الخوارج وأصحاب المعاصي ~

18/10/2014 عند 15:23 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

لا يحق لأحدٍ أن يحمل أحداً على شيء من الدين بالإكراه والجبر، كائناً من كان.

ويسوء الواحدٓ جداً ما يراه مما انتشر في كلام بعض الإخوة، ممن إذا رأوا ما استفحل في شوارع مجتمعاتنا المسلمة من المنكرات والمعاصي، كالتبرج والتهتك الأخلاقي وشرب الخمر والزنا وغير ذلك، ثارت ثائرتهم وقالوا: “داعش هي الحل!”

وهذا الكلام في الحقيقة ينطوي على شعبة من شعب التفكير الخوارجي، وهو ما عبر عنه بعض العلماء قديماً من كون الخوارج لم يحتملوا وجود بعض المنكرات، فأرادوا إزالتها بمنكرات أشدّ منها، وهذا من سفاهة عقولهم وسخافة أحلامهم، ومخالفتهم الصريحة للقاعدة الشرعية بل والعقلية المعروفة في حال وجود ضررين لا مفر من أحدهما؛ وهي دفع الضرر الأعظم بالتزام الضرر الأدنى.

وأسأل من يفكر بهذه الطريقة العوجاء ويقول هذا الكلام الأخرق: ما الأكثر ضرراً على المجتمع المسلم؟ ما هو واقع الآن فيه من المنكرات والمعاصي، كالتبرج والفساد والانحلال وغير ذلك، أم ما سيحدث لو سُلِّطت علينا دولة الإجرام تلك، وهو القتل والذبح والتدمير وهدم المنازل على رؤوس أصحابها؟

إن من كان على فكر الخوارج هذا، فهو ينظر إلى العصاة والمذنبين نظرة احتقار وعداوة، ويعتقد أن من الواجب معاقبتهم والجهاد فيهم باليد، وإجبارهم على الالتزام بالدين بالقوة، أو تعذيبهم وربما قتلهم بأبشع الطرق إن رفضوا، حتى ولو دون سلطة حاكمة تكون في أيديهم، كما فعل بعض المجرمين والمختلين عقلياً في بني مكادة قبل أيام، عندما جلدوا شارباً للخمر، قاتلهم الله وكفانا شرّهم، وهدى شارب الخمر!

هذا الأسلوب في معاملة العصاة والمذنبين مخالف تماماً للهدي النبوي الشريف، بل يؤدي إلى فقدان ذلك الرصيد الكامن المدفون في قلوب هؤلاء العصاة، من الحب لدين الله والأمل في التوبة، فهم بأفعالهم وأفكارهم هذه يبغِّضون الناس في دين الله، وينفِّرونهم منه تنفيراً شديداً، ومٓنْ مِنٓ الناس يقبل أن يأتي واحد من شذاذ الآفاق من الجهلة الغوغاء، ليزعم أنه مجاهد في سبيل الله وأنه يملك الحق في تهديدك وإجبارك على ترك ما أنت عليه من الذنوب، وإلا نفذ فيك تهديده وتعرض لك بالاعتداء؟!

لا أحد يقبل ذلك قطعاً! بل بسبب هذا الغلو والتطرف يرتد كثير من الناس عن الاستقامة، حتى يصير الصارم متساهلاً، والمتساهل عاصياً، والعاصي فاسقاً، وربما صار الفاسق كافراً، وربما ارتمى المسلمون في أتون العلمانية والليبرالية والإنسانية وغيرها من المذاهب الفكرية الكفرية الهدّامة، كل هذا فراراً من الانتماء لدين أو لمنهج يؤمن أفراده بامتلاكهم صلاحية التسلط على الناس بالقوة والتحكم في أفعالهم وحيواتهم الشخصية، مهما كانوا مقصرين مذنبين عصاة.

داعش ليست هي الحل، بل هي مشكلة أعظم وأخطر بكثير من مشكلة انتشار الفسق والفجور في المجتمع المسلم، والطريقة المثلى للتعامل مع أصحاب المعاصي والذنوب هي الترفق بهم، ورحمتهم، وعدم إحراجهم فضلاً عن التسلط عليهم، وإخلاص النصيحة لهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والكلمة الطيبة، وعدم احتقارهم وإذلالهم، بله الاعتقاد – ولو في قرارة أنفسنا – بأننا أفضل منهم.

الحل كامن في الدعوة والتربية، وتعلم الدين الصحيح وتوضيحه للناس، فهذه هي الجهود المباركة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وأما معاملة الناس بالمعاداة والاحتقار، والتهديد والوعيد، والسب والشتم، بل والضرب والجلد والقتل، فهذا صدٌّ عن دين الله وحرب عليه، من حيث يُعلم ذلك أو لا يُعلم، ومن حيث يُقصد أو لا يُقصد.

03/09/2014

عن تهمة العداء للدين ~

25/08/2014 عند 17:48 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

ثمة عبارة أراها كثيرة الانتشار عند بعض المتحمسين للدين، في وصفهم لبعض المخربين والمفسدين من المسلمين، أو من المحسوبين على الإسلام، وهي اتهامهم لهم بـ (العداء للدين)، أو وصفهم بـ (أعداء الإسلام).

وهذا الوصف يُطلق من طرفهم على بعض الكتاب والروائيين، والأدباء الفاسدين، وربما على بعض الفنانين أو الفساق أو المجاهرين بالفجور عبر وسائل الإعلام، والذين قدموا إسهامات عظيمة في نشر التفسخ والانحلال الأخلاقي في المجتمعات المسلمة.

ما أريد التنبيه إليه هو أن إطلاق هذا الوصف عليهم؛ أعداء الإسلام، إنما هو تكفير صريح، وإخراج لهم من الملة، وحكم عليهم بالردة، لأنه لا يُتصور أن يعادي الإسلام مسلم عاقل وهو عالم بما يفعل، فلا يعادي الإسلام إلا كافر! لكن إطلاق هذا الوصف المكفِّر على هؤلاء الذين سبق ذكرهم لمجرد وقوعهم في الفسق أو إسهامهم فيه، يعد مجازفة عظيمة وتهوراً في إطلاق الكلام، ومعلوم أن الفاسق ليس كافراً بالضرورة، وأن مجرد ارتكاب الذنوب مهما عظُمت، دون الشرك، لا يخرج صاحبها من الملة ما لم يستحلّٓها.

صحيح أن كثيراً من هؤلاء يخدمون مشاريع كبرى معادية للإسلام، أو تؤول نتائجها إلى نشر الفاحشة والرذيلة والإفساد في الأرض، وذلك عبر بعض الإنتاجات الإعلامية والأعمال الأدبية الروائية، أو عبر بعض الفعاليات الحزبية أو الجمعوية، لكن الغالب على الظن أنهم يفعلون ذلك عن غير وعي منهم بحقيقته، وكثير منهم ينجرفون مع هذه التيارات جهلاً، أو غفلة، أو طمعاً، أو بدافع شهوة المال أو الظهور والشهرة، أو انبهاراً منهم ببريق المدنية الغربية التي يسعون إلى الانغماس فيها وإحلالها في المجتمع المسلم، لكن مجرد هذا الانجراف منهم، ولهذه الأسباب المتعلقة بشهوات أو بشبهات، لا يكفي لرميهم بتهمة عظيمة كالعداء للإسلام، وهي تهمة مكفِّرة كما سبق، ولا ينبغي للعاقل الذي يزن ألفاظه أن يتورط فيها بدافع من حميته للدين وغضبه لله وحماسته للفضيلة.

ولا يمنع هذا، من أن يكون بعض هؤلاء المنجرفين منطوين على كثير من أمراض القلوب، أو على النفاق في الدين، نفاقاً أصغر أو أكبر، وهذا مما تظهر علاماته لكل مسلم نافذ البصيرة، وهو مما تبدو مخايله في لحن القول وفلتات الألسنة وطبيعة المواقف، لكن مع ذلك كله، لا تدفعك الحمية إلى إخراج مكنون صدرك بلا تحفظ، والتعبير عن دخيلة نفسك تجاههم بصراحة ودون مراعاة لشيء، لأننا مأمورون أن نحكم على الناس بظواهرهم، وأما مصارحتهم بما تعتقده أنت في بواطن نفوسهم فهذا رجم بالغيب، واتهام للنوايا، ولا سيما إن كان الاتهام مكفراً كهذا الذي نتحدث عنه، وهو العداء للإسلام.

وأنت لو فعلت ذلك قام المتهم بالتباكي، وممارسة المظلومية، وسيعترض على اقتحامك لما لا يعنيك، ولما لا علم لك به، وسيكون على حق! وسيغلبك بسهولة، وستنهزم أمامه في ميزان العدالة الدنيوية حتى وإن كان هو على باطل، وكنت أنت على حق.

