أمواج البحث الرقمي قادتني إلى الموقع المسمى بـ (الحوار المتمدن)، وهو موقعٌ معروفٌ بدعواته الصريحة للإلحاد والعلمانية، ويضم بين جوانبه كل منخنقةٍ وموقوذةٍ ومترديةٍ ونطيحةٍ وما أكل السبع؛ من كل ملحدٍ كافرٍ وعلمانيٍّ حاقد.

وقد فاجأني يومها مقالٌ قرأته فيه، كتبه وعلَّق عليه بعض أولئك الذين يبشِّرون بالعلمانية على أنها المذهب الوحيد الذي يمنح لجميع الأديان حريتها وحقوقها الكاملة، دون حزازاتٍ ولا تحيزاتٍ ولا صراعاتٍ متبادلةٍ فيما بينها.

وكان أول ما خطر ببالي بعد قراءة المقال قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾، وظهر لي بوضوحٍ تامٍّ أن هذا المعنى في الآية منطبقٌ أيضاً على شرذمة العلمانيين هؤلاء، والذين هم أيضاً (لن يرضوا عنك حتى تتبع ملَّتهم)! حتى وإن كنت أنت نفسك منهم وعلى مذهبهم، وتنشر أفكارهم الموبوءة بحرصٍ واستماتة.

وها هي ذي واحدةٌ منهم، بل من أكبر دعاة العلمانية والتغريب في هذا العصر، وهي عاهرة الأدب أحلام مستغانمي، والتي رغم كل ما بذلته من الجهود الروائية وغيرها على مدى عقودٍ من الزمن، في خدمة العلمانية والفساد ونشر الرذيلة والانحطاط الأخلاقي، لم تسلم من ألسنتهم العفنة عند أول بادرةٍ بدرت منها، بدا لهم منها أن فيها ميلاً ولو قليلاً إلى شيءٍ من الوعظ الديني الذي أثار حنقهم واشمئزازهم، وأسال مداد أقلامهم بالهجوم على كاتبتهم الأثيرة، التي كانت من قبلُ موضوعَ ثناءٍ وتعظيمٍ في موقعهم ذاك نفسه.

لقد حدث أن نشرت أحلام مستغانمي بعض العبارات الدينية على شكل مواعظ نسائية، أو تظهر على أنها كذلك، في شهر رمضان منذ بضع سنواتٍ خلت، وأنقل لكم بعض عباراتها هذه، متبوعةً بمقاطع من المقال المنشور في موقع الحوار المتمدن، مع عينةٍ من التعليقات على ذلك المقال.

قالت أحلام مستغانمي:

– “لا تطمئني إلى رجلٍ انصرف عن طاعة الله مأخوذاً بدنياه، إن من لا يعترف بفضل الله عليه لن يعترف بجميلك، ومن لا يستحيي من ملاقاة الله مذنباً، سيذنب في حقك من دون شعورٍ بالذنب، ومن ترك صلاته وصيامه بذرائع واهية، وتربى عليها، سيعثر حين يشاء عن الذرائع التي يحتاج إليها لتركك”

وقالت أيضاً:

– “من لا يرى أبعد من حياته ولا يحسب للآخرة حساباً، هو في الحب لا يرى أبعد من لحظته، و لن يصدُق في التزامه معك أبعد من يومه، و من نسي أن الله يراه، سينسى أن يرى دموعك حين تبكين ظلمه، ومن لم يعتد التضرع لله طلباً للغفران، لن تُجدي معه عند الحاجة تضرعاتك.”

هذه (المواعظ الدينية النسائية) كما أسموها، والتي أثارت ضجةً في حينها، وموجاتٍ من الاستحسان والاستنكار معاً، يبدو أنها لم ترق لكتَّاب موقع الحوار المتمدن، ويظهر أنْ قد راعهم وأثار حفيظتهم هذا (التغير المفاجئ نحو الأسوأ) لكاتبتهم العزيزة، والتي طالما تغنوا بها وبأمجادها الأدبية في نصرة الحركة النسوية ونضالها البطولي الطويل.

وإليكم مقتطفات من المقال المنشور بتاريخ 06/09/2010 لكاتبه (علي عجيل منهل) بتصرفٍ يسيرٍ جداً، قال فيه بلهجةٍ تنزُّ استهجاناً واستنكاراً:

– “إن الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأيٍ ونشر كل مذهبٍ والترويج لكل فكرٍ كما قال المفكر قاسم أمين، وليس الإيمان مسألةً عقليةً أو علميةً وإنما الإيمان مسألة شعورٍ صِرف، شعورٍ يجعل صاحبه يرى نفسه محتاجاً إليه إلى حدِّ أنه يستحيل أن يعيش بدونه.

