انتكاسةٌ علمانية ~

06/12/2014 عند 20:02 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

intikassa

.

لا أذكر على وجه التحديد أيَّ موجةٍ من أمواج البحث الرقمي قادتني إلى الموقع المسمى بـ (الحوار المتمدن)، وهو موقعٌ معروفٌ بدعواته الصريحة للإلحاد والعلمانية، ويضم بين جوانبه كل منخنقةٍ وموقوذةٍ ومترديةٍ ونطيحةٍ وما أكل السبع؛ من كل ملحدٍ كافرٍ وعلمانيٍّ حاقد.

وقد فاجأني يومها مقالٌ قرأته فيه، كتبه وعلَّق عليه بعض أولئك الذين يبشِّرون بالعلمانية على أنها المذهب الوحيد الذي يمنح لجميع الأديان حريتها وحقوقها الكاملة، دون حزازاتٍ ولا تحيزاتٍ ولا صراعاتٍ متبادلةٍ فيما بينها.

وكان أول ما خطر ببالي بعد قراءة المقال قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾، وظهر لي بوضوحٍ تامٍّ أن هذا المعنى في الآية منطبقٌ أيضاً على شرذمة العلمانيين هؤلاء، والذين هم أيضاً (لن يرضوا عنك حتى تتبع ملَّتهم)! حتى وإن كنت أنت نفسك منهم وعلى مذهبهم، وتنشر أفكارهم الموبوءة بحرصٍ واستماتة.

وها هي ذي واحدةٌ منهم، بل من أكبر دعاة العلمانية والتغريب في هذا العصر، وهي عاهرة الأدب أحلام مستغانمي، والتي رغم كل ما بذلته من الجهود الروائية وغيرها على مدى عقودٍ من الزمن، في خدمة العلمانية والفساد ونشر الرذيلة والانحطاط الأخلاقي، لم تسلم من ألسنتهم العفنة عند أول بادرةٍ بدرت منها، بدا لهم منها أن فيها ميلاً ولو قليلاً إلى شيءٍ من الوعظ الديني الذي أثار حنقهم واشمئزازهم، وأسال مداد أقلامهم بالهجوم على كاتبتهم الأثيرة، التي كانت من قبلُ موضوعَ ثناءٍ وتعظيمٍ في موقعهم ذاك نفسه.

لقد حدث أن نشرت أحلام مستغانمي بعض العبارات الدينية على شكل مواعظ نسائية، أو تظهر على أنها كذلك، في شهر رمضان منذ بضع سنواتٍ خلت، وأنقل لكم بعض عباراتها هذه، متبوعةً بمقاطع من المقال المنشور في موقع الحوار المتمدن، مع عينةٍ من التعليقات على ذلك المقال.

قالت أحلام مستغانمي:

– “لا تطمئني إلى رجلٍ انصرف عن طاعة الله مأخوذاً بدنياه، إن من لا يعترف بفضل الله عليه لن يعترف بجميلك، ومن لا يستحيي من ملاقاة الله مذنباً، سيذنب في حقك من دون شعورٍ بالذنب، ومن ترك صلاته وصيامه بذرائع واهية، وتربى عليها، سيعثر حين يشاء عن الذرائع التي يحتاج إليها لتركك”

وقالت أيضاً:

– “من لا يرى أبعد من حياته ولا يحسب للآخرة حساباً، هو في الحب لا يرى أبعد من لحظته، و لن يصدُق في التزامه معك أبعد من يومه، و من نسي أن الله يراه، سينسى أن يرى دموعك حين تبكين ظلمه، ومن لم يعتد التضرع لله طلباً للغفران، لن تُجدي معه عند الحاجة تضرعاتك.”

هذه (المواعظ الدينية النسائية) كما أسموها، والتي أثارت ضجةً في حينها، وموجاتٍ من الاستحسان والاستنكار معاً، يبدو أنها لم ترق لكتَّاب موقع الحوار المتمدن، ويظهر أنْ قد راعهم وأثار حفيظتهم هذا (التغير المفاجئ نحو الأسوأ) لكاتبتهم العزيزة، والتي طالما تغنوا بها وبأمجادها الأدبية في نصرة الحركة النسوية ونضالها البطولي الطويل.

وإليكم مقتطفات من المقال المنشور بتاريخ 06/09/2010 لكاتبه (علي عجيل منهل) بتصرفٍ يسيرٍ جداً، قال فيه بلهجةٍ تنزُّ استهجاناً واستنكاراً:

– “إن الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأيٍ ونشر كل مذهبٍ والترويج لكل فكرٍ كما قال المفكر قاسم أمين، وليس الإيمان مسألةً عقليةً أو علميةً وإنما الإيمان مسألة شعورٍ صِرف، شعورٍ يجعل صاحبه يرى نفسه محتاجاً إليه إلى حدِّ أنه يستحيل أن يعيش بدونه.

السيدة أحلام مستغانمي؛ هذه المرأة المتحررة التي دخلت في باب الدين والتدين، ولبست عباءة الدين والوعظ وتقديم النصائح لبنات جنسها، وهجرت ذاكرة الجسد والعلاقات العاطفية وأخذت تقدم النصح والإرشاد لبنات جنسها.”

