خطاب الروح ~
12/11/2009 at 23:55 | In صيد الخواطر | 4 Comments.
-[ ~ رسالة إلى الباحثين عن مواطن الجمال ... ]
.
.. كثيراً ما يحصل لي أن أحس بأنني صرت شبحاً أرى ولا أُرى ! فأجد نفسي أراقب الناس وأتفرّس في ملامحهم .. أراقب تصرفاتهم .. أفعالهم وردود أفعالهم .. حتى أظن أنني لست واحداً منهم .. لست معنياً بما يعنيهم ولا تربطني بهم أية علاقة ! فأجد أن معظمهم بعيدون كل البعد عن معرفة مواطن الجمال في الحياة .. بل بعيدون حتى عن محاولة استقصائها وتلمّسها .. فكيف يعرف هؤلاء أنفسهم فضلاً عن أن يعرفوا محيطهم ؟! ما رأيته كان أرواحاً هائمة لا تلوي على شيء .. والدنيا كلها سوق اقتربت ساعة انقضائه !
لكن .. لا ألبث مستغرقاً في حالتي هذه حتى تغلبني جاذبية الأرض فجأة ! فأعود إلى جسدي .. وأجد أنني في غاية التعطش للبحث عمّن هم مثلي .. يبحثون عن الجمال …
.
* * *
.
~ الحروف ~
.
-[ تسعة وعشرون حرفاً هي حروف لغتنا العربية .. يُلبسها الكُتاب أفكارهم ويرصّونها بعناية ويهدونها لغيرهم .. يستقبلها الآخرون بعيونهم وتترجمها عقولهم .. فتتخاطب الأرواح ! .. قلّي ماذا تقرأ .. أقل لك من أنت ... ]
كثيراً ما يُعجب الناس بالحروف والكلمات .. فيدمنون على القراءة وتنتشي نفوسهم بتدبر المعاني .. إن عدد الحروف محدود جداً .. وهي الحروف نفسها تتكرر في كل ما يُقرأ .. لكن الكتابة نوع من خطاب الروح ..
تتراكم الأفكار في رأس الكاتب فينقحها ويرتبها .. ثم يمسك قلمه فيجّسدها حروفاً وكلمات .. تتناغم الجمل والسطور لتسمى أسلوباً .. تتكاثف الفقرات لتصبح نصاً يخاطب وجدان القارئ وخفايا نفسه ..
إن الكتابة خطاب للروح … فلماذا إذاً يُعجب القارئ بحروف وكلمات منثورة على الورق ؟! بل إنه يقرأ في المكتوب أجزاء من نفسه وخطاباً يتغلغل في خفايا روحه .. فيندهش من وجود شخص آخر يفكر كما يفكر ويتأمل كما يتأمل .. بل ويجيب عما استشكل عليه ويضيف مع كل فقرة يكتبها لبنات جديدة في بنيان نفسه … قلّي ماذا تقرأ .. أقل لك من أنت …
من الناس من يحب قراءة المواعظ والنصائح .. فيميل لكتابها ويطرب لأسلوبها .. ومنهم من لا تؤثر به سوى الروايات والقصص المحبوكة .. وهناك من لا يجد نفسه سوى في التقارير والمقالات الإخبارية الرسمية .. وهناك من يعود بالزمن إلى الوراء مع حكايا التاريخ وأخبار القدماء .. ومنهم من يهيم مع أشعار الغزل وقصائد الحب ومسارح الخيال … وهناك من يستكشف ما تمخضت عنه قرائح الفكر .. ويتنزه في عقول الناس ..
يختلف القراء بقدر ما يختلف الكُتاب .. وما الكتاب سوى امتدادات للقراء .. تربط بين أرواحهم روابط لا يشعر بها سواهم .. وهنا تحصل السعادة .. عندما تجد أن هناك شخصاً قادراً على أن يغوص في أعماق أعماقك .. ويستوعب خفايا ما تفكر فيه .. فيقوم بكشفها وإخراجها .. ثم تجسيدها بحروف وكلمات …
وستظل الكتابة لغزاً …
.
* * *
.
~ الموسيقى ~
.
-[ سحر ويا له من سحر .. عندما تتحرك الأصابع الرشيقة بتناسق مدهش على المفاتيح والأوتار .. فتصدر ألحاناً تخاطب وجدان المستمع وتتمايل بحسب تضاريس نفسه العميقة وعقله الباطن .. خطاب الصوت المصنوع أكثر غموضاً من خطاب الحروف المكتوبة .. لكنه أبلغ في التعبير وأشد في الارتباط .. قلّي ماذا تسمع .. أقل لك من أنت ... ]
مازلت لم أفهم بعد كيف يستطيع الملحنون كتابة الألحان .. وكيف يستطيع العازفون عزفها .. لنبتعد الآن عن عالم الموازين والمقامات والنوتات .. ولنعد إلى الأصل الذي ليس قبله أصل .. إنها الفكرة الآدمية .. إنه الشعور الإنساني الذي يختلج في أعماق النفس .. والذي لا ينتبه له سوى ذو حس مرهف .. وكثيراً ما شبهت الموسيقى بالإحساس .. بل وكأنها الإحساس نفسه مجسّداً بصوت ..
إن خلجات نفوسنا تتمايل يمنة ويسرة .. صعوداً ونزولاً .. رقة وحدة .. وكذلك الألحان الموسيقة النابعة من هذه الخلجات .. فأية عبقرية تلك ؟! أن يجسّد الإنسان مشاعره بصوت مسموع .. ولحن معزوف … قلّي ماذا تسمع .. أقل لك من أنت …
عاش البعض في الطبيعة وامتلأت عينه بالمساحات الخضراء الشاسعة .. وانسابت خصلات شعره مع النسائم العليلة المنعشة .. فأمسك القيثارة والناي وعزف بهما أجمل الألحان وأكثرها هدوءً وانسياباً .. وكأنها صورة تعكس انطباع نفسه المتأثرة بمحيطه الذي يعيش فيه .. وعاش البعض الآخر في زحام السيارات وزُكمت أنوفه بدخان المصانع .. وتعبت أجسامه من الجري والكد طوال اليوم في عصر من السرعة .. فلم يجد غير إمساك العصي والجلوس إلى الطبول .. واحتضان القيثارة الكهربائية .. لتنبعث أعنف الألحان وأكثرها صخباً وتطرفاً .. وكأنها صورة تعكس العواصف الهوجاء التي تعصف بالمحيط بقدر ما تعصف بنفس الإنسان وروحه …
ستظل الموسيقى لغزاً يحتاج إلى كشف .. وسيظل وقع أصواتها على نفس المستمع خطاباً خفياً من الروح إلى الروح .. وللناس فيما يعشقون مذاهبُ .. فذاك تطربه الألحان الهادئة العاطفية .. وآخر يسترجع الزمن مع الأغاني القديمة رافضاً كل جديد .. وآخر يعتز بوطنه ويهيم مع أغانيه القومية .. وذاك يلتمس التذكر والنصيحة في الأناشيد الدعوية .. وآخر يطلق العنان لنفسه الصاخبة فيصخب معها بأسرع الألحان وأشدّها إيقاعاً …
تختلف الأذواق .. تتقارب وتتباعد .. لكن الروابط بين المستمع والعازف تظل قائمة دوماً .. وكأن في داخل كل واحد منا لحناً يُعزف .. نكاد نسمعه ولا نميز حقيقته .. حتى يأتي الملحن فينفذ إلى أعماق خواطرنا ويستخرج منها تلك النوتات ويقدمها إلى العازف .. ليجسّدها أصواتاً وإيقاعات نسمعها .. ونجد فيها جزءً منا .. ثم نتساءل باستغراب كيف حدث ذلك ؟! …
وستظل الموسيقى لغزاً …
.
* * *
.
~ الصور ~
.
[ في عصر الصور أصبح كل شيء ممكن الحدوث ! برامج للتصميم .. خطوط وأنماط تنسيق .. خدع بصرية .. مواهب تنتج إبداعاً يخاطب أعماق الروح .. وذكريات مجسّدة ..... قلّي ماذا ترى .. أقل لك من أنت ... ]
صور تلتقطها العين ويترجمها المخ .. وسرعان ما تتحول إلى انطباعات لا تلبث أن تصير مشاعراً .. كانت مناظر الطبيعة ومازالت أجمل خطاب للروح .. يفهمه المتأملون والعشاق .. ويستلهمون منه مشاعر تتغذى منها نفوسهم .. ثم لم يلبثوا أن اخترعوا آلات تصوير تحبس الظل وتخلّد الذكريات .. وما أجمل أن تتجسّد الذكريات في صورة تمسكها بيديك وتراها بعينيك ..
زوايا تصوير .. درجات ألوان .. تعتيم وإضاءة .. والنتيجة رسالة صنعها الإنسان ليقدّمها إلى الإنسان .. رسالة لا تحتاج إلى الحروف لتوصل مغزاها للمتلقي .. بل حتى عناصر الصورة نفسها قد لا تكفي أحياناً .. إن لم يكن هناك ترابط أرواح مسبق …
مازال العالم يتكلم بالصور .. ومازالت الصورة الواحدة على صغر حجمها قادرة على تعويض صفحات وصفحات من الحروف والكلمات .. ويظل الناس مختلفين فيما يحبون أن يروا .. وبصدق أقول .. قلّي ماذا ترى .. أقل لك من أنت …
لتصميم الصور مجال من الإبداع .. واختلاف الناس في أذواقهم كاختلاف الصور في مضامينها .. وكأن كل صورة هي إسقاط لنمط تفكير معين .. وخلجات نفس مختلفة .. فهناك من يحلّق مع الصور الطبيعية الخلابة .. يركض في مساحاتها ويسبح في مياهها ويحلق في هوائها .. وهناك من يتكئ ضاحكاً على أطرف ما التقطته آلة تصوير .. أو صممته يد إنسان .. وهناك من يجد نفسه في التصاميم الغامضة حيث تطفو على السطح أعمق الخواطر .. ومازال الناس يُعجبون بالمصممين وينبهرون بقدرتهم على استخراج أعمق ما يختلج في أنفسهم من الخواطر .. وتجسيدها بصور مركبة وألوان موزعة بعناية وخطوط صُنعت خصيصاً لمخاطبة الأعماق …
لكل واحد منا خيال يصوّر .. صوراً نكاد نراها ولا نميّزها .. فيأتي المصمم ليجسّدها لنا صورة تُرى .. فأي إبداع وأية موهبة !
وسيظل تصميم الصور لغزاً …
.
* * *
[ كتابات تُقرأ .. موسيقى تُعزف .. صور تُرى .. هل أوفينا هذه الفنون حقها ؟ إنها شيء أكثر مما نحلم به .. إنها مشاعر مجسّدة .. إنها المحسوس يتحول إلى ملموس ! .. إنها ألغاز صغيرة تتظافر لتكوين اللغز الكبير .. إنه ..... ]
.