السيدة أحلام مستغانمي؛ هذه المرأة المتحررة التي دخلت في باب الدين والتدين، ولبست عباءة الدين والوعظ وتقديم النصائح لبنات جنسها، وهجرت ذاكرة الجسد والعلاقات العاطفية وأخذت تقدم النصح والإرشاد لبنات جنسها.”

أقول: لا أظن أن هناك متذوقاً للغة العربية فاهماً لها، ستخفى عليه نبرة الاستنكار الواضحة، واعتبار أن أحلام مستغانمي قد خذلت (القضية) بما نشرته من مواعظ دينية، يُستدل بها على أنها خانت مبادئها السامية المتمثلة في ذاكرة الجسد والعلاقات العاطفية!

يقول الكاتب:

– “وهي ظاهرةٌ غريبةٌ في حركة تحرير المرأة العربية حضارياً واجتماعياً، وخاصةً لدى الفئات المثقفة من الكاتبات والفنانات والمغنيات والممثلات في السينما والمسرح، واللواتي يتحولن في فترةٍ قصيرةٍ إلى الدين والتدين والتحجب والستر، والاعتكاف في المنازل وحضور الدروس الدينية وإقامة الموائد الرمضانية، وتقديم المساعدات والهبات المالية للفقراء والمساكين، وتقديم الدروس الدينية والنصائح والمحاضرات، وترك السفور والحياة الفنية السابقة، ونجد نموذجاً واضحاً في حالة الروائية المعروفة أحلام مستغانمي.”

أقول: كما نلاحظ؛ فقد استنتج الكاتب من تلك المنشورات (الدينية) السقيمة أن كاتبتها قد هجرت السفور والحياة الفنية وغيرها من الأشياء (الجميلة)، والتجأت إلى التحجب والستر والاعتكاف، والدروس الرمضانية وتقديم المساعدات للفقراء، إلى غير ذلك من الأشياء (القبيحة) عنده!

يقول الكاتب:

– “ارتدت الروائية والكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي عباءة الدعاة، وبدأت بتوجيه خطابٍ لبنات جنسها من النساء يتَّسم بروحٍ دينيةٍ ونفَسٍ دعوي، فكتبت في صفحتها على الفيسبوك حزمةً من المواعظ والنصائح تعين المرأة على اختيار الرجل المناسب لها، وبدت تلك الكتابات متسقةً مع شهر رمضان الكريم، كما حظيت المواعظ بإعجاب أكثر من خمسمئة قارئٍ وقارئة.”

أقول: عظَّم الله أجركم في خمسمئة قارئٍ وقارئة! ونسأل الله لكم الصبر والسلوان على هذا المصاب الجلل…

بهذه الطريقة تم التعامل مع كتابات أحلام الدينية، من طرف أناسٍ كانوا هم أنفسهم المطبِّلين لها وقادة حملتها الدعائية، وأختم هذه النقول بتعليقٍ نُشر على هذا المقال نفسه، من طرف شخصٍ يسمي نفسه (علماني مغاربي)، يقول فيه:

– “أحلام مستغانمي ليست إلا واحدةً من أولئك النسوة المثقفات اللواتي تم استدراجهن إلى اعتناق الإسلام السياسي، إما بقوة الإغراء المادي الذي استهدفها وانبطحت له، وإما تلبيةً لرغبة الزوج الذي لم تستطع صدَّ إلحاحه. كثيراتٌ هن النساء اللواتي تربَّين على ثقافة الخضوع والخنوع رغم مستواهن الثقافي العالي، إنه واقعٌ لا يفتأ يلقي بمراراته. عجباً!”

وبهذا التعليق صارت أحلام مستغانمي، بسبب مواعظها تلك، معتنقةً لما يسمى بالإسلام السياسي، وقد خضعت له أخيراً بسبب الإغراء المادي أو إلحاح الزوج، أو بسبب تربيتها السابقة على ثقافة الخضوع والخنوع.

نعم… بهذه الأخلاقيات المنحطَّة تعامل العلمانيون مع صاحبتهم العزيزة، وجنديتهم الباسلة في ميدان الصراع تحت راية الحركة النسوية، عند أول (انتكاسةٍ) لها عن مبادئ (السفور والحياة الفنية والأدبية والسينمائية).

لم يرقبوا فيها إلًّا ولا ذمة، وهدموا سابقتها القديمة كلها، والتي تُقدَّر بمئات الصفحات وسنواتٍ طويلةٍ من نشر الفساد والرذيلة والانحطاط، مقابل أسطرٍ قليلةٍ فهموا هم منها أنها تدخل في إطار (الوعظ الديني)!

هذا، ولم أتطرق إلى تلك (المواعظ) نفسها، لأنها خارج موضوع هذا المقال، ولو أردتُ التطرق لها وانتقادها لطمأنتُ العلمانيين على أنه لا حاجة لأن يقلقوا، وأن تلك المواعظ نفسها هي سقيمةٌ ساقطة، كسقوط كاتبتها التي لم تتزحزح يوماً عن مبادئهم وأهدافهم، والدليل الملموس على ذلك هو روايتها الأخيرة (الأسود يليق بك)، والتي نشرتها بعد سنتين من (انتكاستها العلمانية) تلك، وهي انتكاسةٌ أحسب أن على العلمانيين أن يغفروها لها وأن يسامحوها، مراعاةً للعشرة القديمة، ولعربون (الثبات على المنهج) الذي قدمَتْه لهم، والذي أثبتت فيه إخلاصها التام وولاءها الدائم لعقيدة (العهر الأدبي) التي لم تتخلَّ عنها يوماً، وفي كافة مراحل حياتها القلمية الطويلة…

29/11/2014

مفارقات (2) – العلمانيون والمعتزلة وأصحاب الكبائر ~

06/12/2014 عند 19:59 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

mofarakat 02

.

لقد سبق منذ أيامٍ قليلةٍ الحديثُ عن مفارقةٍ تخص أصحاب ما يسمى بـ (الإسلام لايت) أو (الإسلام الأمريكي)، وكيف يظهر تهافتهم الشديد واتباعهم للهوى والشهوات، وكان المثال المضروب على ذلك تناقضهم في الإمام ابن حزمٍ رحمه الله، وكيف تورَّطوا في تلك المفارقة الطريفة بين (إباحة المعازف) وبين (الشدة على المخالف).

وقد طافت بي بعض التأملات في مفارقةٍ مشابهة، تكشف تناقض كل من يترك الدليل ويتبع الهوى، والمقصود بذلك هذه المرة طائفة (العلمانيين) وعلاقتهم بتراث فرقة (المعتزلة)، وموطن المفارقة هنا هو مسألة (التكفير وأصحاب الكبائر).

وكل ما سأذكره الآن في هذا المقال هو مصداقٌ لقول القائل: “كل من خالف السنَّة تناقض.”

من المعروف لدى الجميع أن العلمانيين في عالمنا الإسلامي متيَّمون بتراث المعتزلة، بل نستطيع القول بأن العلمانية لم تنتشر بين المسلمين إلا عن طريق أولئك الذين أحيوا أفكار الاعتزال بعد مواتها، فكانوا أشبه بـ (حصان طروادة) نُقلت في داخله العلمانية الغربية إلى المجتمعات المسلمة، بحيث كان الاعتزال هو الشبهة، وكان هو القناع الإسلامي الذي استطاعت العلمانية أن تخفي وراءه وجهها الكريه البشع، لكي تجد لها موطئ قدمٍ داخل المجتمع المسلم الغارق في شهواته، والغافل عن حقيقة دينه العظيم.

وما زال العلمانيون إلى اليوم يمجِّدون تراث الاعتزال، وينشرونه، ويدعون إليه بحماسةٍ بالغة، ويحتجُّون بأقوال علمائه، وربما ذرفوا دموع الحسرة والأسى على التفريط فيه وإهماله، وتنحيته عن واقع المسلمين في هذا الزمن العصيب!

والعلماني إذا تديَّن اعتزل، لأنه ما من مذهبٍ يمكن أن يوافق أهواءه المنحرفة إلا مذهب المعتزلة البائد. ثم إن هؤلاء القوم لم يفتؤوا يحاربون السنَّة وأهلها، والحديث النبوي وأهله، وإذا أراد أحدهم الحِجاج بالدين أخرج سيف الاعتزال الخشبي، وشرع يلوِّح به في وجه مخالفيه!

والطريف في هذا الأمر أن العلماني لا يكون في أبواب الإيمان إلا مرجئاً مغالياً، إلى درجة أن يلغي لفظة (الكفر) من قاموسه بتاتاً، فليس هناك كافرٌ على وجه الأرض! ثم إذا أراد مهاجمة أهل السنَّة رماهم بأنهم (تكفيريون)، وبأنهم (يكفِّرون الناس)، ويشنُّ العلماني عليهم حرباً شرسةً حقيرةً بسبب ذلك.

فهذا هو العلماني عندما يتدين؛ هو مرجئٌ من غلاتهم، ويدعو إلى الاعتزال وينتصر له في نفس الوقت!

فلهؤلاء نقول: اعلم أيها العلماني اللبيب – وأنت سيد العارفين! – أن مذهب المعتزلة الذي تحبه وتناصره وتدعو إليه، هو من أكثر المذاهب تطرفاً في التكفير، بل إن منشأه كان بسبب هذا الموضوع بالذات، فمن الأصول الخمسة لمذهب الاعتزال ما يسمى بـ (المنزلة بين المنزلتين)، ومنه كان منشأ المذهب، ومقتضى هذا الأصل أن المعتزلة ينفون الإيمان عن مرتكب الكبيرة، فهو عندهم ليس مؤمناً وليس كافراً، بل في منزلةٍ بين المنزلتين، بمعنى (بين الإيمان والكفر)، وإذا توفي مرتكب الكبيرة دون توبةٍ فإنه يموت كافراً، ويكون جزاؤه الأخروي أن يخلَّد في نار جهنم مع الكفار والمشركين أبد الآبدين.

وقد كان المعتزلة إبان حكمهم أيام الدولة العباسية، قد بلغوا المنتهى في التطرف والتكفير للمسلمين دون حق، وفي فرض الأقوال الباطلة والعقائد الفاسدة عليهم بحد السيف، ولهم في ذلك تاريخٌ وحشيٌّ دمويٌّ معروف.

ثم إنك أيها العلماني الحصيف، ورغم اعتناقك لمذهب الاعتزال التكفيري المتطرف، نجدك من أشد الدعاة حماسةً لمبدأ (الحرية)، والحرية عندك تشمل كل شيءٍ تقريباً، بما في ذلك حرية الكفر والردة، وحرية ارتكاب المعاصي بأنواعها، وأيضاً ويا للتناقض، حرية ارتكاب الكبائر!

فهل تطاوعك نفسك ويسمح لك ضميرك إن كان عندك ضمير، وكنت واعياً بما تقوله وتدعو إليه، أن تعتنق مذهباً يكفِّر مرتكب الكبيرة إن مات دون توبة، ثم تدعو في الوقت عينه إلى حرية ارتكاب الكبائر، وتبذل الغالي والنفيس من أجل نشر ذلك بين المسلمين، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا؟

ألا ترى أنك بهذا، ووفقاً لمذهبك أنت، تغشُّ أتباعك غشاً فاضحاً، وتخونهم خيانةً علميةً وأخلاقيةً فجة، وتدعوهم إلى ما هو كفرٌ عندكم في عقيدتكم، وتقودهم بحسب مذهبكم الذي تتمذهبون به إلى الخلود في النار والعياذ بالله؟

ألستَ بهذا الذي تفعله جديراً بوصف (الداعي على أبواب جهنم)؟

إن مذهب أهل السنة والجماعة الذي تتهمه أنت بالتكفير، هو أرحب المذاهب في هذا الأمر وأوسعها فيه باباً، فلا تكفير إلا لمن كفَّره الله ورسوله بدليلٍ واضحٍ من الوحي المعصوم، واضحٍ وضوح الشمس في رائعة النهار، مع صرامةٍ شديدة في ذلك، ونهيٍ قاطعٍ عن تكفير المسلمين دون علم، وإخراجهم من الدين بالشبهات وإن قويت، فضلاً عن الذنوب والمعاصي صغيرةً كانت أو كبيرة.

وأما مرتكب الكبيرة من المسلمين عند أهل السنة والجماعة، فلا يُنفى عنه الإيمان مطلقاً، ولا يكفَّر بمجرد كبيرته، وإن مات دون توبةٍ فهو يموت مسلماً، وتجري عليه أحكام المسلمين في الميراث والغسل والكفن والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين، ويكون معرَّضاً لعقوبة الله التي توعَّد بها أهل معصيته، والتي قد تصيبه بقدر الله وقد ينجو منها بما ينجو به أهل الإسلام، ولا يخلَّد في النار أبداً، وتُرجى له مع ذلك مغفرةُ الله ورحمته، حتى وإن زنا كل يوم، وإن سرق، وقتل، وأكل الربا، وأسرف على نفسه في كل الذنوب والمعاصي، ومات عليها دون توبة، فهو مسلمٌ رغم كل ذلك، ما دام موحداً غير مشركٍ بالله إلهاً آخر، وما دام إتيانه لتلك الكبائر عن ضعفٍ وغلبة شهوة، وليس عن استحلالٍ لها وتكذيبٍ للوحي المعصوم.

فهذه هي عقيدة أهل السنة في أصحاب الكبائر، وهي عقيدة من يتبعون دليل الوحي، ويقولون الحق، ويرحمون الخلق، ويحكمون في المسائل كلها بعلمٍ وعدل، ودونك فقارنها بعقيدة الاعتزال هذه التي تدعو أنت إليها وتنتصر لها بكل قوتك، ثم انظر بنفسك أي الفريقين هو التكفيري المتطرف.

19/11/2014

مفارقات (1) – الإسلام الأمريكي والإمام ابن حزم ~

06/12/2014 عند 19:48 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

.

mofarakat 01

.

إن من أعجب ما يكون من أمر ما ابتلينا به في هذا العصر المنكود ببعض أهله؛ تلك التناقضات المضحكة التي يتميز بها أتباع ما يسمى بـ (الإسلام لايت)، أو (الإسلام الأمريكي)، في حربهم الوضيعة الدائمة ضد من يسمونهم بـ (المتشددين) أو (المتنطعين).

ومما يتميز به هؤلاء من أصحاب (الإسلام الوسطي) أو (الإسلام الوستي) كما سماهم البعض؛ تركيزهم لخطابهم (التخنيثي) على محورين بارزين هما:

المحور الأول: تكلُّفهم إظهار الانفتاح ومسايرة العصر، وإن كان ذلك على حساب أوامر الدين ونواهيه، وقد كثرت عندهم في هذا الصدد الانفلاتات الصارخة التي ينسبونها إلى يسر الإسلام ووسطيته وسماحته.

ومن مظاهر هذا التكلف عندهم؛ تبنيهم المتعصب للرأي الفقهي القائل بجواز الموسيقى وآلات الطرب، وهم لتسويغ اختيارهم هذا تسويغاً شرعياً يرمون بأنفسهم في مؤلفات الإمام (ابن حزمٍ الأندلسي) رحمه الله، وينتصرون بحماسةٍ عجيبةٍ لرأيه في هذا الموضوع بالذات دون غيره، ثم يلمزون مخالفيهم من أتباع المذاهب الأربعة الأخرى، ويطعنون فيهم، ويرمونهم بأبشع النعوت، ويتهمونهم بالتخلف والجمود، ومعاداة الفن والجمال، والتشدد في الدين والتنطع فيه.

المحور الثاني: تكلُّفهم إظهار البشاشة والمجاملات لكل كافرٍ ومبتدعٍ وضال، حتى وإن كان محارباً للتوحيد الذي يجهلونه، ويتناسب ذلك عندهم مع الجفاء والغلظة التي يبدونها لكل سنيٍّ على طريق السلف، حتى إن المتأمل لأحوالهم ليجد أن صدورهم تتسع لجميع الأديان والطوائف والفرق البدعية الضالة، ولا تضيق بأحدٍ إلا أهل السنة ومن يتحرون طريق سلفنا الصالحين.

ومن العلامات الدالة على ما هم فيه من مرض القلب واتباع الهوى؛ إسرافهم في توزيع الابتسامات البلهاء هنا وهناك، على كل كافرٍ ومبتدعٍ وضالٍّ وإن كان محارباً للدين، بدعوى احترام الآخر وقبول الآخر، أو بدعوى تجميل صورة الإسلام في أعينهم. وهم دائماً يقودون الحملات الدؤوبة الناشرة للميوعة والدياثة الدينية، والرافضة للردود العلمية رفضاً تاماً، ولألفاظ التجريح بشتى أنواعها، وللشدة على المخالف أياً كان ذلك المخالف، حتى وإن كان ذا ضررٍ على المسلمين وصاحب حربٍ على الدين، بل حتى وإن كان مبتدعاً ناشراً لبدعته، أو كافراً ناشراً لكفره!

فيقال للإسلاميين المتأمركين هؤلاء: أيها القوم… إن كنتم في موضوع (الموسيقى وآلات الطرب) من أتباع الإمام (ابن حزمٍ الأندلسي) عليه رحمة الله، وإن كنتم في هذا الموضوع بالذات من أنصاره والمنافحين عن رأيه، رغم مخالفته فيه لأئمة المذاهب الأربعة؛ (مالكٍ والشافعي وأحمد وأبو حنيفة رحم الله الجميع)، فلماذا لا تتبعون الإمام (ابن حزمٍ) في بقية الأمور التي قرَّرها وعُرِفت عنه؟ ولنأخذ منها على سبيل المثال موضوع (الشدَّة على المخالف).

لقد كان ابن حزمٍ رحمه الله، وهو جزءٌ من سيرته تطمسونه ولا تحبونه، شديداً على المخالفين، حتى أنه قد اشتهر بذلك وصار صفةً له يُعرف بها، وقد كان يستعمل في ردوده عليهم ألفاظاً شديدةً في قمة القساوة، وكان وقع لسانه على نفوس المخالفين أشدَّ من وقع السياط الملتهبة على ظهورهم.

وقد من ذلك أنْ قد قيل عنه، والقائل هو أبو العباس بن العريف:

– “كان لسان ابن حزمٍ وسيف الحجاج شقيقين.”

فيا ليتكم يا أصحاب الإسلام الأمريكي تعلمتم من ابن حزمٍ الذي أباح لكم آلات الطرب، أصولَ الغيرة على دين الله ومحارمه، واتخاذ المواقف الجدية الصارمة تجاه الكفرة والمبتدعين، والمخالفين المحاربين لهذا الدين، كما كان يفعل الإمام رحمه الله… إلا أنكم أتباع هوى، وقد كان من جرَّاء ميوعتكم وتخنُّثكم في الدين أن صار الطائع عاصياً، والعاصي مستحلاً، والمستحل متمادياً، والغيور على الدين ديوثاً فيه!

هذا… وقد جرَّأتم العوام والجهلة على العلماء والأئمة، وعلَّمتموهم اللمز والغمز، والكبر والغرور، ونسبتم إلى الدين ما ليس منه، وأخرجتم منه ما هو في صميمه، حتى صار المذنب العاصي بسببكم مطمئناً هانئ البال، مرتاحاً إلى تهاونه وتقصيره، بعد أن كان نادماً تائباً، خائفاً من ربه منيباً إليه…

فالله المستعان على جهلكم بالدين وغشِّكم للناس فيه، وتقحُّمكم السافر لما لستم بأهله في قليلٍ ولا كثير…

12/11/2014

فقط كن (إسلامياً)، ولا تقلق! ~

06/12/2014 عند 18:42 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

من الحيل الخبيثة التي يمارسها (الإسلاميون) في إطار حربهم النفسية على مخالفيهم ومنتقديهم، والمستحقة للتحذير منها ولفت الانتباه إليها؛ ركوبهم على موجة ما يتعرضون له من الحرب التي يشنها عليهم العلمانيون والملاحدة وأشباههم من أعداء الدين ومحاربيه.

تنتفد أنت ضلال الإسلاميين وتناقضهم، وما يتورطون فيه من العصبية والميكيافيلية البغيضة، فيقول لك الواحد منهم: “انظر، أنت تنتقدنا وترفضنا؟! أنت تحاربنا؟! هذا هو نفس ما يفعله الملاحدة والعلمانيون وأشباههم، فهل أنت منهم؟! وهل تقف في صفهم؟! أنت تخدم العلمانيين بانتقادك لنا! أنت تحارب الدين برفضك لأفكارنا!”

وهي حيلة نفسية خبيثة، ومن المؤسف أن ألاحظ بأنها تنطلي على كثير من الإخوة الأفاضل، حتى أن البعض منهم صار يتحرج من الصدع بكثير من آرائه ومواقفه، ويجبن عن ذلك، حتى لا يتهمه الإسلاميون بأنه يكرر نفس كلام العلمانيين، وأنه عميل لهم ويعمل لصالحهم!

والجواب عن هذا هو أن العبرة بالحق، وليست بآراء الأطياف والجماعات، وأن يتفق موقف لك مع موقف العلمانيين وأشباههم فذلك لا يعني أنك منهم أو معهم، أو أنهم على الحق! خاصة وأن العلمانيين هم قوم لا مبادئ لهم أصلاً، فلا ينبغي أن يُلتفت لأقوالهم ومواقفهم، فضلاً عن أن يُحتج بها وتُأخذ بعين الاعتبار.

والمثال على ذلك أن العلمانيين قد ينتصرون لبعض القضايا المجتمعية مما هو حق في ذاته، وإن كان ذلك بنوايا سيئة في حقيقة الأمر، مثل قضية (العنف ضد المرأة) مثلاً، فهل إذا وقف العلماني ضد تعنيف المرأة، فإن ما ينبغي علي أن أؤيد تعنيفها وظلمها حتى لا أسمى علمانياً؟! وحتى لا يتهمني أحد بأني أقف في صفهم؟!

والعلماني قد يحارب الإرهاب والتفجير والقتل باسم الدين، بنوايا سيئة طبعاً! لكن هل هذا يعني أن علي أن أكون إرهابياً تفجيرياً، وأن أناصر هذه الجماعات التكفيرية حتى لا يقال عني بأني علماني؟!

إن الإسلاميين الحركيين بما رُبِّي فيهم من الخبث والخداع يلعبون على هذا الوتر كثيراً، ويهددونك بأنك إن لم تناصرهم وتعتنق أفكارهم التخريبية فإنك ولا بد مناصر للعلمانية ومحارب للشريعة، وكاره لأن يعلو دين الله في الأرض!

إن مما ينبغي أن يُنظر إليه بكثير من الاهتمام الجاد، تلك القوة العاطفية العجيبة للقب (الإسلامي)، وهو لقب يكفي لتبرير جميع البدع والضلالات والخيانات والجرائم، ويكفي كذلك لكسب تعاطف الشعوب المسلمة مع من يحمل هذا اللقب المقيت، مهما قال وفعل، ومهما كذب وخان، ومهما جار وظلم!

فقط كن (إسلامياً)، واحرص على أن تنتسب لهذا اللقب، وأن تلتصق به التصاقاً وثيقاً، ولا تقلق! سيتعاطف الجميع معك! قل وافعل ما شئت، ابتدع في الدين، خن، فرِّق الأمة، تلون في مواقفك، تذبذب وتناقض، حرض على الجريمة، اقتل وفجر، افعل أي شيء! فقط ارفع بطاقة (الإسلامي) ولا تقلق، سيتعاطفون جميعاً معك…

21/11/2014

كفريات في أغانٍ دينية ~

06/12/2014 عند 18:29 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

kofriat

.

حدث في صباح أحد الأيام أني كنت ذاهباً إلى عملي، وفي بعض الطريق انبعثت من مذياع السيارة أغنيةٌ معروفةٌ من أغاني المدعوة فيروز، وقد ذكرتني الكلمات الأولى للأغنية بجدلٍ قديمٍ قرأتُ عنه، ثم هالني ما سمعتُ في تتمتها من الكفر البواح والتكذيب الصارخ للوحي، والمناقض مناقضةً صريحةً واضحةً لما أخبرنا الله تعالى به في كتابه بأوضح عبارةٍ وأجلى بيان.

هذه الأغنية التي أتحدث عنها هي: “أعطني الناي وغنِّ”، وهي مقتطفةٌ من قصيدةٍ كتبها الأديب النصراني جبران خليل جبران، وقد غنَّتها المطربة النصرانية أيضاً فيروز، والذي يهمنا في كلمات القصيدة أو الأغنية هو الآتي:

– “أعطني الناي وغنِّ … فالغنا سرُّ الوجودْ

وأنين الناي يبقى … بعد أن يفنى الوجودْ”

ثم تذكرت وهذه الكلمات المزعجة تعبر أذنيَّ، جدلاً قديماً كان قد دار حول مطربٍ غنى هذه الكلمات الكفرية من المسلمين، بل هو من فئة “الإسلاميين” ومعدودٌ في رموزهم الفنية، وأعني هنا ثقيل الدم السَّمِج، المدعوَّ برشيد غلام، وقد غنى هذه الكلمات على الهواء مباشرةً في برنامج (صولا)، مع المغنية اللبنانية عبير نعمة.

وأقول بعد هذه الرزية التي يحسبها الناس هينةً وهي والله عظيمة:

صدق الله وكذب جبران، صدق الله وكذبت فيروز، صدق الله وكذبت عبير، صدق الله وكذب غلام!

يقول الله تعالى في كتابه العزيز، في سورة الرحمن: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾.

وأما هؤلاء فيقولون: يبقى (أنين الناي) بعد أن يفنى كل من عليها!

تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً، ونعوذ بالله من هذا الكفر البواح، والذي إن نطق به من هو كافرٌ أصلاً من النصارى وغيرهم، لما كان مستغرَباً منهم، أما أن يتورَّط في التغني به مسلمٌ يُزعم له أنه (منشد الحرية)، وقد صُيِّر أيقونةً إنشاديةً ورمزاً فنياً لإحدى أكبر الحركات الإسلامية القائمة، وهي جماعة العدل والإحسان، الساعية – كما تزعم – لإعادة الخلافة على منهاج النبوة، فهذا ما لا يمكن أن يكون مقبولاً بحالٍ من الأحوال، ولا يسعه أي عذرٍ من الأعذار مهما كان نوعه.

بل إن مثل هذا لا يتورط فيه مسلمٌ شمَّ رائحة التوحيد، أو عرف أبسط أبجديات الدين التي هي من المعلوم منه بالضرورة.

ومما يحزُّ في النفس أيضاً، أن ذلك الجدل القديم الذي أثير حول مشاركة هذا الغلام السَّمِج في برنامج (صولا)، قد ظل مقتصراً على مجرد المشاركة في حدِّ ذاتها، وعلى ما فيها من مجالسة النساء المتبرجات والغناء معهن، ولم يُلتفت للأسف الشديد إلى هذه الطامة الكفرية في الكلمات المغنَّاة، وهي لو علموا لأشدُّ خطراً وأبعد ضلالاً بكثيرٍ من مجرد المشاركة في ذلك البرنامج، ومجالسة المتبرجات، والغناء معهن!

نعم، سيأتي من يبرر ويؤوِّل، ويلتمس الأعذار، ويجادل عن الذين ظلموا، وكأني أسمع من يقول بأنه لا شيء في كل هذا، وأنه يجب أن (نفهم) الآية فهماً صحيحاً، أو أن (نفهم) كلمات الأغنية كما ينبغي، وكأن الفهم عن الله لا يكون إلا بمخالفته، أو كأن كل زنديقٍ كافرٍ كتب كلماتٍ تخالف صريح القرآن، فإن في كلماته تلك (أبعاداً عميقة) لا يتوصل أمثالنا من السطحيين والحرْفيين إلى إدراكها!

وكأني أيضاً بمن يقول بأن هذا الأمر برمته مجرد شعرٍ وغناء، ولهوٍ ولعب، ولا يستحق هذا الانفعال كله… وهؤلاء أذكِّرهم بقول ربنا عز وجل في سورة النساء:

– ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾.

وأذكرهم كذلك بقوله عزَّ من قائل في سورة التوبة:

– ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ ﴾.

وأما الذين يتأوَّلون للظالمين ويلتمسون لهم الأعذار، ويجادلون عنهم، فإليهم قول الله تعالى في سورة النساء:

– ﴿ هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾.

وبقي ذلك الصنف المفتقر للموضوعية، والذي لا يحسن شيئاً غير السب والشتم، والذي لا يحرر لك موطناً للنزاع ولا يصارحك بما يرفضه في كلامك، بل يكتفي بتوجيه (الشتائم) لك من قبيل: تشدد، سلفية، وهابية… الخ.

فلهؤلاء أقول: إن كنتَ تعترض على شيءٍ من هذا الكلام وكان لك مستندٌ علميٌّ أو شرعيٌّ أو عقليٌّ أو موضوعي، فهات مرحباً، وأما إن كنتَ ممن يتحسَّسون من التصفية العقائدية، ويعتبرونها على سبيل الانتقاص سلفيةً ووهابية، فنعم إن شئت! أنا سلفيٌّ وهابيُّ إن كان هذا ما تريد قوله، واذهب إلى أقرب جدارٍ منك وانطحه برأسك، حتى تتهشَّم جمجمتك الفارغة.

وعلى العموم، فإن في كثيرٍ من أغانينا الموروثة وأهازيجنا الشعبية مخلَّفاتٌ من العقائد الشركية والملل المنحرفة، وأكثر من يترنم بها الآن من المسلمين جاهلٌ بخطورتها، غير عالمٍ بمعناها ولا بما يلزم منها، وهذا من نتائج ما ابتليت به الأمة من ضياع علم التوحيد، وتأخير التصفية العقائدية في سلَّم أولويات الدعوة.

ولتأخذ عندك كمثالٍ لهذه الكلمات في أهزوجةٍ شعبيةٍ مشهورة، بل هي محسوبةٌ ويا للأسف على ما يسمى بـ (الأغاني الدينية):

– “المدد المدد يا رسول الله … اسقنا بالمدد أيا حبيب الله.”

فهذا كما ترون دعاءٌ لغير الله، وهو توجهٌ بالدعاء لميتٍ أن يمنح مدداً ويحقق نفعاً، والتوجه بالدعاء لغير الله “شِرك” به، كما دلت على ذلك النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، حتى لو كان المدعوُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي أغنيةٍ أو أهزوجةٍ شعبية أخرى، وهي دينيةٌ أيضاً، نسمع من كلماتها:

– “الله الله الله … ما كاين غير الله”، بمعنى: “لا كائن إلا الله.”

واسم هذا المعتقد الكفري الباطل: “وحدة الوجود”؛ وهو يفترض أنْ لا وجود إلا لله، وأن كل الموجودات في العالم ما هي إلا الله نفسه! وهي عقيدةٌ فاسدةٌ أفتى علماء أهل السنة قديماً وحديثاً بكفر من قال بها، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

ومثل هذا كثيرٌ في الأغاني الدينية والأمداح النبوية، وهو مما ينبغي الانتباه إليه وعدم التساهل معه، فأكثرها متفشٍّ في المسلمين دارجٌ على ألسنتهم، لا يعلمون شيئاً عن ضرره ولا عن خطورته على دينهم وعقيدتهم التي يجعلونها، ولو نبَّهتَهم إلى شيءٍ من ذلك لضحكوا منك وسخروا بك، والله تعالى المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل…

23/10/2014

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.