أقول: لا أظن أن هناك متذوقاً للغة العربية فاهماً لها، ستخفى عليه نبرة الاستنكار الواضحة، واعتبار أن أحلام مستغانمي قد خذلت (القضية) بما نشرته من مواعظ دينية، يُستدل بها على أنها خانت مبادئها السامية المتمثلة في ذاكرة الجسد والعلاقات العاطفية!

يقول الكاتب:

– “وهي ظاهرةٌ غريبةٌ في حركة تحرير المرأة العربية حضارياً واجتماعياً، وخاصةً لدى الفئات المثقفة من الكاتبات والفنانات والمغنيات والممثلات في السينما والمسرح، واللواتي يتحولن في فترةٍ قصيرةٍ إلى الدين والتدين والتحجب والستر، والاعتكاف في المنازل وحضور الدروس الدينية وإقامة الموائد الرمضانية، وتقديم المساعدات والهبات المالية للفقراء والمساكين، وتقديم الدروس الدينية والنصائح والمحاضرات، وترك السفور والحياة الفنية السابقة، ونجد نموذجاً واضحاً في حالة الروائية المعروفة أحلام مستغانمي.”

أقول: كما نلاحظ؛ فقد استنتج الكاتب من تلك المنشورات (الدينية) السقيمة أن كاتبتها قد هجرت السفور والحياة الفنية وغيرها من الأشياء (الجميلة)، والتجأت إلى التحجب والستر والاعتكاف، والدروس الرمضانية وتقديم المساعدات للفقراء، إلى غير ذلك من الأشياء (القبيحة) عنده!

يقول الكاتب:

– “ارتدت الروائية والكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي عباءة الدعاة، وبدأت بتوجيه خطابٍ لبنات جنسها من النساء يتَّسم بروحٍ دينيةٍ ونفَسٍ دعوي، فكتبت في صفحتها على الفيسبوك حزمةً من المواعظ والنصائح تعين المرأة على اختيار الرجل المناسب لها، وبدت تلك الكتابات متسقةً مع شهر رمضان الكريم، كما حظيت المواعظ بإعجاب أكثر من خمسمئة قارئٍ وقارئة.”

أقول: عظَّم الله أجركم في خمسمئة قارئٍ وقارئة! ونسأل الله لكم الصبر والسلوان على هذا المصاب الجلل…

بهذه الطريقة تم التعامل مع كتابات أحلام الدينية، من طرف أناسٍ كانوا هم أنفسهم المطبِّلين لها وقادة حملتها الدعائية، وأختم هذه النقول بتعليقٍ نُشر على هذا المقال نفسه، من طرف شخصٍ يسمي نفسه (علماني مغاربي)، يقول فيه:

– “أحلام مستغانمي ليست إلا واحدةً من أولئك النسوة المثقفات اللواتي تم استدراجهن إلى اعتناق الإسلام السياسي، إما بقوة الإغراء المادي الذي استهدفها وانبطحت له، وإما تلبيةً لرغبة الزوج الذي لم تستطع صدَّ إلحاحه. كثيراتٌ هن النساء اللواتي تربَّين على ثقافة الخضوع والخنوع رغم مستواهن الثقافي العالي، إنه واقعٌ لا يفتأ يلقي بمراراته. عجباً!”

وبهذا التعليق صارت أحلام مستغانمي، بسبب مواعظها تلك، معتنقةً لما يسمى بالإسلام السياسي، وقد خضعت له أخيراً بسبب الإغراء المادي أو إلحاح الزوج، أو بسبب تربيتها السابقة على ثقافة الخضوع والخنوع.

نعم… بهذه الأخلاقيات المنحطَّة تعامل العلمانيون مع صاحبتهم العزيزة، وجنديتهم الباسلة في ميدان الصراع تحت راية الحركة النسوية، عند أول (انتكاسةٍ) لها عن مبادئ (السفور والحياة الفنية والأدبية والسينمائية).

لم يرقبوا فيها إلًّا ولا ذمة، وهدموا سابقتها القديمة كلها، والتي تُقدَّر بمئات الصفحات وسنواتٍ طويلةٍ من نشر الفساد والرذيلة والانحطاط، مقابل أسطرٍ قليلةٍ فهموا هم منها أنها تدخل في إطار (الوعظ الديني)!

هذا، ولم أتطرق إلى تلك (المواعظ) نفسها، لأنها خارج موضوع هذا المقال، ولو أردتُ التطرق لها وانتقادها لطمأنتُ العلمانيين على أنه لا حاجة لأن يقلقوا، وأن تلك المواعظ نفسها هي سقيمةٌ ساقطة، كسقوط كاتبتها التي لم تتزحزح يوماً عن مبادئهم وأهدافهم، والدليل الملموس على ذلك هو روايتها الأخيرة (الأسود يليق بك)، والتي نشرتها بعد سنتين من (انتكاستها العلمانية) تلك، وهي انتكاسةٌ أحسب أن على العلمانيين أن يغفروها لها وأن يسامحوها، مراعاةً للعشرة القديمة، ولعربون (الثبات على المنهج) الذي قدمَتْه لهم، والذي أثبتت فيه إخلاصها التام وولاءها الدائم لعقيدة (العهر الأدبي) التي لم تتخلَّ عنها يوماً، وفي كافة مراحل حياتها القلمية الطويلة…

29/11/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: