محجبات ومتبرجات ~

19/07/2014 عند 00:51 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

جاء في سؤال تلقيته من أحد الأفاضل أو إحدى الفضليات ما يلي:

“كيف تنظر إلى المرأة المحجبة وغير المحجبة؟”

وكان الجواب بحمد الله كالآتي:

كنت أجبت سابقاً منذ قريب، عن سؤال قريب ذي صلة، حول (رأيي غي الفتاة التي تضع صورتها على الفيسبوك)، وكنت قد بنيت إجابتي عليه على التفريق بين أمرين مهمين هما رأيي في (وضع الفتاة لصورتها على الفيسبوك)، ورأيي في (الفتاة التي تضع صورتها على الفيسبوك).

فعلي هذا الهيكل سأبني إجابتي عن سؤالك هذا، وعلى منواله سأنسج، مفرقاً بذلك بين مبدأ (الحجاب) كحكم شرعي متعلق بالمرأة، وبين رأيي في الفتاة المحجبة وغير المحجبة.

* * *

مما لا يُختلف فيه بحال من الأحوال أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة، وأن له شروطاً وأحكاماً متعلقة به، وأن ضد الحجاب هو (التبرج)، وهو من مظاهر الجاهلية الأولى كما أخبرنا الله تعالى في كتابه العزيز، فكل من ليست محجبة هي (متبرجة)، وهي مرتكبة بتبرجها مخالفة عظيمة لتعاليم دينها التي ستُسأل عنها أمام الله.

ونظرتي إلى غير المحجبات، أعني المتبرجات، هي ليست نظرة عامة تشملهن جميعاً، فلا أسوي بينهن، بل تختلف النظرة باختلاف حال المتبرجة، ولمزيد من التوضيح أقول بأن غير المحجبات يختلفن عن بعضهن البعض اختلافاً بيناً، ذلك الاختلاف هو من حيث الشكل ومن حيث المضمون، على النحو التالي:

* من حيث الشكل: هناك تفاوت واضح بين غير المحجبات في حدة التبرج ودرجته، فليست التي تكشف عن شعرها مع احتفاظها بلباس فضفاض ساتر – في عمومه – لمعظم البدن كمن تكشف عن معظم بدنها ولا تستر منه إلا القليل! فهناك تفاوت واضح في (الشكل) بينهن، وهو تفاوت لا يُنكر بل يؤخذ بعين الاعتبار دون شك.

* من حيث المضمون: وهو الأهم، وهو ما يتعلق بسبب التبرج ودافعه، فهناك من المتبرجات من هن كذلك بدافع العادة أو الغفلة أو الجهل، مع إقرارٍ منهن بالخطأ واعتراف بالذنب، ثم إنهن يعبِّرن عن رغبتهن في الاهتداء والتحجب في وقت لاحق، ويعبِّرن أيضاً عن حبهن للدين واستغفارهن الله وطلبهن الهداية منه… إلا أنها شهوة النفس والغفلة أو غلبة العادة أو الانسحاق تحت ضغط المجتمع هو ما أوقعهن في هذا الإثم.

وهناك منهن – وهذا صنف آخر مختلف رغم التشابه في الشكل – من يتبرجن (عن سبق إصرار وترصد)، ويكون تبرجهن ضرباً من (اتخاذ الموقف النضالي) ضد ما يعتبرنه تقاليد وموروثات بالية، وربما ضد ما يعتبرنه أحكاماً دينية خاطئة تظلم المرأة بسبب سوء فهم الشيوخ لها، أو عداوتهم المتوهَّمة للمرأة، أو غير ذلك من شبهاتهن، فهذا الصنف يتبرج عمداً، ويدافع عن تبرجه، ويدعو إليه ويروج له، ويسعى في نشره وإشاعته، وربما حارب الحجاب بضراوة وهاجم المحجبات هجوماً شرساً.

وأسباب انتشار التبرج في الفتيات المسلمات، في عصرنا هذا، تنقسم برأيي إلى قسمين: أسباب نفسية وأسباب فكرية.

* الأسباب النفسية: هي ما يتعلق بشهوات النفس، والغفلة، والرغبة في التزين والظهور بمظهر جميل، والرغبة في منافسة الصديقات، أو اجتذاب الشباب لأسباب مختلفة، أو الرغبة في مجانبة فئة المحجبات حتى لا يُصنفن منهن، لا سيما في مجتمع ينظر نظرة سلبية جداً للمحجبات بسبب الأفعال المشينة والمخزية لبعضهن، أو غير ذلك من الأسباب المرتبطة فقط بالحالة النفسية للفتاة، دون أن تكون لديها خلفيات فكرية تجعل من تبرجها (موقفاً) مبنياً على أساس فكري معين.

* الأسباب الفكرية: وهي كثيرة أذكر منها:

– الجهل بالدين، والجهل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أُخذت منها الأحكام الشرعية المتعلقة بالحجاب، والجهل كذلك بأحاديث الوعيد الشديد للمتبرجات.

– التأثر بحركة التشكيك في الحديث والسنة، وهي حركة فكرية يقودها من يقودها من المعتزلة الجدد والعقلانيين وغيرهم من أهل الضلالة، ومن مقتضيات هذا الفكر وآثاره إشاعة ظاهرة (التشكيك في الحديث النبوي)، وذلك التشكيك ينتهي عادة إلى إسقاط الحديث وازدرائه وعدم العمل به، ومن آثار هذا المنهج على الفتيات – وهن يتأثرن به دون شعور – أن تعظ الواحدة منهن بحديث نبوي حول أهمية الحجاب، أو حول العقوبات الشديدة التي توعد الله بها المتبرجات من النساء، فتقول لك – باستخفاف واضح -: “وما أدراني أن هذا الحديث صحيح؟ ربما كان ضعيفاً أو موضوعاً!”

فإذا قلت لها: “لكن العلماء صححوه!” قالت لك: “وما شأني بالعلماء؟ وهل هم ملائكة؟ ربما ضعفه غيرهم! أنا لن أعمل إلا بشيء أنزله الله صريحاً في القرآن!”

فإذا جئت لها بالآية من القرآن قالت لك: “هذا فهمك أنت للآية، لكنني أفهمها بشكل مغاير!”

فإذا قلت لها: “تعالي ننظر إلى تفاسير الآية عند جميع العلماء والمفسرين” قالت لك: “وما شأني بالمفسرين؟ وهل هم ملائكة؟”

وهكذا… لا تستطيع إمساكها بشيء، ويظل الدوران في حلقة مفرغة آخرها أولها، وتظل الفتاة تمارس نفس ذلك الهروب البهلواني المعروف، وكل هذا بسبب التأثر بحركة التشكيك في الحديث والسنة، والجهل بقيمة العلوم الشرعية وقدرها، وتلك المناهج الصارمة القاسية، والجهود العظيمة التي بُذلت لتصحيح الأحاديث والآثار واستنباط الأحكام منها.

– انتشار ظاهرة “الإرجاء”، وهو مذهب فكري كثير الانتشار عند العوام دون أن يعرفوا اسمه ولا معناه! لكنهم يكررون عباراته ويعملون بمقتضياته، ومن مقتضياته فصل الإيمان عن العمل، ويترتب عن ذلك – عند بعض المتبرجات – ترديدهن الدائم لعبارة (الإيمان في القلب وليس في الثوب الواسع وغطاء الرأس)! ثم يتكون عندهن تصور أنه بمجرد إيمانهن بأن الله موجود فإنهن قد استحققن رحمته والنجاة من عذابه! وأما مسائل الأعمال والعبادات فضلاً عن أحكام الحجاب فهي عندهن مجرد زيادات دخيلة لا معنى لها، وتجد الواحدة منهن تقول لك – وهي مقيمة على تبرجها -: “أنا مؤمنة والحمد لله وأعرف علاقتي بيني وبين ربي، وأعرف أنه سيغفر لي لأن قلبي أبيض ولا أحقد على أحد!”

ويشار إلى أن انتشار فكر “الإرجاء” هذا بين المسلمين هو السبب الحقيقي وراء ترك الواجبات وأحكام الدين والاستهانة بالمعاصي والاجتراء على الآثام كلها، والمخرج من هذا كله عبارة (الإيمان في القلب)، أو (إن الله غفور رحيم)، أو (أنا رغم ذلك لا أفعل شيئاً وقلبي أبيض خال من الحقد وغيري يفعل ما هو أسوأ مني بكثير، لذلك أعرف أن الله سيغفر لي!)

فهذا إذاً توصيف واقعي لأسباب انتشار التبرج وعقلية المتبرجات وطريقة تفكيرهن…

* * *

وأما المحجبات، أو من يُحسبن على الحجاب بسبب تغطيتهن للرأس، والحق أن تغطية الرأس وحدها لا تكفي لتكون حجاباً، فهن أيضاً ينقسمن إلى أقسام، ويختلفن عن بعضهن البعض شكلاً ومضموناً.

* من حيث الشكل: هناك تفاوت واضح بين المحسوبات على الحجاب، فليست المرتدية للنقاب، أو للثوب الفضفاض الساتر، كالمكتفية بتغطية الشعر فقط، مع لباس ضيق أو كاشف أو مبالغ في تزيينه وبهرجته.

* من حيث المضمون: وهو ما يرتبط بدافع التحجب وسببه، وهن أيضاً يختلفن في ذلك ويتفاوتن، فمنهن من تتحجب التزاماً لأمر ربها، واقتناعاً بفرضية الحجاب، وقد تبالغ في تحجبها وتسترها أو تتساهل فيه غفلة أو تأولاً، لكن الأمر المؤكد أنها تتحجب امتثالاً لأمر ربها وطاعة له ورجاءً لثوابه وخوفاً من عقابه.

ومنهن من تتحجب فقط بسبب جريان العادة، وشيوع الحجاب في محيطها، أو لاجتذاب نوعية الشباب الذين يستهويهم حجاب الفتيات الساتر، أو انتشار النظرة الدونية لغير المحجبات في ذلك المحيط، أو تهرباً من المضايقات والمعاكسات التي تتعرض لها المتبرجات أكثر – نسبياً – من المحجبات، أو بسبب ضغط الأهل وأوامر الأب أو الزوج، مع بقاء الفتاة محتفظة في قرارة نفسها بعدم اقتناعها بذلك الحجاب، بل وتمنيها أن تنزعه وتتركه، لكنها لا تتحجب إلا مضطرة كارهة، ولولا تلك الضغوط المذكورة لنزعت غطاء الرأس ولرمت به بعيداً، ولتبرجت بلا حدود.

فيقال للفتيات اللواتي اخترن أن يتحجبن عن رضا واقتناع، وأخص بالذكر المنتقبات وذوات الثوب الفضفاض السابغ: إنكن بهذه الهيئة التي اخترتن لأنفسكن تمثلن الإسلام في عيون المسلمين وغيرهم، وأنتن بذلك تضعن أنفسكن تحت المجهر، وتصرفاتكن وأفعالكن تصير مراقبة بعناية، وهناك متربصون كثر، ومتعقبون لكل صغيرة كبيرة من المنافقين والمرجفين، وهم مستعدون لالتقاط أبسط أخطائكن ووضعها تحت المجهر، ثم تضخيمها وإشاعتها لتشويه صورتكن، وصورة النقاب أو الحجاب، ثم صورة الإسلام ككل، فانتبهن لذلك انتباهاً شديداً، وكنَّ على قدر مسؤولية هذا اللباس الذي تتزيّين به…

* * *

وختاماً نأتي للإجابة المباشرة عن سؤالك، وهو حول نظرتي للمحجبة وغير المحجبة، وقد سبق ذكر أن الحجاب فريضة على المرأة المسلمة، وأن تركها له إثم عظيم، وعودة إلى تبرج الجاهلية الأولى، وفي ذلك آيات وأحاديث كثيرة تتضمن الوعيد الشديد للمتبرجات، نسأل الله تعالى لنا ولهن الهداية والثبات.

وعليه فإن ما أعتقده أن على كل فتاة أن تلتزم بأمر ربها، وأن تلزم حجابها الشرعي بشروطه المعروفة…

على أني لا أعتبر – إطلاقاً – أن مجرد الحجاب هو دليل تفاضل بين النساء، وأن كل محجبة هي أفضل من كل متبرجة! أو أن كل منقبة هي أفضل من كل محجبة.

لا! بل إن الحجاب هو جزء من كل، والإنسان يُنظر له في مجموعه، فكم من فتاة متبرجة غافلة عن الحجاب، وهي في غير هذه المسألة ذات أخلاق حسنة ومواقف مشرفة، وذات حسنات كثيرة وصفات طيبة، وكم من فتاة محجبة بل ومنقبة، وهي مع ذلك لم تترك شيئاً من مفاسد الأخلاق ومخازي الأفعال إلا واتصفت به!

فلا يصح بحال من الأحوال أن نطلق الأحكام التفضيلية على النساء اعتماداً فقط على نسبتهن من الحجاب، فهذه رؤية سطحية متعسفة جائرة، ولا يصح أيضاً أن نميع الحكم الشرعي، وأن نهوّن من أهمية الحجاب وفرضيته، أو أن نقرّ المتبرجات على تبرّجهن لأي سبب من الأسباب، والأصل في كل الأمور التوسط والإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه دون ظلم ولا تزيّد ولا انتقاص.

الحجاب فرض على المرأة المسلمة، وغير المحجبة متبرجة، وهي آثمة بتركها للحجاب، وقد تكون لها حسنات أخرى، وليست كل محجبة أفضل من كل متبرجة، وقد يكون في هذه الأخيرة من الآثام والمفاسد بأنواعها أكثر مما في الأولى، وقد يكون العكس، وهكذا…

أسأل الله أن يهدينا ويهديهن جميعاً إلى الخير، وأن يغفر لنا ولهن وأن يتجاوز عنا وعنهن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

14/07/2014

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: