خلجات نفس ~
06/02/2010 at 02:12 | In صيد الخواطر | 5 Comments.
-[ اللهم إني عبدك .. ابن عبدك .. ابن أمتك .. ناصيتي بيدك .. ماضٍ فيّ حكمك .. عدل فيّ قضاؤك .. أسألك بكل اسم هو لك .. أسميت به نفسك .. أنزلته في كتابك .. علمته أحداً من خلقك .. أو استأثرت به في علم الغيب عندك .. أن تجعل القرآن ربيع قلبي .. ونور صدري ..
وجلاء حزني ... ]
.
.
لم تكن شهادةَ شخص واحد حتى تكون مجرد وهم .. لكن الله منح لبعض عباده دقة في الملاحظة .. ورهافة في الحس .. وشعوراً قوياً بالأشخاص ..
- ” ما بك ؟ تبدو لي متغيراً جداً هذه الأيام ! ”
قالها لي صديقي المقرب مغتنماً فرصة ما .. وعرفت كيف أتملص من سؤاله هذا بألف حيلة وحيلة .. لا يصعب عليّ فعل هذا فأنا خبير في التملصات ! لكن أدهشني أن يكون ذلك الصديق هو ثاني شخص يسألني السؤال نفسه .. زميلة لي في العمل أبت إلا أن تجعل من سؤال كهذا موضوعاً مسلياً من تلك المواضيع التي تجعل عيون الآخرين محاطة بك .. بينما تنهال عليك تعليقاتهم المشاكسة وغمزاتهم الماكرة .. واتهاماتهم التي لا تستند على أي منطق علمي ..
- ” لا بد أنك وقعت في الحب ! ” .. هكذا هم أحياناً ! يفسرون كل حركة وسكنة .. كل نظرة والتفاتة على أنها وقوع في الحب ! .. كلمات كبيرة تخرج من أفواه البعض دون اهتمام .. وتنتهي بضحكات في غير محلها .. وأنا كعادتي .. أفاوض وأداهن .. تغييراً للموضوع أو تجاهلاً له ..
المهم .. تملصاً منه !
.
* * *
.
عدت إلى الكتابة من جديد .. بعد أن أعلنت دون قصد قطيعة ما على هذه المدونة ! سئمت من نفسي ومللت من حروفي وكلماتي .. كم أكره أن أكرر نفس الأفكار في كل ما أكتبه .. سئمت من ضمير المتكلم الذي كلما استعملته أكاد أقسم أنها ستكون آخر مرة ! لكن لا ألبث أن أجد ذلك الضمير في داخلي يصرخ محتجاً كأنه شيطان يزيّن لي معصية ..
سئمت من تأثري بأسلوب غيري .. سئمت من اختلاس العبارات والأساليب .. سئمت من هذا الشعور بالدونية واحتقار الذات .. سئمت من اهتمام الآخرين ومن تجاهلهم .. سئمت من كل المتوافقات والمتناقضات .. سئمت من هذا التدوين الذي بدأته قبل لحظات .. سئمت من خجلي كلما تخيلت أن شخصاً ما سيقرأ لاحقاً ما أكتبه الآن ..
سئمت من كل شيء …
.
ومع ذلك هجمت بكل قسوة على هذه الورقة .. لن أراعي الآن ذلك الشعور بالخجل .. وسأتجاهل – ولو مؤقتاً – جدال شيء ما في أعماقي .. يخبرني بأن كثرة استعمال ضمير المتكلم ليس سوى أنانية قبيحة ! .. مزاجي الآن صار أشبه بمجموعة سكاكين حادة .. سأتجاهل كل شيء .. أنا الآن أكتب لنفسي فقط .. أحدث نفسي ولا أكتب لأي شخص آخر .. لا أحد مجبر على إكمال القراءة كما لم يكن مجبراً على بدايتها ..
لأول مرة أحس أنني أكتب مكرهاً ! صرت أحتاج للكتابة كلما امتلأ رصيدي من الحزن .. وأخيراً أصبحت الكتابة حاجة من حاجياتي الأساسية التي لا أستطيع لها دفعاً .. رغم كرهي لشكلها المشوّه الذي أخرجها به .. لكن المزاج الحاد أحياناً يعمي المرء على أن يهتم بزخارف الأمور .. ويمنحه أنانية وتمرداً .. وغضباً .. وإبداعاً حراً لا يتقيد بالقوانين .. ولا يلتزم بالأحكام .. ولا يهتم لآراء الآخرين ولا يقبل نقدهم .. ما أكتبه الآن غير قابل للنقد ليس لأنه كامل .. لكن لأنه نابع عن حالتي النفسية الحالية .. والتي هي أولاً وأساساً غير قابلة للنقد ..
.
بعد كل تدوين أكتبه أحس أنني فرغت ! تختفي من ذهني الأفكار وتهرب من عقلي المواضيع .. وتطفو على السطح بعض التفاهات التي لم أعد أراها صالحة للتدوين .. أشعر بعجز مقيت .. فكآبة طويلة .. فشعور بالفراغ .. ثم حزن جديد متجدد .. تنبثق منه أفكار جديدة تنمو وتنمو وتتكاثر .. وينطبق بعضها فوق بعض حتى يبدأ الشعور بثقلها على قلبي .. عندئذ أعلم أن تدويناً جديداً قد اقترب موعد ولادته ..
أحاول طرد فكرة التدوين عن رأسي .. إلى متى عليّ أن أستعمل ضمير المتكلم ؟ وإلى متى علي أن أخجل من قراءات الآخرين .. وإلى متى علي أن أتألم من كل كلمة مدح أو تشجيع يمكن أن أتلقاها من أحدهم ؟! ثمن باهظ من الحزن أدفعه عند كل تدوين .. وكل تدوين هو في الأصل نابع من الحزن نفسه ..
حزن متجدد .. ! لا نكاد نقتله في موضع ما إلا وينمو في موضع آخر .. تماماً كبعض الأورام …
.
لم أعرف يوماً معنى الدموع .. فهل تكون هذه الكلمات هي دموعي يا ترى ؟! .. ربما ! ولن أستغرب من ذلك على كل حال ! فكثير من شؤوني غريبة بعض الشيء .. مختلفة عن بقية أقراني .. وأعتقد أن حالة نفسية مثل الحزن لن تخرج عن دائرة الغرابة هذه …
.
* * *
.
تيه .. ضياع .. تشتت .. كآبة .. كلها مشاعر سلبية استولت على نفسي خلال الفترة الأخيرة .. ولا أعرف هل فِعل الكتابة هذا سيكون جراحة ناجحة للتخفيف من آلامها أم أنه سيكون – كما قرأت لأحدهم سابقاً – أشبه بتجميع الأشعة وتسليطها على القلب في شعاع مركّز حارق !
.
أحس أحياناً أن عقلي يدور بسرعة أعلى مما يجب ! لا أكتفي أبداً بالآراء العامة .. والأحكام القاطعة .. وظواهر الأمور .. والمفاهيم المسبقة .. تلقائياً أجد نفسي أغوص وأغوص في كل شيء .. في كل فكرة .. أعيد التفكير في كل المسلّمات والبديهيات .. متجاوزاً كل حدود الانتماءات .. أجد نفسي أحياناً قد وصلت بتفكيري لوجودية الأشياء .. وحقيقة الكون .. ونظريات المعرفة .. وآراء الفلسفة .. تمر في مخيلتي وجوه عدة .. تزدحم في أذني صرخات عالية .. أشعر بدوار وصداع .. وفي رأسي تعيش ألف علامة استفهام .. وألف علامة تعجب .. وألف نص مخفي !
لولا الاسلام ماذا كان سيحصل لعقلي ؟!
.
فكرت أن عقلي هذا يحتاج لتعطيل مؤقت .. بحثت فلم أجد أي حالة مشروعة يمكننا فيها أن نعطل العقل ! وتعطيل العقل أمر محظور شرعاً .. وتأملت أحوال البعض فوجدتهم يعطلون عقولهم في أمور أبعد ما تكون عن العلاج بقدر ما هي إفساد له تماماً .. رفضت أن أجعل نفسي مثلهم .. فأنا لا أحب المتطرفين لأن الحالات العقلية هي أشبه عندي بشكلٍ هندسي مقعّر .. عمقه يوجد في وسطه بينما تستقر السطحية في طرفيه المتعاكسين .. فإما كأس حمراء .. وإما شطحة من شطحات الصوفية …
فأين موضعي ؟
.
أشعر بالخوف عندما أجد نفسي قادراً على إقناع نفسي بكل حالة .. دائماً أجدني أفكر وأكتب عن كليّات الأشياء وشمولياتها بعيداً عن الحيثيات والتفاصيل .. موضوعية .. بل حيادية مفرطة أفقدتني عدداً كبيراً من أجهزة الشعور .. صرت قادراً على الربط بين العقل والقلب .. على جعل المشاعر والأحاسيس أرقاماً وبيانات .. على حساب الاحتمالات حتى فيما يتعلق بالأحوال النفسية والقلبية .. على التفكير بجميع العقول .. والتكلم بجميع الألسنة .. واستيعاب كل الأفكار .. والشعور بكل الأحاسيس .. صرت أضع نفسي خارج التيارات والانتماءات الفرعية .. وأتأمل كيف يتضارب الكبار فيما بين أفكارهم .. وكيف يستقون أدبياتهم من مصادرهم .. وكيف يفسرونها فقط بحسب ما تمليه عليهم أهدافهم .. ثم يتحدث كل واحد منهم وكأن بحوزته مفاتيح الجنة !
نظرة كبيرة .. شاملة .. لكن جانب الاحساس فيها مدمّر والأضرار جسيمة .. بتّ أستطيع أحياناً أن أجادل في الشيء فأقنع وأجادل في ضدّه فأقنع أيضاً ! تناقض مهول ! لكن وسائل الاقناع الخاصة بجميع الأفكار لم تعد صعبة الايجاد على كل حال ! زلزال ما أصاب الحاجز بين قلبي وعقلي فامتزجا معاً .. وأصبحا واحداً ! لم أعد أميز بينهما في دوران عقلي اللانهائي ..
لا يطمئن قلبي إلا لما وافق عقلي .. ولا يوافق عقلي إلا على ما اطمأن إليه قلبي .. حالة صعبة مثل هذه وإن بدت قوية إلا أنها أفقر ما تكون لعناية الله وتوفيقه وسداده .. فكرة واحدة قد تدخلك الجنة وقد تهوي بك في النار .. فكيف يفتخر مفتخر بعقله ؟
أليس الأمر مدعاة للخوف مهما كان تفكيرك ؟! فأين مكان التبجّح والافتخار إذاً ؟!
” ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين … ”
.
.
أخاف من عقلي ! وأخاف من دورانه السريع بشكل مرعب ! حالتي تزداد سوءً يوماً بعد يوم .. عدت من جديد للاختباء في الظل .. والانكماش على نفسي .. أهملت شعري كما لم أفعل من قبل .. لدرجة أنني صرت أرى بعض خصلاته في المرآة خلف أذنيّ .. ولم يعد ينفع معه مشط ! كلما نظرت في المرآة ورأيت شعث رأسي أتذكر عقلي الذي هو ليس أفضل حالاً .. رمزيّات طبعت بها حياتي لا يفهمها إلا أنا .. وقلة غيري !
سأذهب عند الحلاق غداً إن شاء الله .. أستطيع توقع عباراته المازحة وهو يفعل في رأسي ما يشاء .. قد كان يهزأ مازحاً بشعثي في المرات السابقة رغم أنه كان أقل من هذه المرة بكثير .. أهملت نفسي .. وصرت أستوحش من ذلك الواقف قبالتي في المرآة كل صباح .. كما استوحشت من الآخرين معظمهم ..
قلّصت تواجدي في كلا عالميّ .. ازداد معدل إقفالي للهاتف النقال .. وازداد ابتعادي عن زملاء العمل وتهربي منهم .. قطعت الاتصال بزملاء الدراسة وانحسر تواجدي في عالمي الافتراضي أيضاً .. أعيش الآن مرحلة جزر لشاطئ تواجدي .. استوحشت من صفحة الفيس بوك .. ومللت من محادثات المسنجر .. وضجرت من تقليب عيني بين صفحات المنتديات .. مزاجي متعكر جداً ومساحات الفراغ تتوسع ببطء في داخلي !
إنني أشهد عملية تصحّر خطيرة ..
.
* * *
.
استوحشت من الوجوه .. تلك التي لا تفهم ولا تعي شيئاً غير مصالحها الخاصة التي تبتزها منك ابتزازاً .. لماذا لا يهتم الناس بالناس إلا في الماديات التي تجمع بينهما في مصلحة مشتركة ؟ .. وعندما يتعلق الأمر بالمشاعر فليس هناك من يمنح مشاعره مجاناً .. إنه لا يعطي منها إلا بقدر ما يأخذ .. إلا بقدر ما يشبع حظ نفسه هو من تلك المشاعر .. وأقل هذه الحظوظ إرضاء ضميره وتأدية واجبه وإقناع نفسه بأنه لم يقصّر .. حتى لو لم يصرح بذلك علناً ولن يفعل ! ولا ضير في ذلك على كل حال إن لم يخدش صدق المشاعر المعطاة ..
وها أنا ذا فعلتها ! ما أسرع ما وضعت جميع التصرفات الانسانية في موضع شبهة .. هكذا يفعل بي عقلي في كل ما يصادفه من أشياء وأفكار .. يجرّد الحالة من كل شيء ويكشف جميع عوراتها .. ليتركها متأرجحة على ميزان الحكم والتقييم .. في صراع مع شرط القبول الوحيد لكل تصرف إنساني ..
وها أنا ذا أفعلها مرة أخرى .. لقد زكيت نفسي .. وافتخرت .. وقلت للتو أن عقلي يجرّد الحالة ويضعها على الاختبار في مواجهة مع شرط القبول .. وما عقلي حتى يحقّ له فعل هذا ؟ نسيت القول أن كل نتيجة يمكن أن يتوصل إليها هذا العقل السقيم تظل نتيجة محدودة ناقصة .. لا تتجاوز حدود تفكير شخص موغل في الذنوب والمعاصي .. يستحيل أن يكون ذا رؤية سليمة ..
.
تعمدت فعل هذا .. أريد أن أحاصر عقلي قليلاً عبر هذه الكلمات .. قد تكون صريحة أكثر مما يلزم .. قد تكون محرجة بعض الشيء .. لكنني احتجت لكتابتها .. أريد أن أكبح جماحي قليلاً .. أريد أن أقتل أول بذرة غرور يمكن أن يزرعها الشيطان في فكرة ما من أفكاري .. ولعله قد فعل ! فللشيطان طرق خفيّة تظهر الباطل حقاً .. وتجعل الحرام واجباً والواجب حراماً .. لم أعد أثق بنفسي وصرت أرتعب من كل يقين أتيقّنه ..
.
مازلت أهذي .. أحس أن كلامي غير مفهوم .. قد قلت في البداية أنني أحدّث نفسي فقط .. وأشكرك على مواصلة القراءة حتى هذا السطر ! أتساءل ما الذي يهمك في شخص يتشاجر مع عقله .. ربما قرأت في هذه السطور ما ينطبق عليك أنت أيضاً !
ربما لم يكن علي أن أشعر بتأنيب الضمير بسبب استعمالي لضمير المتكلم .. ما أسهل أن أجد مبرراً لنفسي .. وما أسهل أن أعطي شرعية لاستعمالي ذلك الضمير المشبوه ..
لماذا يقرأ الناس بكثرة للذين يكتبون عن أنفسهم .. لماذا تحب شريحة كبيرة من القراء السير الذاتية ؟ والأسلوب الذاتي في التعبير .. والروايات الشاعرية التي تتكلم بنفس الضمير .. ضمير المتكلم ! إنهم يبحثون عن مواطن التشابه بين حالاتهم والحالات التي يقرؤونها بضمير المتكلم ذاك ! ليس هناك ما يفوق سعادة القارئ عندما يقرأ نصاً يعبر بأسلوب أدبي عما يختلج في نفسه هو .. مع عجزه عن التعبير عن خلجاته تلك بالكلمات .. إنها سعادة غامرة عندما تقرأ نفسك في كتابات شخص آخر .. وتستشفّ منها حلولاً لمشاكلك .. ومهدئات لآلامك .. ورؤى جديدة .. وتأملات وقراءات لم تخطر لك على بال .. فتزداد نظرتك عمقاً .. وتزداد معرفتك بنفسك ..
أليس ضمير المتكلم الآن أنبل وأجمل من ضمير الغائب ؟! ربما ! لكنني قلت هذا فقط لأطرد شعور الذنب عن نفسي .. ولأمنح بعض الشرعية لما أكتبه .. كي أتشجع أكثر على كتابة المزيد ..
أحمد الله أن منحني هذه القدرة على صفّ الكلمات .. إنها وسيلتي الوحيدة للتفريغ عما يعتمل في داخلي .. ولولاها لخشيت على نفسي من الجنون .. أو من الانحراف …
.
أحس فعلاً أنني أكثر راحة الآن .. رغم أنني كتبت مرة أخرى بنفس الرؤية الشاملة .. ونفس النظرة الكبيرة التي لا مكان فيها للتفاصيل ..
لكنني مع ذلك أحس بفراغ ما .. هناك حلقة كبيرة مفقودة في سلسلة حياتي .. سطر مهم من سطور تلك النوتة الموسيقية لم أعثر عليه بعد .. ولم تقدني إليه عجلة عقلي الدوارة بسرعة .. !
ماذا يكون يا ترى ؟ …
.
آمل أن تتساقط زوائد عقلي غداً مع خصلات الشعر التي ستتساقط على أرضية الحلاق .. أحتاج لأخذ قسط من الراحة فقد كان بكائي الافتراضي هذا طويلاً !
.
قد قلت الكثير .. وعلى عقلي الآن أن يبدأ رحلة شحن جديدة .. لأحزان جديدة .. ولتدوين جديد سيولد في وقت لاحق ..
هذه المرة .. أعتقد أن غيابي سيطول … فقد قلت الكثير الآن ! …
الامتحان !
24/12/2009 at 18:39 | In ذكريات | 8 Comments.
- [ مميزة هي الأجواء التي نعيشها هذه الأيام .. سماء غاضبة امتقع لونها .. وظهرت منها زوايا سوداء مظلمة تقذف في النفس كل معاني الرهبة ! سحب حبلى بأمطار تنهمر بقوة على أرض دُنست بالخطايا .. رياح عاصفة تتمايل بالأشجار يمنة ويسرة وتصرخ بنذير لا يفهمه إلا من عرف لغة الطبيعة .. برق يقصم ظهر السماء .. ورعد يسبح بحمد الله .. معاطف سوداء طويلة هنا وهناك .. وأشخاص يفرّون من رحمة الله ! .. مظلات مفتوحة .. وأخرى ملقاة على الأرض وقد شرّختها سيوف الريح ... ]
.
إستيقظت متثاقلاً من نومي وتلك عادتي .. نظرت بعين واحدة إلى ساعة معصمي وقد تذكرت أنني في إجازة عن العمل ذاك الصباح .. وتذكرت أيضاً أن امتحاناً ينتظرني وعليّ الإسراع لاجتيازه .. دقائق معدودة مضت قبل أن أنهي تناول فطوري .. حملت محفظتي بملل وألقيت نظرة على المحرار المعلق على الحائط .. إرتديت ملابسي وتجاهلت القفازات !! ثم انطلقت خارجاً …
.
لم تكن تفصلني مسافة طويلة عن كلية طنجة للعلوم الاقتصادية .. وكثيراً ما كنت أقطعها برشاقة وسرعة سيراً على الأقدام ذهاباً وجيئة .. ولم أكن أحتاج لأكثر من عشرين دقيقة حتى أصل … رفعت بصري إلى السماء فلم أجد فيها قطعةً زرقاء واحدة ! حشرت إحدى يدي في جيبي وحملت محفظتي بالأخرى .. وانطلقت أمشي .. ورذاذ ماء لطيف يمر على خدّيّ مع نسيم الصباح العليل .. جعلني أنتبه لنسياني المظلة في البيت .. قدّرت أنها لن تمطر .. ثم أكملت سيري الحثيث وأنا أفكر في الامتحان …
لم أكن قد ذاكرت له سوى الشيء اليسير .. ولم أفهم كثيراً من الطلاسم الموجودة في كتاب الأستاذ ففضلت البحث في الشبكة عن مواضيع ذات صلة لأستعيض بها عن ثرثرة الكتاب .. تساءلت لماذا ندرس مواد كثيرة ومعظمها لا يفيد في شيء .. ولا ينفع شيئاً في مواجهة متاعب الحياة .. بل ولا يجيب عن شيء من تساؤلاتك التي تتطلع إليها ! فلا رصيد معرفي سيُضاف إلى ثقافتك .. ولا تقنية عملية تفيد منها في حياتك اليومية .. ولا عقل ستشغّله في استيعابها وفهمها ! أذكر أنني شعرت بالملل فور إمساكي للكتاب الذي أخبروني أن اقتناءه أمر إجباري وإلا فلا نصيب لك من عطاء الأستاذ وإنعامه …
.
واصلت سيري .. وبدأت أحس أن برد ذلك اليوم أشد من غيره .. لم أنتبه إلا والبرد قد اخترق ثيابي الخفيفة وسكن في جلدي .. وسرعان ما بدأت أرتجف ! .. إلتفت لعلي أجد سيارة أجرة عابرة فألجأ إليها لتسرع بي إلى الجامعة .. لكن لم أجد سوى طريقاً خالية إلا من بعض المارة المتدثرين بمعاطفهم الثقيلة .. وشارعاً لا تمر به سوى شاحنات وسيارات مسرعة وكأنها أيضاً تفرّ من البرد .. !
لم أجد خياراً آخر غير المضي قُدماً .. سيراً على الأقدام ! لأول مرة أحس أن الطريق لا تزال طويلة .. حاولت تركيز بصري على منتهى الطريق فلم أجد غير ضباب كثيف وأوراق أشجار تطيّرها الرياح بحركة لولبية سريعة ..
يا إلهي ! ما كل هذا البرد !! .. إنتبهت أن يدي التي تحمل المحفظة قد صارت متصلّبة تماماً وكأنها قطعة ثلج .. نقلت محفظتي إلى اليد الأخرى التي لم تكن أفضل حالاً ! ودسست الأولى في جيبي بحثاً عن شيء من الدفء .. وواصلت المسير بخطوات واسعة .. مدافعاً الريح بكتفيّ المتجمدتين …
.
كان ذاك هو امتحاني الأول في الجامعة .. وكنت أشغل نفسي بالتفكير فيما علق بذاكرتي من شوائب قرأتها .. وأحاول صناعة جمل وهمية مزيفة أملأ بها الورقة .. وكنت أهندس الكلمات والتعابير وأرصّها معاً في ذهني متوقعاً بعض الأسئلة التي قد تُطرح في الامتحان .. هذا ما كنت أعالج به مواد الحفظ .. ألتقط فكرة من هنا وفكرة من هناك .. ثم أستخرج من أفكاري العقيمة جملاً طويلة أستخدم فيها كل ما أوتيت من قوة في إطالة التعابير وتكرارها .. وتكبير الخط وتمديد الحروف وتمطيطها وتجاوز السطور .. حتى أجد نفسي قد كتبت ما يكفي ليملأ الورقة التي سأخدع بها الأستاذ فأحصل منه على نقطة كافية لإنجاح الوحدة .. أخبَروني أن هذه الطريقة تنفع في جامعتنا !
تذكرت أنني لم أقرأ حرفاً واحداً من البحث المطلوب مني إنجازه .. والذي لم أبذل فيه عناءً سوى نسخ ولصق من موقع على الشبكة .. نحن الآن في عصر المعلوميات حيث لا حاجة لقراءة البحوث ! .. ولا معنى للتنقيب في الكتب والمراجع واعتماد المنهجيات وصياغة الهياكل والفهارس .. كنت واثقاً من أن الأستاذ لن يقرأ بحثي وربما لن ينظر فيه إلا لاسمي المكتوب في صفحته الأولى .. بل ربما لن يفعل شيئاً من هذا أو ذاك .. وكيف تسعه قراءة مئات البحوث التي تصله من طلاب السنة الأولى ؟ فضلاً عن طلاب السنوات الأخرى دون الحديث عن أشغاله الخاصة والتزاماته الشخصية .. كيف يفعل ذلك وهو يعلم يقيناً أن بحوثنا وإن اختلفت في الشكل هي ذات مضمون واحد .. ومصدر واحد لا ثاني له .. ووصفة إعداد واحدة أجمع على اعتمادها كل الطلاب .. نسخ ولصق !
.
لم أتجاوز نصف الطريق حتى كدت أتجمّد .. كنت أسمع بوضوح صوت اصطكاك أسناني مع هدير الرياح القوي ! وكنت أبادل المحفظة بين كلتا يدي .. لعل إحداها تجد في جيبي شيئاً من الدفء .. كدت أفقد السيطرة على نفسي .. إلتفتّ إلى الوراء لحظة .. ثم واصلت سيري .. ليتني كنت أقرب إلى الجامعة فأحتمي بجدرانها .. وليتني كنت أقرب إلى البيت فأعود إليه وأستزيد من الثياب .. وأرتدي معطفاً أثقل وقفازات وقبعة رأس صوفية .. تمنيت أن تمطر رغم أنني لم أكن أحمل مظلة ! عِلمي أن الأمطار قادرة على كسر سكاكين البرد وطرحها أرضاً .. وربما كانت قطراتها الدافئة أرحم لوجهي من تلك القرصات السامة .. وإن لم يكن هذا أو ذاك .. فربما وجدت في الانشغال بها والاحتماء منها ما ينسيني ولو للحظات شعور الارتجاف من البرد ..
كنت أحس بسكاكين البرد تمزّق خدّاي المتورّدتين .. ونظرت لكفي فوجدتها وقد صارت زرقاء اللون تماماً ! وكأن زرقة السماء التي افتقدتها قبل قليل قد تجلّت في كفّيّ ! كنت أرمي قدماي إلى الأمام وأترك لجسمي مهمة اللحاق بهما .. كان صباحاً عصيباً حقاً …
.
لم تكن مادة الامتحان بتلك الأهمية ! قد انخدعت بها عندما رأيت حجم كتابها وحاولت محاولة فاشلة تصفح بعض أوراقه ! لكنني كلما سألت سابقاً لي في الجامعة ضحك من اهتمامي بها وبمثلها .. وأخبرني أنه لا يذكر شيئاً عن تلك الوحدة ولا كيف اجتاز امتحانات موادها .. ولا كيف استطاع أن ينجح فيها .. وأنا الذي كنت أراها عقبة مزعجة يصعب تخطّيها ! إلا أنني الآن أدركت حقيقة الأمر .. وهكذا هي جامعاتنا ..
وهكذا هي بعض موادنا الدراسية .. مجرد كتل ثقيلة من الهذر الذي لا طائل منه ولا منفعة ..
وهكذا هم أساتذتنا .. موظفون يوهمون أنفسهم والآخرين بأنهم يقومون بواجبهم على أحسن صورة ..
وهكذا هم طلابنا .. متخصصون في التحايل على الأساتذة والوحدات وإنجاحها دون الحاجة لبذل جهد يستحق الذكر ..
.
مع الأسف .. هكذا هو نظامنا التعليمي .. شركة لإنتاج المحبَطين .. وصيد في الماء العكر ! …
.
.
لم أصل إلى الجامعة إلا والبرد قد تمكن مني ! .. إصطكّت أسناني وتصلّبت أطرافي وازرقّت يداي وارتجف جسدي كله .. لكنني وصلت أخيراً ..
نعم ها قد وصلت ! وها هي تجمعات الطلاب من حولي في كل مكان .. وتلك هي المدرجات والأقسام وقد احتشدت حول أبوابها جموع المنتظرين .. وأخيراً حانت لحظة الامتحان ! …
أخيراً سأطرح عن كاهلي ذلك العبء الثقيل من الانتظار والقلق .. وأخيراً سأزيل من قائمة امتحاناتي مادة من أكثر المواد إزعاجاً لي ولجميع الطلاب ..
.
.
دلفت داخلاً إلى الجامعة مستعجلاً معرفة قاعة الامتحان .. وتقابلت مع صديقٍ لي خارجاً من نفس الباب ..
ولكن …
لم أكد أصافحه وأسأل عن حاله حتى بادرني هو بصدمة ذاك الصباح …
.
- لا تتعب نفسك .. الامتحان تأجل ! …
عذراً أيها القلم ~
06/12/2009 at 20:33 | In صيد الخواطر | 5 Comments.
- [ في وقت متأخر من الليل فتحت صفحتي الافتراضية القابلة لإعادة الكتابة .. وأرسلت أصابعي تنقر على هذه اللوحة المعدنية الباردة .. لست أدري ما الذي حملني على فعل هذا !
دائماً كانت الكتابة طقساً له شروطه ومقدماته .. لكنني الآن أكتب دون سابق إنذار ودون أن أعرف ما إذا كنت سأنشر هذا أم لا .. أم أنني سأكتب عدة أسطر ثم أمسحها فجأة وأتسلل هارباً بخجل من شاشة حاسوبي .. كما فعلت كثيراً في السابق ... ]
.
لا أحب الحديث بكثرة عن نفسي .. وماذا يهم الآخرين في القراءة لشخص لا يكتب إلا عن نفسه ؟! لكن فِعل الكتابة هذا هو أصعب تحدٍّ أواجهه .. وأعتى خصم أقارعه في حالة ضعف أمر بها كثيراً ..
هل الكتابة قناع نحجب به مواطن ضعفنا .. أم مخدّر ينسينا لبعض الوقت من نحن في الحقيقة .. هل الكتابة شماعة نعلق عليها أخطاءنا أم مصباح نضيء به أظلم الزوايا في نفوسنا ؟
إذاً هي إثم نقترفه ! عندما يصبح ما نكتبه مجرد أخطاء مقنّعة .. ومجرد أحوال نفسية منحطّة ننفخ فيها من أساليب البلاغة ما يجعلها ترتفع محلقة في السماء .. فيظنها الجاهل مناطيد بوسعها أن تحمله بعيداً عن هذه الأرض الشائكة التي لم يعد فيها متسع لحزنه وجموحه .. وطغيانه …
.
* * *
.
زكام خفيف تسلل إليّ من باب الغرفة المفتوح في هذا البرد القارس .. وأنا مستمر في تسويد هذه الصفحة متحدياً عدم تحقق الشروط اللازمة لفعل ذلك .. لا أعرف كيف سيخرج هذا النص في شكله النهائي .. ولا أعرف من أين سأستمد أفكاراً أروي بها ظمأ الكتابة الذي أصابني اليوم ولا أدري لماذا !
هل أُصبت بمرض الكتابة يا ترى ؟ .. وهل صحيح ما أخبرني به البعض أن حروفي اتخذت في الآونة الأخيرة شكلاً مغايراً عما تعورفت عليه في السابق ؟! مازلت شخصاً لم يتكوّن أسلوبه بعد .. ومازال أسلوبي جنيناً لم يحن موعد ولادته المتعسرة حتى الآن .. ولا تُرى منه سوى ركلات عشوائية هنا وهناك .. فهل سيكمل عدّته ليخرج إلى الدنيا أم أنه لن يولد إلا ميتاً مكفّناً باليأس والخيبة ..
.
طريقتي في إمساك القلم مختلفة عن البقية .. حتى أن البعض يظنني من الوهلة الأولى أعسراً ! إلا أنني لست كذلك لكن طريقة جلوس القلم على كرسي أصابعي غريب بعض الشيء .. من المفارقة أن تتعسر على قلمي حروف اللغة العربية التي لا أخطّها على الورق إلا نادراً .. بينما لا أحتاج للنظر إلى أزرار لوحة المفاتيح أثناء الكتابة حتى أعرف مواقع الحروف ..
.
* * *
.
عذراً أيها القلم العظيم فقد أسأنا إليك وظلمناك حقك .. واستبدلنا رقصك الرشيق على الورقة الصغيرة بنقرات على هذه الآلة الصمّاء ..
وعذراً أيتها الورقة الحنون فلم نجعلك في حياتنا سوى شيئاً تافهاً يسهل استبداله .. حبسناك في الآلات الطابعة ومارسنا عليك هناك أنواع التعذيب قبل أن تخرجي منها مرهقة ملطخة بحروف كتبها قلم مزيّف !
إنها جريمة نكراء أن نحول بين الحبيب وحبيبه …
.
* * *
.
هل نعي نحن أبناء الجيل الجديد خطورة ما نفعله ؟ وجحود ما نعتبره من المسلّمات البديهية …
لم نوجد في زمن يُغرس فيه رأس الريشة في المحبرة الوقور .. وينطلق بعنفوان يصول ويجول على الورقة الصفراء المهترئة على ضوء شمعة خافت .. ثم تُترك الورقة لتجف قبل أن تمتد إليها يد .. وإلا فلن تغفر الورقة هذه الجرأة إلا بتدمير نفسها وتلطيخ اليد التي امتدت إليها قبل أن ترضى وتسلّم بما كُتب على صفيحتها .. فإن جفّت كان من العسير مسحها أو تدارك ما قد يكون وقع من الخطأ أثناء الكتابة عليها ..
ولم نوجد في زمن لم يكن فيه للكتابة سبيل إلا عبر قلم جاف وورقة مطبوعة مزيّنة .. وحتى لو فقد القلم غرّته الريشية الذي تتمايل معه في رقصه .. وانخفض صوت صهيله حتى لا يكاد يُسمع .. وحتى لو فقدت الورقة جزءً من كبريائها وأصبحت أكثر تساهلاً في المسح وإعادة الكتابة .. إلا أن ذلك اللقاء الحميمي لا يزال قائماً .. ومازال رأس القلم يقبّل جبين الورقة ويترك فيه آثاراً أبدية لا يمكن أن تنمحي …
ليس غريباً أن يقدّر الكتّاب والشعراء حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم .. كيف لا وهم يدركون جيداً أن مداد القلم محدود .. ومساحة الورقة أكثر ضيقاً من أن تتسع لكل حماقاتهم .. ويدركون أيضاً أن كل قطرة مداد سالت على ورقة هي باقية فيها أبد الدهر .. لا تزول ولا تنمحي حتى لو لم تُنشر .. وحتى لو أتلفوها وجعلوها رماداً ينثرونه في الهواء .. لكن الكلمة التي تجسّدت وأصبح بالإمكان إدراكها بحاسة اللمس هي كلمة لا يمكن أن تنعدم …
.
لكننا جئنا في زمن أصبح فيه القلم وهماً .. مَجازاً .. وصورة كلاسيكية أصيلة نرمز بها لفن الكتابة .. وأصبحت الورقة مساحة بيضاء على شاشة إلكترونية .. لا تقاس بالعدد ولا تعترف بمفهوم المساحة .. قابلة للكتابة والمسح .. ثم إعادة الكتابة في أسرع من طرفة عين .. لم نكن نحتاج لأكثر من ثلاثة أصابع لنحكم قبضتنا على القلم ونربط الاتصال بينه وبين عقولنا .. ثم تنتقل سيالاتنا العصبية إلى شريان القلم الواحد فينزف على الورقة كلمات وأشكالاً انسيابية وسلسة .. ولم نكن نضطر لنترك القلم ونقطع الاتصال معه حتى في لحظات التفكير والتأمل بين سطر وسطر .. وفقرة وأخرى ..
والآن أصبحنا نحتاج لأصابعنا العشرة كاملة لتنهمر كالأمطار على لوحة المفاتيح .. ولتنفصل عنها في حركة غبية تقطع الاتصال بين أطراف الأصابع وبين الحروف ..
كيف استبدلنا رائحة الورق .. ولحن صرير القلم بهذه الطرقعات المزعجة التي تفسد سكون الليل وتشتت التفكير ؟ …
.
أعذرنا أيها القلم .. فهذه مقتضيات التطور وأدوات العصر الجديد .. ولعل عزاءك الوحيد أنك الآن صرت [ رمــزاً ] .. ولا يصير رمزاً إلا من كان عظيماً في زمانه …
.
* * *
.
أختم نصي هذا بعد قرابة يوم من بدايتي له .. مازالت الحروف تتمنّع علي فليس هذا ما كنت أنوي الحديث عنه في البداية ! يوماً بعد يوم أكتشف أن ترويض الحروف أصعب من ترويض الأسود ..
.
سأنشر هذا النص بعد تغييري للعنوان الذي لم يعد مناسباً .. لكنني مع ذلك سأهرب خجلاً من شاشة حاسوبي ..
أعلن هزيمتي أمام هذا النص ! ..
خطاب الروح ~
12/11/2009 at 23:55 | In صيد الخواطر | 4 Comments.
-[ ~ رسالة إلى الباحثين عن مواطن الجمال ... ]
.
.. كثيراً ما يحصل لي أن أحس بأنني صرت شبحاً أرى ولا أُرى ! فأجد نفسي أراقب الناس وأتفرّس في ملامحهم .. أراقب تصرفاتهم .. أفعالهم وردود أفعالهم .. حتى أظن أنني لست واحداً منهم .. لست معنياً بما يعنيهم ولا تربطني بهم أية علاقة ! فأجد أن معظمهم بعيدون كل البعد عن معرفة مواطن الجمال في الحياة .. بل بعيدون حتى عن محاولة استقصائها وتلمّسها .. فكيف يعرف هؤلاء أنفسهم فضلاً عن أن يعرفوا محيطهم ؟! ما رأيته كان أرواحاً هائمة لا تلوي على شيء .. والدنيا كلها سوق اقتربت ساعة انقضائه !
لكن .. لا ألبث مستغرقاً في حالتي هذه حتى تغلبني جاذبية الأرض فجأة ! فأعود إلى جسدي .. وأجد أنني في غاية التعطش للبحث عمّن هم مثلي .. يبحثون عن الجمال …
.
* * *
.
~ الحروف ~
.
-[ تسعة وعشرون حرفاً هي حروف لغتنا العربية .. يُلبسها الكُتاب أفكارهم ويرصّونها بعناية ويهدونها لغيرهم .. يستقبلها الآخرون بعيونهم وتترجمها عقولهم .. فتتخاطب الأرواح ! .. قلّي ماذا تقرأ .. أقل لك من أنت ... ]
كثيراً ما يُعجب الناس بالحروف والكلمات .. فيدمنون على القراءة وتنتشي نفوسهم بتدبر المعاني .. إن عدد الحروف محدود جداً .. وهي الحروف نفسها تتكرر في كل ما يُقرأ .. لكن الكتابة نوع من خطاب الروح ..
تتراكم الأفكار في رأس الكاتب فينقحها ويرتبها .. ثم يمسك قلمه فيجّسدها حروفاً وكلمات .. تتناغم الجمل والسطور لتسمى أسلوباً .. تتكاثف الفقرات لتصبح نصاً يخاطب وجدان القارئ وخفايا نفسه ..
إن الكتابة خطاب للروح … فلماذا إذاً يُعجب القارئ بحروف وكلمات منثورة على الورق ؟! بل إنه يقرأ في المكتوب أجزاء من نفسه وخطاباً يتغلغل في خفايا روحه .. فيندهش من وجود شخص آخر يفكر كما يفكر ويتأمل كما يتأمل .. بل ويجيب عما استشكل عليه ويضيف مع كل فقرة يكتبها لبنات جديدة في بنيان نفسه … قلّي ماذا تقرأ .. أقل لك من أنت …
من الناس من يحب قراءة المواعظ والنصائح .. فيميل لكتابها ويطرب لأسلوبها .. ومنهم من لا تؤثر به سوى الروايات والقصص المحبوكة .. وهناك من لا يجد نفسه سوى في التقارير والمقالات الإخبارية الرسمية .. وهناك من يعود بالزمن إلى الوراء مع حكايا التاريخ وأخبار القدماء .. ومنهم من يهيم مع أشعار الغزل وقصائد الحب ومسارح الخيال … وهناك من يستكشف ما تمخضت عنه قرائح الفكر .. ويتنزه في عقول الناس ..
يختلف القراء بقدر ما يختلف الكُتاب .. وما الكتاب سوى امتدادات للقراء .. تربط بين أرواحهم روابط لا يشعر بها سواهم .. وهنا تحصل السعادة .. عندما تجد أن هناك شخصاً قادراً على أن يغوص في أعماق أعماقك .. ويستوعب خفايا ما تفكر فيه .. فيقوم بكشفها وإخراجها .. ثم تجسيدها بحروف وكلمات …
وستظل الكتابة لغزاً …
.
* * *
.
~ الموسيقى ~
.
-[ سحر ويا له من سحر .. عندما تتحرك الأصابع الرشيقة بتناسق مدهش على المفاتيح والأوتار .. فتصدر ألحاناً تخاطب وجدان المستمع وتتمايل بحسب تضاريس نفسه العميقة وعقله الباطن .. خطاب الصوت المصنوع أكثر غموضاً من خطاب الحروف المكتوبة .. لكنه أبلغ في التعبير وأشد في الارتباط .. قلّي ماذا تسمع .. أقل لك من أنت ... ]
مازلت لم أفهم بعد كيف يستطيع الملحنون كتابة الألحان .. وكيف يستطيع العازفون عزفها .. لنبتعد الآن عن عالم الموازين والمقامات والنوتات .. ولنعد إلى الأصل الذي ليس قبله أصل .. إنها الفكرة الآدمية .. إنه الشعور الإنساني الذي يختلج في أعماق النفس .. والذي لا ينتبه له سوى ذو حس مرهف .. وكثيراً ما شبهت الموسيقى بالإحساس .. بل وكأنها الإحساس نفسه مجسّداً بصوت ..
إن خلجات نفوسنا تتمايل يمنة ويسرة .. صعوداً ونزولاً .. رقة وحدة .. وكذلك الألحان الموسيقة النابعة من هذه الخلجات .. فأية عبقرية تلك ؟! أن يجسّد الإنسان مشاعره بصوت مسموع .. ولحن معزوف … قلّي ماذا تسمع .. أقل لك من أنت …
عاش البعض في الطبيعة وامتلأت عينه بالمساحات الخضراء الشاسعة .. وانسابت خصلات شعره مع النسائم العليلة المنعشة .. فأمسك القيثارة والناي وعزف بهما أجمل الألحان وأكثرها هدوءً وانسياباً .. وكأنها صورة تعكس انطباع نفسه المتأثرة بمحيطه الذي يعيش فيه .. وعاش البعض الآخر في زحام السيارات وزُكمت أنوفه بدخان المصانع .. وتعبت أجسامه من الجري والكد طوال اليوم في عصر من السرعة .. فلم يجد غير إمساك العصي والجلوس إلى الطبول .. واحتضان القيثارة الكهربائية .. لتنبعث أعنف الألحان وأكثرها صخباً وتطرفاً .. وكأنها صورة تعكس العواصف الهوجاء التي تعصف بالمحيط بقدر ما تعصف بنفس الإنسان وروحه …
ستظل الموسيقى لغزاً يحتاج إلى كشف .. وسيظل وقع أصواتها على نفس المستمع خطاباً خفياً من الروح إلى الروح .. وللناس فيما يعشقون مذاهبُ .. فذاك تطربه الألحان الهادئة العاطفية .. وآخر يسترجع الزمن مع الأغاني القديمة رافضاً كل جديد .. وآخر يعتز بوطنه ويهيم مع أغانيه القومية .. وذاك يلتمس التذكر والنصيحة في الأناشيد الدعوية .. وآخر يطلق العنان لنفسه الصاخبة فيصخب معها بأسرع الألحان وأشدّها إيقاعاً …
تختلف الأذواق .. تتقارب وتتباعد .. لكن الروابط بين المستمع والعازف تظل قائمة دوماً .. وكأن في داخل كل واحد منا لحناً يُعزف .. نكاد نسمعه ولا نميز حقيقته .. حتى يأتي الملحن فينفذ إلى أعماق خواطرنا ويستخرج منها تلك النوتات ويقدمها إلى العازف .. ليجسّدها أصواتاً وإيقاعات نسمعها .. ونجد فيها جزءً منا .. ثم نتساءل باستغراب كيف حدث ذلك ؟! …
وستظل الموسيقى لغزاً …
.
* * *
.
~ الصور ~
.
[ في عصر الصور أصبح كل شيء ممكن الحدوث ! برامج للتصميم .. خطوط وأنماط تنسيق .. خدع بصرية .. مواهب تنتج إبداعاً يخاطب أعماق الروح .. وذكريات مجسّدة ..... قلّي ماذا ترى .. أقل لك من أنت ... ]
صور تلتقطها العين ويترجمها المخ .. وسرعان ما تتحول إلى انطباعات لا تلبث أن تصير مشاعراً .. كانت مناظر الطبيعة ومازالت أجمل خطاب للروح .. يفهمه المتأملون والعشاق .. ويستلهمون منه مشاعر تتغذى منها نفوسهم .. ثم لم يلبثوا أن اخترعوا آلات تصوير تحبس الظل وتخلّد الذكريات .. وما أجمل أن تتجسّد الذكريات في صورة تمسكها بيديك وتراها بعينيك ..
زوايا تصوير .. درجات ألوان .. تعتيم وإضاءة .. والنتيجة رسالة صنعها الإنسان ليقدّمها إلى الإنسان .. رسالة لا تحتاج إلى الحروف لتوصل مغزاها للمتلقي .. بل حتى عناصر الصورة نفسها قد لا تكفي أحياناً .. إن لم يكن هناك ترابط أرواح مسبق …
مازال العالم يتكلم بالصور .. ومازالت الصورة الواحدة على صغر حجمها قادرة على تعويض صفحات وصفحات من الحروف والكلمات .. ويظل الناس مختلفين فيما يحبون أن يروا .. وبصدق أقول .. قلّي ماذا ترى .. أقل لك من أنت …
لتصميم الصور مجال من الإبداع .. واختلاف الناس في أذواقهم كاختلاف الصور في مضامينها .. وكأن كل صورة هي إسقاط لنمط تفكير معين .. وخلجات نفس مختلفة .. فهناك من يحلّق مع الصور الطبيعية الخلابة .. يركض في مساحاتها ويسبح في مياهها ويحلق في هوائها .. وهناك من يتكئ ضاحكاً على أطرف ما التقطته آلة تصوير .. أو صممته يد إنسان .. وهناك من يجد نفسه في التصاميم الغامضة حيث تطفو على السطح أعمق الخواطر .. ومازال الناس يُعجبون بالمصممين وينبهرون بقدرتهم على استخراج أعمق ما يختلج في أنفسهم من الخواطر .. وتجسيدها بصور مركبة وألوان موزعة بعناية وخطوط صُنعت خصيصاً لمخاطبة الأعماق …
لكل واحد منا خيال يصوّر .. صوراً نكاد نراها ولا نميّزها .. فيأتي المصمم ليجسّدها لنا صورة تُرى .. فأي إبداع وأية موهبة !
وسيظل تصميم الصور لغزاً …
.
* * *
[ كتابات تُقرأ .. موسيقى تُعزف .. صور تُرى .. هل أوفينا هذه الفنون حقها ؟ إنها شيء أكثر مما نحلم به .. إنها مشاعر مجسّدة .. إنها المحسوس يتحول إلى ملموس ! .. إنها ألغاز صغيرة تتظافر لتكوين اللغز الكبير .. إنه ..... ]
.
~ الإنسان ~
.
[ جسم يُرى .. صوت يُسمع .. كلام يُفهم .. وروح لا يعلم سرّها سوى الله ... قلّي من تصاحب .. أقل لك من أنت ... ]
الإنسان يكتب .. الإنسان يعزف .. الإنسان يرسم ويصمم .. الإنسان هو اللغز الكبير الذي تنبعث منه كل الألغاز الصغيرة التي حير بعضها العالم بأسره ..
إنه الإنسان الذي نراه كل يوم يغدو ويروح من حولنا .. إنه الإنسان الذي نمضي معه أجمل أوقاتنا وأتعسها .. إنه الإنسان الذي نحب ونكره ..
إنه الإنسان الذي نبحث عنه ليملأ فراغنا .. أو ليكون نصفنا الآخر وكأننا بدونه مجرد نصف ! الإنسان في حد ذاته ببساطته وتعقيده .. بوضوحه وغموضه .. بخيره وشره .. أكبر خطاب للروح وأشسع موطن للجمال يمكن أن نجده .. عيونه أجمل صورة تُرى .. كلامه أفضل نص يُقرأ .. وصوته أعذب موسيقى نسمعها ..
الأرواح جنود مجندة .. تتعارف بعضها فتتآلف وتتكامل .. وترتقي معاً في درجات السعادة .. وتتنافر بعضها فتختلف وتتباعد .. وقد تهوي معاً في دركات التعاسة .. وما السر إذاً وراء كل هذا ؟ لماذا نحب ولماذا نكره ؟ لماذا نتعارف ونتنافر ؟ ..
إنه [ خطاب الروح ] ..
خطاب الروح هو الذي يجمع الطيبين معاً والأشرار معاً .. ومازال الإنسان يبحث دوماً عن من يجد فيه أجزاء من نفسه يتفاهم معها .. فيسكن إليها ويطمئن قلبه .. ومازال ذلك واقعاً في المشيئة عندما نوقن أن المرء على دين خليله .. وأن الخبيثات للخبيثين .. والطيبات للطيبين ..
قلّي من تصاحب .. أقل لك من أنت …
.
وسيظل الإنسان لغزاً ليس بعده لغز …
سناء عكرود .. خطوة نحو الهاوية
25/10/2009 at 00:44 | In حياتنا | 2 Comments
-[ كثيراً ما منّيت نفسي بأن ساحة التمثيل في المغرب لم تخلُ بعد من المغاربة الحقيقيين .. رغم كل الصدمات التي نتلقاها باستمرار عند كل عمل جديد فمعظم الأعمال التلفزية والسينمائية الآن هي ليست أكثر من مسخ لا هوية له .. والآن صدمة جديدة من العيار الثقيل .. دفعتني لأكتب عنها رغم أن الموضوع بعيد عن ميولي ... ]
سناء عكرود .. الممثلة العفوية التي استطاعت أن تحبب كل المغاربة في أدائها الجميل .. والذي تجسد في أعمال تراثية قيمة استمتعت بها الأسر المغربية وأبرزها ( عويشة الدويبة ) و ( رمانة وبرطال ) .. إلا أنها كانت صدمة عنيفة ما رأيته وقرأته حول [ إنجاز كبير ] قامت به هذه الممثلة .. و [ خطوة جريئة ] أضيفت لرصيدها الفني الزاخر ..
لست ناقداً سينمائياً .. ولست حاضراً بقوة في المجال الفني .. ولا أتحدث – الآن على الأقل – من أي منطلق ديني أو سياسي أو فكري .. سوى أنني مغربي مسلم ولا أختلف بهذا عن سناء عكرود وعن غيري من المتابعين .. بل أتحدث من منطلق شخصي بحت .. وهو الغيرة على فن أسند لغير أهله .. أريد فقط أن أعبر عن استيائي من وجود [ عقليات متخلفة ] هي التي تقود عالم السينما والإنتاج الفني في عالمنا العربي .. وهي التي تحدد خطوطه الحمراء ومعاييره الأخلاقية ضاربة عرض الحائط كل ما له علاقة بالدين أو الأعراف والتقاليد بل حتى الأخلاقيات العامة ..
وها هي ذي سناء عكرود .. البالونة التي انفجرت .. والتي حفرت قبرها بيديها بعد أدائها المخجل في الفيلم المصري [ إحكي يا شهرزاد ] ( بطولة منى زكي وإخراج يسري عبد الله ) .. وأخيراً ها نحن نرى ممثلة مغربية كبيرة ومحبوبة لدى الجمهور المغربي تقبل بأداء مشاهد مخلة للحياء وبكل جرأة ووقاحة .. نعم إنها خطوة عظيمة رفعت رؤوسنا عالياً .. نعم قد آن لنا أن نفتخر بامتلاكنا لممثلات يفخر بهن بلدنا .. مبارك ! لقد تقدمنا خطوة نحو الأمام !
إنه من المخجل حقاً .. أن تفتخر سناء عكرود بتأديتها لمثل هذه المشاهد .. وأن تبرهن بها على أن المغرب أنجب ممثلين حقيقيين .. وأن تعتبر ما فعلته خطوة جريئة لها نحو الأمام في مسيرة الإبداع الفني .. وكأن معيار جودة الممثل هو جرأته على تأدية كل أنواع المشاهد ..
أحزنني حقاً أن تفكر ممثلة مثل سناء عكرود مثل هذا التفكير المختلف الرجعي الظلامي .. وما أعرفه أن أهل التمثيل والإخراج يجب أن يكونوا أكثر الناس ثقافة وانفتاحاً ومسؤولية لكن الموازين كلها قُلبت رأساً على عقب ..
نعم يا سناء سيفتخر بك بعض هؤلاء ( الظلاميين ) .. فالفيلم سيحصد جوائز كثيرة .. وستبلغ شهرتك الآفاق .. وستُفتح أمامك سبل النجومية واحدة تلو الأخرى .. ولم لا قد تصبحين ممثلة عالمية في المستقبل وتعملين مع المخرج الأمريكي مارتن سكورسيزي .. لكنك في النهاية خسرت أهم شيء .. خسرت احترام شريحة كبيرة من المغاربة لشخصك ولأدائك .. فقدت ثقة الجمهور بك ..
نحن لا نحتاج لمشاهدة الفيلم ونقده بمهنية واحترافية .. ولن نكلف أنفسنا عناء البحث عن المبررات والحجج بعيداً عن المنظور الأخلاقي للعمل .. بل إن المنظور الأخلاقي هو أول ما نضعه في عين الإعتبار .. فإن صلح صلح العمل كله ..
عندما تطلبين أن نشاهد العمل أولاً قبل أن ننقده .. وعندما تقولين أنه من الخطأ أن يقترن الفن بالأخلاق .. نقول لك أن التخلف مازال مهيمناً على عقلك وعقل من زرعوا فيه هذه الأفكار الظلامية .. وهذا شيء طبيعي لأن الظلاميين هم فقط من يسيطر على عالم الفن والإنتاج الفني ..
أتمنى أن يأتي يوم تتمكن فيه [ العقليات المتفتحة ] من الإمساك بزمام المجال الفني .. السينما كمنبر إعلامي يغير عقول الناس .. يجب أن تكون فقط في يد [ المتفتحين ] الذين يعرفون للفن أخلاقياته السامية .. بعيداً عن أصحاب [ التحجر الفكري ] من المتخلفين والرجعيين والظلاميين الذين نراهم الآن في ثوب الممثلين والمخرجين والمنتجين ..
فيا للأسف …
دمعة وابتسامة .. وأزمة تفكير
18/10/2009 at 00:52 | In صيد الخواطر | 2 Comments-[ لم أستطع إخفاء دهشتي وأنا أقلّب تلك الصفحات الصفراء المهترئة .. إختل ميزان عقلي وتشوشت أفكاري كما تشوشت صورة الطبيعة التي كنت أراها عبر نافذة القطار ... يا لهول ما قرأت ... ]
.
يستحيل أن أجمع أمتعتي وأضعها في الحقيبة مستعداً لسفر .. دون أن أحشر بينها كتاباً أو كتابين .. فالكتاب خير مؤنس لوحدتي في عربة القطار وفي غرفة الفندق .. إصطحبت معي كتاب صيد الخاطر .. وأردت أن آخذ كتاباً آخر .. فوقع نظري على كتاب قديم كنت أراه منذ طفولتي مرمياً في إحدى زوايا المكتبة .. دون أن أفكر يوماً في قراءته .. كتاب قديم اصفرّت أوراقه .. ورُسمت على غلافه صورة مؤلفه تحت العنوان .. إنه كتاب [ دمعة وابتسامة ] لجبران خليل جبران ..
بصراحة لم أكن أعرف عن هذا الكاتب سوى اسمه وهذا جهل مني وتقصير .. لكنها كانت فرصة رائعة أن أقرأ كتاباً له على متن القطار .. شدّني أسلوب الكاتب وروعة وصفه .. ولمست في أسلوبه شيئاً جديداً لم يسبق أن قرأت مثله من قبل .. وصف خيالي للطبيعة ومناظرها .. وتأملات تدل على شاعرية هزّت قلوب الكثيرين .. وكنت كلما أنهيت فقرة من الكتاب حولت وجهي إلى النافذة أتأمل المساحات الخضراء والمناظر الطبيعية التي تهرب مسرعة من أمام ناظري مفسحة للمجال لغيرها في سلسلة لا متناهية .. وكأن الأرض هي من تتحرك وليس القطار ! .. لم أشعر بنفسي إلا وأنا على وشك إنهاء الكتاب رغم طوله …
.
لن أنكر أن أسلوب الوصف في الكتاب قد شدّني كثيراً .. لكن ما كان يثير استغرابي وجود أفكار وأقوال جريئة أكثر مما ينبغي وفي مجال العقيدة .. إتهمت كاتب الكتاب في دينه وخطر لي أنه مسيحي .. لكنني كنت أرى في أسلوبه اقتباسات من متن القرآن وعبارات المسلمين .. ثم لا ألبث أن أجد شطحات تخرج كاتبها من الملة .. فأستغرب .. من هذا الرجل ؟ وماذا يريد ؟ وماذا وراء أسلوبه الخيالي هذا ؟ .. أنهيت قراءة الكتاب وأعدت كثيراً من فقراته .. وكلي شوق لكشف غموض هذا الكاتب الغامض جبران خليل جبران ..
تبين لي بعد البحث أنه كاتب لبناني أمريكي قديم توفي في ثلاثينيات القرن الماضي .. مسيحي متمرد على كل القوانين والديانات حتى المسيحية نفسها .. ساخر من كل شيء حتى من نفسه .. متناقض جداً ومغرور .. كتب باللغتين العربية والانجليزية .. صفيق وجريء لأقصى حد .. عندما كان طفلاً زرع ورقة مكتوبة وانتظر أن تنبت !
.
لجبران خليل جبران انحرافات لا تنتهي ويصعب تعدادها .. أولها كفره وليس بعد الكفر ذنب .. وآخرها جرأته على الذات الإلهية وتمرده على الدين وعلى الشرائع كلها .. ومن انحرافاته إيمانه بألوهية الإنسان وخلطه في فهم معنى الإله .. وإيمانه بوحدة الوجود وهي فكرة صوفية ضالة .. وأيضاً إيمانه بتناسخ الأرواح ويظهر هذا في قوله : ” قريباً ترونني لأن امرأة أخرى ستلدني ” .. وقد بلغت به الجرأة أن يضع نفسه في مقام ” النبوة ” ويعتقد أن كلمة ” النبي ” هي فيه ومنه وله وهذا ما قاله في كتابه : ” توهمت في الماضي أن هذه الكلمة لي وفيّ ومني ” .. وله في كتبه الشهيرة مثل [ النبي ] و [ يسوع ابن الإنسان ] و [ الأجنحة المتكسرة ] ضلالات يحتاج تعدادها لبحث يقام على ضوء من العقيدة …
.
ما أريد أن أقول .. أن من موجبات الحذر والخوف على الذات .. أن نتأمل حال هذا الكاتب المسكين وأمثاله ومن تبنّوا فكره وفلسفته .. هذا الكاتب الذي استرق عبارات قرآنية وإسلامية وكتب بأفصح ما يمكن أن يكتب به كاتب باللغة العربية .. يصفه العالَم بالمفكر والأديب والفيلسوف .. ومن يقرأ له يعرف فعلاً أن الرجل قد سرح بتفكيره إلى أقصى الحدود .. فكان تفكيره لعنة عليه جعلته يصر على الكفر ويتطاول على الذات الإلهية ويتمرد على دينه .. فأي تفكير هذا الذي يقود الإنسان إلى مثل هذه الحال .. وأي جحود ؟ وأي عقل لهذا الذي سمع أقوال رسول العرب ( على حد قوله ) فلم يميز صحتها من علة ما فسد من فكره وفكر من حرفوا ديانته ؟ وأي قلب له بعد أن قرأ القرآن ولم يعِه ولم يرِق لمعانيه .. واكتفى منه باستراق شيء من أساليبه ليدرجها في كتاباته المنحرفة ..
.
إنه ضلال التفكير .. وليس كل التفكير محموداً كما يظن البعض .. فإن للتفكير منهجاً .. هدفاً وطريقة ونتيجة تقود إلى اقتناع .. وهو يتأثر بمحيطه حتى يظن المفكر أنه في عمق تفكيره قد تجاوز كل الحدود وحرر روحه من قيودها وتركها تسبح في اللانهاية .. بينما هو في الواقع حبيس في مجال ضيق حرج قد تداخله وسوسة الشيطان .. فيصبح جل تفكيره عبارة عن ( هوى ) .. ينطلق من الهوى وينتهي إلى الهوى .. ثم يقتنع بما يمليه عليه هواه فصبح هواه إلهه .. ثم قد يصل المفكر في مرحلة من مراحل تفكيره إلى الشك في كل شيء حتى في صحة معتقده .. بل حتى في نفسه وما يحيط بها من المحسوسات فضلاً عن الغيبيات .. وبعد الشك يجيء الإنكار .. وبعد الإنكار تجيء الاستهانة .. فنجد بعض الفلاسفة والسفسطائيين المتكلمين يستهينون بكل شيء .. بالجسد والروح .. بالسماء والأرض .. بل بالإله نفسه والعياذ بالله .. فإما يشكون في وجوده أو يجسمونه بما تملي عليه خيالاتهم .. أو يلصقون به من الصفات ما لا يليق بجلالته وعظمته … ومازالوا يتخبطون في أوحال فكرهم المتحرر حتى نهاية عمرهم ..
.
ها هم الفلاسفة منذ سقراط يفكرون ويضعون القوانين .. يتلمحون وجود الإله ثم يبحثون في دقائق النفس البشرية .. حتى إذا فرغوا توجهوا لوضع الشرائع والقوانين ورسم المدن الفاضلة وجنان الأرض .. فيموتون وتعقبهم أجيال جديدة من المفكرين .. يهدمون ما بناه سلفهم ويضعون بدلاً عن ذلك شرعهم الخاص .. فإذا بُعث الأنبياء تعاملوا مع ما يأتون به كـ ( معطيات ) قابلة للتحليل .. يضعونها تحت مجهرهم الخاص ويعرضونها على ما تمليه عليه أهواؤهم ووساوس الشيطان .. ومازالوا على ذلك حتى الآن ..
.
قد نزل القرآن العظيم وفيه جواب لكل ما يتخبط هؤلاء المفكرون في تفسيره وإيجاد جواب له .. ويسهرون الليالي وينهكون أجسادهم وأعينهم في التفكير والتأمل والبحث في كتب القدماء لعلهم يتلمحون فيها جزءً من الحقيقة التي عرفها فكرهم وضل عقلهم عن إدراكها .. فما أتعسهم … وما جبران منا ببعيد …
.
لست ضد التفكير ولست من دعاة التحجر .. بل إن التفكير رياضة العقول وبه يحصل التأمل وتُكتسب الحكمة .. لكن على التفكير أن يكون ممنهجاً بمنهاج العقيدة .. في منطلقه وفي طريقه وفي نتائجه .. فيكون أدعى لترسيخ العقيدة وفهم مقاصد التشريع واستشعار عظمة الخالق عز وجل .. وثق أن تفكيرك إن لم تقيده العقيدة قيده الهوى من حيث تظن أنك تحلق دون قيد .. [ المراء في القرآن كفر .. والسؤال عن كيف الاستواء بدعة ] ..
وإذا لم يكن من الله عون للفتى .. فإن أكثر ما يجني عليه اجتهاده ..
فيا أيها المسلم اعلم قبل أن تفكر .. أن عقيدتك هي عقيدة اتباع أولاً .. وعليك أن تثق أن مصدر ما تتبعه هو الله عز وجل .. وهو أدرى بحكمة ما نزّل سواء فهمت أنت ذلك أم لم تفهمه .. فإن طلبت الدليل ليطمئن قلبك وقد طلبه قبلك الخليل إبراهيم عليه السلام .. فإن الدليل موجود فابحث عنه .. وهل تُحجب الشمس بالغربال ؟ .. وإن لم تجد بعض ما بحثت عنه – وأحسب أنه قليل – فآمن بحكمة الله واصمت .. فقد يكون من لطفه وحكمته إخفاء الدليل .. وهنا دليل إيمانك .. وعبوديتك ..
إذا وعيت هذا .. ففكر كما تشاء .. واسرح في تفكيرك إلى أبعد ما يمكنك أن تصل إليه .. فلن تجد إن شاء الله إلا ما يسرك .. ولن يقودك تفكيرك إلا لفتح مزيد من أبواب اليقين يرق لها قلبك وتتحقق بها عبوديتك وذُلك لخالقك .. فتسمو روحك ….
.
قراءة في مشهد الثقافة
13/09/2009 at 11:46 | In عام | 1 Commentدائماً يعد مفهوم الثقافة من المفاهيم الغامضة التي لا تحتمل تأويلاً واحداً قطعياً ، باعتبار مصطلح ( ثقافة ) مصطلحاً حديثاً لا نجد له أصولاً في تاريخ اللغة العربية ، كثير من المفكرين والفلاسفة أصدروا تعريفات متعددة لهذا المفهوم لكن مع ذلك يظل معنى الثقافة واحداً عند العوام وعامة الشعب ، وإن كان مفهومها موضوع بحث متشعب عند طلاب الأدب والفلسفة .. فهل الثقافة تعني العلم ؟ المعرفة ؟ كثرة المعلومات العامة ؟ وهل تتحقق بالإغراق في قراءة الكتب والمقالات وسماع البرامج والمحاضرات ؟
* * *
لست متخصصاً في هذا الموضوع بل لا أكاد أعرف شيئاً عن تفاصيله ، لكن أقرب تعريف سمعته واقتنعت به هو أن الثقافة هي ما يبقى في العقل بعد نسيان كل شيء ، نحن ندرس مواد كثيرة منذ المرحلة الابتدائية وحتى الجامعية ، لكن الطالب المتخرج لن يتذكر كل كتاب قرأته طيلة فترة تعليمه وبتفاصيله الدقيقة ، أي أن الطالب المتخرج من الجامعة يكون قد نسي تماماً النصوص التي درسها وحفظها واستعد بها لإجراء الامتحانات ، لكن عند المقارنة بينه وبين شخص لم يدرس شيئاً في حياته سيبدو الفرق واضحاً بين الطالب الجامعي والطالب المتخرج من المرحلة الإعدادية مثلاً ..
هذا ما يسمى بالتكوين المعرفي ، وهو تكوين متدرج وغير مباشر لشخصية الإنسان عبر المناهج الأكاديمية التي درسها طوال فترة تعليمه ، وتختلف جودة التكوين المعرفي بين شخص وآخر باختلاف نسبة التخلص من أنواع الأمية الثلاثة .. فهناك أمية هجائية يسهل التخلص منها في المرحلة الابتدائية عبر تعلم الحروف اللغوية والقراءة والكتابة ، وهناك النوع الثاني من الأمية وهو الأمية المعرفية ، ويتم التخلص منها عبر القراءة المتنوعة واكتساب قدر لا بأس به من المعلومات سواء في مجال التخصص أو في المعلومات العامة ، أما النوع الثالث فهو الأمية المنهجية ، ومعناه أن ليس كل شخص يعرف القراءة والكتابة وله رصيد من المعلومات في رأسه سواء أكان تحصيلها أكاديمياً أو حراً ، قادر على أن يضع بنفسه بحثاً في موضوع ما بحيث يحترم فيه أسس ومبادئ المنهج العلمي في البحث والتنظيم وبالتالي إنتاج موضوع مستقل مرتب الأفكار يستحق القراءة ويقبل النقد الخارجي ..
لمحاربة هذا النوع من الأمية كان من الواجب على الطالب أن يدرس علم مناهج البحث وهو العلم الذي يؤطر مجال التخصص من حيث الأدوات والطرق اللازمة للخوض فيه ودراسته ، وكذلك علم الابستمولوجيا أو فلسفة العلوم وهو العلم الذي يعني بمعرفة الأصول الأولى للعلم وكيف تم تكوينه من الأساس وهل ما تتم دراسته أو التخصص فيه يتوفر على شروط [ العلمية ] و [ الموضوعية ] التي تجعل منه [ علماً ] قابلاً للتدريس الأكاديمي أم لا .. ( كلمة ” ابستمولوجيا ” تترجم عربياً بـ ” علم العلم ” أو ” علم المعرفة ” ).
* * *
تجاوزاً لكل هذه المفاهيم الأكاديمية ، تبقى الثقافة مفهوماً مسلماً به عند عامة الناس وإن كان معظمهم وحتى بعض المثقفين منهم مع الأسف يفتقرون للمنهج السليم في البحث عن مراجع الثقافة وطريقة تقبل المعلومات الواردة والتي أصبحت سيلاً جارفاً في الآونة الأخيرة بفضل ثورة الإعلاميات والتواصل .. وبرأيي أن مشكل الثقافة في مجتمعنا المعيش يتجلى في ثلاثة مستويات عند ثلاث فئات اجتماعية وهي كالآتي :
- المستوى الأول ، عند غير المتعلمين أو الذين لم يتجاوزوا سوى الأمية الهجائية : عند هؤلاء نجد أن مشكلة الثقافة لديهم تتجلى في مصادر اكتساب هذه الثقافة والتشدد في التعصب لها أحياناً سواء بتأييد بعض المفاهيم أو رفض بعضها ، ولو بحثت ستجد أن لا أساس لمواقفهم سوى أنهم ألفوا آباءهم على تلك المواقف أو وجدوها كذلك منذ فُتحت أعينهم على المجتمع المحيط بهم ، ولهذا نجد أن شريحة كبيرة من العوام غير المكونين معرفياً تستمد قناعاتها فقط من المخلفات الفكرية والفضلات المعرفية الموجودة في البيت والشارع وقد يقود التعصب بعضهم إلى عدم قبول أية فكرة جديدة مهما تحلت بالمنطقية وحجة الإقناع ، بل قد يرى بعضهم أن الدارسين والمثقفين هم أشخاص قضوا أعمارهم وسط الجامعات والكتب ولم يدخلوا في معترك الحياة ولذا فإن معلوماتهم وأفكارهم هي مجرد عبث لا فائدة منه .. مع الأسف وجود مشكل كهذا وعند شريحة كبيرة من المجتمع هو دليل على قلة الوعي وغلبة الخضوع للمسلّمات البديهية الموجودة في المجتمع أو القادمة من الماضي دون تكلف عناء البحث عن مدى صحة تلك الأفكار وعلميّتها ..
- المستوى الثاني ، عند السائرين في طريق التعلم أو الذين هم في صدد محاربة الأمية المعرفية : كثير من هؤلاء يظهرون بمظهر المثقفين وذلك بسبب امتلاء رؤوسهم بالمعلومات العامة التي أتت من مطالعة الكتب أو مشاهدة البرامج الوثائقية ، ويتفاوت تكوينهم المعرفي بتفاوت نسبة اطلاعهم على المراجع العلمية وهذا أمر حسن وجيد جداً أن يتعطش الشباب لتحصيل المعرفة والثقافة العامة لكن الإشكالية هنا تتمثل في أمور عديدة أذكر منها :
- عدم الاعتماد على منهج علمي معتمد في التحصيل ، إذا اعتبرنا أن طريق التكوين العصامي هي أصعب من التكوين الأكاديمي بكثير ، لأن إدراك الأساليب المنهجية في البحث واستيعابها والعمل بها هو أمر في غاية الصعوبة حتى على الجامعيين فما بالك بالعصامي الذي يسعى لتكوين نفسه بنفسه ، ولهذا نجد أن الثقافة الناتجة عن قراءة معلومات متفرقة من هنا وهناك هي ثقافة ناقصة بحيث أن المعلومات المجردة والمتدفقة عبر وسائل الإعلام هي معلومات تفتقر إلى الاستناد على أساس مرجعي وتفتقر إلى المسار الذي يقودها لتحصيل نتيجة ما ، كما أنها قد تخلو من المصداقية أيضاً ولذا فإن أسلوب البحث الحر عن معلومات ثقافية عامة قد لا يمنحك تكويناً معرفياً متكاملاً ..
- سوء تقدير قيمة المعلومات المحصل عليها ، وذلك لأنها معلومات مجردة قد تكون مجهولة المصدر وقد يكون المطلع على جهل بقيمة المصدر وأهميته التاريخية وقيمته الفكرية ، ويتجلى هذا كمثال في تعامل بعض هؤلاء المثقفين البسطاء مع مواضيع خلافية اختلف فيها كبار الفلاسفة والعلماء في مجال معين ، فنجد أن القارئ البسيط يتسرع في إصدار الأحكام والتحيز لفئة معينة بل ومهاجمة الفئات المخالفة لها مستجيباً بذلك لتهييج عاطفي يكون قد تعرض له من طرف أحد التوجهات دون حتى أن تكون له قراءة شاملة وموضوعية لكل التوجهات المتناقضة ، لذا وقبل أن يخوض المرء في مواضيع الخلاف ويبدي تحيزه إلى فئة ما ودفاعه عنها يجب أن يبدأ أولاً بالاطلاع الواسع على كل الإشكالات الخلافية بين الأفكار وأسبابها وأهدافها حتى تتكون له نظرة واضحة عن الوضع ، فيسهل عليه إذ ذاك اعتناق المذهب الذي يراه مناسباً بحسب ما اقتنع به وسيكون بذلك قادراً على المناقشة والإقناع لأنه سيكون قد اطلع على أفكار الغير وعرف كيف ينقدها وينقضها بالعقل والمنطق بعيداً عن الاستثارة العاطفية التي تدل في كثير من الأحيان على الخواء الفكري ..
- عدم التدرج المنهجي في التحصيل المعرفي ، وهذا أيضاً من أسباب انعدام المنهجية السليمة في التحصيل والتي تمنح الطالب تدرجاً مناسباً يبدأ به من أصول العلم منتقلاً به شيئاً فشيئاً إلى الفروع وهذا نحو إحاطة شاملة بمجال التخصص تحيل الطالب انتهاءً إلى إبداع شيء جديد فيه وهذا شأن طلبة الماجستير والدكتوراه ، إنعدام هذه المنهجية عند بعض القراء الأحرار يجعلهم غير قادرين على تمييز الكتاب الذي يقرؤونه هل تنبغي قراءته أولاً أم أن هناك كتباً أخرى تجب قراءتها قبلاً حتى يمكن فهم الكتاب الأكثر تقدماً وتعقيداً ، إنعدام هذا التدرج قد يصيب بعض الطلاب بالإحباط الشديد واليأس لعدم قدرتهم على فهم ما يقرؤونه وافتقارهم إلى الأسس الأولى التي لا يصح أن يتعمق أحدنا في علم ما إلا إذا تمكن منها ، فلا يمكن مثلاً بناء سقف البيت قبل جدرانه ولا يمكن بناء الجدران دون أساس متين ..
وكمثال بسيط على هذه الإشكالية نجد مثلاً شاباً حديث الإقبال على التدين بعد أن كان على غفلة ، نجده عوض أن يبدأ بالتعرف على عقيدته أولاً ثم يتعرف على بعض الأحكام الفقهية البسيطة ، ينتقل مباشرة للخوض في حديث حول الملكوت أو الذات الإلهية أو الاستواء على العرش ويبحث ويناقش في مواضيع فلسفية تجادل فيها كبار العلماء ومازالت تشكل بالنسبة لهم محلات نقاش وخلاف ، عواقب مثل هذا الخوض قد تكون وخيمة لذا وجب التنبيه على أهمية التدرج السليم في تحصيل العلم حتى يكون البناء الثقافي للقارئ الحر بناءً سليماً ..
- المستوى الثالث ، عند المتعلمين وخريجي الجامعات والمعاهد : ولعل أبسط مشكل قد يعاني منه هؤلاء اقتصار معرفتهم على المجال الذي تخصصوا فيه وتعمقوا فيه دون التبحر في العلوم الأخرى إلا بشكل سطحي جداً ، وهذا قد يقود إلى أحادية في الثقافة تجعل العقل متحجراً عن قبول الرأي الآخر لا سيما إن كان مخالفاً ، لكن هناك إشكاليات أخرى أكثر عمقاً من هذا أذكر منها :
- عدم تحرير العقل من مسلّمات الانتماء ، لا يشكك أحد أن خريج الجامعة أو حامل شهادة الماجيستير أو الدكتوراه هو على قدر واسع من المعرفة ، لكن لا يخرج أحد منهم عن كونه تلقى تعليمه في جامعة معينة تنتمي لبلد معين ، تعتنق ديناً معيناً ومذهباً معيناً ، ولذا فإن عقل هذا الخريج يظل دائماً أسير المسلّمات التي يعيشها في مجتمعه والانتماءات التي تنتمي إليها جامعته أو دولته على كافة المستويات الدينية والاعتقادية ( إلحادية ، يهودية ، مسيحية أو مسلمة ) ، أو الطائفية والمذهبية ( شيعية أم سنية ، سلفية أم صوفية ) أو الفكرية الفلسفية أو الاقتصادية ( شيوعية ، رأسمالية ، لبرالية ) ..
من الطبيعي أن يكون خريج إحدى هذه الجامعات بأنواعها متشرباً لأفكارها التي درّستها له ، مدافعاً عنها وقادراً على المجادلة ضد غيرها بالحجج والبراهين المقنعة بالنسبة له ، لأنه يعتقد أن توجهه هو الأسلم وأنه سيقوده إلى تحقيق أهدافه سواء أكانت دينية أو دنيوية ، لكن رغم ذلك يظل عقل الخريج أسير توجهه واعتقاده إن لم ينفتح على معتقدات غيره ويدرك أن غيره أيضاً قد تلقوا تعليماً أكاديمياً معمقاً كما تلقاه هو ، ولست أقصد بهذا التماس العذر لكل ناعق وداعٍ إلى باطل لكن هناك ضوابط شرعية تحدد موقفنا كمسلمين من غيرنا بحسب نسبة مخالفتهم لنا ( في فروع الفقه أو في أصل العقيدة مثلاً ) ، نحن مسلمون ونعتقد يقيناً أن ديننا هو الحق وأن غيره ضلال ، لذا حتى وإن انفتحنا على ثقافات غيرنا فإن ذلك ينبغي أن يكون ضمن إطار ضوابطنا الشرعية ودون الذوبان فيها والتأثر بها ، بل ينبغي أن يكون ذلك بهدف تحرير العقل من البديهيات والأفكار الجاهزة التي تغسرها الجامعات في عقول طلابها نحو آفاق جديدة تجعل عقل الطالب مطّلعاً على ما لدى غيره اطلاعاً موضوعياً ..
- إدعاء الحيادية والتعامل مع كل الأفكار على حد سواء ، هناك فرق بين الحيادية والموضوعية ، أن نكون موضوعيين منهجيين يختلف على أن نكون محايدين نكيل بنفس المكيال ، بل إن الذين يدعون الحياد هم كاذبون حتماً لأن لا وجود للحياد في التوجهات الفكرية والثقافية ، فمن الظلم والجهل والإساءة مثلاً أن يقف الطالب المسلم أمام الظواهر العقدية باختلافها عند الديانات السماوية والوضعية ، ثم يتناولها بالدراسة والتفصيل والنقد على حد سواء دون تمييز بين الإسلام والمسيحية واليهودية ، فيقول مثلاً ( نجد عند المسيحيين كذا وكذا وعند المسلمين كذا وكذا .. ) ثم ينهي بحثه دون أن يعرف بنفسه وانتمائه ودون أن يشير إلى أن العقيدة الإسلامية هي الأصح وأنها أثبت وأقدر على الإقناع من غيرها ، ويدعي بذلك أن بحثه موضوعي وأنه لم يتحيز إلى فئة معينة ، وقد غفل عن أن عدم تحيزه هذا هو بنفسه تحيز إلى فئة عدم المتحيزين ، وفي هذا ضرر عليه شخصياً بحيث يتعامل مع المعلومات العقدية الإسلامية على أنها معطيات جامدة لا روحانية فيها قام بالبحث عنها وتوظيفها في بحثه فقط دون أن تتحرك نفسه وتهتز مشاعره تأثراً بها وتعظيماً لها وإظهاراً لها على غيرها ، وفي هذا ظلم وإجحاف عظيم لها ، ولمثل هذا الموقف ضرر على المتلقي أيضاً بحيث تبدو الأديان بالنسبة له مجرد معلومات ثقافية متساوية الأهمية دون أن يحس بانتمائه لأحدها أو أن أحدها هو الحق وان غيره باطل ، وهذا قد يورث ضعف إيمان أو ضعف تأثر على الأقل ، وقد يكون هذا شأن الملاحدة الذين نجد أن بعضهم هم أكثر دراية بالإسلام من المسلمين لكن بحثهم في الإسلام هو بهدف محاربته وهذا أسوأ من ادعاء الحيادية لكن ذلك لا يمنع من أن يكون لهذا الادعاء الظالم أضرار أيضاً ..
* * *
- خلاصة : إذا اعتبرنا أن الثقافة هي المستوى العام للتكوين المعرفي والقدرة على استحضار المعلومات المخزنة لتوظيفها في نقاش أو في اتخاذ قرار أو موقف ، فإن من الأهمية بمكان مراعاة البعد المنهجي في التحصيل العلمي سواء أكان الطالب طالباً جامعياً يتلقى تعليمه الأكاديمي أو قارئاً حراً يسعى لتكوين نفسه بنفسه ، إن من أكبر الأخطاء التي يمكن للمرء أن يقع فيها هي اغتراره بمحصوله الثقافي وإن كان واسعاً ، واعتقاده بأنه قد أحاط علماً بمجال ما وأنه قد وصل إلى منتهاه ، طريق العلم شاقة جداً بدءً من الابستمولوجيا مروراً بالقواعد النظرية والتطبيقات العملية ، ووصولاً إلى مرمى ذلك العلم وأهدافه النهائية ، لا يمكن لأحد أن يحيط بكافة العلوم ولا حتى بعلم واحد ، ذلك لأن أي كتاب تقرؤه هو إنتاج آدمي يعتريه النقص وقابل للنقد ، كما أن للبحث العلمي أسساً وطريقها شاق جداً ، فأي مرجع تعتمد عليه هو بنفسه يعتمد على مراجع كثيرة ، ولو أردت العودة إلى كل المراجع فإن ذلك قد يأخذ سنين من عمرك دون أن تتمكن من ذلك ..
إن ما نفعله نحن من مطالعة حرة وكتابة للمقالات والمواضيع في المنتديات والمدونات لا يعدو كونه نشاطاً فكرياً بسيطاً وغالباً ما يفتقر للمنهج السليم ، وفي نهاية المطاف تبقى الثقافة مطلباً لا يعدو كونه وسيلة لتحقيق أهداف أسمى وليست غاية لذاتها ، فالعلم يُطلب ليُعمل به وإننا نحمد الله على نعمة الإسلام والذي حثنا على القراءة والتعلم وأتانا بأفضل المناهج والطرق الموصلة لذلك بل وأخبرنا كيف يكون طلبنا للعلم وتحصيلنا له سبباً في تزكية النفس وابتغاء الأجر من الله عز وجل ، فالعلم المجرد دون سلوك قويم على منهاج الإسلام هو مجرد حمولة ثقيلة في رأس حاملها لا تزيده سوى بؤساً وقد تكون سبباً في سوء حاله اليوم وغداً ..
موضوعي هذا ليس بحثاً أو مقالة ولم أعتمد في كتابته على البحث إلا بشكل يسير جداً ، وبالتالي فهو مجرد أفكار عشوائية تفتقر لأبسط أبجديات البحث العلمي التي لم أدرسها ولا أكاد أعرف شيئاً عنها ! لكن هذا الموضوع المتواضع هو مجرد خاطرة مرت بذهني بنتها تجارب شخصية مررت بها في إطار محاولاتي لتثقيف نفسي ، فأردت أن أشارككم بها فكتبتها مرتجلاً غير معتمد على أي ترتيب …
قراءةً ممتعة ^_^
نصف فارغ .. نصف ممتلئ
10/09/2009 at 01:09 | In صيد الخواطر | 2 Comments
-[ تأملوا هذه الكأس جيداً ، الخط يقسمها إلى نصفين أحدهما ممتلئ ماءً والآخر هواءً ، كثيراً ما يسألون هل الكأس ممتلئة إلى النصف أم أنها فارغة إلى النصف ؟! وكثيراً ما يقولون أن الأفضل هو أن ننظر إلى الجانب المشرق ونقول أن الكأس ممتلئة إلى النصف ، لكن هذا لن يغير أن هناك نصفاً فارغاً ، ولن يغير أن وجود نصف ممتلئ أفضل من أن تكون فارغة تماماً ... ]
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
خرجت إلى الشارع واندسست في الزحام لأقضي بعض شأني ، إلتفتّ يسرة ، فرأيت الأوجه العابسة والأحوال البئيسة ، سمعت صراخ الناس وسبابهم لبعضهم البعض ، ورأيت أكثرهم يملؤون المقاهي ، ويتسكعون في الشوارع دون جدوى ، يعاكسون الفتيات ويغتابون الناس ..
والتفتّ يمنة ، فرأيت أوجهاً وضّاءة تشع ابتساماً ، أحوالاً مفرحة ، وسمعت تلاطف الناس وتسامحهم مع بعضهم البعض ، أذن المؤذن فرأيت جموعهم تتجه صوب المسجد ، وألسنتهم تلهج بالذكر والحمد …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
حملت محفظتي واتّجهت صوب الجامعة ، إلتفتّ يسرة ، رأيت شباباً تافهاً لا اهتمام له سوى سفاسف الأمور ، شباباً مائعاً لم يترك من خوارم المروءة شيئاً إلا ارتكبه ، شباباً لا يعير للعلم والتحصيل وزناً ، لا هم له ولا همة ، سوى تحقيق ذات وتحصيل لذّات لازالت تشق طريقها نحو الحضيض ..
والتفتّ يمنة ، فرأيت شباباً طاهراً يشع نور الإيمان من وجهه ، شامخ في اهتمامه محصّل لعزائم الرجولة والنضج ، متحلّ بمكارم الأخلاق وطموحاته تناطح السحاب ، همه التحصيل وهمته أن يكون فرداً صالحاً في مجتمع إسلامي منشود تتظافر الجهود لتحقيقه …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
دخلت المسجد وصليت ركعتين ، سلّمت عن يميني فرأيت المسجد عامراً ممتلئاً ، بشباب ورجال تشرّب قلبهم بالإيمان فحرك خطاهم إلى المسجد ويمّم وجوههم شطر المسجد الحرام ، إذا صلوا أتقنوا وإذا تكلموا أحسنوا ، وإذا اختلفوا تجاهلوا واحترموا ، وإذا جلسوا رعوا للمسجد حرمته ..
وسلّمت عن شمالي ، فرأيت المسجد فارغاً إلا من بضع شيوخ ، لا يعرفون عن الدين سوى ما سمعوه عن آبائهم الأولين ، وإذا نُصحوا عبسوا وشتموا وطردوا ، إذا صلوا ابتدعوا وإذا تكلموا تشاجروا ، وإذا خاصموا فجروا ، ولو رأيت أحوالهم ما وجدت فيها أثراً من سنة أو هدياً من قرآن ..
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
ذهبت إلى السوق .. وانغمست في ضوضائه ، إلتفتّ يسرة ، فرأيت عَلَماً نصبه الشيطان ، رأيت الغلاء والاحتكار ، والنشل والاحتيال ، رأيت باعة جفاة ليس فيهم ذرة من حسن خُلق ، يغالون في الأسعار ويطففون في الميزان ويحتكرون السلع ويقدرونها أكبر من قدرها ، يخدعون ويغشون ، ورأيت نشالين هنا وهناك يدسون أيدٍ لا وزن لها ولا سمك في جيوب المشترين …
والتفتّ يمنة ، فرأيت وجوهاً باسمة وتجاراً يخشون الله في معاملاتهم ، سماحةً في البيع وسماحةً في الشراء ، إذا ثمّنوا لم يغالوا وإذا وزنوا أقسطوا ، وإن كان في السلعة عيب أخبروا به المشتري ، يتحرون بذلك لقمة حلالاً يطعمونها أطفالهم ، ورأيت صالحين كلما مروا بفقير أودعوا في يده صدقة يبتغون بها وجه الله …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
دخلت إدارة ما ، ووقفت في الطابور أنتظر دوري ، إلتفتّ يسرة ، فوجدت موظفاً عبوس الوجه مهملاً لمظهره لا يحترم غيره ، يأتي متأخراً ويمشي متكبراً وكأن مصائر الناس كلها بيده ، فإذا جلس مكانه ظلم واعتدى ، رشى وارتشى ، وقدّم أصحابه على من لا يعرفهم ، ثم يجلس في آخر النهار يتفقد حصيلة ما اختلسه من مال ليس بماله ، إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان ، إن غاب فرح زملاؤه بغيابه وإذا تقاعد أو مات ، أراح ولم يسترح ..
والتفت يمنة ، فرأيت موظفاً بشوش الوجه دائم التبسم ، حسن السمت والمظهر ، يأتي في موعده ويهتم لأمور الناس ويسمع مشاكلهم ويساعدهم على حلها ، لا يقبل رشوة ولا يحتمل أن يدخل جيبه درهم حرام ، ولا يقدّم قريباً على بعيد ولا معرفة على نكرة ، فإن قدّم قدّم العجوز وذا الحاجة على رضىً من الآخرين ، إذا حدث صدق وإذا وعد أوفى وإذا ائتمن أدى ، إن غاب فقده الجميع وإذا مرض عادوه ، وإذا قدِم فرح الجميع بقدومه لأنهم يحبونه …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
عدت إلى البيت ، ودخلت إلى شبكة المعلومات ، أبحرت فيها نصف ساعة فأحزنني ما رأيت ، من مواقع مخلة ومنتديات تافهة ، وشباب لا هم لهم سوى تضييع الوقت بما لا يفيد ، ومواقع محادثات تعج بالذئاب البشرية التي تنشب مخالبها في فتيات ساذجات غافلات ، فضلاً عن العفن الفكري والتيارات الهدامة التي يريدون أن يطفئوا بها نور الله ..
وأبحرت نصف ساعة أخرى ، فأسعدني ما رأيت ، مواقع تنشر المعرفة ومنتديات ترتقي بالحوار الهادف ، وشباب حمل راية الدعوة إلى الله على ضوء من الكتاب والسنة ، فتيات واعيات يحفظن قواعد الإبحار ولا يقعن في محظور من القول أو الفعل ، ومواقع دعوية تسهم في نشر النور لتكوين جيل جديد يستعمل ما جد في عالم المعلومات والتواصل استعمالاً يرقى به لمقام حمل مشعل التقدم المنشود …
* * *
نصف فارغ .. ونصف ممتلئ
-[ تأملت أحوال الناس فوجدتها تنقسم بين خير وشر .. وبياض وسواد .. وتأملت أحوال المتأملين ، فوجدت غالبها تشاؤماً مفرطاً أو تفاؤلاً مبالغاً فيه .. وبرأيي أن نظرتنا إلى العالم يجب أن تكون على قدر من الاعتدال فلا تكون تشاؤماً هادماً ولا تفاؤلاً ساذجاً ، إعلم أنك إن رُزقت حسن النية في قولك وفعلك فإنك على خير عظيم ، وثق بأن الله سيفتح لك من أبواب البصيرة النافذة والفراسة الصائبة ما سيجعلك تحسن قراءة واقعك بسلبياته وإيجابياته ، فتعرف متى تتفاءل ومتى تتشاءم ، ومتى تفرح ومتى تحزن ، فأحوالنا ليست بالمثالية بعد لكنها ليست بذلك السوء الذي يجعلنا نفقد الأمل في كل شيء ..
قد لا يكون الكأس ممتلئاً عن آخره لكنه ليس بالفارغ تماماً ، لنجعل النصف الممتلئ سلوى ، والنصف الفارغ دافعاً نحو الأمام ، وهذا هو معنى وجودنا في هذه الحياة ، وما سنُحاسب عليه غداً يوم القيامة ... والله المستعان ^_^ .. ]
وهل سهلٌ .. إضحاكنا ؟!
02/09/2009 at 18:45 | In حياتنا | 2 Comments[ هي صفعة تتكرر كل يوم على وجه المتفرج المغربي ، توقظه فجأة شارة نهاية ما يسمى ( مسلسلاً كوميدياً ) كان يتابعه منذ لحظات ... ]
وككل عام ، مازالت الأسر المغربية تتجمع حول مائدة الإفطار خلال شهر رمضان المبارك ، تبتلع بمرارة غصة ما يعرض أمامها من أشياء أسموها كذباً ( مسلسلات كوميدية مغربية ) ، وأنا أرى أن تلك الأعمال هي ( أشياء مغربية ) فقط فهي لا تستحق أن تكون مسلسلات فضلاً عن أن تكون كوميدية ..
كل عام تتكرر تلك المهازل والسخافات التافهة التي تُصرف في إعدادها الأموال الطائلة لتُفرض عنوة على المشاهد المغربي ، ما يثير غضبي ويجعلني أثور في وجه تلك الأعمال ليس فقط ضعف السيناريو والإخراج والتمثيل ، وليست سطحية المواضيع التي تقدمها لكنه ذلك الاستغباء للمشاهد والاستخفاف بعقله ، بالله عليكم هل يسع مغربياً أن يضحك على مشاهد من مسلسلات مثل ( هدا حالي ) أو ( لاباس والو باس ) الذي أفرط بشكل فظيع في الابتذال وثقل الدم حتى أصبح جديراً أن يصيب كل من يشاهده بالغثيان ، هل سيضحك المغاربة على مواقف سعيد الناصري الذي تتكرر كل عام في كونه ضيفاً ثقيل الدم على أسرة غريبة ، منذ سلسلته ( أنا وخويا ومراتو ) وحتى ( نسيب الحاج عزوز ) ، مروراً بفضلات إعلامية مثل ( الربيب ) و ( العوني ) !
هل سيضحك أحد على محمد الخياري الذي يعجن الكلام عجناً ليخرجه بصورة مشوهة تؤذي الأذن ، وليته كان كلاماً مضحكاً بل هي مجرد مصطلحات لا هدف منها ولا فائدة !
هل سيضحك المغربي بعد يوم شاق من العمل على مسلسل يعطي صورة سيئة عن الأسرة المغربية مثل ( عائلة محترمة جداً ) ؟ قائمة طويلة لا تكاد تنتهي ، مسلسلات تتكرر كل عام ، بل وتُضاف عليها مسلسلات أسوأ منها وقد تمادت في تقديم أسوأ صورة عن عبثية وانحطاط الإعلام المغربي العاري من كل قيمة أو هدف ..
* * *
لن أتحدث عن تكرار المواضيع المطرحة كل عام ، بل لن أتحدث عن المواضيع نفسها وما تزخر به من سطحية وتفاهة وعدم مسؤولية ، لن أتحدث عن السيناريو الذي قد يكون أي شيء عدا أن يكون تمثيلاً لمشهد الأسرة المغربية في حياتها اليومية ، كما لن أتحدث عن عبث الممثلين الذين يلوون أوجههم بشكل مثير للاشمئزاز ويلقون كلمات عابثة لا ترابط بينها ولا هدف ، تتخللها تلك الضحكات الصناعية المستفزة التي تزيد من غضب المتفرج وحسرته على مأساة كوميديا بلد يُعرف أهله بالظرف وخفة الدم ..
لن أتحدث عن كل هذا فقد تحدث عنه كثيرون قبلي ، لكن ما يجب أن نتساءل حوله هو هل القائمون على هذه المخلّفات الإعلامية يدركون حجم المسؤولية المنوطة على عاتقهم ؟ هل يعرفون حقيقة الأسرة المغربية وحياتها اليومية ، هل يعرفون فعلاً ما الذي يضحك المغاربة ؟ أكاد أجزم أن الجواب هو ” لا ” ، مهمة إضحاك المغاربة في التلفاز هي من أصعب المهام التي لا يمكن أن يقوم بها أياً كان ، لا سيما في زمن الكل فيه مشغولون بتحصيل لقمة العيش ولا وقت لديهم يضيعونه أمام مسلسلات تستخف بعقلهم وتجعلهم يظهرون بمظهر الأغبياء التافهين ..
في الماضي عشنا مع مسرحيات ومسلسلات جعلتنا ننفجر ضحكاً ، ولكم أن تذكروا أيام مسرحيات ( حسي مسي ) و ( العقل والسبورة ) و ( الرجل الذي ) ، ومسلسلات مثل ( زايد ناقص ) و ( عائلة السي مربوح ) ، كانت أعمالاً قام بإعدادها ممثلون جاؤوا من عمق الشارع المغربي ، ممثلون منحدرون من أحياء شعبية فقيرة ، ممثلون يعرفون لغة أبناء الشعب فيضحكونهم بها ، ضحكاً من الأعماق ..
كنا نشاهد في الماضي تمثيلاً من أعماق القلب ، من ممثلين يلبسون ثياباً رثة بالية ، ويتكلمون بلغة الواقع المعيش دون تصنع أو تنطع ، في تجسيد حي لهموم ومشاكل الشارع المغربي على حقيقته ..
أما الآن فنجد مسخاً لا يرتقي لكونه مجرد رصد واقعي لمشاهد الحياة اليومية ، فضلاً عن أن يكون عملاً كوميدياً ، ممثلون شباب أغلبهم من أسر غنية ، يلبسون أفخر الثياب ويمثلون في أفخر الشقق ، ويتكلمون تارة بعامية مصطنعة بعيدة عن لغة أبناء الشعب ، وتارة بفرنسية هجينة يدّعون بها أنهم على قدر من التفتح والمدنية !
* * *
إن من المفارقات فعلاً أن يكون هناك تناسب عكسي بين الجهد المبذول في مسلسل كوميدي مغربي وبين قدرته على إضحاك المغاربة ، فكلما كان العمل أكثر بساطة وعفوية في أدواته الإخراجية والتمثيلية كان أقدر على الإضحاك والعكس صحيح تماماً ، لذا فليس غريباً أن تكون فترة التسعينيات هي أفضل فترة تم فيها إنتاج مسلسلات مغربية كوميدية ودرامية ..
* * *
ربما عشنا بصيص أمل منحه لنا الفنان المبدع حسن الفذ في عمله الناجح ( الشانيلي تيفي ) من تأليفه وإخراج رشيد بوتونس ، والذي أخذ عن جدارة واستحقاق جائزة أفضل عمل كوميدي مغربي لسنة 2006 ، بعد أن أبدع حسن الفذ وزميله طارق البوخاري ونخبة من الممثلين في تقديم مواضيع جديدة ذات حمولة فنية وثقافية فريدة احترمت عقل المشاهد المغربي المثقف ، وارتقت بذائقته إلى ضحك هادف جمع بين الرؤية العميقة للمواضيع المطروحة وتقديمها في قالب فكاهي مناسب ، لكن يبدو أن بصيص الأمل قد اختفى مجدداً ، في غمرة ما يُعرض حالياً من كوارث تعجز عن أن تضحك طفلاً ،
فيا حسرتاه على فن ضائع ، أُسند لغير أهله …
إلى رحمة الله ..
23/08/2009 at 14:16 | In ذكريات | 8 Comments.
[ هاج الناس وماجوا ، وتعالت صيحاتهم ، كنت واقفاً بينهم جاحظ العينين متجمد الأطرف ، من هول ما رأيت ... ]
عشنا أمس أول أيام رمضان ، وهو يوم له طابعه الخاص ومشاعره المميزة ، إرتفع صوت المأموم بعد انتهاء صلاة الظهر قائلا : ” صلاة الجنازة رحمكم الله ، جنازة رجل ” وفي الحين تعالت أصوات المصلين الذين غص بهم المسجد : ” اللهم اغفر لنا وله ” ..
جنازة في أول أيام رمضان ، ذكرتني بحادث شهدته لم أشهد قط مثله في رمضان الماضي ..
لإمام مسجد حينا عادة تتكرر كل رمضان ، وهي أنه يعطي درساً قصيراً في الوقت ما بين أذان الفجر وإقامة الصلاة ، جلسنا نستمع الدرس باهتمام ولم يحصل أي شيء مثير للانتباه ، إنتهى الإمام من صلاة الصبح وخرجنا من المسجد عائدين إلى بيوتنا ، لكن ما لفت انتباهي وجود تجمع غريب قرب باب المسجد الخلفي ، أردت استكشاف الأمر ويا لهول ما رأيت ، كان رجلاً ميتاً ، ملقى أمام باب المسجد والناس متجمعون من حوله ، قام أحدهم بسحبه حتى أسنده إلى الجدار وقال متأثراً : ” إنه ميت ” ، هاج الناس وماجوا وتعالت صيحاتهم : ” الله أكبر ، لا إله إلا الله ، الله أكبر ! ” ، إرتفعت الأصوات وكثر اللغط ، وما هي إلا ثوانٍ حتى شهد المكان تجمعاً غفيراً ، كنت واقفاً بينهم جاحظ العينين متجمد الأطراف ، لأول مرة أرى رجلاً ميتاً أمام عيني !
لم يعرف أحد ما الذي ينبغي فعله ، ومما زاد الأمر تعقيداً أن أحداً منا لم يعرف الرجل ولم يسبق لأحد من المصلين أن رآه من قبل ، الواضح أنه كان ماراً من هناك فقط ولم يكن يصلي في ذلك المسجد بالذات ، كان ملقى على الأرض وعيناه محتقنتان وزبد أبيض يملأ فمه ..
وبينما نحن كذلك إذ أخبرنا من كان يجلس إلى جواره في المسجد ، أن الرجل كان في حالة طبيعية تماماً ، وفجأة بدأ يسعل ويسعل ، واشتد سعاله ، وخرج مسرعاً من المسجد وسمعه بعض من كانوا قريبين من الباب دون أن يروه ، يسعل بشدة ويصرخ بأعلى صوته : ” الله ! يا الله ! يا الله ! ” وفجأة انقطع صوته …
وما هي إلا لحظات ، حتى كانت سيارة الشرطة تقف قرب باب المسجد ، وبسرعة وُضع الرجل في حمالة ونُقل بعيداً ..
كانت صدمة ، وموعظة وذكرى ، وكفى بالموت واعظاً ، تأملت حاله وهو ملقى على الأرض لا يستطيع الحراك ، جسداً دون روح ، فكرت في أنه كان ينوي فعل أشياء كثيرة في يومه ذاك ، وربما كانت له مشاريع ومخططات وأعمال عليه إنجازها ، لم يكن يعرف وهو في طريقه إلى المسجد أن تلك هي آخر طريق يسلكها في حياته ، فكرت حينها أن طريق عودتي إلى البيت قد تكون هي الأخيرة في حياتي أيضاً ، ومن يدري ! …
كثيراً ما نتعلق بالدنيا أكثر مما ينبغي ، كثيراً ما نغضب ، ونتصرف بأنانية ، نعصي ونخطئ ونسيئ الظن ، ويغيب عن خاطرنا أن ما نفعله الآن وما نسعى لفعله ، قد ينقطع في جزء من الثانية ، وها هو ذا رجل دخل المسجد حياً وخرج منه ميتاً ، في أقل من دقيقة فارقت الروح الجسد ، فارقته من دنيا فانية حقيرة منتهية إلى أخرى خالدة لا نهاية لها ، فهل من معتبر ؟! …
فيما بعد ، علمنا هوية ذلك الرجل – رحمه الله – وأنه كان يقيم في حي قريب ، والغريب فيما حدث أنه كان دائماً يصطحب ولده الصغير لصلاة الفجر في رمضان إلى مسجد حيهم ، لكن في ذلك اليوم تحديداً امتنع عن اصطحاب ولده وأمره بالبقاء في البيت ، ولسبب ما قادته قدماه إلى مسجد أبعد قليلاً ! فسبحان الله …
وطوبى له أن اختاره الله إلى جواره في شهر رمضان ، وهو في المسجد ينتظر الصلاة ، صلاة الفجر …
.
المدونة لدى WordPress.com. | Theme: Pool by Borja Fernandez.
Entries and comments feeds.


