حين تغرب الشمس – فريد الخمال الحسني

16/02/2021 عند 12:19 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

المجموعة القصصية: حين تغرب الشمس

لمؤلفها: فريد الخمال الحسني

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2019

.

=====

هذه المجموعة القصصية هي باكورة الأعمال المستقلة لمؤلفها الشاب، بعد أن نُشرت له قصص سابقة في كتب مجمَّعة، وكانت المجموعة من مقتنياتي في معرض الكتاب السابق في طبعتها الثانية ذات الغلاف المختلف عن طبعتها الأولى.

أول ما يطالعنا في المجموعة غلافُها المميز المستوحى من لوحة (الصرخة) الشهيرة للفنان النرويجي (إدفارت مونك)، وهو غلاف ذكي يلائم عنوان المجموعة، ويحيلنا مباشرة إلى قصة اللوحة كما رواها صاحبها في مذكراته حيث قال: “كنتُ أسير في الطريق مع صديقين لي ثم غربت الشمس، فشعرتُ بمسحة من الكآبة، وفجأة أصبحت السماء حمراء بلون الدم، فتوقفتُ وانحنيتُ على سياج بجانب الطريق وقد غلبني إرهاق لا يوصف، ثم نظرتُ إلى السحب الملتهبة المعلقة مثل سيف دامٍ فوق جرف البحر الأزرق المائل إلى السواد في المدينة. استمرَّ صديقاي في سيرهما، لكنني توقفتُ هناك أرتعش من الخوف، ثم سمعتُ صرخة تتردد في الطبيعة بلا نهاية”.

لدينا إذن عناصر مرتبطة فيما بينها: “غروب الشمس” في عنوان المجموعة، ولوحة “الصرخة” في غلافها، ثم الإهداء الذي وجَّهه الكاتب إلى أحمد خالد توفيق رحمه الله، كل هذه أسهم تشير إلى نمط أدبي واحد هو “أدب الرعب”.

لقد كان لهذا الانتماء الأدبي المعلن للمجموعة، ولا سيما حين يكون صاحبها كاتباً شاباً، أن يثير قلقاً مشروعاً في نفس القارئ، إذ إن أدب الرعب الشبابي قد فقد مصداقيته تماماً لكثرة ما تطفَّل عليه المراهقون الذين أغرقوا المكتبات بعناوين لا أول لها ولا آخر، بل إن تعبير “أدب الرعب” ليكاد يصير مرادفاً لـ “الرداءة الأدبية”، فهل نحَت هذه المجموعة نفس المنحى؟ وهل هي مجرد “قصص رعب أخرى” من تلك التي أتخمت المكتبات ومعارض الكتاب؟

الجواب هنا، لحسن الحظ، هو لا. فرغم أن الكاتب قد وافق الموضة الأدبية الرائجة (أدب الرعب)، إلا أنه عمد إلى مخالفتها في نوعية الرعب المقدَّم في قصصه. لقد استشعر الكاتب، وهذه إشارة جيدة، أنه رغم تأثره الواضح بأدب الرعب المنتمي إلى أحمد خالد توفيق، إلا أن عليه أن يخالف القطيع، وأن تكون لعمله فرادته واستقلاليته الخاصة رغم انتمائه إلى النمط “الرديء” الشائع، ومن ثمَّ فقد وسم قصصه بسِمة مميزة هي “الرعب الاجتماعي والنفسي”، حيث لا يعتمد فيها، بالضرورة، على قوالب الرعب الشائعة المستقاة من الفانتازيا والأساطير، بل يحاول استجلاء بعض الجوانب المرعبة حتى في واقعنا المعيش وحياتنا الاجتماعية، موسعاً بذلك دائرة “الرعب” إلى أقصى حدودها الممكنة، لتشمل إلى جانب الفانتازيا والأساطير واقعنا الاجتماعي القريب وتفاصيلنا اليومية المألوفة.

لقد جرت العادة في المجموعات القصصية أن تعنوَن بأحد عناوين القصص التي تتضمنها، لكن الكاتب خالف هذه العادة إذ لا نجد أي قصة في المجموعة بعنوان “حين تغرب الشمس”، فهو إذن عنوان مستقل، وقد يبدو غير ذي علاقة بالمضمون، لكننا بالنظر في الأمر، وحين نربط العنوان بصورة “الصرخة” في الغلاف، فإننا نستشعر فيه علاقة إيحائية ما تُرخي بظلالها على قصص المجموعة، وتُدخل القارئ، بطريقة غير مباشرة، في أجواء “رعب الغروب”، فيظل مستحضراً أثناء قراءة القصص، ومهما كان موضوعها، ذلك المشهد المرعب في الغلاف؛ الصرخة اللانهائية مجهولة المصدر على الجسر وقت الغروب، والتي تصير أشبه ما تكون بخلفية موسيقية لكافة قصص المجموعة، السماء المصطبغة بلون الدم، وتلك القشعريرة المرعوبة المتوجسة من أن شيئاً مفزعاً يوشك أن يحلَّ مع الظلام الوشيك.

للكاتب أسلوب أدبي ثري وجميل، يشي بتنوع قراءاته الأدبية، لكن ذلك التنوع الواضح أثر عليه بحيث لم يستقر بعد على هوية ثابتة تضبط إيقاعه على مقام أسلوبي واحد، ما أحب أن أطلق عليه “تأثير المنفلوطي”. لذلك نجد بعض الامتزاج في التراكيب بين الأسلوب المعاصر مع عبارات ذات نبرة تراثية تبدو ناتئة بعض الشيء، وتدل على أنها حاضرة في ذاكرة الكاتب الذي تأثر بها أثناء قراءاته، فهو إذن يحرص على أن يصوغ مثلها دون عناية منه بتجانسها مع بقية النص. مثلُ هذا الاضطراب طبيعي تماماً في البدايات الأدبية والأعمال الأولى للكتَّاب، لا يعاب عليهم، ومن المعروف أنهم يتجاوزونه في أعمالهم اللاحقة بعد أن يتوصلوا إلى نبرتهم الأسلوبية الخاصة المتجانسة.

من الملاحظ أيضاً نقصٌ في العناية بعلامات الترقيم، إذ لم يكد الكاتب يضع النقاط إلا في نهايات الفقرات، ورغم أن النقاط كانت واجبة في كثير من المواضع وسط الفقرات إلا أنه كان يضع الفاصلة مكان النقطة، ما يضع القارئ في تناقض بين الجملة المنتهية والفاصلة التي توحي باستمرار الفكرة.

هذا الضعف في تدقيق التفاصيل الفنية يتجلى كذلك في عنوان المجموعة، والذي نقرؤه على الغلاف “حين تغرب الشمس”، لكن ما إن نفتح على الصفحة الأولى حتى نجد عنواناً مختلفاً هو “حينما تغرب الشمس”. قد لا يكون مثل هذا التفصيل ذا أهمية لا سيما وأن المعنى لا يختلف، لكن العناية بأمثال هذه التفاصيل التقنية والفنية الدقيقة لمما يرفع من قيمة العمل، ويعبِّر تعبيراً أفضل على جدية الكاتب والناشر معاً.

“حين تغرب الشمس” محاولة جميلة لكاتب واعد يستحق التشجيع، وأحبُّ من باب النصيحة أن ألفت انتباهه إلى ما يلي:

– المزيد من القراءة، والمزيد من الإحساس بالألفاظ العربية وأصولها واشتقاقاتها، سيعينه ذلك جداً ليس على تجويد الصياغة فحسب بل على إيجاد نبرته الأسلوبية الخاصة والاستقرار عليها، ومن ثمَّ القدرة على الاختيار بين الأساليب العتيقة والمعاصرة دون خلط غير متجانس بينهما.

– عدم التسرع في الكتابة إلا بعد استواء المشهد في خياله بوضوح تام. من المعروف في الأدب أن الشكل لا ينفصل عن الموضوع، وأن الكاتب حين يكتب ما يتخيله بوضوح فإن ذلك الوضوح يصل إلى القارئ مهما كان الوصف موجزاً، ذلك لأن الكاتب ينتقي من الألفاظ، غريزياً، ما يعبِّر عن متخيَّله القصصي خير تعبير. وأما حين يكون المشهد مضطرباً في ذهن الكاتب، فسيصل بنفس الاضطراب إلى القارئ مهما أسهب الكاتب في وصفه. لاحظتُ في هذه المجموعة أن بعض القصص والمشاهد كانت سهلة التخيل، فيما لم أستطيع تخيل بعضها الآخر بشكل صحيح رغم تدقيقي في الألفاظ المختارة. هذا درسٌ تعلمته من كتاب (الذوق الأدبي) وهو مفيد جداً لكل كاتب: لا تصف مشهداً إلا إن كان شديد الوضوح في خيالك بأدقِّ تفاصيله، تكاد تدركه بحواسك كلها. ليس بالضرورة أن تصف كل التفاصيل، لكنها ستصل إلى القارئ حتماً، كما سيدرك لا شعورياً أنك متمكن من مادتك المتخيَّلة وتعرف تحديداً ما تقول.

– الابتعاد عن أدب الرعب! نعم قد لا يبدو سليماً أن أوجِّه الكاتب مثل هذا التوجيه، لكن أعتقد أن الوقت قد حان لنقول “كفى من أدب الرعب”! لقد صار لدينا ركام هائل من الأعمال الشبابية في هذا المجال، وفي مصر خصوصاً، أفقدته مصداقيته تماماً. وما كنتُ لأنصح الكاتب هذه النصيحة لولا ما لمستُ فيه من استقلالية شخصية؛ إذ رغم انجرافه مع “موجة الرعب” في قصصه الأولى، إلا أنه يقاوم تيار القطيع بشكل واضح في مجموعته المستقلة هذه، والتي حاول فيها أن يتميز عن أقرانه بأن تكون لديه لمسة خاصة أسماها “الرعب الاجتماعي والنفسي”. هذه النزعة الاستقلالية كما ذكرتُ آنفاً إشارة جيدة جداً، وتدلُّ على شخصية تسعى إلى التفرُّد وتأبى أن تماثل أفراد القطيع، لذلك أنصح الكاتب بأن يعتبر “الرعب” مرحلة أدبية منتهية، تنتمي إلى البدايات، وأن ينتقل في أعماله القادمة إلى أنواع أدبية أخرى، اجتماعية خالصة ربما، أظنها أكثر ملاءمة له، وأظنه أكثر ملاءمة لها…

#أنس_سعيد_محمد

16/02/2021

سقف الكفاية – محمد حسن علوان

11/02/2021 عند 16:10 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: سقف الكفاية
لمؤلفها: محمد حسن علوان
البلد: المملكة العربية السعودية 🇸🇦
صدرت عام: 2002

.

=====

لا يستطيع أي قارئ، أثناء كتابته مراجعةً لعملٍ قرأه، أن يكون في معزلٍ عن تجربته الخاصة مع العمل؛ متى قرأه، وظروف قراءته، ونوعية انفعاله به ومدى تأثرها بسنِّه وثقافته وتغيراته المزاجية والنفسية… إلخ. نعم قد يكون هذا قادحاً في موضوعية المراجعة النقدية، لكن يجب أن نتذكر دائماً أن الموضوعية التامة متعذرة ومستحيلة، لأن ميداننا، في نهاية الأمر، هو الأدب وليس العلوم الدقيقة.

لذلك قد تكون مراجعتي لهذه الرواية، على خلاف المتوقع ربما، عاطفية بعض الشيء، لأنها تشكل بالنسبة لي منعطفاً حرجاً في مسيرتي القرائية، ومهما تكن انتقاداتي لها إلا أني لن أنسى أبداً ما كان لها من فضل علي، وأنها شحنتني، إبان قراءتي لها، بطاقة أدبية هائلة، ورغبة متقدة في مزيد من التبحُّر الروائي، بل وحتى في القيام بمحاولات كتابية.

لا أذكر أي صدفة بحثٍ قادتني إليها، لكني أذكر جيداً أني حين قرأتُها، عام 2010، كنتُ لتوِّي خارجاً من المنفلوطي، وبالكاد أتلمَّس طريقي بصعوبة في كتب جبران، فهي إذن تنتمي إلى “البدايات” الجميلة التي أنظر إليها بعين الحنين إلى أيام السذاجة الأولى، أيام الانبهار السهل والسريع بأي تيار أدبي جديد أو يبدو جديداً، حين كنا نسرع، بكل ما في “المراهقة الأدبية” من رعونة وطيش، إلى تقسيم الأدب إلى قديم وجديد، ومن ثم إلى نبذ القديم لمجرد أنه قديم، ورفع الجديد لمجرد أنه جديد.

لقد تلقيتُ من هذه الرواية “صدمة حداثية” أصابتني بدوار أدبي طويل، وأفسدت عليَّ قراءة بعض الروائع الكلاسيكية التي لم يستسغها ذوقي الملتاث آنذاك بأضواء الحداثة وظلالها، كأنما وقر في نفسي أن أي أسلوب مباشر هو أسلوب ضعيف بالضرورة، وأن الإبداع الأدبي مشروط بالمجاز والاستعارة والتشبيه والزخارف اللفظية الوهَّاجة، قبل أن أعيد اكتشاف تلك الروائع بعد ذلك بسنوات، لأنتبه أخيراً إلى أني قمتُ برحلة عكسية فريدة من الحداثة إلى الكلاسيكية وليس العكس.

ربما تأخرت مراجعتي لهذه الرواية كثيراً، لكني ما زلت محتفظاً بأبرز انطباعاتي حولها لعمق أثرها فيَّ، وهو ما سأحاول تلخيصه في النقاط التالية:

  • أحيطت هذه الرواية منذ صدورها بهالة كبيرة وجدل مُثار حولها، بسبب موضوعها الغريب عن الأدب السعودي آنذاك، وبسبب ما طالها من المنع في السعودية، وأيضاً بسبب حداثة سن الكاتب زمن كتابتها، حتى إن هنالك من أثار شكوكاً بأن علوان لم يكتبها كاملةً بل هناك من ساعده على كتابتها، إذ لا يُعقل أن يأتي شاب لم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره برواية بذلك الطول والنضج والثراء الباذخ في اللغة والمعاني. كانت (سقف الكفاية) أشبه بقنبلة أدبية انفجرت في الأدب العربي الحديث، وما زالت شظايا آثارها متناثرة في الأدب الشبابي، الخليجي منه على وجه الخصوص، إلى يومنا هذا.
  • قصة الرواية شديدة البساطة، بل لا نبالغ إن قلنا بأنها رواية بلا حبكة على الإطلاق، بحيث لو جرَّدناها من الخواطر الذاتية للبطل، واللوحات الوصفية للأمكنة وتفاصيل حياة الأسرة بماضيها وحاضرها، لما بقي منها شيء سوى قصة حب فاشلة تقليدية جداً؛ شاب أحب فتاة وأقام معها علاقة عشق سرية داخل مجتمع محافظ، ثم تزوجت الفتاة زواجاً تقليدياً وسافرت مع زوجها إلى بلد آخر، يرتحل البطل إلى كندا / فانكوفر مغترباً عن أحزانه، وهنالك يكتب إلى حبيبته رسالة حب مطولة (بصيغة المخاطَب) على هيئة رواية من أربعمئة صفحة. هذه العناصر تبدو مألوفة جداً في الأدب الشبابي الخليجي، لكن يُذكر لـ (سقف الكفاية) أنها هي التي فتحت الباب لهذا التوجه في الكتابة، ولا أدري أهي أول رواية من هذا النوع أو أنها مسبوقة بأعمال أخرى، لكن الثابت أنها الأبرز والأشهر والأقوى أثراً على الإطلاق.
  • العنصر الأقوى في الرواية هو لغتها الشاعرية بإفراط شديد، والمعتمدة بشكل شبه كامل على المجازات والتشبيهات وأنسنة الأشياء فيما يسمى بـ (قصيدة النثر) أو (الرواية الشعرية). من المؤكد أن تمتُّع كاتب حدَث السن بتلك القدرات التشبيهية الهائلة، والنفَس الطويل الذي سافر به على امتداد 400 صفحة من الإبهار المتواصل، هو مما يدلُّ على شخصية شاعرة بالفطرة، ذات خيال متدفِّق خلَّاق، وذكاء لغوي مبكِّر أتاح له تطويع الألفاظ العربية لخياله الشاعري الجامح، وابتكار تراكيب وتشبيهات ذات جرْس موسيقي مُطرب بل قد يكون مُسكراً. إن الانغماس في (سقف الكفاية) لمن شأنه أن يُدخل القارئ في حالة فريدة من الشفافية الشاعرية قد تجعل منها شيئاً أقرب إلى “حبوب هلوسة أدبية”، فإذا به يحلِّق بأجنحة من الخيال في سماوات عليا منفصلة تماماً عن الواقع، وإذا به يتغلغل في أعماق ذاته منكفئاً على مشاعره القابعة في أعماق سريرته، فلا يصير العالم الواقعي بالنسبة إليه إلا مشاهد تمرُّ بحواسه ولا تكاد تعنيه، ولا ينظر إليها إلا بوصفها مواداً تصلح لتراكيب لغوية باذخة تعتمد على التشبيه والمجاز والأنسنة، أو لقطات من فيلم رومانسي ملتهب صُوِّرت بأعلى ما وصلت إليه تقنيات التصوير الشاعري الدافئ.
  • ذكر بعضهم أن الكاتب في روايته هذه كان بادي التأثر بأسلوب أحلام مستغانمي، لكننا بالنظر المتعمق نجد فروقاً جوهرية بين الأسلوبين رغم تشابههما الظاهري في كثرة الاعتماد على التشبيه والتلاعبات اللفظية الذكية؛ ذلك أن أسلوب مستغانمي مهما بدا مبهراً في الوهلة الأولى، إلا أنه سرعان ما يتكشَّف عن ركاكته المفرطة، وهي ركاكة مردُّها إلى أن الكاتبة غير عربية الثقافة والروح، مقطوعة الصلة تماماً بالتراث، بدأت من الحداثة وانتهت إليها وفيها، ولم تغتذ بغيرها، فلذلك علقت بها ركاكات الحداثة وأساليب الترجمات السطحية عن الأدب الغربي التي لم تستطع منها فكاكاً. أما علوان فرغم أنه كتب روايته بأسلوب حداثي تماماً، إلا أن ظلال المتانة اللغوية حاضرة في تراكيبه لمن دقَّق فيها النظر، ما يدلُّ على أن للكاتب قراءات تراثية، وأن لديه تكويناً لغوياً صلباً وأساساً متيناً عصمه من كثير من اللحون والركاكات، بل إن الجماليات اللغوية البديعة التي أتى بها في روايته هذه لمما يدل على عظمة اللغة العربية ومدى عمقها واتساعها، وأنها قادرة على احتمال الجمال في الأساليب الحداثية كما في الأساليب التراثية على السواء. ومن جهة أخرى، فإن أنوثة أحلام مستغانمي جعلت عباراتها خالية أو تكاد من المنطق العقلي، مبنية فقط على الأحاسيس والتهويمات التي لا تبالي بالتناقض، أما أسلوب علوان فمشحون رغم شاعريته المفرطة بالمنطق العقلي الذي يمكن استقراؤه بسهولة لو تأملنا عباراته، وهذا يحيلنا مباشرة إلى الفروق الطبيعية بين دماغ الرجل ودماغ المرأة، والتي تنعكس ولا بد، بطبيعة الحال، على الأسلوب الأدبي لكليهما.
  • وُصفت الرواية بأنها ملحمة رومانسية معاصرة، بل وتليق بأن تأخذ لها مكاناً بجانب الملاحم العشقية الكبرى في التاريخ، لكننا لا نجد فيها من عناصر الملحمة إلا ما دار في خلَد بطلها الضعيف من الهواجس التي دوَّنها باسترسال مرَضي، أما الأحداث الملحمية فلا وجود لها على الإطلاق، إذ لا نجد في بطل الرواية إلا شاباً ضعيفاً بكَّاءً، ذليل النفس ساقط الهمة، نرجسياً بإفراط، لم يبذل أدنى جهد للاحتفاظ بمحبوبته، بل تقبل فقدانها باستسلام تام بلغ به أن يساعدها في إعداد حقيبة زفافها، وذلك في تناقض تام مع طبيعة الشخصية الرومانسية الثائرة دائماً، المتطرفة أبداً، والتي لا تتردد في ارتكاب الحماقات المجنونة من أجل عواطفها الملتهبة.
  • إضافةً إلى طبيعة اللغة المستخدمة والتراكيب، استغل الكاتب كل التقنيات المتاحة لديه للتوكيد على النبرة البكائية الحزينة لروايته، بدءاً من علامات الترقيم وتقطيع الفواصل، وانتهاءً بتلك العبارات القصيرة التي يُكتب كل منها في سطر مستقل كأنها شهقات البكاء. ثمة أساليب تُشعرك بأن الكاتب يحاضر، وأساليب تُشعرك بأن الكاتب يصرخ غضباً، وأساليب تُشعرك بأن للكاتب فحيحاً كفحيح الأفعى، وأساليب تُشعرك بأن الكاتب يكتب وهو يبتسم ساخراً في غير اكتراث… وهنا في (سقف الكفاية) أسلوب يُشعرك بأن الكاتب يهمس وهو يبكي.
  • لا نستطيع أن نجازف بالقول بأن (سقف الكفاية) سيرة ذاتية مباشرة للكاتب، رغم أنها عمله الأول، إذ ليس ثمة ما يدل على وجود الشخصيات ووقوع الأحداث كما وُصفت في الرواية، لكن من جانب آخر، فإن المؤكد أن كل ما ورد في الرواية هو جزء من السيرة الذهنية للكاتب، من سيرة خياله الخاص الذي يظل جزءاً لا يتجزأ من ذاته، فهي إذن سيرة ذاتية بمعنى من المعاني، وتتضمن بالضرورة خصائص “العمل الأول” الذي يظل الأشد لصوقاً بذات المؤلف وحياته الخاصة. يمكن أن أسمي هذا النوع من الكتابة بـ “التعري النرجسي”، وهو تعرٍّ يراد منه استدرار التعاطف المغذي والشاحن للشخصية النرجسية. لا يتردد الكتَّاب الشباب في ارتكاب مثل هذا التعري في بداياتهم الأدبية، ثم ينتهي بهم المطاف إلى الندم عليه ومحاولة اجتثاثه من ذاكرتهم ومحو آثاره حيثما وُجدت. بإمكاننا أن نلاحظ أن علوان ظل منذ روايته الثانية (صوفيا)، وعلى امتداد مسيرته الأدبية حتى اليوم، يحاول جاهداً الهروب من (سقف الكفاية) دون أن يفلح في ذلك؛ لقد رد بانفعال على من قال بأن (سقف الكفاية) هزمته، وبأنه لم يكتب بعدها أفضل منها، بل بلغ به الأمر أن قيَّمها بنجمة واحدة في موقع goodreads، ما يشي بانقلاب الكاتب على روايته، وسعيه إلى صرف الأذهان عنها ومحو آثارها ما أمكنه ذلك، ما يدل على تحرج شديد منه وندم بالغ على ما بدر منه من ذلك “التعري النرجسي” الذي بات يبدو له مخجلاً بشدة، بل ومهيناً لكرامته ربما. وليس المقصود هنا أن الكاتب قد تجاوز نرجسيته حين انقلب على تعريه السابق، بل إن ما يحدث في الحقيقة هو تجلٍّ آخر لتلك النرجسية نفسها، يفرضه التطور النفسي المصاحب للتقدم في السن؛ في بدايات العمر تتغذى نرجسية الإنسان بالتعري، ثم يتطور نفسياً فتتغذى نرجسيته بالاستتار. جدير بالملاحظة أيضاً أن الإنسان في شيخوخة عمره، أو في قمة مجده الأدبي، يعود إلى التعري من جديد، لكنه في الغالب يكون تعرياً أنيقاً حصيفاً، محتشماً، محفوفاً بهالة الجلال التي تكلِّل الشيخوخة أو المجد الأدبي أو هما معاً.
  • خاتمة:

كانت رواية (سقف الكفاية)، رغم كل ما أثارته من جدل، ورغم انقلاب كاتبها عليها، علامة فارقة في الأدب الخليجي بل والعربي عموماً، ونقطة انطلاق لتيار أدبي كامل استمر سنوات بعدها، وليس من المبالغة القول بأنها العباءة التي خرج من تحتها عدد من الكتاب الخليجيين المرموقين في هذه الأيام، والذين نستطيع أن نكتشف بسهولة فائقة أن رواياتهم ما هي إلا محاولات تقليد كسيحة لـ (سقف الكفاية)؛ أثير النشمي، بثينة العيسى، سعود السنعوسي، وآخرون كثيرون… جميع هؤلاء وغيرهم تأثروا بشدة، تلميحاً أو تصريحاً، بهذه الرواية التي تكاثرت بعدها، فجأة، روايات تحاول كلها أن تتظاهر بأنها ملاحم رومانسية خالدة، جميعها تحاول ابتكار التشبيهات البلاغية الخارقة للعادة، جميعها تتخذ شكل رسائل روائية إلى الحبيب كُتبت بضمير المخاطَب، جميعها تبالغ بإفراط في وصف آلام نفسية يبدو جلياً أنها مصطنعة، لكن شتان بين روايات كلُّ ما فيها ينطق برداءة التقليد، ورواية تضخُّ فيك رغماً عنك، مهما خالفتْ ذوقك الأدبي، شحناتٍ هائلةً من الصور الجمالية الفاحشة الثراء، والتي تنتهي إلى أن تضيف إلى ذاكرتك الخاصة ذاكرة أخرى تخاطب فيك أعمق الأحاسيس، وتستثير كل كامنٍ فيك من مستشعرات الجمال القابع حتى في أفدح الآلام.

(سقف الكفاية) من الروايات النادرة التي قرأتُها كاملةً مرتين، والتي ما زلتُ إلى اليوم أعود إليها بين فينة أخرى، أقرأ سطوراً وفقرات عشوائية هنا وهناك، واجداً فيها، وفي كل مرة، لذة متجددة ومتعة لا تنضب…
 

أنس سعيد محمد

11/02/2021

البؤساء – فيكتور هيغو

26/01/2021 عند 15:49 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

💯 المراجعة المئة 💯

رواية: البؤساء

تأليف: فيكتور هيغو

البلد: فرنسا 🇫🇷

صدرت عام: 1862

ترجمة: منير البعلبكي

.

=====

شغل بالي، منذ بعض الوقت، العنوانُ الذي سأختاره لمراجعتي المئة، وأحببت -بطبيعة الحال- أن يكون عنواناً خاصاً مميزاً أتوِّج به المئة الأولى، ثم قرَّ رأيي، أخيراً، على أن أخصص هذا العدد المميز لروايتي المفضلة في كل العصور: البؤساء.

غنيٌّ عن الذكر أن ما سأكتبه الآن لا يرقى لأن يكون “مراجعة”، لأن (البؤساء) أضخم وأعظم بكثير من أن يكتب مثلي مراجعة عنها، لكنه أشبه ما يكون بخواطر وذكريات خاصة حول علاقتي بهذه الرواية، وحول ما تركته داخلي، إنسانياً وأدبياً، من أثر عميق لا يُمحى…

* القراءات الأولى، النسخة المختصرة:

قرأتُ (البؤساء) أول مرة في أواخر تسعينيات القرن الماضي، على الأغلب في عام 1999، وكان ما قرأتُه نسخة مختصرة لا يتجاوز عدد صفحاتها مئتين، ولعلي لا أكون مخطئاً لو قلتُ بأنها كانت من أوائل الروايات “الكاملة” التي قرأتها في حياتي، وربما كانت الأولى فعلاً.

كنتُ صبياً آنذاك، وما زلتُ أذكر جيداً تلك الدهشات الأدبية الأولى وأنا ألتهم الصفحات بنهم وشوق، متأثراً بالأحداث والشخصيات، متلهفاً لمعرفة المصائر والنهايات. وما زلتُ أذكر أيضاً آخر كلمات خُتمت بها الرواية: “ولم تتحرك اليدان بعد ذلك”، وكيف أحدثت هذه الكلمات الختامية في داخلي هزة عاطفية عظمى لم يُحدثها عملٌ أدبيٌّ قبلُ ولا بعدُ.

لقد فتحت أمامي قراءتي الأولى للرواية، وأنا بعدُ صبي، أبواب العوالم المسحورة للفن القصصي، وما زلت أبحث في كل عمل أقرؤه، منذ ذلك اليوم، عن ذلك الأثر الهائل الذي أحدثته في نفسي خاتمة رواية البؤساء، دون أجده ولا شيئاً قريباً منه حتى الآن.

أعدتُ قراءة نفس النسخة من الرواية عام 2008، وإلى حدود عام 2012 لم أكن أعرف أن ما قرأته لم يكن سوى نسخة مختصرة هزيلة عن الرواية الأصلية الضخمة، والتي صدمني حجمها الهائل وأنا أتأمل، غير مصدق، عدد الصفحات الذي تجاوز 2340 صفحة من القَطع الكبير…

* النسخة الكاملة:

كان الذي قادني إلى النسخة الكاملة للرواية، بترجمة منير البعلبكي، ما اعتزمتُ عليه في بداية عام 2012 من ترجمة مسلسل الأنيمي (البؤساء) الصادر عن استوديو (نيبون) عام 2007 في 52 حلقة، وهكذا وجدتُ نفسي أترجم حلقات المسلسل في نفس الوقت الذي أقرأ فيه الرواية الكاملة، وقد استغرق مني ذلك عاماً كاملاً تقريباً، حيث كنت ألتهم عدداً من فصول الرواية، ثم أرتاح مؤقتاً بكتاب أو رواية أخرى، ثم أعود إلى “البؤساء” من جديد وهكذا… لقد قرأتُ كتباً وروايات كثيرة أثناء قراءتي للبؤساء، لكني ما زلت إلى اليوم لا أتذكر عام 2012 إلا وتتمثَّل لخيالي شخصيات البؤساء مكتوبة ومرسومة. لقد كان عام 2012، بالنسبة إلى ذاكرتي الخاصة، “عام البؤساء” دون منازع.

* المعمار الروائي:

حين نتأمل رواية أصلية في 2340 صفحة من القَطع الكبير، اختُصرت إلى 200 صفحة من القطع الصغير، فإن أول سؤال يطرح نفسه هو حول كمية المحذوف من الرواية الأصلية. وإن كانت النسخ المختصرة، على ضعفها وهزالها، قادرة على إحداث كل ذلك التأثير في القارئ، فكيف ستكون النسخة الكاملة؟ لقد كنتُ مدفوعاً بالفضول وأنا أتلو بدايات الفصل الأول بعنوان (رجل مستقيم)، وما زلت أذكر دهشتي وأنا أشاهد كيف أن مئة صفحة كاملة استُهلَّت بها الرواية، لا تتحدث إلا عن شخصية ثانوية ذات دور محدود في القصة، وأعني (الأسقف ميرييل) أو (مونسينيور بيينفينو). لقد شككتُ جدياً في أن يكون الأسقف شخصية خيالية، بسبب العدد الهائل من التفاصيل التاريخية والشخصية المتعلقة بسيرته، والتي كادت تحوِّله، حرفياً، إلى إنسان من لحم ودم. إن كان كل هذا التفصيل في بناء شخصية ثانوية عابرة فكيف ستُبنى الشخصيات الرئيسية للقصة؟ هنالك بدأت أفهم سر الحجم الهائل للرواية، وعلمتُ أني على موعد مع كثير وكثير من الاسترسال والتعمق في الوصف، وأنه ستأتي عليَّ لحظةٌ أصير عاجزاً فيها تماماً عن التفريق بين الحقيقة التاريخية والمتخيَّل الروائي.

من الواضح أن فيكتور هيغو قد منح نفسه حرية مطلقة في الاسترسال، غير واضع لنفسه حدوداً متعلقة بحجم الرواية أو عدد الصفحات، كما أنه اعتمد، إلى جانب السرد الكلاسيكي على طريقة الراوي العليم، أنماطاً عديدة ومتنوعة من السرد تتضمن تقنيات الاسترجاع، والسرد بالقصاصات، والسرد بالتناوب، والمونولوغ الداخلي، وأدب الرسائل… إلخ. بل إنه تجاوز في روايته القصة نفسها إلى المقال والخاطرة، إذ ليس من النادر في رواية “البؤساء” أن يتوقف السرد القصصي عند منعطف حاسم ما، ثم لينتقل بنا المؤلف إلى “مقالات” تاريخية أو نفسية أو اجتماعية أو فلسفية أو سياسية معمقة، قبل أن يعود لاستئناف القصة من جديد. ولعل هذا مما سهَّل مهمة تلخيص الرواية واختزالها إلى أدنى الأحجام الممكنة، لأننا لو حذفنا المقالات التقريرية، والاسترسالات الكثيرة التي أطنب فيها المؤلف في التعبير عن آرائه في شتى المواضيع، فستبقى لدينا قصة متكاملة واضحة العناصر، ويمكن تلخيصها بسهولة في بضع مئات من الصفحات المقتصرة على خلاصات الأحداث.

* البناء النفسي والأخلاقي للشخصيات:

من أبرز ما تتميز به الآداب الكلاسيكية، الواقعية والرومانسية؛ العناية الشديدة ببناء الشخصيات، وهو ما صرنا نفتقده بشدة في الآداب المعاصرة التي لا تكاد تعبأ بعنصر “الشخصية”، حتى إن الشخصيات الثانوية في تلك الآداب القديمة تبنى على نحو أغنى وأعمق بكثير من الشخصيات “الرئيسية” في الآداب الحديثة.

وبالحديث عن شخصيات رواية “البؤساء”، فإن المسألة هنالك أعمق بكثير من أن تُختزل في قضايا اجتماعية تمت معالجتها؛ الظلم الاجتماعي متجسداً في (جان فالجان)، امتهان المرأة متجسداً في (فانتين)، انتهاك الطفولة متجسداً في (كوزيت)، قسوة القانون متجسدة في (جافير)… إلخ. بل إن تلك الشخصيات هي تمثُّلات إنسانية بُنيت بأبعاد مجسَّمة شديدة العمق، وجُعلت بحيث تتخذ لنفسها مكاناً حقيقياً في التاريخ الإنساني، مزاحمةً فيه بعض أشهر الشخصيات الحقيقية.

لقد تعوَّدنا من بعض قراء هذه الأيام إبداء انبهارهم بالأعمال الأدبية التي توصف بأنها “تتعمق في النفس البشرية”، وبتأمل ما يقصدونه بذلك “التعمق” فإننا نجدهم محصورين في رؤية أحادية تختزله في إبراز الرذائل الباطنة المختفية خلف الفضائل الظاهرة أو العكس. الشخصية “العميقة” عندهم هي التي يخالف ظاهرُها باطنَها، وأما العكس فغير وارد إلا حين يتعلق بالأمر بجانب الشر الذي يُتعاطف معه وربما يُنسب إلى فضيلة “التصالح مع الذات”، وأما جانب الخير فلو قدَّم كاتب ما شخصية خيِّرة صرفة، ظاهراً وباطناً معاً، فسيُرمى على الفور بأنه كاتب “سطحي” وقع في ما يسمونه “الوعظ المباشر”. هذا الكيل بمكيالين، وهذه الرؤية السطحية، وغير البريئة في معظم الأحيان، تجد ما يفنِّدها تماماً في رواية (البؤساء)، حيث قُدِّمت لنا شخصيات بعيدة الغور، ومآزق أخلاقية شديدة الاستعصاء، إلى حد يعجز عنه كل كتَّاب هذا العصر، دون أن يمنع ذلك من وجود شخصيات تتدفق بالخير والفضيلة ظاهراً وباطناً، مثل الأسقف (ميرييل) الرجل المستقيم، ومثل (جان فالجان) الذي تجول بنا الرواية في أعماق ضميره الزاخر بأسمى المعاني الإنسانية النبيلة، كلُّ ذلك دون أن يخرج به المؤلف عن آدميته المجبولة على النقص، ليس فيما يتعلق بإقدامه على السرقة في بداية الأحداث فقط، بل وحتى في مشاعر الغيرة الحارقة التي كوت قلبه وهو يشاهد (ماريوس) يحوم حول صغيرته (كوزيت)، تلك الغيرة التي لم تلبث أن تحولت إلى كراهية عميقة لـ (ماريوس)، لكنها لم تمنعه رغم ذلك من المخاطرة بحياته من أجل إنقاذه عبر المجارير، مستجيباً في ذلك لدواعي إنسانية أسمى بكثير من أحقاده الشخصية.

إن موقف (جان فالجان) البطولي مع (ماريوس)، يعبِّر عن ذلك الكدح النفسي الشاق في سبيل التزكية، في سبيل الارتقاء والتسامي. إنه الاعتراف بنقائص النفس البشرية، لكن دون استسلام لها ودون استمراء للتلطخ بالرذيلة، بل إن الإنسان ليكتسب معنى وجوده من موقفه الأخلاقي الذي يرضي به ضميره النبيل، مهما بلغ حجم تضحياته المادية والمعنوية.

المفتش (جافير) أيضاً، ورغم أن بعض القراء قد يصنفونه خطأ ضمن معسكر الشر، إلا أن المؤلف يخبرنا بصريح العبارة أنه ليس شريراً، ولم يكن خسيساً قط، بل إن استقامته القانونية المفرطة، والمستمدة من موقفه الأخلاقي الصارم، هي التي أعمته عن النظر إلى أية ألوان أخرى غير الأبيض الناصع والأسود الحالك، ما جعله سبباً في أحداث مأساوية ترتبت عن رؤيته المتعصبة الضيقة، دون أن يقصد ذلك أو يتعمده.

نلاحظ أيضاً أن المؤلف قد عصم نفسه، في عرضه لشخوص روايته، عن الانجرار وراء الاستقطابات الآيديولوجية والسياسية، إذ نجد أن الشخصيات الطيبة والشريرة قد توزعت على المعسكرين معاً؛ المؤيد للملكية والمناصر للثورة، ما دل على أن الكاتب قد بلغ من النضج الإنساني والأخلاقي حداً جعله يتسامى فوق الآراء المتطرفة التي تبجل هذا أو تشيطن ذاك بناء على موقفه الفكري أو انتمائه السياسي، بل إننا في (البؤساء) ننظر إلى الأرواح الإنسانية في صميمها، مجرَّدة في قيمتها عن متعلَّقاتها الدنيوية؛ عن طبقتها الاجتماعية أو موقفها السياسي.

إن المتأمل لأسلوب هيغو في تناول شخصياته ليستشعر تياراً من الرحمة يشملها جميعاً، مهما بلغت أخطاؤها، ولو تساءلنا عن مصدر الشرور التي يرزح المجتمع تحت نيرها، والتي لم تُكتب (البؤساء) إلا للتعبير عنها، فحتماً لن تقودنا الإجابة إلى أشخاص بأعيانهم، وإنما هي تفاعلات تراكمية معقدة من الظروف والأسباب، نستطيع أن نرى نتائجها أمام أعيننا، لكن يعسر جداً أن نمسك بأصولها فضلاً عن أن نحمِّل مسؤليتها هذا الشخص أو ذاك، ويظل الرهان الأخلاقي، رهان الضمير، هو التحدي الأكبر الذي يواجه الإنسانَ في حياة لم تُفرش له بالورود.

* ترجمة منير البعلبكي:

قرأتُ انتقادات كثيرة حول ترجمة منير البعلبكي لرواية (البؤساء)، إذ وصفها بعضهم بأنها ترجمة حرفية ركيكة، رغم أنها في الواقع أكملُ ترجمة للرواية حتى الآن، وأعتقد أنها الوحيدة التي تناولتها كاملة دون اختصار.

أتفهَّم أن يبدو أسلوب البعلبكي في هذه الرواية غريباً بعض الشيء، لقد استشعرتُ تلك “الغرابة” وأنا أقرأ فصولها الأولى قبل أن أتعوَّد على الأسلوب لاحقاً، وهي غرابةٌ مصدرُها البحثُ المضني في القواميس عن الكلمة العربية الأقرب إلى الأصل الفرنسي، ومن ثمَّ جاءت بعض التعبيرات مختلفة عن المعتاد، ووردت بعض الكلمات بحيث تبدو معانيها بعيدة عن سياق الجملة، إلا أن وصف الترجمة بأنها “ترجمة حرفية” اتهام ظالم جداً، إذ من الواضح أن المترجم قد بذل جهداً جباراً للمزاوجة بين انتقاء اللفظ الأكثر ملاءمة للأصل من جهة، وبين صياغة تراكيب عربية بليغة من جهة أخرى. والحق أنني، وبعد إيغالي في الرواية، صرتُ أقرأ أسلوب البعلبكي كما أقرأ لغة مستقلة قائمة بذاتها، لها قواعدها الخاصة التي تولَّدت من مجهود المترجم لتقريب الألفاظ العربية إلى المعاني الفرنسية، وتقريب المعاني الفرنسية إلى الألفاظ العربية.

* مسلسل الأنيمي (البؤساءالفتاة كوزيت):

لا أعرف رواية قطُّ حظيت بما حظيت به (البؤساء) من مسرحيات وأفلام ومسلسلات ورسوم متحركة، وما زلنا كل بضع سنوات، ومنذ عقود طويلة، نستقبل فيلماً أو مسلسلاً يتناول نفس الملحمة الإنسانية الخالدة.

يذكر كثير من أبناء جيلنا أنهم شاهدوا قصة البؤساء عبر رسوم متحركة قديمة مدبلجة، وللأسف فقد كانت تلك الرسوم دون المستوى المطلوب، ولم تتناول إلا أجزاء مبتورة ناقصة من القصة، إلى أن صدر عام 2007، عن استوديو (نيبون) الياباني المعروف بتقديمه روائع الأدب العالمي، مسلسل في 52 حلقة يتناول كامل القصة بما فيها ثورة 1832 الفاشلة. مما لا شك فيه أن هذا المسلسل هو أفضل ما قُدِّم للرواية حتى الآن في مجال الرسوم المتحركة، وإن كان نفسُه قد أحدث فيها -مع الأسف- تغييرات كثيرة تمثَّلت في ابتكار شخصيات جديدة، وعلاقات بين شخصيات لا وجود لها في الرواية، إضافة إلى تخفيف شديد في حدة العنف بلغ حدَّ إلغاء بعض المصائر المأساوية (مقتل غافروش وانتحار جافير).

ترجمتُ المسلسل كاملاً خلال عام 2012، أثناء قراءتي الأولى للرواية الكاملة، وهو مسلسل جميل يناسب كل الأعمار ويغطي جل أحداث الرواية، وبإمكان من أراد مشاهدته أن يجد الحلقات كلها على اليوتيوب.

دُبلج المسلسل إلى العربية بعد ذلك وعُرض على قناة سبيستون، ما منحه انتشاراً واسعاً في العالم العربي جعله، كما أرى، واحداً من الكلاسيكيات التي شكلت ذاكرة طفولة جيل بأكمله.

* الخاتمة:

رواية (البؤساء) ملحمة روائية وإنسانية وأخلاقية خالدة. لقد كنتُ وما زلت، وعلى الأغلب سأظل، أعتبرها أفضل رواية قرأتُها في حياتي على الإطلاق، كما أنها من الأعمال التي يستحيل أن تخرج منها كما دخلتها، بل ستدمغ روحك ولا شك بأثر لا يمحوه الزمن…

#أنس_سعيد_محمد

26/01/2021

العمى – خوسيه ساراماغو

14/01/2021 عند 15:03 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: العمى

تأليف: خوسيه ساراماغو

البلد: البرتغال 🇵🇹

ترجمة: محمد حبيب

صدرت عام: 1995

.

=====

رواية (العمى) من الروايات التي شاعت من جديد تحت ظل جائحة كورونا العالمية، إذ ليس غريباً، أمام الأحداث الجليلة الخارجة عن المألوف، أن يبحث قراء الأدب عن الروايات التي سبق أن عالجت مواضيع مشابهة أو ذات صلة، التماساً منهم لمواطن الإسقاط المُعين على استقراء الوقائع الجديدة واستنطاقها على عدة مستويات. ولقد نصحني بقراءتها عدد من أصدقائي، والحق أن موضوع الرواية نفسه أغراني بالقراءة وأثار فضولي؛ لأن موضوع (العمى)، بشكل عام، هو من المواضيع التي كانت ولا زالت تثير في داخلي أسئلة كثيرة دون أن ينقضي عجبي منها، وما زلتُ أنظر إلى عاهة العمى، وإلى طرائق عيش العميان، على أنها من الخوارق المذهلة التي لا يكاد يستوعبها العقل. وإني كلما صادفتُ ضريراً يمشي في الشارع وحده، يقرع بلاط الأرض أمامه بطرف عكازه، إلا ووقفتُ أتأمله ملياً، لا أكاد أصدِّق كيف يمشي على الرصيف قاصداً إلى هدفه، مهتدياً إلى طريقه، واعياً بالمكان والمساحة من حوله، حامياً نفسه من الجدران والأعمدة والسيارات… إن عقلي ليعجز عن تصور الحياة دون حاسة جوهرية كالإبصار، كما لا أستطيع تصور ما يقال من أن العميان يطوِّرون حواساً أخرى تعوِّضهم عما فقدوه من نعمة النظر. هذه أمور لا يستطيع إدراكها إلا من جرَّبها، ولا أجد أمامها إلا التسليم بما أراه وأقرأ عنه تسليماً نظرياً، وإن كنتُ عاجزاً عن تصوره تصوراً دقيقاً. أذكر أني تحدثت حول هذا الموضوع في مراجعتي لسيرة طه حسين الشهيرة (الأيام) التي نشرتُها منذ بضع سنوات، وما زلتُ كلما صادفتُ قصة يدور موضوعها حول العمى إلا ووقفتُ أمامها متوجساً، أدقق في تفاصيل ما يُروى من أقوال الشخص الضرير وأفعاله، وأكاد أصف بالتناقض والاستحالة كل ما أقرؤه، لولا أني أحمل نفسي على بعض التساهل في التصديق، والنابع من معرفتي بأن وراء العمى أسراراً لا تدركها حواسُّ المبصرين. حدث معي هذا أثناء قراءتي لـ (الأيام)، وكذلك للعدد 68 من سلسلة (ما وراء الطبيعة) والمسمى (أسطورة أرض الظلام)، كما أذكر أيضاً قصة قصيرة لنجيب محفوظ تتحدث عن فتيان كانوا يلعبون الكرة في إحدى ضواحي المدينة فإذا بهم يعمون جميعاً فجأة دون سبب محدد. وهذه رواية (العمى) لـ (خوسيه ساراماغو)، إحدى أشهر الروايات التي اتخذت من العمى موضوعاً لها، مازجة إياه بحالة وبائية غامضة يصعب تخيلها، ويصعب كذلك تخيل ما يمكن أن يكون لها من آثار وخيمة على الأفراد والمجتمعات. تدخل الرواية في الموضوع مباشرة، دون مقدمات. منذ السطور الأولى يخبرنا الكاتب أن إنساناً عمي فجأة، وبعد فقرات قليلة بدأت تتضح الصفة الوبائية، أو التي تبدو كذلك، لفقدان البصر الطارئ والفريد من نوعه، والذي يتميز بأنه ليس أسود اللون كما نتخيل، وكما اعتدنا أن نستشعر العمى على أنه ستار أسود رقيق يفصل بيننا وبين الأشياء، بل هو (عمى أبيض) لا يرى المصاب به إلا البياض المطلق، ما جعل الأشياء “غير مرئية مرتين” على حد تعبير الرواية. أسلوب (ساراماغو) في هذه الرواية يتضح، بصراحة فجة، منذ السطر الأول؛ لا تنتظر مقدمات ولا ديباجات بلاغية، لا تنتظر تفسيرات لما يحدث، لا تنتظر أن يوقف المؤلف سرده ليشرح لك أو يبرر، لا! بل إن الكاتب ينقضُّ على ذراعيك بمخالبه، مباغتاً إياك بذلك، ثم يقتادك بغلظة وعنف نحو روايته كجندي يقتاد أسيراً أو كشرطي يقتاد مجرماً، ثم يقذف بك في داخلها كيفما اتفق، تاركاً إياك تتخبط مع العميان غير واجد، أنت أيضاً، طريقة للخلاص من ذلك العالم الكابوسي المرعب. لم يدَّخر الكاتب جهداً في أن يجعل حتى من تجربة قراءة روايته تجربة شبيهة بالعمى، إذ لم يتكلف تقسيمها إلى فصول، بل هي قطعة واحدة مسترسلة، ولم يُعنَ كذلك بعلامات الترقيم ولا بالرجوع إلى السطر عند الحوار، بل إن الحوارات تُلقى متتابعة داخل الفقرة نفسها، لا نكاد نعرف من يكلم من إلا من خلال السياق، لا علامات استفهام وتعجب، لا علامات تنصيص، لا شرطات حوارية، لا زمان ولا مكان ولا حتى أسماء للشخصيات. اختيارات أدبية مدروسة بعناية لتشتت القارئ وتبلبل فكره، وتُشعره رغماً عنه بنوع من (العمى) الملائم لأجواء الرواية. وإن كان القارئ يظن أن الكاتب سيتكرم عليه بتفسير لما حدث في نهاية الرواية، أو سيجيب عن بعض الأسئلة البدهية التي ربما تكون راودته، فلا شيء من ذلك سيحصل إطلاقاً، لن نعرف أبداً سبب العمى، ولا كيفية انتشاره، وهل هو وباء ينتقل بالعدوى أم لا، كما لن نعرف أيضاً سبب زواله في نهاية الرواية، ولا سبب نجاة زوجة الطبيب منه… هي ألغاز وُضعت كي تظل كذلك، ولكي نظل إلى الأبد في عمى عن معرفة تفسيراتها. لقد تكوَّن لدي أثناء القراءة انطباع بأن (ساراماغو) قد وصل إلى درجة معينة في سنه وتجربته، جعلته أعلى قدراً من أن يتكلف التبرير لأحد كائناً من كان، فضلاً عن محاولة إرضائه. هو شيخ كبير يقيم في برجه العاجي، لا يجد حرجاً في أن يقول ما شاء كيفما شاء، ولا في أن يكون فظاً إلى أقصى درجات الفظاظة، بذيئاً فاحشاً إلى أقصى درجات البذاءة والفحش، لا يعبأ بأية قواعد اجتماعية أو أخلاقية أو حتى أدبية، بل هو يكتب ويكتب وفقط، يقول كل ما عنَّ له وبأقسى الألفاظ الممكنة، ثم يقذف به في وجه القارئ كمن يقذف شتيمة. أحداث الرواية لا تدور في مكان محدد، بل هي مدينة وهمية في العصر الحاضر، ومن المعلوم أن المدينة الوهمية يُرمز بها إلى العالم كاملاً، كما أن الشخصيات منزوعة الأسماء ترمز إلى الإنسان في عمومه، مع مراعاة الاختلافات العمرية والثقافية والاجتماعية، كل هذا يمنح الرواية بُعداً كونياً يسمو بها فوق الاعتبارات الآنية، إضافة إلى التحرر من أية أعباء ثقافية أو معلوماتية. البطل هنا هو الرمز، هو الفكر، وليس التاريخ ولا الأحداث ولا المعلومات الثقافية. والهدف هو تفكيك الإنسان إلى أقصى درجة ممكنة، وتجريده من كافة ألبسته الأخلاقية والاجتماعية، لغرض الاطلاع على حقيقة روحه العارية حين يتعرض لأعنف الضغوط الداخلية والخارجية. إن كنا ننتقد السلطة في كثير من ممارساتها اللاإنسانية، فماذا لو سقطت السلطة سقوطاً تاماً؟ ماذا لو اندثرت؟ هل سيتحقق الخلاص المنشود بما نتصوره في انهيار السلطة من تحقق للحرية، أم أن الإنسان بطبعه يُنتج السلطة ويشتطُّ في استخدامها متى ما قدر على ذلك؟ كيف ترينا الأوبئة -والجهل أخطر الأوبئة- سوءاتنا؟ متى تنتهي الشفقة ويبدأ العقل؟ ومتى ينتهي العقل وتبدأ الوحشية؟ كيف نقوِّم من وجهة نظر أخلاقية تعامل الحكومة / السلطة مع حالة وبائية تنذر بالدمار الشامل؟ وما مدى أخلاقية نبذ المصابين وعزلهم بل والسعي إلى الخلاص منهم لما يشكلونه من خطر داهم على الأصحاء؟ هل سلطة الحكومة تمثل الشر المطلق أم أن في داخل كل إنسان، حتى لو كان من طبقات الشعب الدنيا، طاغية جباراً لم تسعفه فرصة الظهور؟ وهل ينقطع الخير انقطاعاً تاماً في الظروف المأساوية التي تسيطر فيها الأنانية المطلقة، أم أن بذرة الخير لن تخبو أبداً في نفوس أناس يبذلون كل شيء لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ إن العمى في هذه الرواية يمكن أن يرمز إلى أشياء كثيرة جداً، إلى كل النواقص البشرية التي تُذكي فيه نوازع الأنانية التي تصير مرعبة حين تنطلق من عقالها بعد زوال الروادع السلطوية، وإن كان الكاتب قد قدَّم لنا في روايته هذه النموذج الأشد تطرفاً وتشاؤماً لما يمكن أن يحدث، فإن كثيراً من مآسي العالم ما هي إلا نماذج (مصغَّرة) للمأساة الكبرى المتخيَّلة في رواية (العمى)، وكأني بالكاتب يسأل البشرية سؤالاً متوجساً سيئ الظن: ماذا لو…؟ ثم وكأني به يجيب بنبرته الفظة كمن يلقي شتيمة: الأفضل ألا نرى…

أنس سعيد محمد

14/01/2021

انفراد عن موكب الزمن – مروان أوبل

13/01/2021 عند 11:34 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | تعليق واحد

مجموعة قصصية: انفراد عن موكب الزمن

تأليف: مروان أوبل

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

جاء اطِّلاعي على المجموعة القصصية (انفراد عن موكب الزمن) لمؤلفها المغربي الشاب مروان أوبل ضمن (سياسة الانفتاح) التي انتهجتُها مؤخراً على الإبداعات الأدبية المغربية، والشبابية منها على الخصوص، بعد أن كانت قراءاتي الروائية مقتصرة، ولسنوات طويلة، على الأعمال المصرية والخليجية والشامية.

هي مجموعة قصصية صغيرة الحجم، وتضمُّ ثمانيةً وعشرين قصة قصيرة لا تتعدى الواحدة منها بضع صفحات، وقد قرأتُ القصص الأولى قراءة متقطعة، ثم قرأت ثلاثة الأرباع المتبقية في جلسة واحدة متواصلة دون ملل.

أعتقد أن هذه المجموعة هي العمل الأول للكاتب، وأستطيع من تأمل طبيعة القصص وأسلوبها أن أتبين ميولاً أدبية معينة وإن كانت غير واعية، وأن تلك الميول ستشكل هوية خاصة للكاتب في أعماله القادمة، وهي ما يمكن تلخيصه في النقاط التالية:

– ذكَّرتني الأجواء العامة للمجموعة بقصص جبران القصيرة، والمتميزة ببعدها الفانتازي المشبع بالرمزية، كما أن لها طابعاً (كافكوياً) لا يخفى، إذ تبدأ القصص كلها بوصف سريع لموقف معين، مبتور عن أي سياق سابق له، وعجائبيٍّ في كثير من الأحيان، ثم يُنتقَل مباشرة إلى الحوار الذي يشكل الدعامة الرئيسية للبناء القصصي.

– الاعتماد الكبير على الحوار يدلُّ على ميول مسرحية للكاتب، بل إن معظم قصص المجموعة استقبلها خيالي على أنها (مسرحيات تمثيلية قصيرة)، ولعلي لا أكون مخطئاً لو وجَّهتُ الكاتب إلى الكتابة المسرحية التي أظن أنه سيجد نفسه فيها.

– الهوية الكافكاوية لقصص المجموعة، العجائبية والكابوسية أحياناً، تكاد تجعل منها جزءاً من (أدب الأحلام)، أجواء القصص تجبر القارئ على الشعور بأن ما يقرؤه حلم من أحلام المنام يرويه الكاتب، وهذا النوع من الأدب له جماليات كثيرة تجعل من قراءته متعة حقيقية للخيال.

– أعجبتني قدرةُ الكاتب على تنويع بيئاته القصصية، وعلى ابتكار المواقف الرمزية، ما يدلُّ على سعة خياله، وكذا محافظتُه في نفس الوقت على إطاره القصصي العام. هذه المزاوجة الذكية بين الحفاظ على الإطار العام (ثبات الإيقاع) والتنويع في التفاصيل المتخيَّلة هي من أبرز نقاط القوة في هذه المجموعة القصصية.

– رغم الاعتماد شبه الكامل لقصص المجموعة على عنصر الحوار، إلا أن الحوار هو نقطة ضعفها الأبرز، إذ اتصف بإغراقه في المثالية والمباشَرة في الوعظ، بل وفي أسلوب الخطابة الذي لا يليق بالحوار أساساً. من المستحيل تخيل أناس يتحاورون كما في قصص المجموعة، وأخصُّ بالذكر العبارات الموضوعة على ألسنة الشخصيات النسائية، والتي بدت بعيدة كل البعد عن الطبائع الأنثوية، ما يدل على احتياج الكاتب للكثير من التمرس في التقاط تفاصيل الحوارات الواقعية، وقبله الوعي الدقيق بطبائع الناس الذين سيُنطقهم، أو سينطق بألسنتهم في أعماله القصصية.

– لم تخلُ المجموعة من أخطاء لغوية وإن كانت قليلة على العموم، ولستُ أنوي تصحيح الأخطاء الشاردة أو الواقعة بسبب السهو، لكن بعضها تكرر إلى حدٍّ وجب معه التنبيه إليها، وأعني هنا رفع المفاعيل بها المثنَّاة، من قبيل: (لقد سحرتْ عيناي)، وصوابها (لقد سحرتْ عينيَّ). وكذلك إعراب أحد الأسماء الخمسة وهو (ذو)، إذ تكرر في الرواية مرفوعاً في غير موضع الرفع، مثل: (وأنا أنظر إلى الرسام ذو الحركات الغريبة)، وصوابها (وأنا أنظر إلى الرسام ذي الحركات الغريبة).

تلخيصاً لما سبق؛ للكاتب خيال واسع، وقدرة جميلة على ابتكار المواقف وشحنها بحمولات ترميزية، كما أن له ميلاً واضحاً نحو الفانتازيا والأجواء العجائبية. اعتماده الكبير على الحوار (وليس على الأحداث) يشير إلى موهبة في الكتابة المسرحية تحتاج إلى الصقل، وإلى محاولة جادة لتطوير أساليب الحوار من حيث جعلها أكثر واقعية ونبضاً بالحياة، بعيداً عن المثالية والمباشَرة والخطابة في غير محلها.

استمتعتُ بقراءة المجموعة، وإن مما يبعث على السرور وجود محاولات أدبية جادة لشباب مغاربة تستحق القراءة، وتبشر بمواهب تستحق التشجيع على مزيد من الكتابة الإبداعية، وقبلها على مزيد ومزيد من القراءة في صفحات الكتب ووجوه الناس…

أنس سعيد محمد

13/01/2021

الغريب – ألبير كامو

06/01/2021 عند 18:46 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | تعليق واحد

رواية: الغريب

تأليف: ألبير كامو 🇫🇷

ترجمة: محمد آيت حنَّا 🇲🇦

صدرت عام: 1941

.

=====

هل ننسب المذهب الفلسفي إلى الروائي أم ننسب الروائي إلى المذهب الفلسفي؟ هل الرواية هي ابتكارٌ لمذهب فلسفي جديد أم أنها تشكيل فني لفكرة فلسفية قديمة؟ أسئلة يمكن أن تطرح نفسها على كل من قرأ رواية (الغريب) لكاتبها (ألبير كامو)، والمعروف بنزعاته العبثية التي جسَّدها، خير تجسيد، من خلال روايته القصيرة هذه التي لا تتعدى 144 صفحة، والتي قُسمت إلى فصلين متساويين تماماً من حيث عدد الصفحات، والتي ترجمها، ترجمة جيدة جداً تستحق الإشادة، الكاتب المغربي الشاب محمد آيت حنَّا.

تُعرف رواية (الغريب) بأنها تلخِّص مذهباً فلسفياً كاملاً، بل بإمكان الباحث الرجوع إليها إذا ما أراد التعرف عن قرب على مذهب العدمية والعبث، وأنا أعتقد أنها اكتسبت حرارتها ووضوحها من كونها أول عمل روائي للكاتب، فهي بذلك متصفةٌ ولا بد بما تتصف به الأعمال الأولى من لصوق شديد بذات المؤلف يحيل مباشرة إلى السيرة الذاتية، مهما كانت الواجهة القصصية متخيَّلةً أو مغايرةً في الظاهر لحياة المؤلف الخاصة.

يبدأ الفصل الأول من الرواية بتلقي البطل خبر وفاة أمه، وكان هذا الحادث الجلل بوابةً دخل منها الكاتب لوصف شخصية بطله اللامبالية إلى درجة غير آدمية، إذ تلقى البطل خبر الوفاة ببرود شديد مستفز جداً، وبنفس البرود الجليدي حضر جنازة أمه التي لم يتكلف حتى إلقاء نظرة أخيرة على وجهها قبل الدفن، ثم انطلق -بعد الدفن مباشرة- إلى حياته العبثية غير مبال بشيء، معلقاً على كل شيء بعبارته المتكررة الشهيرة: “لا فارق عندي”.

تمرُّ صفحات الفصل الأول في وصف تفاصيل الحياة اليومية للبطل، وهي تفاصيل بدت في البداية متنافرةً تفتقر إلى الترابط، بل ربما يسأل القارئ نفسه عن جدوى وصفها أصلاً، وبأي شيء تخدم القصة، ثم تتطور الأحداث لينتهي الفصل الأول بجريمة قتل يرتكبها بطل الرواية، دون أي دافع حقيقي لها.

في الفصل الثاني، المماثل في حجمه للفصل الأول، يتوقف السرد القصصي تماماً أو يكاد، ليقتصر الحديث على تفاصيل المحاكمة التي خضع لها بطل الرواية بسبب جريمته، وهنا يُفتح المجال للمونولوغات الداخلية، والتساؤلات الفلسفية، والإشكاليات الأخلاقية أو التي تبدو كذلك، والتي طرحتها ملابسات جريمة القتل تلك، وما أعقبها من تفاصيل الحياة اليومية التي كانت تبدو تافهة إبان سردها في الفصل الأول. سنرى كيف أن المحاكمة اتخذت منحى عجيباً تجاوز مؤاخذة القاتل على جريمته إلى النبش في أعماق سريرته، وإخضاع أتفه تفاصيل حياته اليومية -حتى التي لا علاقة لها بالجريمة- إلى مجهر أخلاقي لا يرحم، كأنما يريد القضاة بذلك أن ينقِّبوا في روح المجرم على ذرة خير، ولو واحدة، تعصمه من عقوبة الإعدام، وتجعله مستحقاً لظروف التخفيف، وهو ما لن يجدوا له أثراً بالنظر إلى أن كل ما صدر عن القاتل منذ وفاة أمه إلى لحظة ارتكابه للجريمة، لم يكن يدل إلا على نفس خربة صفر ٍمن أي شعور، لا شيء فيها إلا الفراغُ المطلق.

سيجعلنا الكاتب في الفصل الثاني نتساءل -على لسان بطله- عن أخلاقية المحاكمة، وهو ما يبدو مناقضاً تماماً لشخصيته العدمية التي تتنافى مع طرح الأسئلة الأخلاقية، بل بالتدقيق في الأمر نجد أن التساؤلات الأخلاقية للبطل نفسها كانت عبثية، وأنه كان ينظر إلى المحاكمة كما ينظر إلى أي ظاهرة طبيعية غريبة بعض الشيء. فقط نحن القراء بإمكاننا، بما نحتفظ به من الجدية في التعامل مع الحياة، أن نتأمل المحاكمة تأملاً أخلاقياً، أما بطل الرواية، موضوع المحاكمة، فـ “لا فارق عنده” على كل حال، ولا شيء يهمه حتى لو كان الإعدام نفسه.

أثار انتباهي في الرواية أنها أول عمل لكاتبها، وأنه كتبها في شبابه، في التاسعة والعشرين من عمره فقط، وهي وإن كانت مفعمة بحرارة دالة على لصوقها بذات المؤلف وسيرته النفسية الذاتية، كما هي في الواقع معظم الأعمال الروائية الأولى، إلا أنها تتميز بأسلوب رصين في الوصف والمعالجة، يوحي بنضج يفوق المرحلة العمرية للكاتب، كما يدلُّ على احتراف في الصنعة الروائية وقدرة عالية على الوصف الدقيق الخارجي والداخلي معاً.

وأما بالحديث عن لبِّ الرواية، وهو الفلسفة العدمية، فليس من الصواب بطبيعة الحال أن ننسب هذه الفلسفة إلى ألبير كامو ولا إلى غيره، فالكاتب هنا إن كان يعتنق الفكرة السيزيفية في تصوره لموقع الإنسان من الوجود، وأن سعيه في الحياة عذاب عبثي كسعي سيزيف، فما روايته هذه إلا تصوير أدبي لفكرته الخاصة التي اعتنقها بعد أن تعرف عليها واقتنع بها أو وافقت هوى في نفسه، بل إن قصة سيزيف نفسها ما هي إلا تصوير أدبي لفكرة العبث المجردة، وكل هذه الأفكار، بعد أن نجرِّدها من تمظهراتها القصصية والفنية، فإنها تعود بنا إلى أصلين عميقين لا ثالث لهما: الإيمان أو عدمه.

حين قرأتُ رواية (الغريب) متعرفاً بها على ما يدور في أعماق كاتبها، لم أجد في خلاصتها أكثر من تمثيل فني لحالة (الإلحاد التام)، وكل ملحد على وجه الأرض يفكر بنفس تلك الطريقة، ويتصرف على أساسها، مهما كان مستواه الثقافي. هناك فقط أشخاص تسعفهم قدراتهم الأدبية على تطويع اللغة لصياغة أفكارهم صياغة قصصية، وآخرون لا يُعنون بالكتابة، لكن أسلوبهم في الحياة، كما يصرحون به بألسنتهم وكما يظهر من خلال أفعالهم، ينطق بنفس تلك الأفكار وإن لم يكتبوها.

الأفكار هي انعكاسات لحالات نفسية وروحية، والإلحاد بما هو كفرٌ بالإله الخالق والبعثة بعد الموت والحياة الآخرة، فإن من طبيعته أن يولِّد أفكاراً مفرطة في الأنانية الدنيوية، وما دامت الحياة عبثاً فلا معنى للأخلاق ولا للفضيلة ولا للرحمة والشفقة، ومن ثمَّ فلا محرك للإنسان إلا منفعته الذاتية ولذَّاته الحسية، ولا رادع له إلا الخوف من الألم أو من فقدان القدرة على مزيد من الالتذاذ الحسي، وهكذا يغرق الملحد في اللذات الحسية حتى تتبلَّد حواسه ويفقد القدرة على الشعور بها، وحينئد يجد نفسه أمام خواء داخلي مطلق، خائبَ الأمل في المتع الدنيوية كلها، ليستفحل العدم في روحه استفحالاً سرطانياً يسوِّد في عينيه وجه الحياة فيضيق ذرعاً بوجوده فيها، فلا يبقى أمامه إلا الارتماء في أحضان الجريمة، أو الانتحار الذي يتوهَّمه خلاصاً أبدياً من آلام وجود لا غاية له ولا هدف.

ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا النمط من الشخصيات العدمية له جاذبية فنية شديدة، وغالباً ما يحظى بإعجاب جماهيري مفرط، لما يتيحه للكتاب من مجال خصب للاشتغال عليه، ولما يوحي به من متناقضات القوة والضعف، والشجاعة والجبن، والرقة والقسوة، فضلاً عن عذابات الروح التي تأتي في العادة بعد الارتفاع عن رغبات الجسد، ولعل هذا ما يفسر وجود (الشخصية العدمية) في عدد كبير، أو ربما في الغالبية العظمى من الأعمال الأدبية والفنية ذات الشهرة العالية، ولقد كان نجيب محفوظ من أوائل الكتاب العرب الذين قدموا أمثال هذه الشخصية، وأعني (محجوب عبد الدايم) بطل روايته الاجتماعية الأولى (القاهرة الجديدة)، كما أن (كمال أحمد عبد الجواد) بطل الثلاثية هو من أشهر الشخصيات الروائية العدمية على المستوى العربي.

أذكر أيضاً شخصية (يوهان ليبرت) من مسلسل الأنيمي الياباني (وحش)، وكذلك (والتر وايت) بطل مسلسل (بريكينغ باد) الشهير، والذي ارتمى في أحضان الجريمة في اللحظة التي أيقن فيها بالموت القريب، وهي لحظة (عدمية) إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن (والتر وايت) لا يؤمن بالحساب بعد الموت.

رواية (الغريب) لـ (ألبير كامو)، توصيف دقيق لحالة الإلحاد وما يترتب عليه من الأفكار العدمية، وهي رواية على قدر من الخطورة بالنسبة لمن كان مهزوز الإيمان ذا قابلية لتشرب الأفكار الإلحادية، إذ سيجدها تعبر عن دواخله على نحو يعجز هو عن مثله، وأما الثابتون على إيمانهم فستجعلهم يحمدون الله على نعمة الإيمان، وعلى أن الله تعالى لم يخلق شيئاً عبثاً، وأن ثمة بعد الحياة الدنيا حياة أخرى تُنصب فيها موازين القسط، ولا يظلم ربنا فيها أحداً.

أنس سعيد محمد

06/01/2021

الملف 42 – عبد المجيد سباطة

24/12/2020 عند 18:26 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الملف 42

لمؤلفها: عبد المجيد سباطة 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

(عودة الذات)، أو (العودة إلى الذات)… هذا ما يمكن أن أصف به، بأكثر الكلمات إيجازاً، العمل الروائي الثالث للصديق عبد المجيد سباطة، بعد عمليه الأولين اللذين سبقت مراجعتهما.

لم يحدِّثنا الكاتب عن روايته الثالثة، لا تصريحاً ولا تلميحاً، إلا حين أعلن اكتمالها وجاهزيتها للنشر قُبيل معرض الكتاب السابق، وقبل ذلك سُئل في إحدى المقابلات التلفزيونية عن مشاريعه القادمة فأجاب، بنبرة تأكيدية قاطعة، أنه ومهما كان عمله القادم فلن يكرر نفسه، وهو ما فهمتُ منه -آنذاك- أن روايته القادمة لن تتطرق إلى حرب ما، ولن تعتمد على الثيمة العسكرية والسياسية على غرار روايتيه السابقتين.

عنوان الرواية الجديدة: “الملف 42” يوحي لنا بأجواء (بوليسية) نوعاً ما، لكنه يظلُّ مبهماً رغم هذا الإيحاء الباهت الذي تلقي به نبرة العنوان التقريرية بل و(الإدارية)، وهو ما فتح الباب لمفاجآت شتى تنتظر القارئ حين يتوغل في الرواية، ويكتشف عوالمها التي ثبت فعلاً أنها أصلية وغير مكررة، وأن الكاتب قد اقتحم، بشجاعته الأدبية المعهودة، مناطق وعرةً من التجريب السردي، على مستوى الشكل والمضمون معاً.

* على مستوى الشكل:

– لقد ظلَّ الكاتب، رغم توسُّعه في التجريب السردي، وفياً للأسس العامة التي اختارها لنفسه، والمتمثلة في السرد بالتناوب، والحديث على لسان الشخصيات (ضمير المتكلم)، والانتقال الأفقي العريض بين الأزمنة والبلدان… إلخ. كما نلاحظ أيضاً أن تجربة (السرد بالتناوب) قد شهدت توسعاً فرعياً لافتاً للانتباه؛ إذ لم يكتف بالتناوب بين الشخصيات المتكلمة، بل انتقل إلى التناوب بين سرد الأحداث على ألسن الشخصيات وبين سردها عن طريق (القصاصات).

– أسلوب (القصاصات) ليس جديداً في الأدب كما قد يظن بعض القراء الشباب، بل وليس منتمياً إلى تيار (ما بعد الحداثة)، بل هو في حقيقة الأمر قديم جداً، وموجود في بعض الكلاسيكيات الخالدة، بل إن (أدب الرسائل) في صميمه ينتمي إلى أسلوب القصاصات هذا، وهو قديم جداً كما هو معلوم. والحق أن أسلوب القصاصات محببٌ إلى نفسي جداً، وأجد له قوة تأثيرية عاطفية عجيبة، إذ بوسع قصاصة مقتطفة من جريدة ما، ومهما كان أسلوبها تقريرياً جافاً، أن تخفي وراء جفاف أسلوبها طاقة شاعرية ودرامية هائلة قد تصل إلى درجة المأساة، ودون أن يضطرَّ الكاتب إلى تكلُّف الألفاظ المؤثرة والتعابير العاطفية المبكية للقارئ. وإني أذكر في هذا السياق رواية (البؤساء)، تحفة (فيكتور هيغو) الكلاسيكية الخالدة، فقد اعتمدت هذه الرواية أسلوب القصاصات في غير ما موضع، وكان من أشدِّها تأثيراً نقل قصاصات من الجرائد التي نُشرت عقب القبض على (مسيو مادلين) عمدة (مونتروي سور مير) بعد انكشاف حقيقة أنه (المجرم جان فالجان). لقد كانت قصاصاتٍ مكتوبةً بأسلوب الجرائد، ذلك الأسلوب التقريري الجاف البارد، لكنها مع ذلك كفيلة بأن تستدر الدموع من عيون القراء لما تعبِّر عنه من النكران والجحود والتنكر لأفعال الخير الثابتة العظيمة مقابل تهمٍ وشكوكٍ قد تثبت وقد لا تثبت.

– نعم يمكننا أن نجد (القصاصات) في الكثير جداً من الروايات القديمة والحديثة، ومن قراءاتي الخاصة أذكر وجودها في عدد من روايات إبراهيم نصر الله، مثل (شرفة العار) و(شرفة الهذيان)، كما أن هناك عدداً من سلسلة (سافاري) للراحل أحمد خالد توفيق، قد كُتب بالكامل على طريقة القصاصات، وأعني العدد 42 المعنون بـ (هُم). لكن ما تجدر الإشارة إليه في رواية (الملف 42) أن المؤلف كان يطمح إلى شيء أكبر بكثير من مجرد عرض القصاصات، فقد حاول استغلال فن الطباعة إلى أقصى حد ممكن، كأنما أراد أن يستخرج من المداد والورق ما يستحيل استخراجه من المداد والورق، وهو ما يحيلنا من جديد إلى جدلية (النشر الورقي) و(النشر الرقمي)… لقد صارت لدينا اليوم إمكانيات نشر رقمي هائلة؛ هواتف ذكية بشاشات واسعة، أجهزة لوحية بحجم الكتب ذات القطع الكبير، شاشات لمسٍ متعددٍ تفاعلية… إلخ. لكن الكتاب الورقي ظل محتفظاً بهالة قداسته الخاصة رغم كل هذه البهرجة الرقمية السائدة، وبشكل يكاد يخالف المنطق، وما رواية (الملف 42) إلا دليل آخر على انتصار النشر الورقي على الرقمي رغم كل ما للرقمي من امتيازات تفاعلية، ورغم كل ما يتميز به الورقي من محدودية وبساطة. ما فعله الكاتب في روايته يعبر عن الحرب الدائرة بين (الصلابة الورقية) و(السيولة الرقمية)، ويمكن أن نستنتج منه أن الكاتب يكاد يجد نفسه مشدوداً، على رغمه، إلى تلك الصلابة الورقية التي لن يحفظ حقوقه إلا بها، ولن ينتزع الاعتراف الثقافي بمجهوده الأدبي إلا عن طريقها، لكنه مع ذلك أعلن ما يشبه أن يكون (ثورة على الورق من داخل الورق)، وحشد لثورته كل ما استطاع من حيل الإدهاش البصري في حدود ما يسمح به الورق، وبشكل يجعلك تحسُّ أن الكاتب تمنى لو استطاع أن ينتقل، بطريقة سحرية ما، من الأبعاد الثنائية للعرض إلى الأبعاد الثلاثية، وأن تتشكل أمام القارئ، فور فتحه للرواية، كائنات مجسمة تطفو على الورق يمكن سماعها ولمسها، والنظر إليها من كل اتجاه… يا ترى هل بلغ العلم ما يكفي لصناعة أوراق تفاعلية (يمكن أن يكون اسمها “النانو-ورق” أو شيء من هذا القبيل) لها نفس شكل الأوراق العادية وملمسها، ويمكن صنع كتاب منها لا يبدو مختلفاً عن أي كتاب آخر، لكن كل ورقة منها هي شاشة لمس تفاعلية كاملة، يمكن من خلالها عمل (زووم) لتكبير الكتابة، وعرض الصور بالألوان، وتشغيل الفيديو والملفات الصوتية؟ إن كان شيء كهذا موجوداً فأنا أجزم أنه سيكون بيئة مثالية لنشر رواية (الملف 42)، إذ سيتحقق ما أحسب أن الكاتب أراده وتطلَّع إليه، وسيمكننا أن نحرك قطع الشطرنج لنتعلم خطة الدفاع الصقلية، وأن نتصفح البريد الإلكتروني لبعض الشخصيات، وأن نمرر أصابعنا على الصفحة لنقرأ كافة تعليقات القراء على الموقع الإلكتروني…

– اعتمد الكاتب، كعادته، على ضمير المتكلم متحدثاً على لسان شخصياته المختلفة، وإن كنتُ قد صرحتُ من قبل بعدم استحساني حديث الكاتب أو الكاتبة على لسان شخصية من الجنس المغاير، لاستحالة تقمصها بشكل صحيح، فإني أضيف اليوم ملاحظة أخرى تتعلق بالحديث على لسان شخصية شريرة، أو شخصية تقوم بأفعال شريرة. لقد استشعرتُ شيئاً خاطئاً ما في مشهد اغتصاب الخادمة، إذ لم تكن هناك ملاءمةٌ بين المشهد الذي يصف فعلاً شريراً جداً، وبين أسلوب (ضمير المتكلم) الذي سُرد به. إن ضمير المتكلم بطبعه ينطوي على قدر من النرجسية، وكلُّ متحدث عن نفسه لا بد أن ينسب إليها قدراً من البراءة، أو على الأقل أن ينفي عنها الشرور أو يبررها بألوان من التبرير، لهذا تبدو السير الذاتية مثيرة للتعاطف مع مؤلفيها حتى لو كانوا من أبشع السفاحين في التاريخ، ولهذا أيضاً كنتُ أفضل أن يُسرد مشهد الاغتصاب بأسلوب الراوي العليم، أو بأي أسلوب آخر غير ضمير المتكلم. أذكر هنا أن ضمير المتكلم هو الأسلوب الوحيد الذي اعتمده الكاتب في كافة رواياته السابقة، وأن المرة الوحيدة التي استخدم فيها أسلوب الراوي العليم هي في عرضه لمقتطفات من رواية (أحجية مغربية) التي تُعدُّ رواية (قديمة) عتيقة الطراز، فهل نفهم من هذا اعتقاد الكاتب -واعياً أو غير واع- بأن ضمير الغائب أسلوب سردي عتيق ينتمي إلى الماضي، وأن ضمير المتكلم أسلوب حديث ينتمي إلى الحاضر؟

– بالحديث عن جدلية (القديم) و(الجديد)، فإن من المعروف عن الكاتب نزعاته التجديدية الواضحة، وافتتانه الشديد بالأساليب السردية الحديثة الثائرة على السرد الخطي الكلاسيكي، والمعتمدة على وسائل الإبهار والتلاعب بالقارئ، وقد كانت رواية (الملف 42) ممارسةً مكثفةً منه لشغف الألعاب السردية، وخلاصة اطلاع موسع على أفضل وآخر ما جدَّ في هذا المجال من الروايات الغربية. والحق أني لا أعارض هذه الأساليب السردية الجديدة، وأقرُّ بجماليتها وذكائها، لكن كانت لي مخاوف حقيقية من وقوع الكاتب في فخ ازدراء الأساليب الأخرى، الكلاسيكية الخطية وغيرها، وهو فخٌّ وقع فيه كثيرون مع الأسف الشديد ممن تناولوا خصائص روائية معينة تخصُّ مدرسة ما، ثم عمَّموها على الأدب الروائي بأكمله، مدَّعين أن خصائص مدرستهم المفضلة هي الصواب الوحيد، وأن كل ما عداها يعتبر من الأخطاء الروائية التي ينبغي تجنبها، وعلى هذا الأساس بُنيت دورات تعليمية كاملة، تَنسب إلى الخطأ أساليب اعتمدها كبار الكتَّاب قديماً وحديثاً، فقط لأنها تخالف ما هو سائدٌ في السوق في أيامنا هذه… لقد كنتُ قلقاً من انجرار الكاتب في هذا المنزلق، لكن قلقي تلاشى حين جمعني به لقاءٌ بُعيد معرض الكتاب السابق، وجرت بيننا أحاديث أدبية معمقة -كنتُ في معظمها مستمعاً كعادتي- علمتُ من خلالها أن الكاتب، ورغم افتتانه بالألعاب السردية إلى حد الهوس، لم يقع في فخ ازدراء الأساليب العتيقة، وأنه مؤمن بأن الشكل السردي هو شيء يتحدد من خلال مضمون الرواية نفسه، وأن هناك مضامين روائية لا يصلح معها إلا السرد الكلاسيكي، كما أن ثمة مواضيع أخرى لا تصلح معها إلا التقنيات المعاصرة، هذا إضافة إلى أن اختلاف الأزمنة والبنى الاجتماعية والأمزجة الأدبية له ثقله الذي لا يمكن أن يُنكَر. وعلى العموم فقد أبان الكتاب من خلال مجهوده الكبير الواضح في روايته هذه، وكذا في اطلاعه الواسع جداً والذي تكرَّس له، أنه بلغ درجة عالية من النضج الأدبي، وأن انتقاءه لأي شكل سردي كيفما كان، هو نابع عن وعي عميق بما يناسب مضمون روايته، وليس انجراراً -بأي شكل كان- وراء ما هو سائدٌ في السوق التجارية الأدبية…

* على مستوى المضمون:

– بدا واضحاً، بشكل عام، أن الكاتب مستمعٌ جيد لآراء القراء حول أعماله السابقة، وأنه يحسن الاستفادة منها لتطوير نفسه وتلافي أخطائه السابقة، ويمكنني القول أن التجربة الأدبية للكاتب، حتى الآن، هي من التجارب النادرة التي نجت من (لعنة العمل الأول)، وأن كل رواية أصدرها كانت أفضل وأنضج من سابقاتها. في روايته هذه تجنب الكاتب تكرار ثيمة الحرب التي سبق وعالجها في روايتيه السابقتين، كما تحاشى أيضاً الترهل المعلوماتي الذي عانت منه رواية (ساعة الصفر)، وكذلك فقد كان في (الملف 42) أكثر قرباً من بلده المغرب وقضاياه الاجتماعية، رغم توسُّعه كعادته في خريطة العالم. هذه المرة لن نعيش مغامرة عسكرية في خضم حرب ما، لكننا سنتعرف على بعض الآثار الوخيمة للحرب على المجتمع، وذلك عبر قضية الزيوت المسمومة التي حاول نفض غبار الإهمال عنها، واستخراجها من دهاليز النسيان، واستعراضها أمام الجميع مذكِّراً بها من نسيها، ومعرِّفاً بها من يجهلها، طارحاً بها، وبلهجة صريحة مشبعة بالمرارة، سؤال الكرامة الإنسانية الممتهنة لشعب قد تصير حقوق أبنائه وكرامتهم، بل وأرواحهم، رخيصة مبذولة في سبيل الحسابات السياسية الضيقة.

– تنوعت الرواية في مضمونها القصصي بين شخوص وحكايات وأماكن قد يبدو في البداية أنْ لا رابط يربط بينها؛ طالب مغربي ينتقل إلى روسيا، كاتبة أمريكية تنتقل إلى المغرب، شاب مغربي يلتقي بالكاتبة وتجمع بينهما رواية غامضة… وتتحرك خيوط القصة المعتمدة على ما يسمى بـ (التحقيق الأدبي)، والمسرودة بالتناوب المتعدد إلى أن تلتقي أخيراً في نقطة واحدة، لنعرف في النهاية ما هو المشترك بين عوالم ظلَّت طوال الرواية تبدو لنا متنافرة يستحيل أو يصعب الجمع بينها.

– قصة الشاب المغربي الذي واجه الأهوال في روسيا، بل وقضية الزيوت المسمومة نفسها، ما هي في الواقع إلا واجهات قصصية، وسائل مساعدة لم يردها الكاتب لذاتها، وإنما أراد بها التعبير عما يختلج في صدره من ثورة حانقة على الفساد المستشري في بلادنا على أصعدة كثيرة، سياسياً واجتماعياً وثقافياً وأدبياً. لقد كانت نبرة الاحتجاج واضحة جداً، وأعلى من كل ما سبق للكاتب أن قدَّمه من أعمال روائية، بل ليس من المبالغة القول إن الرواية تنطوي على صرخة متمردة هائلة، امتزجت فيها الذات بالموضوع، وتعانق فيها الإحباط والسوداوية والأمل الخائب بهوس شبه صوفي بعوالم الأدب والرواية.

–  نعم إن الأدب هو الموضوع الرئيسي للرواية، وقد قدَّم لنا الكاتب فيها وجبة دسمة من الاقتباسات والعناوين الأدبية ما يجعلها مرجعاً يُلجأ إليه لمن أراد الاطلاع على الروائع الروائية، بل وضمَّنها كذلك دروساً شديدة النفع في تقنيات الكتابة الروائية ستفيد كل كاتب أو طامح إلى الكتابة، ولا شك أن الكاتب كان أثناء تأليفه لروايته هذه في قمة انطوائه على ذاته، وابتعاده عن العالم الخارجي، وانغماسه المطلق في شغفه المحموم بالأدب الروائي. لم يكن من قبيل الصدفة أن تحضر رقعة الشطرنج في رواية (الملف 42)، بل هي إحالة صريحة إلى رواية ستيفان زفايغ الرائعة (لاعب الشطرنج)، والتي حدَّثتنا بعمق شديد حول ظاهرة الشغف الحارق الذي يتحول إلى هوس يصهر الروح. حين قرأتُ رواية (لاعب الشطرنج) في الآونة الأخيرة تذكرتُ (الملف 42) على الفور، ليس بسبب موضوع الشطرنج في حد ذاته، ولكني لأني استشعرتُ أخيراً كيف أن المؤلف كان أثناء كتابته للملف 42 في حالة نفسية أشبه ما تكون ببطل رواية زفايغ، وعرفتُ سرَّ تلك الحرارة اللاهبة المنبعثة من بعض الصفحات، حتى إنها لتكاد تحرق أطراف أناملك أثناء تقليبها، والآتية من مكان ما هناك في العمق، ليس بين السطور بل تحتها، وتحت ذلك السطح الأسلوبي الذي لم يختلف في تقريريته ومباشرته عما هو معتاد من الكاتب. لقد بلغ الكاتب في روايته هذه درجة التوحد الكامل إلى حد الانصهار بين ذاته والأدب، وقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى ابتداءً من الصفحة 383، والمستهَلَّة باقتباس معبر جداً عن ذلك الوهج المقدس: “اقرأ إلى أن تكفَّ عن التمييز بين النص ونفسك”، ولسوف نرى فعلاً كيف كفَّ المؤلف عن التمييز بين النص ونفسه، وكيف خلط الأوراق خلطاً امتزج فيه الواقع بالفانتازيا، حتى لم نعد ندري هل ما نقرؤه رواية داخل الواقع، أو واقع أو داخل الرواية، أو سيرة ذاتية تجمع بين هذا وتلك.

– في روايته السابقة (ساعة الصفر)، أخفى الكاتب ذاته إخفاءً تاماً، متملصاً حتى من شخصية الراوي نفسه، لكن روايته هذه، وعلى العكس تماماً، شهدت عودة عنيفة ومكثفة للذات، وبشكل يفوق حتى روايته الأولى (خلف جدار العشق). حين نشر المؤلف على فيسبوك أول اقتباس تشويقي لروايته، حسبتُه في البداية منشوراً عادياً يتحدث فيه عن تجربته الشخصية، إلى أن اتضح لي أخيراً أن ما قرأتُه اقتباسٌ من الرواية الجديدة. استغربتُ في البداية، ولفت انتباهي أنه هذه المرة لم يتكلف حتى تغيير تخصصه الدراسي من (الهندسة المدنية) إلى (هندسة الاتصالات) كما فعل في روايته الأولى، وقد كان علي أن أنتظر حتى أقرأ الرواية الجديدة كاملة، كي أعرف ما موضع ذلك الاقتباس من الإعراب، وكيف أن الكاتب هو شخصية من شخصيات روايته، ظهرت في البداية ظهوراً يوحي بأنها المؤلف نفسه لكن دون تصريح بالاسم، ثم لتعود في النهاية عودة صريحة لا غبار عليها، حتى إن الكاتب بشخصيته الحقيقية قد ابتعد قليلاً عن شخصيته الروائية فكأنما نسخ نفسه، ثم جعل يتأمل نسخته الروائية مع القراء ناظراً إليها بعيون غيرها، متحدثاً عنها بضمير الغائب، بل ومنتقداً لها أيضاً.

لقد ذكرتُ في مراجعتي للرواية السابقة أن ذلك الاختفاء الكامل للذات له سبب نفسي أكثر منه أدبياً، وأذكر في هذه المراجعة أيضاً أن هذا الحضور القوي للذات، والتوكيد الشديد عليها، له كذلك دواع نفسية أكثر منها أدبية… نبرة الاحتجاج والتمرد، السوداوية والإحباط وخيبات الأمل، المستقبل الغائم المكفهر، الانقسام الأليم بين التخصص الدراسي والشغف الأدبي، الغضب النرجسي، مقاومة النكران والحرب ضد النسيان، كلها مشاعر اصطرعت في نفس الكاتب وكان لها في أعماقه حرب ضروس أحرقته في أتونها، وقذفت به في عمل أدبي كتبه وانكتب به، وزجَّ بنفسه فيه واحداً من شخوصه، صائغاً روايته بحيث تشير كل أسهمها إليه في خلاصتها النهائية، لتكون الكلمة الأخيرة في الاقتباس التشويقي المنشور، والتي طُبعت في الغلاف الخلفي للرواية: “أنا”.

* الخاتمة:

حين نقول بأن العمل الأدبي العظيم لا بد أن يخرج من رحم معاناة عظيمة، فليس بالضرورة أن نقصد بالمعاناة ما يمسُّ التجارب الجسدية فقط مهما قسَت. بين يدينا في هذه الرواية عمل خرج من رحم معاناة عظيمة، لكنها معاناة نفسية بالدرجة الأولى، معاناة أدبية منبثقة من الشغف، تشبه في جوهرها معاناة لاعب الشطرنج الذي أزعم أنه ليس سوى ستيفان زفايغ نفسه.

لقد وضع عبد المجيد سباطة نفسه أمام تحد صعب جداً، إذ ليس من اليسير التغلب على رواية مثل (الملف 42)، لا سيما وأنها استنزفته كثيراً واستخلصت منه عصارة روحه في مرحلته هذه، لكن الإنسان يستمر في الحياة ما دام له نصيب من العمر، وما دام الكاتب حياً فهو في استقبال دائم للتجارب الحياتية والوجدانية معاً، والذي لا شك فيه أن الكاتب الجيد هو الذي يعرف بدقة متى تحين لحظة الكتابة، ومتى يكون قد امتلأ بمخزون كافٍ من التجارب يسمح له بإمساك القلم من جديد.

رواية (الملف 42)، رواية للقراءة وإعادة القراءة. من أفضل قراءاتي خلال هذا العام، بل لن أبالغ لو قلتُ بأنها أفضل رواية مغربية قرأتُها حتى الآن…

أنس سعيد محمد

24/12/2020

ساعة الصفر – عبد المجيد سباطة

28/11/2020 عند 13:15 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: ساعة الصفر 00:00

لمؤلفها: عبد المجيد سباطة 🇲🇦

صدرت عام: 2017

.

=====

أودُّ بداية، أن أحيل كلَّ راغب في قراءة هذه المراجعة إلى مراجعتي للرواية السابقة والأولى للكاتب “خلف جدار العشق”، والتي تجدونها في هذه المدونة. وسبب هذه الإحالة أن كل ما سأقوله في مراجعتي هذه مبني، بشكل أو بآخر، على المراجعة السابقة، تماماً كما بُنيت الرواية الثانية للكاتب (ساعة الصفر) على نفس الأسس التي بُنيت عليها روايته الأولى (خلف جدار العشق).

تعدُّ (ساعة الصفر) تجربة ممتدة لـ (خلف جدار العشق)، أكثر منها اتساعاً وعمقاً، وأكبر حجماً، وأشدَّ ثراءً بالتفاصيل، وأحسن أسلوباً، وأقلَّ حفولاً بالأخطاء، وقد أبان فيها الكاتب عن نضج ملموس وتطور واضح في استخدام أدواته الروائية، كلُّ ذلك في الإطار نفسه الذي اختاره لقلمه، والنمط الروائي عينه الذي اختار السير عليه.

ولستُ أنوي في هذه المراجعة عقد مقارنة بين العملين، وإن كنتُ لم أستطع التخلص من فكرة المقارنة والإسقاط أثناء القراءة، لكني أودُّ فقط الإشارة إلى مقادير (الخلطة الروائية) التي تشابهت في الروايتين، وإن كانت (جودة الطبخ) في الرواية الثانية أفضل بمراحل منها في الرواية الأولى.

تتكون (الخلطة) عموماً مما يلي: الحرب – السياسة – التحقيق – المغامرات – اللغة التقريرية – المعلومات التاريخية – التنقل بين الأعوام والبلدان.

انتقلنا هذه المرة من سوريا إلى البوسنة، ومن الماضي القريب (بداية هذه العشرية) إلى ماض أبعد بقليل (بداية التسعينيات)، كما تجاوز الكاتب بشكل واضح ما انتُقد في روايته الأولى من كثرة المصادفات، وإن كان ظلَّ أميناً لخطه السردي المتمثل في الزجِّ بأبطاله في أتون حروب حدثت في التاريخ، وابتكار مغامرات مشوقة تجمع بين البحث التاريخي والخيال الروائي. الأمر هنا يشبه أن يكون رحلة (ثلاثية الأبعاد) يأخذنا فيها الكاتب إلى زمان ومكان آخرين، فنطَّلع على ما حدث بعيون أبطاله، ننظر إلى الأشياء بعينين إنسانيتين ترى ما أمامهما، وذلك على عكس ما تفعله كتب التاريخ والتوثيقات الحربية التي ترينا الأشياء من الأعلى، من زاوية (عين العصفور).

نعم، كثيراً ما تخيلت أثناء القراءة أني أضع على عينيَّ نظارات ثلاثية الأبعاد من تلك التي تباع في القاعات السينمائية، وأني أعاين تلك الأحداث البعيدة في زمانها ومكانها كما لو كانت تحدث أمام عيني.

لكن، ورغم التشابه العام في القالب الروائي بين (خلف جدار العشق) و(ساعة الصفر)، إلا أن ثمة اختلافاً جوهرياً بينهما، ويتمثل ذلك الاختلاف في حضور ذات الكاتب داخل الرواية. لقد كان واضحاً في (خلف جدار العشق) أن (عثمان سليم) ما هو إلا (عبد المجيد سباطة) نفسه، إذ لم يكن من الصعب استنتاج التطابق بين الشخصيتين في الصفحات الأولى من الرواية، لكن الكاتب في (ساعة الصفر) عمد إلى إخفاء ذاته تماماً، مبتعداً بشكل كلي عن روايته، متوارياً عن صفحاتها كمن يريد الهروب منها، بل وحتى شخصية (الراوي) التي اعتاد القارئ أن يربطها بالكاتب مهما كان محايداً في سرده، فقد تملَّص منها أيضاً، وجعل (الراوي المجهول) شخصيةً متخيَّلةً أخرى تختلف كلياً عن الكاتب. ولم يكتف المؤلف بإعلان ذلك (الهروب) في بداية الرواية، بل ظلَّ يذكِّرنا به باستمرار على امتداد صفحاته مخافة أن ننساه، وذلك عبر الهوامش التي لم تكن تهدف إلى إتحافنا بالمعلومات التاريخية إلا بقدر ما كانت تريد تذكيرنا، مستعملةً ضمير المتكلم، بأن الراوي شخص آخر يختلف تماماً عن مؤلف الرواية.

ولعل لهذا الأمر تفسيراً نفسياً أكثر منه أدبياً، لكني أرجئ الحديث عنه إلى موضعه الملائم، وفي انتظار ذلك أضع بين أيديكم الانطباعات التالية حول هذه الرواية:

– تجمع رواية (ساعة الصفر) في نبرة أسلوبها بين نوعين فنيين؛ البرنامج الوثائقي والفيلم السينمائي. وكان (البرنامج الوثائقي) أول ما استشعرتُه فور بدئي بالقراءة، إذ ما إن شرعتُ في الكلمات الأولى للرواية (ص 7): “لوتا… قرية صغيرة هادئة، أعلم أنك لم تسمع عنها من قبل، تابعة لمحافظة كونيتس، في الجنوب الغربي من العاصمة سراييفو”، حتى تخيلتُها متلوَّةً بصوت المعلق في برنامج (أمودو) الشهير. وأما (الفيلم السينمائي) فقد أحسستُ به تحديداً في الصفحة 27، حين لفظت شخصية الأم أنفاسها الأخيرة بعد أن ألقت على مسامع ابنها كلمات مبهمة، تفتح بغموضها باب البحث والتحقيق والمغامرة. مشهد كهذا هو مشهد سينمائي خالص، ويمكن أن يكون منتقَداً بسبب نمطيته وتكراره وعدم واقعيته، لكنه –في نهاية المطاف- يؤدي دوره المنوط به، في إدخال القارئ إلى أجواء سينمائية تجعله يتخيل المشاهد كما لو كانت معروضة على الشاشة، بل ربما يجد نفسه وقد ركَّب لها، لا شعورياً، موسيقى تصويرية من خياله.

– لقد أبدع الكاتب في ابتكار أحداث متخيَّلة تكاد تكون ملحمية، وتصلح في رأيي لتكون مشروع فيلم سينمائي متميز، ومما يضاعف قيمة الأحداث في هذه الرواية أنها، إضافة إلى ثرائها وتنوعها وتشابكها، خرجت من تحت قلم كاتب شاب لم يعاصر تلك المرحلة التاريخية، وإنما أضنى نفسه في البحث والتنقيب والدراسة، مدفوعاً في ذلك بشغف شديد وحب للميدان، ما يجبرني على الإشادة بكل هذه المجهودات الجبارة رغم اختلافي مع هذه التوجه، تماماً كما أشرتُ إلى ذلك في مراجعتي لـ (خلف جدار العشق).

– كونها تجربة موسعة عن التجربة الأولى، تضخَّمت فيها حسناتها وتعمَّقت، فإن بعض الانتقادات أيضاً قد تضخَّمت بنفس الأبعاد تقريباً، وأعني هنا بشكل خاص مسألة الحوارات بين الشخصيات، وتحميل بعض الجمل الحوارية أكثر مما تحتمل من المعلومات المقدمة بأسلوب تقريري ينتمي فقط للمقالات المكتوبة، ويستحيل تصوُّره على اللسان البشري. وقد تجلى ذلك أكثر ما تجلى في موضعين من الرواية؛ الأول في الصفحة 89، حين استرسل (برانكو) في كلام طويل جداً ملأ في مجموعه ما يقارب الصفحتين أو ربما يفوقهما، والثاني في الصفحة 288، حين اندلق (الفقيه عبد السلام) في نشرة تقريرية مطوَّلة لا يُعقل تصوُّرها على لسان بشري، فضلاً عن شخصية فقيه في قرية. ولعل الكاتب قد استشعر أنه (بالغ قليلاً) في هذا الأمر، فأورد –واعياً أو غير واعٍ- على لسان الشخصيتين ما يشبه التبرير لهذا الاسترسال غير المعقول: “أعترف بأني أطلتُ قليلاً في الكلام”، “أعلم أنك تنظر إلي بعين الاستغراب، فتسريحة شعري العابثة وملابسي الغريبة وأقراط أذني تتعارض بشكل تام مع هذا الإلمام بتفاصيل ما يجري من حولي” (ص 90 – 91). “لم تتوقع أن أكون ملماً بما يجري حولي من أحداث، وأن إمامة الناس في مسجد قرية منسية في جبال الأطلس ستمنعني من مواكبة العصر الذي أعيش فيه، أليس كذلك؟” (ص 290).

– هذه المسألة السالف ذكرها؛ مسألة الاسترسال، هي متفرعة عن مسألة أخرى أكثر جوهرية، وأعني النزعة نحو إغراق الرواية بالمعلومات الثقافية. لقد صار هذا توجهاً روائياً عاماً في السنوات الأخيرة، كأنما استقر في ذهن الروائيين أن الرواية تستمد قيمتها من كثرة المعلومات التي تتضمنها، وحبذا لو كانت معلومات مثيرة أو نادرة. لقد كان الكاتب تحت تأثير هذه الظاهرة أثناء كتابته، لذلك جاءت روايته مترعة بالمعلومات إلى حد التخمة، وقد وُزِّعت المعلومات المفصلة على صفحات الرواية بلا حساب، في السرد والوصف والحوار والهوامش، كأنما يريد الكاتب التوكيد بإلحاح شديد على جهوده المضنية المبذولة في البحث والتدقيق، والإلمام بأدق التفاصيل الجغرافية والتاريخية والسياسية والعسكرية في الفترة التي تجري فيها الأحداث. نعم إن جهود الكاتب البحثية واضحة جداً، ومشكورة غير منكورة، لكن ما يجب الانتباه إليه أن (الترهُّل المعلوماتي) ليس من الصفات المحببة في فن الرواية، لا سيما إن كانت معلومات لا تهمُّ إلا فئة ضئيلة معينة من المجتمع. معظم القراء يبحثون في الرواية عن التسلية والعبرة، وعن الإثارة والتشويق، وعن التجربة الإنسانية العميقة، وما دامت الرواية في هذه الحالة موجهة عموماً لجمهور الشباب، فإن معظم الشباب –بمن فيهم الكاتب نفسه- كانوا صغار السن جداً في زمن الأحداث، أو ربما لم يكونوا قد وُلدوا بعد، لذلك لن يهمَّهم من المعلومات إلا خطوط عريضة تضعهم في الإطار وتساعدهم على الفهم، أما التفاصيل الدقيقة، وبالشكل الذي وردت فيه في هذه الرواية، فلعلها لن تهمَّ إلا فئة من المتخصصين، أو من الذين ينتمون إلى البلدان التي جرت فيها الأحداث (وهي بلدان غير عربية)، وأما غيرهم –وهم أكثرية القراء- فلن يبالوا بها، وربما يتجاوزونها، وحتى لو أراد أحد التعمق فسيلجأ إلى ويكيبيديا أو إلى المراجع المختصة، ما يطرح هنا مخاوف جدية من أن الجهود البحثية في الرواية، حين تتجاوز حداً معيناً، تصير جهوداً مهدورة، وذات نتائج عكسية، ومن شأن الرواية أن تكون أكثر إمتاعاً ورشاقة بدونها، تماماً كما يصير الإنسان أكثر رشاقة بعد عملية (شفط الدهون).

– الرواية عموماً تنتمي إلى نمط روائي (غربي حديث) إن صحَّ التعبير، وهو نمط صار الروائيون العرب مقبلين عليه بشدة، وإلى حد كاد يصير معه بديهية روائية رغم أنه ليس كذلك. لهذا النمط مميزاته وعيوبه، ومهما ذكرتُ من هذه المميزات والعيوب فهي تنطبق على رواية (ساعة الصفر) كما تنطبق على النمط الذي تنتمي إليه. تتجلى المميزات في إمتاع القارئ بأحداث ثرية متدفقة تحبس الأنفاس في الصدور، وبمعلومات طريفة ومثيرة، وبأخذه في رحلة شائقة متنوعة في الأزمنة والأمكنة. وأما العيوب فأبرزها تواري دور (الشخصية) في العمل الروائي، إذ لم يعد عنصر الشخصية ذا أهمية قصوى في الرواية، لذلك صار يندر أن نصادف رواية حديثة تضم شخصية ترسخ في الذهن وتتخذ لنفسها مكاناً في التاريخ، على خلاف الأدب الكلاسيكي والرومانسي الذين كان يُعنى عناية قصوى بالشخصية، ويكسوها بقدر هائل من الظلال والتفاصيل، ويخوض بنا في أعمق أعماق نفسها، حتى إن الشخصية الروائية الخيالية لتصير ذات (سيرة ذاتية) كاملة تتفوق بها حتى على بعض الشخصيات الحقيقية. في الأشكال الأدبية الحديثة تكون الأولوية للأحداث أو للأفكار، وأما الشخصيات فمجرد عناصر مساعدة لا أكثر، لذلك تظل في الغالب سطحية لا أعماق لها، لا يعبأ الكاتب بوصفها إلا قليلاً.

هي روايات تمتد أفقياً فقط، لكن ليس عمودياً. ومن الجدير بالذكر أن روايات الحروب تمثل بطبيعتها هذه التوجه، لأنها تعتمد على (الجماعات البشرية) أكثر من اعتمادها على الإنسان المفرد. الشرير هنا هو (الجيش)، والضحية هو (الشعب). جيشان يتحاربان، مجموعة تقاتل مجموعة، وفي زخم (المجموعات) هذا تختفي خصوصية الإنسان وفُرادته، ما يؤثر حتى على الموقف العاطفي للقارئ تجاه الأحداث، تماماً كما قد نتأثر بمصاب خفيف يلمُّ بإنسان قريب نعرفه، بأكثر مما نتأثر بخبر مجزرة جماعية بشعة في بلد بعيد، راح ضحيتها مئاتٌ من البشر.

– على مستوى اللغة، وإضافة إلى ما ذكرتُ من لغة الكاتب التقريرية، الخالية تماماً من الشاعرية والمحسنات البلاغية، فإنها في الواقع نتيجة طبيعية لانتماء الكاتب الأدبي، وميوله الواضحة والمصرَّح بها إلى الأدب الغربي الحديث. اللغة في هذا النوع من الأدب لها جمالياتها الخاصة التي لا تُنكَر، كما أنها تتميز بالعقلانية التامة، والدقة في انتقاء الألفاظ التي تعبر عن الشيء كما هو بلا زيادة ولا نقصان، ما يجعل العبارات تتميز بالصدق الوصفي التام، والتجرد في المقابل من العاطفة، وهو ما يعبر بوضوح عن العقلية العلمية الغربية بماديتها وبرودتها، والمخالفة تماماً للروح العربية التي تميزت، وتميز أدبها، بالمبالغة والتهويل، والعناية بلواعج النفس، والعواطف الدفاقة، والدماء الفائرة، وكثرة استخدام المجازات والاستعارات. وما دام الأدب الغربي قد وصل إلينا عن طريق الترجمة، فقد كان من الطبيعي أن تتأثر الأساليب اللغوية للكتاب العرب بنفس أسلوب الترجمة، لذلك تكوَّنت أقلامهم على نحو تبدو فيه عباراتهم الأصلية كما لو أنها مترجمة عن أصل غربي ما، رغم أنها كُتبت أساساً باللغة العربية.

وأنا في الواقع لا أنكر هذا التوجه رغم اختلافي معه، إذ رغم انتمائي وجدانياً إلى الأدب العربي المتشبع بالروح العربية كما يجب أن تكون، فإني أرى هذا النوع من الاختلاف اختلاف تكامل لا تنافر، وإنما أنكر في الحقيقة على من صاروا ينبذون تماماً الروح العربية في الأدب والأسلوب، وينتقصون من قدرها، ويأخذونها مأخذ السخرية والاستهزاء، وقد ينتهي الأمر ببعضهم إلى ازدراء اللغة العربية من أساسها، ليصيروا بذلك مستلَبين تماماً، منزلين أنفسهم، دون وجه حق، منزلة المغلوب المولع بتقليد الغالب.

– ورد في الرواية خطأ لغوي مزعج في صفحاتها الأولى؛ هو تأنيث كلمة (رفات). ويبدو أن التاء المبسوطة في نهاية الكلمة توهم بأنها جمع مؤنث سالم، وليست كذلك في الحقيقة. كلمة (رُفَات) على وزن (حُطَام)، وهي كلمة مذكَّرة وليست مؤنثة.

– في الصفحة 78 وردت أغنية دحمان الحراشي الشهيرة (يا الرايح وين مسافر) في مذكرات (بريجيت نوسي) التي تعود إلى عام 1962. لكن حين أجريتُ البحث وجدتُ أن أغنية (يا الرايح) لم تصدر إلا سنة 1973، ولستُ متأكداً ما إذا كان هذا خطأً تاريخياً في الرواية أم أن للكاتب علماً بإصدارات أقدم للأغنية.

وختاماً أقول، بأن مما يدعو إلى الفخر حقاً، وجود روائي مغربي شاب قدَّم لنا عملاً بهذه الجدية وبهذه الروح القتالية العالية التي تستحق التنويه، وأتحفنا بتجربة روائية رائدة في سن مبكرة جداً، ومما يستحق الإشادة أيضاً تغلُّب الكاتب على نفسه باستمرار، إذ كلُّ رواية له أفضل مما قبلها، وهذا نادر جداً في الكتَّاب الذين وقع كثير منهم في فخ العمل الأول الذي انهزموا أمامه وعجزوا عن تجاوزه. وهنا أشير إلى أن بعض التفاصيل في رواية (ساعة الصفر)، وأعني الاقتباسات الأدبية، وعناوين الفصول المأخوذة من عناوين الكتب، ووجود القصاصات في بعض صفحاتها، كانت في الواقع إرهاصات لعمله الثالث الذي صدر مطلع هذا العام، والذي ستأتي مراجعته قريباً إن شاء الله: الملف 42…

أنس سعيد محمد

28/11/2020

ملاكان وشيطان – صلاح الدين أقرقر

24/11/2020 عند 15:40 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: ملاكان وشيطان
لمؤلفها: صلاح الدين أقرقر 🇲🇦
صدرت عام: 2019

.

=====

عرفتُ هذه الرواية، أول ما عرفتها، حين زرتُ ذات يوم (المكتبة المغربية) بطنجة، وهنالك وقع بصري على الرواية فتناولتها، ولم يهمَّني من أمرها سوى أن كاتبها شاب مغربي، وأنها صادرة عن دار كتوبيا التي سيصدر عنها، إن شاء الله، أول أعمالي الورقية.

بحثتُ عن اسم الكاتب على فيسبوك وأرسلتُ إليه طلب صداقة بنية التواصل معه وطرح بعض الأسئلة، وأما روايته التي كانت بين يدي، فقد أوحى إلي غلافها، ولفظة (شيطان) في عنوانها، أنها لن تكون سوى رواية رعب شبابية أخرى، فلذلك أعدتُها إلى الرف حيث كانت، دون أي نية في اقتنائها وقراءتها.

لكني، وبدافع الفضول، بحثتُ في وقت لاحق عن موضوع الرواية، وقرأتُ كل ما كتبه عنها المراجعون في موقع goodreads، فتبين لي أن مضمونها يختلف تماماً عما يوحي به غلافها المضلل، وأنها ليست رواية رعب شبابية كما تبدو عليه، بل هي رواية اجتماعية خالصة، وواقعية تماماً، وتتطرق لجملة من المواضيع بأسلوب مشوق وجميل. ولأن (الرواية الاجتماعية) هو نمطي الروائي المفضل دون منازع، فقد عقدتُ العزم على قراءتها والتعرف أكثر على كاتبها، وهكذا رجعتُ إلى المكتبة فاقتنيتها.

والآن بعد أن أتممتُ –بحمد الله- قراءتها، فإني أضع بين أيديكم، كما جرت العادة، انطباعاتي التالية:

  • غلاف أي رواية هو بوابة الدخول إليها، ويجب بلا شك أن يعبِّر، بصرياً، عن شيء من مضمونها، أو على الأقل أن يلزم الحياد كما في بعض الأغلفة البسيطة ذات اللون الواحد. لكن في حالة هذه الرواية فالأمر مختلف تماماً، إذ لا تربط الغلافَ بالمضمون أية رابطة إطلاقاً، لا من قريب ولا من بعيد، بل إن الغلاف هذه المرة يقوم بدور مضلل جداً، يوحي لمن يراه بأنه على موعد مع (رواية رعب شبابية أخرى) من تلك التي تناسلت مؤخراً بشكل سرطاني، ما سيكون سبباً فيما يمكن أن أسميه (عملية تسويق عكسي) تُبعد عن الرواية من كُتبت لهم، وتجذب إليها جمهوراً آخر لا تعنيه. الغلاف ليس سيئاً في ذاته، لكنه كان سبباً في إعادتي الرواية إلى الرف دون نية في اقتنائها، وقد حدث نفس الشيء مع غيري.
  • تدور أحداث الرواية في إحدى القرى المغربية التي تعاني من شتى أنواع التهميش، والتي سينتقل إليها شابان متعلمان مفعمان بالأهداف النبيلة ورغبات الإصلاح. ستسلط الرواية الضوء، بشكل مباشر، على جملة من القضايا الاجتماعية الشائكة قصد لفت الانتباه إليها، وإلى الذين يعانون بصمت في أصقاع بعيدة لما تبلغها المدنية بعد.
  • لم يُذكر في الرواية اسم القرية التي تدور فيها الأحداث، ولم تتم الإشارة إلى سنة حدوثها. هذه التعمية عن الزمان والمكان لها دوران أساسيان في عالم السرد الروائي؛ الأول إضفاء نوع من (الترميز) على عناصر الرواية، بمعنى الجزء الذي يدلُّ على الكل. لا يهم معرفة اسم القرية، لأن القضايا التي أشير إليها يمكن أن تهم أي قرية مهما كانت. كما لا يهم معرفة زمن الأحداث، لأن تلك الأحداث يمكن أن تقع في أي زمان قديم أو حديث. والثاني إراحة الكاتب من عبء البحث المعلوماتي. أي أني لو ورَّطتُ نفسي في ذكر مكان حقيقي موجود، في حيز زمني معين، فإن علي أن أرهق نفسي في البحث عن معلومات صحيحة تخص المكان والزمان؛ جغرافية المكان وتفاصيل مبانيه وشوارعه وسكانه، وكذا السياق التاريخي الذي تدور فيه الأحداث، مع العلم أن الخطأ في شيء من ذلك قد يكون قاتلاً. لكني حين أقول: “قرية”، مجرد قرية، فإني أريح نفسي، وأفتح الباب لخيالي على مصراعيه، ويصير لدي كامل الحق في ابتكار عالم متخيَّل لا تحدُّه أية حقائق صلبة أو معطيات معلوماتية.
  • اعتمد الكاتب أسلوباً كلاسيكياً في البناء الدرامي لروايته، واستطاع أن يمزج مزجاً جميلاً بين السرد والوصف والحوار، دون أن يغفل ضمير المتكلم (المونولوغ الداخلي) في الفصول الأخيرة. أعجبني كذلك البناء المتماسك للشخصيات، وتخصيصه لمعظمها، حتى الثانوية منها، فصلاً يسترجع فيه جزءاً من ماضيها، والذي يفسر به ما انتهت إليه في طباعها وسلوكها.
  • كان واضحاً لي أثناء القراءة أن أسلوب الكاتب متشبع بالتراكيب البلاغية القادمة من الأدب التراثي العربي، وقد شممتُ رائحة المنفلوطي في كثير من عباراته، لا سيما في كثرة استخدام المفاعيل المطلقة والعبارات القرآنية وبعض التشبيهات. كما استرعى انتباهي أيضاً ولع طبيعي للكاتب بالسجع، فقد أحسستُ أن العبارات المسجوعة تخرج من الكاتب تلقائياً، وأنه أحياناً قد يتعمد تحاشيها ويبذل في ذلك جهداً، لكنها مع ذلك تغلبه وتفرض نفسها فرضاً على تراكيبه. وهنا يجب أن أشير إلى أن العبارات المسجوعة لم تكن خياراً موفقاً للكاتب على طول الخط، وخاصة حين استخدمها، أكثر من مرة، في الحوار الجدي –وربما العدواني- بين بعض الشخصيات. السجع فن جميل حين يشمل النص بكامله، أما حين يتخلل حوارات يُفترض أنها واقعية، فإنه يتحول إلى شيء يشبه الكوميديا، ما يُضعف من تأثير تلك الحوارات على القارئ فلا يكره بما يكفي من يستحق الكره، ولا يتعاطف بما يكفي مع من يستحق التعاطف، وإنما ينحصر اهتمامه بخواتم العبارات المسجوعة، والتي قد تتحول في نظره إلى مجرد عبارات هزلية يراد بها الإضحاك أو الاستعراض اللغوي.
  • الرواية تنتقد بشكل مباشر صارم ظواهر اجتماعية بعينها، لكنها لا تعرض أية أسئلة أخلاقية ملتبسة. الخير والشر في الرواية واضحان تماماً، الأبيض أبيض ناصع والأسود أسود فاحم، ويتجلى ذلك في عنوانها نفسه (ملاكان وشيطان). إن من المعروف أن هذه القسمة الثنائية الحادة بين الخير والشر هي قسمية تخالف الواقع، كما أنها من العوامل المضعفة لأي عمل أدبي، ولا يخفى على قارئ أن الروايات التي استحقت وصف العمق، والتي انتزعت لها مكاناً في قائمة الأعمال الأدبية الرفيعة، هي التي تخوض في تلك المناطق الرمادية الملتبسة بين الخير والشر، وتلقي في أعماق القارئ أسئلة محيرة تستحثُّه على التفكير وتستفزُّ ضميره، وتضع موضع تساؤل منظومتَه الأخلاقية ومعياريتَه في النظر إلى الناس والأشياء.
  • ليس من عادتي، في المراجعات التي أكتبها، أن أتطرق كثيراً إلى جانب الحبكة القصصية في الرواية، لكني هذه المرة سأدون بعض الملاحظات بطريقة سأحاول بها ألا أحرق الأحداث على من لم يقرأ الرواية بعد: لقد كنتُ راضياً، بشكل عام، عن الحبكة القصصية في معظم فصول الرواية، لكن ظهرت لدي انتقادات حول بعض الأمور في فصولها الأخيرة، حول ثلاثة أمور تحديداً.

الأول: جاءت نهاية (الشيطان) مفاجئة وصادمة، لكنها تفتقد لعنصر السببية الرابط بين (الملاكين) و(الشيطان). كل ما فعله (الملاكان) أنهما اكتشفا حقيقة أفعاله المشينة، ثم أتت نهايته على يد طرف خارجي لا علاقة له ببطليْ الرواية. أعتقد أن هذه الحبكة غير مستقيمة درامياً، إذ لا بد –قصصياً- أن يكون للبطل دور رئيسي في القضاء على الشرير.

الثاني: في البداية أعجبني كثيراً الغموض الذي أحاط به الكاتب حادثة مقتل (الشيطان)، وكيف تعددت شهادات الشخصيات الذين اعترفوا جميعاً بقتله. كنتُ أفضل أن يبقى الأمر على ما هو عليه، وألا نعرف حقاً من قتل (الشيطان)، لكن الكاتب مع الأسف ضيَّع ذلك الغموض الغرائبي الجميل حين أفصح لنا عن هوية القاتل.

الثالث: كان ثمة مثلث حب جميل في القصة، لكن الطريقة التي حلَّ بها الكاتب مثلث الحب ذلك لم تكن موفقة في نظري، فضلاً عما تثيره في القارئ من شعور سيئ مرتبط بفكرة (زواج المحارم عن غير قصد). لقد أراد الكاتب –بشكل ما- إرضاء جميع الأطراف، وخلق نهاية سعيدة ما أمكن لمثلث الحب، لكن ربما فاته أنه غير ملزم بأية نهاية سعيدة، وأن كل مثلث حب لا بد أن ينتهي بمأساة ما، وبجرح عميق لا مفر منه.

  • ترتكز الرواية على موضوعين رئيسيين: الأول زواج القاصرات، والثاني ممارسة الجنس مع الجثث. الموضوع الأول موضوع اجتماعي حقيقي، يستحق النظر إليه ومعالجته أدبياً. أما الموضوع الثاني فلا يرقى لأن يكون قضية اجتماعية، بل هو نوع من الشذوذ الجنسي النادر جداً، وأعتقد أن اختيار الكاتب له كان لغرض الإثارة والدعاية والتسويق، رغم إشارته إلى جذور ذلك الانحراف لدى شخصية (الشيطان)، وكيف أنه نتيجةٌ لظاهرة اجتماعية أليمة هي الاعتداء الجنسي على الأطفال.

ختاماً أقول، ورغم ما سبق من ملاحظات وانتقادات، إلا أن رواية (ملاكان وشيطان) هي محاولة شبابية تستحق التشجيع، وشخصياً أنوي قراءة مزيد من أعمال الكاتب، كما تجدر الإشارة إلى أن الرواية ذكَّرتني أثناء قراءتها بالأساس الذي يجب أن تُبنى عليه الرواية، والنواة الحقيقية لها: كونها -قبل كل شيء- قصة ممتعة ذات غاية نبيلة.

لقد أمسى الكتَّاب الروائيون في سباق محموم وراء الحبكات الصعبة، والألعاب السردية المعقدة، وصار معيار التفاضل بينهم من يُتعب قراءه أكثر أو بالأحرى يعذِّبهم، ومن يبرهن على قدرات سردية أعلى، وننسى نحن القراء حين نحاول مجاراة الأساليب الروائية الجديدة أن معيار الجمال والنجاح ليس بالضرورة الشكل السردي المراوغ، وليس بالضرورة درجة التعقيد في الحبكة واعتماد (سرد غير خطي)، وإنما يكفي للرواية أن تقدم لنا قصة جميلة مكتوبة بأسلوب أدبي سليم… وفقط!

حين ننبهر بالأساليب السردية المعقدة لأفلام (كريستوفر نولان)، فإن الخطأ الذي يجب أن نتجنبه –وقد ننزلق فيه عن غير قصد- هو الوقوع في احتقار الأفلام (البسيطة) ذات القصص السهلة والسيناريو الخطي. إنه في جوهره صراع بين القلب والعقل، وبين المادة والروح، ومهما انبهرنا بالمادة / العقل، فيجب دائماً أن نقدر الروح / القلب. مهما بلغت أفلام (نولان) في تعقيداتها السردية، ومهما انبهرنا بها، فإن ذلك لا يلغي القيمة الفنية لأي فيلم قديم يروي لنا قصة اجتماعية أو إنسانية بالغة البساطة، بل ربما يكون هذا الفيلم البسيط أكثر متعة للعين ونفاذاً إلى القلب…

أنس سعيد محمد
24/11/2020

لاعب الشطرنج – ستيفان زفايغ

19/11/2020 عند 10:27 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: لاعب الشطرنج

لمؤلفها: ستيفان زفايغ

صدرت عام: 1941

.

=====

لن أعيد في هذه المراجعة ما سبق وذكرتُه في مراجعتيَّ السابقتين لـ (حذار من الشفقة) و(أربع وعشرون ساعة من حياة امرأة)، وأعني الحديث عن العبقرية الروائية لـ (زفايغ) وقدراته الوصفية العالية… إلخ. روايته الأخيرة (لاعب الشطرنج) ليست استثناءً، بل إنها أشدُّ كثافة وأعمق عمقاً، وتفتح –رغم صغر حجمها- أبواباً كثيرة تُفضي إلى مساحات شاسعة من التأويل.

هي قصة بسيطة، أو هكذا تبدو، عن شاب جاهل بليد اسمه (كزنتوفيك)، لم يبشر في طفولته بأية موهبة تُذكر، إلى أن اكتشف فجأة، وعن طريق الصدفة، موهبة خارقة في لعبة الشطرنج، وكانت موهبته بحيث لفتت إليه الأنظار ورقَّته في درجات السلم الاجتماعي إلى أن عُين بعد سنوات قليلة بطلاً عالمياً للعبة الشطرنج.

يلتقي الراوي بهذا (البطل) على متن إحدى السفن، ويحاول استدراجه إلى اللعب كي يحاول سبر أغوار الشاب المغرور المصمت الذي لا يشفُّ عن شيء، وفي أثناء ذلك يظهر السيد (ب)، وهو رجل غريب الأطوار أثبت أنه الوحيد الذي يملك من المهارات الشطرنجية ما يستطيع به أن يقارع (كزنتوفيك)، مرغماً إياه على التنازل –ولو قليلاً- عن عرش غروره.

يحكي السيد (ب) للراوي قصة حياته، وعلاقته بالشطرنج، وكيف أنه تعلم اللعبة من خلال كتيب سرقه أثناء فترة حبسه الانفرادي الطويلة، إذ لم يجد منقذاً له من حالة الفراغ المطلق الطويلة، والأشد تعذيباً للنفس الإنسانية، إلا إغراق نفسه في التفاصيل النظرية للعبة، وإعادة مباريات عالمية، ودراسة تقنيات الدفاع والهجوم، ليستحيل الشطرنج بالنسبة إليه هوساً مرَضياً شديداً تسبب له في انفصام حاد في الشخصية، تمثَّل في تطويره قدرة غريبة وغير منطقية على ملاعبة نفسه، وعلى تقسيم عقله إلى قسمين، وعلى شق ذاته إلى شقين متباينين (أسود وأبيض) لا يتوقع أحدهما حركات الآخر.

يلتقي الرجلان؛ السيد (ب) و(كزنتوفيك) في مباراة مصيرية ذات نهاية خاطفة وغير متوقعة…

تعددت تفسيرات القراء للرواية، وغلب على بعضهم التفسير السياسي للأحداث، والذي يربط رموز الرواية بأوروبا والحرب العالمية الثانية، واجتياح هتلر للنمسا، كما تعددت الاستقراءات لعناصر الرواية التي نُظر إليها بوصفها رموزاً دالة على معاني معينة، مثل (السفينة) و(رقعة الشطرنج) و(الأسود والأبيض). وهناك من اعتبر الشاب (كزنتوفيك) رمزاً لهتلر نفسه، والسيد (ب) رمزاً للمؤلف أو للنمسا، وأما (السفينة) فترمز إلى (أوروبا)، أو إلى (الحياة)، و(رقعة الشطرنج) هي الحرب التي قد تبدو من بعيد مجرد (لعبة) في حين أنها في الواقع (ممارسة شديدة الجدية).

كل هذه التفسيرات ذكية ومحتملة، وتقوم على أسس منطقية من الاستقراء، لكن من وجهة نظر شخصية، فإني أجد نفسي أكثر ميلاً إلى التفسير الذاتي للرواية، وربطها ربطاً مباشراً بحياة المؤلف وعلاقته بالأدب، أو بالأحرى علاقة كل موهوب بموهبته الخاصة، بشغفه الخاص، ونظرته إلى نفسه، وتلك المشاعر الحادة المتضاربة بين الإيمان الشديد بالموهبة أحياناً، والتشكيك فيها إلى حد إنكارها أحياناً أخرى.

لقد كانت رواية (العجوز والبحر) حاضرة بشدة في ذهني أثناء قراءتي لـ (لاعب الشطرنج)، ولم أستطع التخلص من أفكار رابطة بين الروايتين.

الموهبة التي تتحول إلى شغف، والشغف الذي يتحول إلى هوس، والهوس الذي يتحول إلى معاناة قد تدمر حياة الإنسان وتحيلها خراباً. لعنة العقل البشري. ما أصل تلك الموهبة؟ هل هي مغروسة في الموهوب منذ ولادته أم أنها تُكتسب بالممارسة؟ هل هي شيء يكتشفه المرء في نفسه عن طريق الصدفة أم يكتسبه تحت ضغوط قاهرة تكاد تكون فوق قدرة الاحتمال البشري؟

هل كان السيد (ب) يواجه شخصاً آخر حقاً حين جلس إلى طاولة الشطرنج أمام (كزنتوفيك)؟ أم تراه لم يكن يواجه إلا نفسه أو صورة من نفسه، تماماً كما كان يفعل في محبسه الانفرادي؟

ما أميل إليه، بصراحة، وهذا رأي لم أقرأه عند أيٍّ من المراجعين للرواية، هو أن السيد (ب) و(كزنتوفيك) ما هما في الواقع إلا شخص واحد، وما ذلك الشخص في النهاية إلا (ستيفان زفايغ) نفسه! والشخصيتان المتناقضتان هما تصوُّران مختلفان للكاتب عن ذاته الخاصة. هذا شيء لن يفهمه حق الفهم إلا كاتب، أو إلا موهوب أو فنان سبق له أن جرب حالة الانفصام المرعبة تلك، والمعذِّبة إلى أقصى حد، بين الإيمان بالموهبة إلى أعلى درجات النرجسية، وبين الكفر بها إلى أدنى دركات احتقار النفس.

رقعة الشطرنج هي الصفحات البيضاء، وأحجار الشطرنج هي حروف الأبجدية، تلك “القليلة في عددها، لكن لا حدَّ للتوليفات الممكنة منها”، وأما المباراة فهي رهان المعنى، ذلك السراب الذي يطارده كل من أصيب بلعنة الكتابة.

لقد كتب (ستيفان زفايج) روايته هذه في واحدة من أقسى لحظات خيبته وانهياره النفسي، في لحظة شبيهة بعودة الصياد العجوز إلى الشاطئ وليس معه إلا هيكل عظمي لم يبال به أحد، لسمكة عظيمة صارعها واصطادها في عمق البحر، حيث لم يره أحد ولم يعلم بأمره إنسان.

رواية (لاعب الشطرنج) لم تنته بانتحار أحد أبطالها، لكنَّ لها في الواقع امتداداً في الحياة نفسها، ذلك أن انتحار (ستيفان زفايغ) هو النهاية الحقيقية وغير المكتوبة لرواية (لاعب الشطرنج).

أنس سعيد محمد

19/11/2020

« الصفحة السابقةالصفحة التالية «

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.