~ الإنسان ~
.
[ جسم يُرى .. صوت يُسمع .. كلام يُفهم .. وروح لا يعلم سرّها سوى الله ... قلّي من تصاحب .. أقل لك من أنت ... ]
الإنسان يكتب .. الإنسان يعزف .. الإنسان يرسم ويصمم .. الإنسان هو اللغز الكبير الذي تنبعث منه كل الألغاز الصغيرة التي حير بعضها العالم بأسره ..
إنه الإنسان الذي نراه كل يوم يغدو ويروح من حولنا .. إنه الإنسان الذي نمضي معه أجمل أوقاتنا وأتعسها .. إنه الإنسان الذي نحب ونكره ..
إنه الإنسان الذي نبحث عنه ليملأ فراغنا .. أو ليكون نصفنا الآخر وكأننا بدونه مجرد نصف ! الإنسان في حد ذاته ببساطته وتعقيده .. بوضوحه وغموضه .. بخيره وشره .. أكبر خطاب للروح وأشسع موطن للجمال يمكن أن نجده .. عيونه أجمل صورة تُرى .. كلامه أفضل نص يُقرأ .. وصوته أعذب موسيقى نسمعها ..
الأرواح جنود مجندة .. تتعارف بعضها فتتآلف وتتكامل .. وترتقي معاً في درجات السعادة .. وتتنافر بعضها فتختلف وتتباعد .. وقد تهوي معاً في دركات التعاسة .. وما السر إذاً وراء كل هذا ؟ لماذا نحب ولماذا نكره ؟ لماذا نتعارف ونتنافر ؟ ..
إنه [ خطاب الروح ] ..
خطاب الروح هو الذي يجمع الطيبين معاً والأشرار معاً .. ومازال الإنسان يبحث دوماً عن من يجد فيه أجزاء من نفسه يتفاهم معها .. فيسكن إليها ويطمئن قلبه .. ومازال ذلك واقعاً في المشيئة عندما نوقن أن المرء على دين خليله .. وأن الخبيثات للخبيثين .. والطيبات للطيبين ..
قلّي من تصاحب .. أقل لك من أنت …
.
وسيظل الإنسان لغزاً ليس بعده لغز …
سناء عكرود .. خطوة نحو الهاوية
25/10/2009 at 00:44 | In حياتنا | 2 Comments
-[ كثيراً ما منّيت نفسي بأن ساحة التمثيل في المغرب لم تخلُ بعد من المغاربة الحقيقيين .. رغم كل الصدمات التي نتلقاها باستمرار عند كل عمل جديد فمعظم الأعمال التلفزية والسينمائية الآن هي ليست أكثر من مسخ لا هوية له .. والآن صدمة جديدة من العيار الثقيل .. دفعتني لأكتب عنها رغم أن الموضوع بعيد عن ميولي ... ]
سناء عكرود .. الممثلة العفوية التي استطاعت أن تحبب كل المغاربة في أدائها الجميل .. والذي تجسد في أعمال تراثية قيمة استمتعت بها الأسر المغربية وأبرزها ( عويشة الدويبة ) و ( رمانة وبرطال ) .. إلا أنها كانت صدمة عنيفة ما رأيته وقرأته حول [ إنجاز كبير ] قامت به هذه الممثلة .. و [ خطوة جريئة ] أضيفت لرصيدها الفني الزاخر ..
لست ناقداً سينمائياً .. ولست حاضراً بقوة في المجال الفني .. ولا أتحدث – الآن على الأقل – من أي منطلق ديني أو سياسي أو فكري .. سوى أنني مغربي مسلم ولا أختلف بهذا عن سناء عكرود وعن غيري من المتابعين .. بل أتحدث من منطلق شخصي بحت .. وهو الغيرة على فن أسند لغير أهله .. أريد فقط أن أعبر عن استيائي من وجود [ عقليات متخلفة ] هي التي تقود عالم السينما والإنتاج الفني في عالمنا العربي .. وهي التي تحدد خطوطه الحمراء ومعاييره الأخلاقية ضاربة عرض الحائط كل ما له علاقة بالدين أو الأعراف والتقاليد بل حتى الأخلاقيات العامة ..
وها هي ذي سناء عكرود .. البالونة التي انفجرت .. والتي حفرت قبرها بيديها بعد أدائها المخجل في الفيلم المصري [ إحكي يا شهرزاد ] ( بطولة منى زكي وإخراج يسري عبد الله ) .. وأخيراً ها نحن نرى ممثلة مغربية كبيرة ومحبوبة لدى الجمهور المغربي تقبل بأداء مشاهد مخلة للحياء وبكل جرأة ووقاحة .. نعم إنها خطوة عظيمة رفعت رؤوسنا عالياً .. نعم قد آن لنا أن نفتخر بامتلاكنا لممثلات يفخر بهن بلدنا .. مبارك ! لقد تقدمنا خطوة نحو الأمام !
إنه من المخجل حقاً .. أن تفتخر سناء عكرود بتأديتها لمثل هذه المشاهد .. وأن تبرهن بها على أن المغرب أنجب ممثلين حقيقيين .. وأن تعتبر ما فعلته خطوة جريئة لها نحو الأمام في مسيرة الإبداع الفني .. وكأن معيار جودة الممثل هو جرأته على تأدية كل أنواع المشاهد ..
أحزنني حقاً أن تفكر ممثلة مثل سناء عكرود مثل هذا التفكير المختلف الرجعي الظلامي .. وما أعرفه أن أهل التمثيل والإخراج يجب أن يكونوا أكثر الناس ثقافة وانفتاحاً ومسؤولية لكن الموازين كلها قُلبت رأساً على عقب ..
نعم يا سناء سيفتخر بك بعض هؤلاء ( الظلاميين ) .. فالفيلم سيحصد جوائز كثيرة .. وستبلغ شهرتك الآفاق .. وستُفتح أمامك سبل النجومية واحدة تلو الأخرى .. ولم لا قد تصبحين ممثلة عالمية في المستقبل وتعملين مع المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي .. لكنك في النهاية خسرت أهم شيء .. خسرت احترام شريحة كبيرة من المغاربة لشخصك ولأدائك .. فقدت ثقة الجمهور بك ..
نحن لا نحتاج لمشاهدة الفيلم ونقده بمهنية واحترافية .. ولن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المبررات والحجج بعيداً عن المنظور الأخلاقي للعمل .. بل إن المنظور الأخلاقي هو أول ما نضعه في عين الإعتبار .. فإن صلح صلح العمل كله ..
عندما تطلبين أن نشاهد العمل أولاً قبل أن ننقده .. وعندما تقولين أنه من الخطأ أن يقترن الفن بالأخلاق .. نقول لك أن التخلف مازال مهيمناً على عقلك وعقل من زرعوا فيه هذه الأفكار الظلامية .. وهذا شيء طبيعي لأن الظلاميين هم فقط من يسيطر على عالم الفن والإنتاج الفني ..
أتمنى أن يأتي يوم تتمكن فيه [ العقليات المتفتحة ] من الإمساك بزمام المجال الفني .. السينما كمنبر إعلامي يغير عقول الناس .. يجب أن تكون فقط في يد [ المتفتحين ] الذين يعرفون للفن أخلاقياته السامية .. بعيداً عن أصحاب [ التحجر الفكري ] من المتخلفين والرجعيين والظلاميين الذين نراهم الآن في ثوب الممثلين والمخرجين والمنتجين ..
فيا للأسف …
دمعة وابتسامة .. وأزمة تفكير
18/10/2009 at 00:52 | In صيد الخواطر | Leave a Comment-[ لم أستطع إخفاء دهشتي وأنا أقلّب تلك الصفحات الصفراء المهترئة .. إختل ميزان عقلي وتشوشت أفكاري كما تشوشت صورة الطبيعة التي كنت أراها عبر نافذة القطار ... يا لهول ما قرأت ... ]
.
يستحيل أن أجمع أمتعتي وأضعها في الحقيبة مستعداً لسفر .. دون أن أحشر بينها كتاباً أو كتابين .. فالكتاب خير مؤنس لوحدتي في عربة القطار وفي غرفة الفندق .. إصطحبت معي كتاب صيد الخاطر .. وأردت أن آخذ كتاباً آخر .. فوقع نظري على كتاب قديم كنت أراه منذ طفولتي مرمياً في إحدى زوايا المكتبة .. دون أن أفكر يوماً في قراءته .. كتاب قديم اصفرّت أوراقه .. ورُسمت على غلافه صورة مؤلفه تحت العنوان .. إنه كتاب [ دمعة وابتسامة ] لجبران خليل جبران ..
بصراحة لم أكن أعرف عن هذا الكاتب سوى اسمه وهذا جهل مني وتقصير .. لكنها كانت فرصة رائعة أن أقرأ كتاباً له على متن القطار .. شدّني أسلوب الكاتب وروعة وصفه .. ولمست في أسلوبه شيئاً جديداً لم يسبق أن قرأت مثله من قبل .. وصف خيالي للطبيعة ومناظرها .. وتأملات تدل على شاعرية هزّت قلوب الكثيرين .. وكنت كلما أنهيت فقرة من الكتاب حولت وجهي إلى النافذة أتأمل المساحات الخضراء والمناظر الطبيعية التي تهرب مسرعة من أمام ناظري مفسحة للمجال لغيرها في سلسلة لا متناهية .. وكأن الأرض هي من تتحرك وليس القطار ! .. لم أشعر بنفسي إلا وأنا على وشك إنهاء الكتاب رغم طوله …
.
لن أنكر أن أسلوب الوصف في الكتاب قد شدّني كثيراً .. لكن ما كان يثير استغرابي وجود أفكار وأقوال جريئة أكثر مما ينبغي وفي مجال العقيدة .. إتهمت كاتب الكتاب في دينه وخطر لي أنه مسيحي .. لكنني كنت أرى في أسلوبه اقتباسات من متن القرآن وعبارات المسلمين .. ثم لا ألبث أن أجد شطحات تخرج كاتبها من الملة .. فأستغرب .. من هذا الرجل ؟ وماذا يريد ؟ وماذا وراء أسلوبه الخيالي هذا ؟ .. أنهيت قراءة الكتاب وأعدت كثيراً من فقراته .. وكلي شوق لكشف غموض هذا الكاتب الغامض جبران خليل جبران ..
تبين لي بعد البحث أنه كاتب لبناني أمريكي قديم توفي في ثلاثينيات القرن الماضي .. مسيحي متمرد على كل القوانين والديانات حتى المسيحية نفسها .. ساخر من كل شيء حتى من نفسه .. متناقض جداً ومغرور .. كتب باللغتين العربية والانجليزية .. صفيق وجريء لأقصى حد .. عندما كان طفلاً زرع ورقة مكتوبة وانتظر أن تنبت !
.
لجبران خليل جبران انحرافات لا تنتهي ويصعب تعدادها .. أولها كفره وليس بعد الكفر ذنب .. وآخرها جرأته على الذات الإلهية وتمرده على الدين وعلى الشرائع كلها .. ومن انحرافاته إيمانه بألوهية الإنسان وخلطه في فهم معنى الإله .. وإيمانه بوحدة الوجود وهي فكرة صوفية ضالة .. وأيضاً إيمانه بتناسخ الأرواح ويظهر هذا في قوله : ” قريباً ترونني لأن امرأة أخرى ستلدني ” .. وقد بلغت به الجرأة أن يضع نفسه في مقام ” النبوة ” ويعتقد أن كلمة ” النبي ” هي فيه ومنه وله وهذا ما قاله في كتابه : ” توهمت في الماضي أن هذه الكلمة لي وفيّ ومني ” .. وله في كتبه الشهيرة مثل [ النبي ] و [ يسوع ابن الإنسان ] و [ الأجنحة المتكسرة ] ضلالات يحتاج تعدادها لبحث يقام على ضوء من العقيدة …
.
ما أريد أن أقول .. أن من موجبات الحذر والخوف على الذات .. أن نتأمل حال هذا الكاتب المسكين وأمثاله ومن تبنّوا فكره وفلسفته .. هذا الكاتب الذي استرق عبارات قرآنية وإسلامية وكتب بأفصح ما يمكن أن يكتب به كاتب باللغة العربية .. يصفه العالَم بالمفكر والأديب والفيلسوف .. ومن يقرأ له يعرف فعلاً أن الرجل قد سرح بتفكيره إلى أقصى الحدود .. فكان تفكيره لعنة عليه جعلته يصر على الكفر ويتطاول على الذات الإلهية ويتمرد على دينه .. فأي تفكير هذا الذي يقود الإنسان إلى مثل هذه الحال .. وأي جحود ؟ وأي عقل لهذا الذي سمع أقوال رسول العرب ( على حد قوله ) فلم يميز صحتها من علة ما فسد من فكره وفكر من حرفوا ديانته ؟ وأي قلب له بعد أن قرأ القرآن ولم يعِه ولم يرِق لمعانيه .. واكتفى منه باستراق شيء من أساليبه ليدرجها في كتاباته المنحرفة ..
.
إنه ضلال التفكير .. وليس كل التفكير محموداً كما يظن البعض .. فإن للتفكير منهجاً .. هدفاً وطريقة ونتيجة تقود إلى اقتناع .. وهو يتأثر بمحيطه حتى يظن المفكر أنه في عمق تفكيره قد تجاوز كل الحدود وحرر روحه من قيودها وتركها تسبح في اللانهاية .. بينما هو في الواقع حبيس في مجال ضيق حرج قد تداخله وسوسة الشيطان .. فيصبح جل تفكيره عبارة عن ( هوى ) .. ينطلق من الهوى وينتهي إلى الهوى .. ثم يقتنع بما يمليه عليه هواه فصبح هواه إلهه .. ثم قد يصل المفكر في مرحلة من مراحل تفكيره إلى الشك في كل شيء حتى في صحة معتقده .. بل حتى في نفسه وما يحيط بها من المحسوسات فضلاً عن الغيبيات .. وبعد الشك يجيء الإنكار .. وبعد الإنكار تجيء الاستهانة .. فنجد بعض الفلاسفة والسفسطائيين المتكلمين يستهينون بكل شيء .. بالجسد والروح .. بالسماء والأرض .. بل بالإله نفسه والعياذ بالله .. فإما يشكون في وجوده أو يجسمونه بما تملي عليه خيالاتهم .. أو يلصقون به من الصفات ما لا يليق بجلالته وعظمته … ومازالوا يتخبطون في أوحال فكرهم المتحرر حتى نهاية عمرهم ..
.
ها هم الفلاسفة منذ سقراط يفكرون ويضعون القوانين .. يتلمحون وجود الإله ثم يبحثون في دقائق النفس البشرية .. حتى إذا فرغوا توجهوا لوضع الشرائع والقوانين ورسم المدن الفاضلة وجنان الأرض .. فيموتون وتعقبهم أجيال جديدة من المفكرين .. يهدمون ما بناه سلفهم ويضعون بدلاً عن ذلك شرعهم الخاص .. فإذا بُعث الأنبياء تعاملوا مع ما يأتون به كـ ( معطيات ) قابلة للتحليل .. يضعونها تحت مجهرهم الخاص ويعرضونها على ما تمليه عليه أهواؤهم ووساوس الشيطان .. ومازالوا على ذلك حتى الآن ..
.
قد نزل القرآن العظيم وفيه جواب لكل ما يتخبط هؤلاء المفكرون في تفسيره وإيجاد جواب له .. ويسهرون الليالي وينهكون أجسادهم وأعينهم في التفكير والتأمل والبحث في كتب القدماء لعلهم يتلمحون فيها جزءً من الحقيقة التي عرفها فكرهم وضل عقلهم عن إدراكها .. فما أتعسهم … وما جبران منا ببعيد …
.
لست ضد التفكير ولست من دعاة التحجر .. بل إن التفكير رياضة العقول وبه يحصل التأمل وتُكتسب الحكمة .. لكن على التفكير أن يكون ممنهجاً بمنهاج العقيدة .. في منطلقه وفي طريقه وفي نتائجه .. فيكون أدعى لترسيخ العقيدة وفهم مقاصد التشريع واستشعار عظمة الخالق عز وجل .. وثق أن تفكيرك إن لم تقيده العقيدة قيده الهوى من حيث تظن أنك تحلق دون قيد .. [ المراء في القرآن كفر .. والسؤال عن كيف الاستواء بدعة ] ..
وإذا لم يكن من الله عون للفتى .. فإن أكثر ما يجني عليه اجتهاده ..
فيا أيها المسلم اعلم قبل أن تفكر .. أن عقيدتك هي عقيدة اتباع أولاً .. وعليك أن تثق أن مصدر ما تتبعه هو الله عز وجل .. وهو أدرى بحكمة ما نزّل سواء فهمت أنت ذلك أم لم تفهمه .. فإن طلبت الدليل ليطمئن قلبك وقد طلبه قبلك الخليل إبراهيم عليه السلام .. فإن الدليل موجود فابحث عنه .. وهل تُحجب الشمس بالغربال ؟ .. وإن لم تجد بعض ما بحثت عنه – وأحسب أنه قليل – فآمن بحكمة الله واصمت .. فقد يكون من لطفه وحكمته إخفاء الدليل .. وهنا دليل إيمانك .. وعبوديتك ..
إذا وعيت هذا .. ففكر كما تشاء .. واسرح في تفكيرك إلى أبعد ما يمكنك أن تصل إليه .. فلن تجد إن شاء الله إلا ما يسرك .. ولن يقودك تفكيرك إلا لفتح مزيد من أبواب اليقين يرق لها قلبك وتتحقق بها عبوديتك وذُلك لخالقك .. فتسمو روحك ….
.
قراءة في مشهد الثقافة
13/09/2009 at 11:46 | In عام | Leave a Commentدائماً يعد مفهوم الثقافة من المفاهيم الغامضة التي لا تحتمل تأويلاً واحداً قطعياً ، باعتبار مصطلح ( ثقافة ) مصطلحاً حديثاً لا نجد له أصولاً في تاريخ اللغة العربية ، كثير من المفكرين والفلاسفة أصدروا تعريفات متعددة لهذا المفهوم لكن مع ذلك يظل معنى الثقافة واحداً عند العوام وعامة الشعب ، وإن كان مفهومها موضوع بحث متشعب عند طلاب الأدب والفلسفة .. فهل الثقافة تعني العلم ؟ المعرفة ؟ كثرة المعلومات العامة ؟ وهل تتحقق بالإغراق في قراءة الكتب والمقالات وسماع البرامج والمحاضرات ؟
* * *
لست متخصصاً في هذا الموضوع بل لا أكاد أعرف شيئاً عن تفاصيله ، لكن أقرب تعريف سمعته واقتنعت به هو أن الثقافة هي ما يبقى في العقل بعد نسيان كل شيء ، نحن ندرس مواد كثيرة منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية ، لكن الطالب المتخرج لن يتذكر كل كتاب قرأته طيلة فترة تعليمه وبتفاصيله الدقيقة ، أي أن الطالب المتخرج من الجامعة يكون قد نسي تماماً النصوص التي درسها وحفظها واستعد بها لإجراء الامتحانات ، لكن عند المقارنة بينه وبين شخص لم يدرس شيئاً في حياته سيبدو الفرق واضحاً بين الطالب الجامعي والطالب المتخرج من المرحلة الإعدادية مثلاً ..
هذا ما يسمى بالتكوين المعرفي ، وهو تكوين متدرج وغير مباشر لشخصية الإنسان عبر المناهج الأكاديمية التي درسها طوال فترة تعليمه ، وتختلف جودة التكوين المعرفي بين شخص وآخر باختلاف نسبة التخلص من أنواع الأمية الثلاثة .. فهناك أمية هجائية يسهل التخلص منها في المرحلة الابتدائية عبر تعلم الحروف اللغوية والقراءة والكتابة ، وهناك النوع الثاني من الأمية وهو الأمية المعرفية ، ويتم التخلص منها عبر القراءة المتنوعة واكتساب قدر لا بأس به من المعلومات سواء في مجال التخصص أو في المعلومات العامة ، أما النوع الثالث فهو الأمية المنهجية ، ومعناه أن ليس كل شخص يعرف القراءة والكتابة وله رصيد من المعلومات في رأسه سواء أكان تحصيلها أكاديمياً أو حراً ، قادر على أن يضع بنفسه بحثاً في موضوع ما بحيث يحترم فيه أسس ومبادئ المنهج العلمي في البحث والتنظيم وبالتالي إنتاج موضوع مستقل مرتب الأفكار يستحق القراءة ويقبل النقد الخارجي ..
لمحاربة هذا النوع من الأمية كان من الواجب على الطالب أن يدرس علم مناهج البحث وهو العلم الذي يؤطر مجال التخصص من حيث الأدوات والطرق اللازمة للخوض فيه ودراسته ، وكذلك علم الابستمولوجيا أو فلسفة العلوم وهو العلم الذي يعني بمعرفة الأصول الأولى للعلم وكيف تم تكوينه من الأساس وهل ما تتم دراسته أو التخصص فيه يتوفر على شروط [ العلمية ] و [ الموضوعية ] التي تجعل منه [ علماً ] قابلاً للتدريس الأكاديمي أم لا .. ( كلمة ” ابستمولوجيا ” تترجم عربياً بـ ” علم العلم ” أو ” علم المعرفة ” ).
* * *
تجاوزاً لكل هذه المفاهيم الأكاديمية ، تبقى الثقافة مفهوماً مسلماً به عند عامة الناس وإن كان معظمهم وحتى بعض المثقفين منهم مع الأسف يفتقرون للمنهج السليم في البحث عن مراجع الثقافة وطريقة تقبل المعلومات الواردة والتي أصبحت سيلاً جارفاً في الآونة الأخيرة بفضل ثورة الإعلاميات والتواصل .. وبرأيي أن مشكل الثقافة في مجتمعنا المعيش يتجلى في ثلاثة مستويات عند ثلاث فئات اجتماعية وهي كالآتي :
- المستوى الأول ، عند غير المتعلمين أو الذين لم يتجاوزوا سوى الأمية الهجائية : عند هؤلاء نجد أن مشكلة الثقافة لديهم تتجلى في مصادر اكتساب هذه الثقافة والتشدد في التعصب لها أحياناً سواء بتأييد بعض المفاهيم أو رفض بعضها ، ولو بحثت ستجد أن لا أساس لمواقفهم سوى أنهم ألفوا آباءهم على تلك المواقف أو وجدوها كذلك منذ فُتحت أعينهم على المجتمع المحيط بهم ، ولهذا نجد أن شريحة كبيرة من العوام غير المكونين معرفياً تستمد قناعاتها فقط من المخلفات الفكرية والفضلات المعرفية الموجودة في البيت والشارع وقد يقود التعصب بعضهم إلى عدم قبول أية فكرة جديدة مهما تحلت بالمنطقية وحجة الإقناع ، بل قد يرى بعضهم أن الدارسين والمثقفين هم أشخاص قضوا أعمارهم وسط الجامعات والكتب ولم يدخلوا في معترك الحياة ولذا فإن معلوماتهم وأفكارهم هي مجرد عبث لا فائدة منه .. مع الأسف وجود مشكل كهذا وعند شريحة كبيرة من المجتمع هو دليل على قلة الوعي وغلبة الخضوع للمسلّمات البديهية الموجودة في المجتمع أو القادمة من الماضي دون تكلف عناء البحث عن مدى صحة تلك الأفكار وعلميّتها ..
- المستوى الثاني ، عند السائرين في طريق التعلم أو الذين هم في صدد محاربة الأمية المعرفية : كثير من هؤلاء يظهرون بمظهر المثقفين وذلك بسبب امتلاء رؤوسهم بالمعلومات العامة التي أتت من مطالعة الكتب أو مشاهدة البرامج الوثائقية ، ويتفاوت تكوينهم المعرفي بتفاوت نسبة اطلاعهم على المراجع العلمية وهذا أمر حسن وجيد جداً أن يتعطش الشباب لتحصيل المعرفة والثقافة العامة لكن الإشكالية هنا تتمثل في أمور عديدة أذكر منها :
- عدم الاعتماد على منهج علمي معتمد في التحصيل ، إذا اعتبرنا أن طريق التكوين العصامي هي أصعب من التكوين الأكاديمي بكثير ، لأن إدراك الأساليب المنهجية في البحث واستيعابها والعمل بها هو أمر في غاية الصعوبة حتى على الجامعيين فما بالك بالعصامي الذي يسعى لتكوين نفسه بنفسه ، ولهذا نجد أن الثقافة الناتجة عن قراءة معلومات متفرقة من هنا وهناك هي ثقافة ناقصة بحيث أن المعلومات المجردة والمتدفقة عبر وسائل الإعلام هي معلومات تفتقر إلى الاستناد على أساس مرجعي وتفتقر إلى المسار الذي يقودها لتحصيل نتيجة ما ، كما أنها قد تخلو من المصداقية أيضاً ولذا فإن أسلوب البحث الحر عن معلومات ثقافية عامة قد لا يمنحك تكويناً معرفياً متكاملاً ..
- سوء تقدير قيمة المعلومات المحصل عليها ، وذلك لأنها معلومات مجردة قد تكون مجهولة المصدر وقد يكون المطلع على جهل بقيمة المصدر وأهميته التاريخية وقيمته الفكرية ، ويتجلى هذا كمثال في تعامل بعض هؤلاء المثقفين البسطاء مع مواضيع خلافية اختلف فيها كبار الفلاسفة والعلماء في مجال معين ، فنجد أن القارئ البسيط يتسرع في إصدار الأحكام والتحيز لفئة معينة بل ومهاجمة الفئات المخالفة لها مستجيباً بذلك لتهييج عاطفي يكون قد تعرض له من طرف أحد التوجهات دون حتى أن تكون له قراءة شاملة وموضوعية لكل التوجهات المتناقضة ، لذا وقبل أن يخوض المرء في مواضيع الخلاف ويبدي تحيزه إلى فئة ما ودفاعه عنها يجب أن يبدأ أولاً بالاطلاع الواسع على كل الإشكالات الخلافية بين الأفكار وأسبابها وأهدافها حتى تتكون له نظرة واضحة عن الوضع ، فيسهل عليه إذ ذاك اعتناق المذهب الذي يراه مناسباً بحسب ما اقتنع به وسيكون بذلك قادراً على المناقشة والإقناع لأنه سيكون قد اطلع على أفكار الغير وعرف كيف ينقدها وينقضها بالعقل والمنطق بعيداً عن الاستثارة العاطفية التي تدل في كثير من الأحيان على الخواء الفكري ..
- عدم التدرج المنهجي في التحصيل المعرفي ، وهذا أيضاً من أسباب انعدام المنهجية السليمة في التحصيل والتي تمنح الطالب تدرجاً مناسباً يبدأ به من أصول العلم منتقلاً به شيئاً فشيئاً إلى الفروع وهذا نحو إحاطة شاملة بمجال التخصص تحيل الطالب انتهاءً إلى إبداع شيء جديد فيه وهذا شأن طلبة الماجستير والدكتوراه ، إنعدام هذه المنهجية عند بعض القراء الأحرار يجعلهم غير قادرين على تمييز الكتاب الذي يقرؤونه هل تنبغي قراءته أولاً أم أن هناك كتباً أخرى تجب قراءتها قبلاً حتى يمكن فهم الكتاب الأكثر تقدماً وتعقيداً ، إنعدام هذا التدرج قد يصيب بعض الطلاب بالإحباط الشديد واليأس لعدم قدرتهم على فهم ما يقرؤونه وافتقارهم إلى الأسس الأولى التي لا يصح أن يتعمق أحدنا في علم ما إلا إذا تمكن منها ، فلا يمكن مثلاً بناء سقف البيت قبل جدرانه ولا يمكن بناء الجدران دون أساس متين ..
وكمثال بسيط على هذه الإشكالية نجد مثلاً شاباً حديث الإقبال على التدين بعد أن كان على غفلة ، نجده عوض أن يبدأ بالتعرف على عقيدته أولاً ثم يتعرف على بعض الأحكام الفقهية البسيطة ، ينتقل مباشرة للخوض في حديث حول الملكوت أو الذات الإلهية أو الاستواء على العرش ويبحث ويناقش في مواضيع فلسفية تجادل فيها كبار العلماء ومازالت تشكل بالنسبة لهم محلات نقاش وخلاف ، عواقب مثل هذا الخوض قد تكون وخيمة لذا وجب التنبيه على أهمية التدرج السليم في تحصيل العلم حتى يكون البناء الثقافي للقارئ الحر بناءً سليماً ..
- المستوى الثالث ، عند المتعلمين وخريجي الجامعات والمعاهد : ولعل أبسط مشكل قد يعاني منه هؤلاء اقتصار معرفتهم على المجال الذي تخصصوا فيه وتعمقوا فيه دون التبحر في العلوم الأخرى إلا بشكل سطحي جداً ، وهذا قد يقود إلى أحادية في الثقافة تجعل العقل متحجراً عن قبول الرأي الآخر لا سيما إن كان مخالفاً ، لكن هناك إشكاليات أخرى أكثر عمقاً من هذا أذكر منها :
- عدم تحرير العقل من مسلّمات الانتماء ، لا يشكك أحد أن خريج الجامعة أو حامل شهادة الماجيستير أو الدكتوراه هو على قدر واسع من المعرفة ، لكن لا يخرج أحد منهم عن كونه تلقى تعليمه في جامعة معينة تنتمي لبلد معين ، تعتنق ديناً معيناً ومذهباً معيناً ، ولذا فإن عقل هذا الخريج يظل دائماً أسير المسلّمات التي يعيشها في مجتمعه والانتماءات التي تنتمي إليها جامعته أو دولته على كافة المستويات الدينية والاعتقادية ( إلحادية ، يهودية ، مسيحية أو مسلمة ) ، أو الطائفية والمذهبية ( شيعية أم سنية ، سلفية أم صوفية ) أو الفكرية الفلسفية أو الاقتصادية ( شيوعية ، رأسمالية ، لبرالية ) ..
من الطبيعي أن يكون خريج إحدى هذه الجامعات بأنواعها متشرباً لأفكارها التي درّستها له ، مدافعاً عنها وقادراً على المجادلة ضد غيرها بالحجج والبراهين المقنعة بالنسبة له ، لأنه يعتقد أن توجهه هو الأسلم وأنه سيقوده إلى تحقيق أهدافه سواء أكانت دينية أو دنيوية ، لكن رغم ذلك يظل عقل الخريج أسير توجهه واعتقاده إن لم ينفتح على معتقدات غيره ويدرك أن غيره أيضاً قد تلقوا تعليماً أكاديمياً معمقاً كما تلقاه هو ، ولست أقصد بهذا التماس العذر لكل ناعق وداعٍ إلى باطل لكن هناك ضوابط شرعية تحدد موقفنا كمسلمين من غيرنا بحسب نسبة مخالفتهم لنا ( في فروع الفقه أو في أصل العقيدة مثلاً ) ، نحن مسلمون ونعتقد يقيناً أن ديننا هو الحق وأن غيره ضلال ، لذا حتى وإن انفتحنا على ثقافات غيرنا فإن ذلك ينبغي أن يكون ضمن إطار ضوابطنا الشرعية ودون الذوبان فيها والتأثر بها ، بل ينبغي أن يكون ذلك بهدف تحرير العقل من البديهيات والأفكار الجاهزة التي تغسرها الجامعات في عقول طلابها نحو آفاق جديدة تجعل عقل الطالب مطّلعاً على ما لدى غيره اطلاعاً موضوعياً ..
- إدعاء الحيادية والتعامل مع كل الأفكار على حد سواء ، هناك فرق بين الحيادية والموضوعية ، أن نكون موضوعيين منهجيين يختلف على أن نكون محايدين نكيل بنفس المكيال ، بل إن الذين يدعون الحياد هم كاذبون حتماً لأن لا وجود للحياد في التوجهات الفكرية والثقافية ، فمن الظلم والجهل والإساءة مثلاً أن يقف الطالب المسلم أمام الظواهر العقدية باختلافها عند الديانات السماوية والوضعية ، ثم يتناولها بالدراسة والتفصيل والنقد على حد سواء دون تمييز بين الإسلام والمسيحية واليهودية ، فيقول مثلاً ( نجد عند المسيحيين كذا وكذا وعند المسلمين كذا وكذا .. ) ثم ينهي بحثه دون أن يعرف بنفسه وانتمائه ودون أن يشير إلى أن العقيدة الإسلامية هي الأصح وأنها أثبت وأقدر على الإقناع من غيرها ، ويدعي بذلك أن بحثه موضوعي وأنه لم يتحيز إلى فئة معينة ، وقد غفل عن أن عدم تحيزه هذا هو بنفسه تحيز إلى فئة عدم المتحيزين ، وفي هذا ضرر عليه شخصياً بحيث يتعامل مع المعلومات العقدية الإسلامية على أنها معطيات جامدة لا روحانية فيها قام بالبحث عنها وتوظيفها في بحثه فقط دون أن تتحرك نفسه وتهتز مشاعره تأثراً بها وتعظيماً لها وإظهاراً لها على غيرها ، وفي هذا ظلم وإجحاف عظيم لها ، ولمثل هذا الموقف ضرر على المتلقي أيضاً بحيث تبدو الأديان بالنسبة له مجرد معلومات ثقافية متساوية الأهمية دون أن يحس بانتمائه لأحدها أو أن أحدها هو الحق وان غيره باطل ، وهذا قد يورث ضعف إيمان أو ضعف تأثر على الأقل ، وقد يكون هذا شأن الملاحدة الذين نجد أن بعضهم هم أكثر دراية بالإسلام من المسلمين لكن بحثهم في الإسلام هو بهدف محاربته وهذا أسوأ من ادعاء الحيادية لكن ذلك لا يمنع من أن يكون لهذا الادعاء الظالم أضرار أيضاً ..
* * *
- خلاصة : إذا اعتبرنا أن الثقافة هي المستوى العام للتكوين المعرفي والقدرة على استحضار المعلومات المخزنة لتوظيفها في نقاش أو في اتخاذ قرار أو موقف ، فإن من الأهمية بمكان مراعاة البعد المنهجي في التحصيل العلمي سواء أكان الطالب طالباً جامعياً يتلقى تعليمه الأكاديمي أو قارئاً حراً يسعى لتكوين نفسه بنفسه ، إن من أكبر الأخطاء التي يمكن للمرء أن يقع فيها هي اغتراره بمحصوله الثقافي وإن كان واسعاً ، واعتقاده بأنه قد أحاط علماً بمجال ما وأنه قد وصل إلى منتهاه ، طريق العلم شاقة جداً بدءً من الابستمولوجيا مروراً بالقواعد النظرية والتطبيقات العملية ، ووصولاً إلى مرمى ذلك العلم وأهدافه النهائية ، لا يمكن لأحد أن يحيط بكافة العلوم ولا حتى بعلم واحد ، ذلك لأن أي كتاب تقرؤه هو إنتاج آدمي يعتريه النقص وقابل للنقد ، كما أن للبحث العلمي أسساً وطريقها شاق جداً ، فأي مرجع تعتمد عليه هو بنفسه يعتمد على مراجع كثيرة ، ولو أردت العودة إلى كل المراجع فإن ذلك قد يأخذ سنين من عمرك دون أن تتمكن من ذلك ..
إن ما نفعله نحن من مطالعة حرة وكتابة للمقالات والمواضيع في المنتديات والمدونات لا يعدو كونه نشاطاً فكرياً بسيطاً وغالباً ما يفتقر للمنهج السليم ، وفي نهاية المطاف تبقى الثقافة مطلباً لا يعدو كونه وسيلة لتحقيق أهداف أسمى وليست غاية لذاتها ، فالعلم يُطلب ليُعمل به وإننا نحمد الله على نعمة الإسلام والذي حثنا على القراءة والتعلم وأتانا بأفضل المناهج والطرق الموصلة لذلك بل وأخبرنا كيف يكون طلبنا للعلم وتحصيلنا له سبباً في تزكية النفس وابتغاء الأجر من الله عز وجل ، فالعلم المجرد دون سلوك قويم على منهاج الإسلام هو مجرد حمولة ثقيلة في رأس حاملها لا تزيده سوى بؤساً وقد تكون سبباً في سوء حاله اليوم وغداً ..
موضوعي هذا ليس بحثاً أو مقالة ولم أعتمد في كتابته على البحث إلا بشكل يسير جداً ، وبالتالي فهو مجرد أفكار عشوائية تفتقر لأبسط أبجديات البحث العلمي التي لم أدرسها ولا أكاد أعرف شيئاً عنها ! لكن هذا الموضوع المتواضع هو مجرد خاطرة مرت بذهني بنتها تجارب شخصية مررت بها في إطار محاولاتي لتثقيف نفسي ، فأردت أن أشارككم بها فكتبتها مرتجلاً غير معتمد على أي ترتيب …
قراءةً ممتعة ^_^
نصف فارغ .. نصف ممتلئ
10/09/2009 at 01:09 | In صيد الخواطر | 2 Comments
-[ تأملوا هذه الكأس جيداً ، الخط يقسمها إلى نصفين أحدهما ممتلئ ماءً والآخر هواءً ، كثيراً ما يسألون هل الكأس ممتلئة إلى النصف أم أنها فارغة إلى النصف ؟! وكثيراً ما يقولون أن الأفضل هو أن ننظر إلى الجانب المشرق ونقول أن الكأس ممتلئة إلى النصف ، لكن هذا لن يغير أن هناك نصفاً فارغاً ، ولن يغير أن وجود نصف ممتلئ أفضل من أن تكون فارغة تماماً ... ]
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
خرجت إلى الشارع واندسست في الزحام لأقضي بعض شأني ، إلتفتّ يسرة ، فرأيت الأوجه العابسة والأحوال البئيسة ، سمعت صراخ الناس وسبابهم لبعضهم البعض ، ورأيت أكثرهم يملؤون المقاهي ، ويتسكعون في الشوارع دون جدوى ، يعاكسون الفتيات ويغتابون الناس ..
والتفتّ يمنة ، فرأيت أوجهاً وضّاءة تشع ابتساماً ، أحوالاً مفرحة ، وسمعت تلاطف الناس وتسامحهم مع بعضهم البعض ، أذن المؤذن فرأيت جموعهم تتجه صوب المسجد ، وألسنتهم تلهج بالذكر والحمد …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
حملت محفظتي واتّجهت صوب الجامعة ، إلتفتّ يسرة ، رأيت شباباً تافهاً لا اهتمام له سوى سفاسف الأمور ، شباباً مائعاً لم يترك من خوارم المروءة شيئاً إلا ارتكبه ، شباباً لا يعير للعلم والتحصيل وزناً ، لا هم له ولا همة ، سوى تحقيق ذات وتحصيل لذّات لازالت تشق طريقها نحو الحضيض ..
والتفتّ يمنة ، فرأيت شباباً طاهراً يشع نور الإيمان من وجهه ، شامخ في اهتمامه محصّل لعزائم الرجولة والنضج ، متحلّ بمكارم الأخلاق وطموحاته تناطح السحاب ، همه التحصيل وهمته أن يكون فرداً صالحاً في مجتمع إسلامي منشود تتظافر الجهود لتحقيقه …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
دخلت المسجد وصليت ركعتين ، سلّمت عن يميني فرأيت المسجد عامراً ممتلئاً ، بشباب ورجال تشرّب قلبهم بالإيمان فحرك خطاهم إلى المسجد ويمّم وجوههم شطر المسجد الحرام ، إذا صلوا أتقنوا وإذا تكلموا أحسنوا ، وإذا اختلفوا تجاهلوا واحترموا ، وإذا جلسوا رعوا للمسجد حرمته ..
وسلّمت عن شمالي ، فرأيت المسجد فارغاً إلا من بضع شيوخ ، لا يعرفون عن الدين سوى ما سمعوه عن آبائهم الأولين ، وإذا نُصحوا عبسوا وشتموا وطردوا ، إذا صلوا ابتدعوا وإذا تكلموا تشاجروا ، وإذا خاصموا فجروا ، ولو رأيت أحوالهم ما وجدت فيها أثراً من سنة أو هدياً من قرآن ..
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
ذهبت إلى السوق .. وانغمست في ضوضائه ، إلتفتّ يسرة ، فرأيت عَلَماً نصبه الشيطان ، رأيت الغلاء والاحتكار ، والنشل والاحتيال ، رأيت باعة جفاة ليس فيهم ذرة من حسن خُلق ، يغالون في الأسعار ويطففون في الميزان ويحتكرون السلع ويقدرونها أكبر من قدرها ، يخدعون ويغشون ، ورأيت نشالين هنا وهناك يدسون أيدٍ لا وزن لها ولا سمك في جيوب المشترين …
والتفتّ يمنة ، فرأيت وجوهاً باسمة وتجاراً يخشون الله في معاملاتهم ، سماحةً في البيع وسماحةً في الشراء ، إذا ثمّنوا لم يغالوا وإذا وزنوا أقسطوا ، وإن كان في السلعة عيب أخبروا به المشتري ، يتحرون بذلك لقمة حلالاً يطعمونها أطفالهم ، ورأيت صالحين كلما مروا بفقير أودعوا في يده صدقة يبتغون بها وجه الله …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
دخلت إدارة ما ، ووقفت في الطابور أنتظر دوري ، إلتفتّ يسرة ، فوجدت موظفاً عبوس الوجه مهملاً لمظهره لا يحترم غيره ، يأتي متأخراً ويمشي متكبراً وكأن مصائر الناس كلها بيده ، فإذا جلس مكانه ظلم واعتدى ، رشى وارتشى ، وقدّم أصحابه على من لا يعرفهم ، ثم يجلس في آخر النهار يتفقد حصيلة ما اختلسه من مال ليس بماله ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ، إن غاب فرح زملاؤه بغيابه وإذا تقاعد أو مات ، أراح ولم يسترح ..
والتفت يمنة ، فرأيت موظفاً بشوش الوجه دائم التبسم ، حسن السمت والمظهر ، يأتي في موعده ويهتم لأمور الناس ويسمع مشاكلهم ويساعدهم على حلها ، لا يقبل رشوة ولا يحتمل أن يدخل جيبه درهم حرام ، ولا يقدّم قريباً على بعيد ولا معرفة على نكرة ، فإن قدّم قدّم العجوز وذا الحاجة على رضىً من الآخرين ، إذا حدث صدق وإذا وعد أوفى وإذا ائتمن أدى ، إن غاب فقده الجميع وإذا مرض عادوه ، وإذا قدِم فرح الجميع بقدومه لأنهم يحبونه …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
عدت إلى البيت ، ودخلت إلى شبكة المعلومات ، أبحرت فيها نصف ساعة فأحزنني ما رأيت ، من مواقع مخلة ومنتديات تافهة ، وشباب لا هم لهم سوى تضييع الوقت بما لا يفيد ، ومواقع محادثات تعج بالذئاب البشرية التي تنشب مخالبها في فتيات ساذجات غافلات ، فضلاً عن العفن الفكري والتيارات الهدامة التي يريدون أن يطفئوا بها نور الله ..
وأبحرت نصف ساعة أخرى ، فأسعدني ما رأيت ، مواقع تنشر المعرفة ومنتديات ترتقي بالحوار الهادف ، وشباب حمل راية الدعوة إلى الله على ضوء من الكتاب والسنة ، فتيات واعيات يحفظن قواعد الإبحار ولا يقعن في محظور من القول أو الفعل ، ومواقع دعوية تسهم في نشر النور لتكوين جيل جديد يستعمل ما جد في عالم المعلومات والتواصل استعمالاً يرقى به لمقام حمل مشعل التقدم المنشود …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
-[ تأملت أحوال الناس فوجدتها تنقسم بين خير وشر .. وبياض وسواد .. وتأملت أحوال المتأملين ، فوجدت غالبها تشاؤماً مفرطاً أو تفاؤلاً مبالغاً فيه .. وبرأيي أن نظرتنا إلى العالم يجب أن تكون على قدر من الاعتدال فلا تكون تشاؤماً هادماً ولا تفاؤلاً ساذجاً ، إعلم أنك إن رُزقت حسن النية في قولك وفعلك فإنك على خير عظيم ، وثق بأن الله سيفتح لك من أبواب البصيرة النافذة والفراسة الصائبة ما سيجعلك تحسن قراءة واقعك بسلبياته وإيجابياته ، فتعرف متى تتفاءل ومتى تتشاءم ، ومتى تفرح ومتى تحزن ، فأحوالنا ليست بالمثالية بعد لكنها ليست بذلك السوء الذي يجعلنا نفقد الأمل في كل شيء ..
قد لا يكون الكأس ممتلئاً عن آخره لكنه ليس بالفارغ تماماً ، لنجعل النصف الممتلئ سلوى ، والنصف الفارغ دافعاً نحو الأمام ، وهذا هو معنى وجودنا في هذه الحياة ، وما سنُحاسب عليه غداً يوم القيامة ... والله المستعان ^_^ .. ]
وهل سهلٌ .. إضحاكنا ؟!
02/09/2009 at 18:45 | In حياتنا | 2 Comments[ هي صفعة تتكرر كل يوم على وجه المتفرج المغربي ، توقظه فجأة شارة نهاية ما يسمى ( مسلسلاً كوميدياً ) كان يتابعه منذ لحظات ... ]
وككل عام ، مازالت الأسر المغربية تتجمع حول مائدة الإفطار خلال شهر رمضان المبارك ، تبتلع بمرارة غصة ما يعرض أمامها من أشياء أسموها كذباً ( مسلسلات كوميدية مغربية ) ، وأنا أرى أن تلك الأعمال هي ( أشياء مغربية ) فقط فهي لا تستحق أن تكون مسلسلات فضلاً عن أن تكون كوميدية ..
كل عام تتكرر تلك المهازل والسخافات التافهة التي تُصرف في إعدادها الأموال الطائلة لتُفرض عنوة على المشاهد المغربي ، ما يثير غضبي ويجعلني أثور في وجه تلك الأعمال ليس فقط ضعف السيناريو والإخراج والتمثيل ، وليست سطحية المواضيع التي تقدمها لكنه ذلك الاستغباء للمشاهد والاستخفاف بعقله ، بالله عليكم هل يسع مغربياً أن يضحك على مشاهد من مسلسلات مثل ( هدا حالي ) أو ( لاباس والو باس ) الذي أفرط بشكل فظيع في الابتذال وثقل الدم حتى أصبح جديراً أن يصيب كل من يشاهده بالغثيان ، هل سيضحك المغاربة على مواقف سعيد الناصري الذي تتكرر كل عام في كونه ضيفاً ثقيل الدم على أسرة غريبة ، منذ سلسلته ( أنا وخويا ومراتو ) وحتى ( نسيب الحاج عزوز ) ، مروراً بفضلات إعلامية مثل ( الربيب ) و ( العوني ) !
هل سيضحك أحد على محمد الخياري الذي يعجن الكلام عجناً ليخرجه بصورة مشوهة تؤذي الأذن ، وليته كان كلاماً مضحكاً بل هي مجرد مصطلحات لا هدف منها ولا فائدة !
هل سيضحك المغربي بعد يوم شاق من العمل على مسلسل يعطي صورة سيئة عن الأسرة المغربية مثل ( عائلة محترمة جداً ) ؟ قائمة طويلة لا تكاد تنتهي ، مسلسلات تتكرر كل عام ، بل وتُضاف عليها مسلسلات أسوأ منها وقد تمادت في تقديم أسوأ صورة عن عبثية وانحطاط الإعلام المغربي العاري من كل قيمة أو هدف ..
* * *
لن أتحدث عن تكرار المواضيع المطرحة كل عام ، بل لن أتحدث عن المواضيع نفسها وما تزخر به من سطحية وتفاهة وعدم مسؤولية ، لن أتحدث عن السيناريو الذي قد يكون أي شيء عدا أن يكون تمثيلاً لمشهد الأسرة المغربية في حياتها اليومية ، كما لن أتحدث عن عبث الممثلين الذين يلوون أوجههم بشكل مثير للاشمئزاز ويلقون كلمات عابثة لا ترابط بينها ولا هدف ، تتخللها تلك الضحكات الصناعية المستفزة التي تزيد من غضب المتفرج وحسرته على مأساة كوميديا بلد يُعرف أهله بالظرف وخفة الدم ..
لن أتحدث عن كل هذا فقد تحدث عنه كثيرون قبلي ، لكن ما يجب أن نتساءل حوله هو هل القائمون على هذه المخلّفات الإعلامية يدركون حجم المسؤولية المنوطة على عاتقهم ؟ هل يعرفون حقيقة الأسرة المغربية وحياتها اليومية ، هل يعرفون فعلاً ما الذي يضحك المغاربة ؟ أكاد أجزم أن الجواب هو ” لا ” ، مهمة إضحاك المغاربة في التلفاز هي من أصعب المهام التي لا يمكن أن يقوم بها أياً كان ، لا سيما في زمن الكل فيه مشغولون بتحصيل لقمة العيش ولا وقت لديهم يضيعونه أمام مسلسلات تستخف بعقلهم وتجعلهم يظهرون بمظهر الأغبياء التافهين ..
في الماضي عشنا مع مسرحيات ومسلسلات جعلتنا ننفجر ضحكاً ، ولكم أن تذكروا أيام مسرحيات ( حسي مسي ) و ( العقل والسبورة ) و ( الرجل الذي ) ، ومسلسلات مثل ( زايد ناقص ) و ( عائلة السي مربوح ) ، كانت أعمالاً قام بإعدادها ممثلون جاؤوا من عمق الشارع المغربي ، ممثلون منحدرون من أحياء شعبية فقيرة ، ممثلون يعرفون لغة أبناء الشعب فيضحكونهم بها ، ضحكاً من الأعماق ..
كنا نشاهد في الماضي تمثيلاً من أعماق القلب ، من ممثلين يلبسون ثياباً رثة بالية ، ويتكلمون بلغة الواقع المعيش دون تصنع أو تنطع ، في تجسيد حي لهموم ومشاكل الشارع المغربي على حقيقته ..
أما الآن فنجد مسخاً لا يرتقي لكونه مجرد رصد واقعي لمشاهد الحياة اليومية ، فضلاً عن أن يكون عملاً كوميدياً ، ممثلون شباب أغلبهم من أسر غنية ، يلبسون أفخر الثياب ويمثلون في أفخر الشقق ، ويتكلمون تارة بعامية مصطنعة بعيدة عن لغة أبناء الشعب ، وتارة بفرنسية هجينة يدّعون بها أنهم على قدر من التفتح والمدنية !
* * *
إن من المفارقات فعلاً أن يكون هناك تناسب عكسي بين الجهد المبذول في مسلسل كوميدي مغربي وبين قدرته على إضحاك المغاربة ، فكلما كان العمل أكثر بساطة وعفوية في أدواته الإخراجية والتمثيلية كان أقدر على الإضحاك والعكس صحيح تماماً ، لذا فليس غريباً أن تكون فترة التسعينيات هي أفضل فترة تم فيها إنتاج مسلسلات مغربية كوميدية ودرامية ..
* * *
ربما عشنا بصيص أمل منحه لنا الفنان المبدع حسن الفذ في عمله الناجح ( الشانيلي تيفي ) من تأليفه وإخراج رشيد بوتونس ، والذي أخذ عن جدارة واستحقاق جائزة أفضل عمل كوميدي مغربي لسنة 2006 ، بعد أن أبدع حسن الفذ وزميله طارق البوخاري ونخبة من الممثلين في تقديم مواضيع جديدة ذات حمولة فنية وثقافية فريدة احترمت عقل المشاهد المغربي المثقف ، وارتقت بذائقته إلى ضحك هادف جمع بين الرؤية العميقة للمواضيع المطروحة وتقديمها في قالب فكاهي مناسب ، لكن يبدو أن بصيص الأمل قد اختفى مجدداً ، في غمرة ما يُعرض حالياً من كوارث تعجز عن أن تضحك طفلاً ،
فيا حسرتاه على فن ضائع ، أُسند لغير أهله …
إلى رحمة الله ..
23/08/2009 at 14:16 | In ذكريات | 8 Comments.
[ هاج الناس وماجوا ، وتعالت صيحاتهم ، كنت واقفاً بينهم جاحظ العينين متجمد الأطرف ، من هول ما رأيت ... ]
عشنا أمس أول أيام رمضان ، وهو يوم له طابعه الخاص ومشاعره المميزة ، إرتفع صوت المأموم بعد انتهاء صلاة الظهر قائلا : ” صلاة الجنازة رحمكم الله ، جنازة رجل ” وفي الحين تعالت أصوات المصلين الذين غص بهم المسجد : ” اللهم اغفر لنا وله ” ..
جنازة في أول أيام رمضان ، ذكرتني بحادث شهدته لم أشهد قط مثله في رمضان الماضي ..
لإمام مسجد حينا عادة تتكرر كل رمضان ، وهي أنه يعطي درساً قصيراً في الوقت ما بين أذان الفجر وإقامة الصلاة ، جلسنا نستمع الدرس باهتمام ولم يحصل أي شيء مثير للانتباه ، إنتهى الإمام من صلاة الصبح وخرجنا من المسجد عائدين إلى بيوتنا ، لكن ما لفت انتباهي وجود تجمع غريب قرب باب المسجد الخلفي ، أردت استكشاف الأمر ويا لهول ما رأيت ، كان رجلاً ميتاً ، ملقى أمام باب المسجد والناس متجمعون من حوله ، قام أحدهم بسحبه حتى أسنده إلى الجدار وقال متأثراً : ” إنه ميت ” ، هاج الناس وماجوا وتعالت صيحاتهم : ” الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ! ” ، إرتفعت الأصوات وكثر اللغط ، وما هي إلا ثوانٍ حتى شهد المكان تجمعاً غفيراً ، كنت واقفاً بينهم جاحظ العينين متجمد الأطراف ، لأول مرة أرى رجلاً ميتاً أمام عيني !
لم يعرف أحد ما الذي ينبغي فعله ، ومما زاد الأمر تعقيداً أن أحداً منا لم يعرف الرجل ولم يسبق لأحد من المصلين أن رآه من قبل ، الواضح أنه كان ماراً من هناك فقط ولم يكن يصلي في ذلك المسجد بالذات ، كان ملقى على الأرض وعيناه محتقنتان وزبد أبيض يملأ فمه ..
وبينما نحن كذلك إذ أخبرنا من كان يجلس إلى جواره في المسجد ، أن الرجل كان في حالة طبيعية تماماً ، وفجأة بدأ يسعل ويسعل ، واشتد سعاله ، وخرج مسرعاً من المسجد وسمعه بعض من كانوا قريبين من الباب دون أن يروه ، يسعل بشدة ويصرخ بأعلى صوته : ” الله ! يا الله ! يا الله ! ” وفجأة انقطع صوته …
وما هي إلا لحظات ، حتى كانت سيارة الشرطة تقف قرب باب المسجد ، وبسرعة وُضع الرجل في حمالة ونُقل بعيداً ..
كانت صدمة ، وموعظة وذكرى ، وكفى بالموت واعظاً ، تأملت حاله وهو ملقى على الأرض لا يستطيع الحراك ، جسداً دون روح ، فكرت في أنه كان ينوي فعل أشياء كثيرة في يومه ذاك ، وربما كانت له مشاريع ومخططات وأعمال عليه إنجازها ، لم يكن يعرف وهو في طريقه إلى المسجد أن تلك هي آخر طريق يسلكها في حياته ، فكرت حينها أن طريق عودتي إلى البيت قد تكون هي الأخيرة في حياتي أيضاً ، ومن يدري ! …
كثيراً ما نتعلق بالدنيا أكثر مما ينبغي ، كثيراً ما نغضب ، ونتصرف بأنانية ، نعصي ونخطئ ونسيئ الظن ، ويغيب عن خاطرنا أن ما نفعله الآن وما نسعى لفعله ، قد ينقطع في جزء من الثانية ، وها هو ذا رجل دخل المسجد حياً وخرج منه ميتاً ، في أقل من دقيقة فارقت الروح الجسد ، فارقته من دنيا فانية حقيرة منتهية إلى أخرى خالدة لا نهاية لها ، فهل من معتبر ؟! …
فيما بعد ، علمنا هوية ذلك الرجل – رحمه الله – وأنه كان يقيم في حي قريب ، والغريب فيما حدث أنه كان دائماً يصطحب ولده الصغير لصلاة الفجر في رمضان إلى مسجد حيهم ، لكن في ذلك اليوم تحديداً امتنع عن اصطحاب ولده وأمره بالبقاء في البيت ، ولسبب ما قادته قدماه إلى مسجد أبعد قليلاً ! فسبحان الله …
وطوبى له أن اختاره الله إلى جواره في شهر رمضان ، وهو في المسجد ينتظر الصلاة ، صلاة الفجر …
.
عجباً لك ، لماذا تتكبر ؟!
20/08/2009 at 01:35 | In صيد الخواطر | 4 Commentsلماذا تتكبر ؟
* لماذا تتكبر ؟ وأنت ومن تتكبر عليهم من طينة واحدة ، من التراب وإلى التراب ، لا تتميز عنهم في شيء !
* لماذا تتكبر ؟ وقد ولدت مثل الجميع ، وصرخت باكياً مثل الجميع ، وكنت عاجزاً عن فعل أي شيء بنفسك !
* لماذا تتكبر ؟ وقد كنت في طفولتك – كغيرك تماماً – طفلاً يلعب وربما أخطأت فكسرت شيئاً وضربتك أمك!
* لماذا تتكبر ؟ أيها الطالب المجدّ ، وذكاؤك منحة من الله تعالى ، وهو من وفقك كي تتفوق على زملائك ، ثم لا يعدم أن يكون بين زملائك من هم أكثر فطنة منك فتبدو أمامهم كالغبي !
* لماذا تتكبر ؟ يا خريج المدارس العليا ، وقد دخلتها بالواسطة ، وربما خرجت منها بالواسطة أيضاً ، أو لعله حظ حالفك فنجحت ، هذا إن لم نسئ بك الظن ، فلعلك نقلت وزوّرت ، واستخدمت الألاعيب !
* لماذا تتكبر ؟ سيدي الرئيس ، وتهين من هم أقل منك رتبة ، ولعل بين من تهينهم من هو أكثر كفاءة منك وخبرة ، وقد يسلط الله عليك من هو أعلى منك رتبة فيهينك ، والجزاء من جنس العمل !
* لماذا تتكبر ؟ يا صاحب المنصب والجاه ، وأنت من قبل كنت نكرة مجهولاً لا يعرفه أحد ، فمنّ الله عليك بما تطلَّعَت إليه نفسك ، ولا نضمن أنك لم تصل إلى ما وصلت إليه دون حيل وتدليس وخداع وكذب ، ثم ظننت أنك قد صرت من أهل المقام العالي ، وذا درجة أرفع من غيرك من الرعاع !
* لماذا تتكبر ؟ يا من ابتسمت له موهبته ، وجرت به نحو مراتب الشهرة والنجومية ، وأنت تعلم أنك مهدد في أية لحظة ، خائفاً مترقباً على الدوام ، تحاول الهروب من الناس بعد أن كرست حياتك كي تصبح معروفاً عندهم !
* لماذا تتكبر ؟ يا صاحب العضلات ، وتعتدي على غيرك وتظلم من هم أضعف منك ، وأنت تدرك أن الله قادر على أن يضعفك ويشمت أعداءك بك ، قد تقتلك ذبابة أو بعوضة ، أو مرض يفتك بك لم تحسب له حساباً !
* لماذا تتكبر ؟ يا صاحب المال الحرام الكثير ، وتظن أنك بمالك تملك الدنيا ، وأنت تعلم يقيناً أن ما جمعته غير سليم ولا بركة في حرام ، ثم إنك لم تتعلم وكنت تلهو كالغبي بينما أقرانك يدرسون ، وقد يأتي يوم يذهب فيه كل مالك فتقعد مفلساً تندب حظك خلف قضبان السجن أو متستراً تهرب من كل شيء ، تحجب ذُلّك وهوانك وتبكي أيام عزك الزائل !
* لماذا تتكبر ؟ يا من قرأ وكتب ، ثم بدأ يظن نفسه حكيم الزمان وأعلم الناس بما يدور في عالم الناس ، فيعاملهم معاملة الجهلة وعدوّه من خالف مذهبه ، ألا تدري أن من أعطاك قادر على أن ينزع منك ، وعلامة جهلك أن تظن بأنك علمت !
* لماذا تتكبر ؟ يا ابن الأشراف ، وتظن أنك بنسبك وحسبك ومكانة عائلتك قد صرت فوق الناس ، وأنا وأنت نعرف أن هذا أمر مُنح لك ووجدت نفسك عليه منذ عقلت ، وليس شيئاً صنعته يداك !
* لماذا تتكبرين ؟ يا من زلّت بها أقدام الهوى في مسالك الشيطان ، فاغترت بما أُعطي لها من فتنة ، وحسبت أن بمقدورها إخضاع كل شخص ، وكل شيء ، والحصول على كل ما تريد ، إنتبهي ! فالشباب لا يدوم والنعمة قد تزول ، والحوادث تحصل وجسم الإنسان ضعيف !
* عجباً لك ، لماذا تتكبر ؟ والذي أعطاك قادر على أن يحرمك ، والذي أنعم عليك قادر على أن يمنع عنك ، وانظر في سيرة من سبقك من المتكبرين تعرف أن لحظة واحدة تكفي لقلب موازين حياتك ، وقد يعجّل الله لك عقوبة في الدنيا تكون بها عبرة لغيرك ، فالمكائد تحاك والعيون ترمي بشررها ، وأنت أضعف من أن تخلّص جسمك من نحلة إذا عضّتك أو بعوضة ، أو نسمة هواء تسبب لك وعكة قد تدوم لأيام وربما كان فيها موتك ، فانتبه ، وآمن ، وتب ، وتواضع ، فإنك ومن تتكبر عليهم من جنس واحد ، وتراب واحد ، وأرض واحدة منها خرجتم وإليها ستعودون ، ولسوف نستوي غداً جميعاً على صعيد واحد ،
وعندها فقط ، ستعرف من الكبير حقاً …
في سيارة الأجرة …
14/08/2009 at 01:02 | In حياتنا | 7 Commentsكثيراً ما تساءلت ، لماذا لا يركب سوى ثلاثة أشخاص فقط في سيارة الأجرة الصغيرة رغم أنها تتسع لأكثر من ذلك ! بينما يضطر ستة أشخاص للتكدس في سيارة الأجرة الكبيرة رغم أنها قد لا تتسع لهم إلا بشق الأنفس ..
هل لأن السيارة الصغيرة مخصصة للأغنياء ممن لا ينبغي أن يتكدسوا كالسردين بينما الكبيرة مخصصة لعامة الشعب والهمج الرعاع ؟
يضحكني – بقدر ما يحزنني – ما أراه يومياً وما أحس به داخل سيارة الأجرة الكبيرة التي ابتليت بركوبها يومياً لأكثر من مرة .. وكلما ركبتها بدت لي مظاهر جديدة تشير لمدى التخلف والبؤس الذي نعيشه .. بحيث – وفي أفضل الأحوال – تأخذ مكانك في المقعد الخلفي من السيارة وتنتظر من سيأتي ليزاحمك من جهتي اليمين واليسار ، فيبدأ الناس بالمجيء من كل حدب وصوب ، يصعد الأول ويجلس بعيداً عنك وكأنه يريد أن ينعم بتلك الثواني المعدودة دون زحام ، ليأتي الثاني فيفسد متعة الأول ويفتح إحدى الأبواب (يمنى أو يسرى) – بحسب جنس الجالس ذكراً كان أم أنثى – ثم يجلس بجواره بعد أن ينتهي من مفاوضاته مع الثالث الذي طلب منه أن يتقدم هو أولاً لأنه سينزل في الطريق ! ثم يسرع ليضع أمتعته في صندوق السيارة ثم يعود ليجد أن المكان المتبقى له لا يكفي لجلوسه إلا في وضعية تختلط فيها عظامه بأضلاعه !
يتململ الأربعة الجالسون في محاولة يائسة للجلوس بوضعية مرتاحة ، بينما يحاول الإثنان الجالسان في المقعد الأمامي أن يسويا وضعهما المتأزم أيضاً ، فنجد أن أحدهما ملتصق بالباب بينما أطلق الآخر العنان لكتفه لتنطلق جهة السائق .. الذي يطلب من آخر راكب صعد أن يعيد إغلاق الباب لأنها مازالت (شبه مفتوحة) ، وبسرعة يلبي الراكب الأخير طلب السائق فيعيد فتحها ثم يخبطها بقوة مدوّية تهتز لها أركان السيارة ، فيرتاح السائق ويطمئن لبابه الذي أصبح الآن مغلقاً بإحكام !
هذا السائق المسكين ، والذي حفرت السنون الطويلة أخاديد عميقة في وجهه ، يصعد للسيارة بحالته المزرية وملابسه الرثة البالية التي ملأها الغبار وآثار الوحل ، بلحيته الشعثاء وشعره الأغبر الذي لا يأخذ أي اتجاه يمكن أن تحدده البوصلة ، وجهه لا يعبر عن شيء لأن ملامحه قد طُبعت على صورة من يقطب حاجبيه ويلوي خده احتماءً من الشمس حتى لو كان الجو ماطراً ! تمتد يداه العجوزتان إلى مفتاح السيارة فيديره ، ولك أن تتمتع برؤية ما يجمعه السائق في سيارته فوق لوحة التحكم من أشياء أكل الدهر عليها وشرب ، لافتة صغيرة مكتوب عليها دعاء جلب الرزق ، أو آية الكرسي ، سبحة ملأها الغبار (مما يدل على أن السائق لا يستعملها) ، ولافتة ممزقة مكتوب عليها (ممنوع التدخين) !
* * *
وأخيراً انطلقت السيارة ! وكم مرة استغربت كيف تستطيع سيارة مهترئة مفككة الأجزاء أن تنطلق ذهاباً وجيئة عدة مرات في اليوم ! إنطلقت السيارة ، وبدا الوجوم واضحاً على ركابها ممن ملأ الغبار خياشيمهم وهم لا يستطيعون التمتع بشيء حتى بالرؤية من النافذة ، فزجاج النوافذ مهترئ ومخدوش ويجعلك تحس أن ما تشاهده عبره فيلم قديم منذ عهد الستينات فما قبل ..
تنطلق سيارة الأجرة ويحاول سائقها البئيس أن يجد لنفسه مكاناً آمناً في زحام السيارات ، آملاً بذلك أن يخرج بسلام من حرب الطرق التي باتت تفتك بالجميع ، وفي نفس الوقت يبدأ الركاب واحداً تلو الآخر بأداء ما يستحقه السائق من دراهم معدودة ، فيعطيه الأول 3 دراهم بالتمام والكمال (درهماً ينطح درهم) ، ويعطيه الآخر 10 دراهم ، ويعطيه الثالث 20 درهماً ويقول (قْطَع جوج) ، أما الآخر فيعطيه 200 درهم كاملة ، فيعبر السائق عن استيائه وغضبه لأن هذا الغني سيحرمه من البقشيش يوماً كاملاً !
* * *
لكن ولأن السائق ذكي وحريص ، فهو لا يرد الباقي للركاب إلا بعد أن يستوي في طريق مستقيم ، فلا يحتاج للدخول في الزحام ومراوغة بقية السيارات ومحاولة الإفلات بأي طريقة كانت ، عندها فقط يبدأ بتناول الدراهم ثم يمد يده إلى الخلف دون أن يلتفت بوجهه ويقول (5 دراهم) فتمتد يد مجهولة تتناول منه الباقي ، ثم وبحركة آلية يحمل دراهم أخرى ويمدها إلى الخلف ويقول (20 درهماً) .. وبعد ذلك تمتد يده بكسل إلى صندوق سري عجيب ، يفتحه فتشرئب أعناق الركاب المتزاحمين لرؤية الأموال الطائلة المخزنة عنده هناك ، والمكدسة على شكل أوراق نقدية مرتبة بعناية ، من المؤسف جداً للسائق أن الركاب استطاعوا أن يصيبوا صندوقه العجيب بأعينهم ، كل هذا من أجل أن يرد الباقي لصاحب الـ 200 درهم !
.
.
.
وهكذا تستمر رحلة سيارتنا الكبيرة المزدحمة ، وقد لا يمنع الازدحام الركابَ من تجاذب أطراف الحديث ، فتجد أن كل واحد منهم يعبر عن فلسفته في الحياة ، وسخطه على الوضع ، يتحدث عن غلاء الأسعار ، عن الفساد الإداري ، عن الرشوة والسرقة والنصب والاحتيال وجرائم القتل التي حدثت مؤخراً ، عن حرب الطرقات وعن أنانية بعض السائقين ، وعن قيادة النساء للسيارات أيضاً !
ولا أدري فعلاً كيف ينسجم السائق مع ركابه فتحصل بينهم علاقة حميمية مؤقتة ، قد يقطعها صوت أحد الركاب قائلاً (شي مْويطاع هنايا اخاي ، معا الدّورة) ..
ويا لفرحة البقية ، حين يغادرهم هذا الراكب فتجدهم يتململون مبتعدين عن بعضهم البعض ، وأخيراً حصلوا على مساحة إضافية ، وأخيراً يستطيع كل واحد من الركاب الثلاثة أن يجلس جلسة (شبه طبيعية) ، لكن هيهات ، لا يعرف هؤلاء الركاب الثلاثة ما الذي ابتلوا به ، عندما يظهر في قارعة الطريق فجأة شخص غريب يلوح لسيارة الأجرة ، وما هي إلا ثوانٍ حتى يكون هذا الطارئ قد صعد إلى السيارة فيعود الزحام إلى ما كان عليه أو أكثر ..
* * *
وهكذا تستمر الرحلة لعدة دقائق ، لا يسلم فيها الركاب من سماع شتائم السائق التي يوجهها لغيره من السيارات التي لا تحترم قانون السير ، فتصبح تلك الدقائق القليلة للركاب وكأنها ساعات طويلة لا تريد أن تنتهي !
لكن كل ما له بداية له نهاية ، نعم وأخيراً ، انتهت الرحلة ، وآن لك أن ترتاح وأنت ترى الركاب الستة ينزلون ويتفرقون كل واحد منهم يمضي في حال سبيله ، وتنطلق أنت أيضاً في حال سبيلك بعد رحلة سافرت بها عبر المكان والزمان معاً ، ويستعد السائق البئيس لاستقبال ستة آخرين ، كي يعود بهم أدراجه إلى المكان الذي جاء منه ، في دوامة أبدية لا يعلم أحد متى ستنتهي …
لغتي …
04/08/2009 at 12:28 | In صيد الخواطر | 1 Comment[ هذي لغتي فوق الشفةِ كالأغنيةِ ... ]
.
.
أذكر عندما كنا طلاباً في الابتدائية .. كانت تتطاير إلى آذاننا أقوال بعض ( الكبار ) من آبائنا ومعلمينا ..
( أين هؤلاء منا ! كم هو متدنّ مستوى هؤلاء ! عندما كنا ندرس كنا ندرس حقاً ! هؤلاء الأطفال لا يتعلمون شيئاً ! لغتهم العربية أقل من المستوى ! مناهج التعليم فاسدة ! )
كنا نسمع هذه الكلمات فتمر علينا مرور الكرام .. وها نحن قد كبرنا .. ومعظم من هم في جيلنا إما طلاب جامعيون أو متخرجون موظفون .. وقد صرنا الآن في موقف المتأمل الذي يرثي حال أطفال اليوم وما آل إليه مستواهم الفظيع !!!
أصبحنا نحن نردد ما كنا نسمعه يقال عنا ذات يوم .. فهل فعلاً تعاني أجيالنا المدرسية من تدهور مستمر .. أم أنها مجرد مقارنات خاطئة لا تعتمد على أي منهج علمي !
يؤسفني القول أن الكارثة محققة .. وأن مستوى تلاميذ اليوم أكثر تدنياً من مستوانا .. في حين أن مستوانا أكثر تدنياً من مستوى آبائنا ..
————
سآخذ اللغة العربية نموذجاً .. هذه اللغة التي أصبح المتكلمون بها نادرين جداً ..
أذكر في أيامنا أننا لم نكن من نوابغ هذه اللغة .. لكننا كنا على الأقل نقرأ النصوص ونجيب عن الأسئلة .. ونفهم الفصحى إذا سمعناها أو قرأناها .. وكنا إذا شاهدنا الرسوم المتحركة على الشاشة نأخذ منها المصطلحات والتعابير ونضيفها إلى رصيدنا اللغوي ..
وها نحن الآن قد كبرنا ووجدنا ثمرة ذلك .. كنا في الواقع نستمتع باللغة العربية ونتذوق طعمها ! بل إنني أذكر المتعة التي كنت أشعر بها وأنا أقرأ قصص الأطفال وكتباً أكبر من سني !! بلغتي الأم ..
.
.
فأين نحن من هذا الآن ؟ وهل نجد من بين أطفال اليوم من يعرفون لهذه اللغة حقها ؟ معظمهم لا يميزون بينها وبين اللغة العامية .. وإذا سمعوها لا يحسون لها أي طعم .. وإذا قرأوها لا يفهمون منها شيئاً ..
أما إذا كتبوا فلك أن تندهش من أخطائهم الفظيعة التي لم نكن نحلم برؤيتها من قبل ..
إن الوضع كارثي فعلاً ..
والمستوى في تدهور مستمر ..
في الماضي كان حامل الشهادة الثانوية يملك من الوعي ما يؤهله لتدريس تلاميذ المستوى الابتدائي .. أما الآن فحملة الشهادات الجامعية عاجزون عن كتابة جملة مفيدة !
.
فإلى أين نحن ذاهبون ؟
.
.
( كُتبت بتاريخ 28/02/2009 )
المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
Entries and comments feeds.