فاكتم أيها الفاضل خواطرك، واضرب صفحاً عما تلاحظ، وتغافل ما أمكنك ذلك، وقف عند حدود الظواهر، وخاطب الناس بها، وابن آراءك فيهم على قدرها، واترك استنتاجاتك الخاصة وملاحظاتك الدقيقة لنفسك، واقبل من الناس ظاهر الإسلام، واسكت عما تراه فيهم من طوية النفاق أو الكفر، واضبط لسانك جيداً وبالغ في ذلك، ولا تتلفظ بالكلمة إلا وقد وضعتها في ميزان الذهب، ولا تعط أحداً من كلامك سلاحاً يضربك به، ولا تكفِّر أحداً بالفسق والفجور والمعصية، فضلاً عن الظن والتخمين والاستنتاج.

وإن كنت ولا بد ناصحاً أحد هؤلاء المنجرفين، أو منتقداً له، فلا تتهمه بالعداء للإسلام، بل بين له أنه، ومن حيث لا يدري، يخدم بأفعاله مشاريع كبرى دخيلة على أمتنا، وهي مشاريع معادية لثقافتنا وديننا، ونبِّهه للوازم أفعاله، ومُدّ له الخط على استقامته، واستعرض أمامه الأسباب والنتائج، وبصِّره بالتاريخ، وضعه في سياقه الذي هو فيه، ولا تتركه حتى يعرف نفسه وأين هو، وماذا يفعل، ومن يخدم، وما هي المشاريع التي تورط في خدمتها، جهلاً منه – ربما – ودون وعي بحقيقتها وخطورتها.

فهذه غاية شأنك معه، ولا تتعداها إلى اتهامه بالعداء للدين، فأنت لست متيقناً من ذلك، بل تتبع الظنون والاستنتاجات، وهي جميعاً لا تكفي لإصدار حكم بهذه الخطورة على مسلم كائناً من كان، مهما بلغ في الانحراف والفساد والإفساد…

23/08/2014

أوهام التعارض ~

28/07/2014 عند 19:30 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

عند بعض الناس ممن لم يفهموا بعد حقيقة هذا الدين خلط عجيب في بعض الموازنات، وقد أتاهم من ذلك تلبيس يوهمهم بوجود التعارض حيث لا تعارض، ومن ذلك قول القائل منهم: “الغرب صعد إلى القمر ونحن نهتم بأحكام الصلاة!”

فإضافة إلى أن أحكام الصلاة هي أهم فعلاً في ميزان الأولويات من الصعود إلى القمر، فإنه لا تعارض بين هذين الأمرين، كما لا تعارض بين أي حكم من أحكام الدين وشأن من شؤون الدنيا، ولا يلزم من اهتمامنا بأحد الجوانب – صغيراً كان أم كبيراً – أننا نرفض الجانب الآخر ونزدريه ونبخسه حقه، إلا أن هذا التلبيس الشيطاني يوهم الملبّٓس عليه بوجود تعارض ما، وهو غير موجود في الحقيقة، ثم تكون النتيجة بعد ذلك أن يُصرف عن الحق كله وأن يقبل على الباطل بكله.

وإليكم – حفظكم الله – مثالين اثنين عايشتهما على هذا اللون من ألوان التلبيس:

المثال الأول، أني كنت – منذ أكثر من ست سنوات – أحدث رجلاً زميلاً لي في العمل، وهو إنسان بسيط لا علم له ولا ثقافة، فجئنا على ذكر بعض الألبسة، فحدثني مفاخراً أن عنده بدلة ثمينة، اشتراها أو أهديت له – لا أذكر تحديداً -، وبالغ الرجل في وصف محاسن البدلة وتزيينها، وأنه بلغ من قيمتها عنده أنه لم يلبسها قط، وأنه لن يلبسها إلا في مناسبة ذات بال، ثم ذكر أن بدلته تلك مصنوعة من ثوب رفيع، وأن الثوب من الحرير!

فانتبهت لقوله وكنت صغيراً ساذجاً، فنبّهته بعفوية شبه طفولية إلى أن الحرير حرام على الرجال، فاستسخف كلامي وازدراه، وازدرى معه صغر سني آنذاك، وقال متهكماً: “حرام؟! أي حرام؟! من قال ذلك؟! الحرام هو أن تسرق وتخون وتكذب وتخدع الناس، وليس ثوب الحرير! وما علي إن لبسته أو لم ألبسه ما دمت لا أسرق ولا أكذب ولا أخون ولا أخدع أحداً؟!”

قلت: فانظر إلى هذا التلبيس، وإلى وهم التعارض هذا، والذي صوّر للرجل أن الإنسان إن اهتم بأحكام الحلال والحرام في أمور كاللباس وغيره، مما يسميها البعض بالقشور، فإنه ولا بد مهمل لأمور أخرى تسمى عندهم باللباب، ولست أدري كيف يتصورون شيئاً كهذا، أو ما دليلهم عليه، وهل يلزم لمن يذكّر بحرمة الحرير للرجال أنه يشجع على الكذب والسرقة والخيانة؟ وهل إذا لم يكذب الرجل ولم يسرق ولم يخون، أبيح له ما حرم الله ورسوله من الأطعمة والأشربة والألبسة؟

وهل هناك ما يمنع من أن يكون الكذب حراماً والسرقة والخيانة، وأن يكون الحرير والذهب للرجال حراماً أيضاً بلا تعارض بين الأمرين؟

ومثال ثانٍ، أني كنت أمشي في الشارع مرة مع صاحب لي، وهو علماني صِرف، فمررنا بجدار قديم مهترئ، وكان يستلقي عنده رجل بائس متشرد من أهل البلاء، ولم أر في حياتي من أهل البلاء من هو أسوأ حالاً منه، وليس في جلده لمعة سليمة من المرض والقذر، وليس في أطماره خرقة تشاكل أختها، أو قطعة سليمة من التمزق والأوساخ، وكان مضطجعاً يئن ويتلوّى، من الألم أو المرض، فلم نطق النظر إليه أكثر، وأشحنا عنه أبصارنا ورققنا لحاله، فقال صاحبي وهو يشير إليه: “أتنظر؟ هذا هو الحرام! هذا هو الحرام حقاً!”

وهو يريد بقوله هذا؛ أن هذه الأوضاع الاجتماعية المزرية، وجميع أسبابها التي تؤدي إليها من الظلم والإهمال والفساد وغير ذلك، هي الحرام حقاً في الإسلام، وليس تلك الأحكام الأخرى مما يتعلق بالحريات الشخصية وغيرها مما يتحدث عنه الناس عادة ويستفسرون بخصوصه ويستفتون.

قلت: وهذا تلبيس مشابه للتلبيس الأول، وهو ينطوي على صرف للأبصار عن كثير من أحكام الدين، وتعطيلها وازدرائها، والعمل بخلافها، بحجة أن الحرام حقاً هو الفساد والاستبداد والظلم والإهمال، وهذا عائد عندهم لـ (وهم التعارض) ذاك، والذي يصور لهم أن من اهتم بالسؤال عن تفصيلات فقهية بسيطة في الدين، هو بالضرورة ذاهل عن قضايا المجتمع الكبرى، وأن أحد الأمرين لا يتم إلا بنبذ الآخر، وأن المستفتي عن شيء يسير من الحلال والحرام هو بالضرورة داعم للفساد والظلم، وأن المهتم بقضايا المجتمع الملحة ينبغي أن يكون مترفعاً عن أحكام الفقه البسيطة، بل أن يكون مزدرياً ومحارباً لها، بحجة ذلك التعارض المتوهّم الذي لا وجود له إلا في أذهان المساكين من الملبّس عليهم.

فليت هؤلاء إذاً يتفكرون في الأمر، ويوسّعوا مداركهم ويفتحوا عقولهم وقلوبهم، ليدركوا أن أحكام الإسلام بشموليتها لجميع قضايا الإنسان والمجتمع لا تتعارض فيما بينها، وأن أحكام الدين صغيرها وكبيرها لا تتعارض مع شؤون الدنيا جميعاً، صغيرها وكبيرها، وأن التحذير من كبائر الذنوب لا يتنافى مع التحذير من صغائرها، وأن المذكّر بالحرام الصغير هو ليس غافلاً عن الحرام الكبير، فضلاً عن أن يكون مؤيداً له ومستحلاً!

والله المستعان وهو الهادي إلى سواء السبيل…

28/07/2014

خط الانطلاق ~

18/07/2014 عند 20:45 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

آيتان من كتاب الله العظيم، لا يسع مسلماً يبحث عن (خط الانطلاق) أو (بداية الطريق) إلا أن يضعهما نصب عينيه دائماً، وأن يظل منهما على ذُكر أبداً، فمنهما خط الانطلاق الأول على سبيل النور…

الآية الأولى هي قوله عز من قائل: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون.”

والثانية قوله تعالى: “إن الله لا يغفر أن يُشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.”

الآية الأولى تعرّفك بغاية خلقك، وهو أن تحقق عبوديتك لله وحده، ولا يتم ذلك إلا بأن تجرّد الاعتقاد والقول والفعل والترك لله تعالى، وحده لا شريك له، لا ترجو غيره ولا تخاف سواه، فإذا حققت هذا المعنى كنت (حراً) بأفضل ما يمكن أن تعنيه كلمة (الحرية)، حراً تتعامل مع الله وحده، تاركاً لأهواء الخلائق معرضاً عنها، لا يضرك من خذلك، متيقناً من أن ما من أحد أو شيء يملك لك نفعاً ولا ضراً إلا بشيء قد كتبه الله لك أو عليك…

والآية الثانية تنبهك لأخطر ما يمكن أن تقع فيه ويودي بك، وهو أعظم الذنوب التي لا يغفرها الله لمن مات عليها دون توبة، ويغفر كل ما عداها إن شاء برحمته التي وسعت كل شيء، وهو الشرك به تعالى، وعبادة غيره معه أو من دونه، والشرك هو ضد التوحيد، فإذا نبذت الشرك حققت التوحيد، وإذا حققت التوحيد فزت وأفلحت.

فكن من هذا – أبداً – على ذُكر، وأقبل على شأنك، واعلم ما هو الشرك لتتجنبه، وفرّ منه فرارك من نار جهنم، وبالغ في الاحتياط لدينك منه، وتجنب كل وسائله من دقيق تلك الوسائل وجليلها، وابتعد عن كل شبهة قد تؤدي إليه أو إلى شيء منه قليل أو كثير…

العبودية، التوحيد، الشرك…

هي كلمات ثلاث مفتاحية، وجميعها يشير إلى خط الانطلاق الصحيح الذي أخبرنا به ربنا عز وجل، فإذا استحضر المسلم هذه المعاني كان مسوياً لقدميه على ذلك الخط، حتى إذا انطلق ماشياً كان على صراط مستقيم لا انثناء فيه، ولا تصرفه عنه كثرة السبل المعوجة عن يمينه وعن شماله، وإن زُخرفت له بالقول…

11/07/2014

حضارة إسلامية ~

06/07/2014 عند 15:20 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | 2 تعليقان

.

سألني سائل منذ بضعة أيام عن مسألة ما يسمى بـ (الحضارة الإسلامية)، وعرض شبهة ينشرها من ينشرها ممن يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، مفادها أنه لم تكن هناك قط حضارة إسلامية، وأن ما كان مما يُنسب إليها إنما هو عائد في أصوله التاريخية إلى حضارات قديمة سابقة لدين الإسلام بقرون عديدة.

بدايةً، ينبغي الإشارة إلى أن هذا اللون من ألوان الشبهات عائد بالأساس إلى آفة فكرية منتشرة، وهي (تضخيم الجزء وجعله كلاً)، أو (تضخيم الوسيلة وجعلها غاية)، ومرد كل هذا إلى الغفلة عن حقيقة رسالة هذا الدين وما جاء به.

قبل الإجابة عن سؤال هذا السائل، ينبغي أن نتفق أولاً على أننا نتحدث عن الشيء نفسه عندما نذكر كلمة (الحضارة)، فما المقصود بها عند من ينكر وجود (حضارة إسلامية)؟ وما المقصود بها عند من يقر بوجودها ويستميت في الدفاع عنها؟

كلمة (الحضارة) تُستعمل – كما هو معروف – لأداء معنيين مختلفين، أحدهما مادي والآخر إنساني، الأول متعلق بالبناء والعمران وتنظيم شؤون الحياة والمجتمع، والثاني متعلق بسلوك الإنسان وأخلاقه، فإذا تصرف الإنسان على نحو حسن قلنا (هذا إنسان متحضر)، وإذا أساء التصرف قلنا (إنسان غير متحضر).

ومسألة (إنكار الحضارة الإسلامية) هذه شبهة يبثها من يبثها في عقول المسلمين، يريدون إقناعهم أن الإسلام دين مفصول عن حياة الناس، وأنه لم تقم قائمة للحضارة الإسلامية قط، وما هو موجود الآن من الآثار والأطلال إنما كان في زمن ولى وانقضى، وكله مأخوذ أصلاً من حضارات سابقة للإسلام!

هذا النوع من الخطاب التشكيكي المغرض، والخبيث حقيقةً، يتضمن في طياته حرباً نفسية على المسلمين واستفزازاً لمشاعرهم، ونرى أنه ينجح إلى حد بعيد في تحقيق أهدافه عند بعض الضعفاء والجهلة المهزومين، والذين ينتهي بهم الأمر إلى الارتماء في أحضان الماضي البعيد والبحث عن الأطلال الإسلامية، ثم بذل المجهودات المضنية لاستعراض تلك الآثار على الشرق والغرب، مع محاولات متباكية لإثبات أن المسلمين هم أول من اكتشف الظاهرة الفلانية وأول من صنع واخترع الأداة الفلانية، وأنهم أصل العلوم التجريبية والحضارات الحديثة!

وهذا في مجمله أمر حسن إن صدر بنية بيان الحقائق وكشف الشبهات، وإعطاء كل ذي حق حقه، وتعريف المسلمين بتاريخ علمائهم الذين برعوا في كل المجالات، لكن الطريقة التي يسلكها البعض في هذا الشأن تنبي عن وجود خلل عظيم في فهمهم لرسالة الإسلام، وأيضاً عن انهزام روحي داخلي متغلغل في أعماقهم.

بل ربما ينتهي بعضهم إلى الارتماء فعلاً في هوى الحضارة الغربية، والتنكر لدينه وتوجيه فوهة المسدس نحوه! وما ذاك إلا لما ابتلوا به من التعلق بالدنيا، واعتبارهم أن مقياس التقدم الإنساني محصور فقط في ذلك العلم الدنيوي الظاهر، حتى أن الواحد منهم يتنكر لدينه وعقيدته من أجل زر يُضغط عليه أو اختراع عبقري، أو بناية شاهقة أو وسيلة حديثة من وسائل الراحة، أو باب يُفتح تلقائياً أو شاشة لمس أو نظام ذكي! وما بهذا جاء الإسلام لو كانوا يعلمون…

إن رسالة الإسلام جاءت لنقل الإنسان من عبودية الإنسان أو الأوثان إلى عبودية الله وحده لا شريك له، أي أنها جاءت بالتوحيد، وهو الغاية، وكل ما وراء ذلك إنما هو نابع من ذلك التوحيد ومتفرع عنه، وهو وسيلة إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ما بُعث بانياً ولا صانعاً ولا مهندساً معمارياً، لكنه نبي ورسول جاء ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده، فهذه هي نقطة الانطلاق، ومن هذا المنطلق ينبغي أن نبني أفهامنا وتصوراتنا وتقييماتنا لكل الأمور.

هي عقيدة التوحيد أولاً، ومعرفة غاية وجود الإنسان على هذه الأرض واستخلافه فيها، وهي العبودية لله وحده، والتي على أساسها تبنى الشريعة الموحى بها من عند الله تعالى، وشريعة الإسلام متميزة بشموليتها لكافة نواحي الحياة البشرية، ومن شأنها أن تنظم كل أمور الحياة والمجتمع، وهي إلى جانب كل ذلك متضمنة لمنظومة أخلاقية رفيعة متكاملة، ومجموع هذا كله، هو ما يمكن أن نسميه – إن شئت – بـ (الحضارة الإسلامية).

وهي خلاف ما يتصوره بعض المسلمين ممن تغلب عليهم الأهواء والرؤى المادية، والذين وقع عندهم تضخيم لبعض أجزاء الدين حتى جعلوها الدين كله! فلا تصور عندهم للدين إلا تجلياته الحضارية في العمران والبناء وتسهيلات الحياة، بل هناك منهم من يقدم أمثال هذه الأمور حتى على تصحيح العقائد والعبادات! وهذا سوء فهم منهم لرسالة الإسلام، وانهزام روحي أمام سطوة المادة وزخارفها المبهرة، واختلال عظيم في ترتيب الأولويات، والتفريق بين الغايات والوسائل.

بل هذه أمور تقدر بقدرها وتعطى حجمها الحقيقي دون تضخيم ولا مبالغة، والإسلام لا يرفضها جملة، بل إن ديننا يدعونا إلى البحث والتأمل والعلم والصناعة، ولما كان كل ذلك مبنياً على التوحيد والعبودية، فهو إذاً يخدم الإنسان في صميم حاجاته الحقيقية القائمة على علاقته مع ربه، والتي تنفعه في دنياه وآخرته معاً.

وعليه فإن الإسلام لا يرفض الأخذ بأسباب التحضر والقوة ووسائل الراحة، بما في ذلك الاختراعات الحديثة أياً كان صانعها، مسلماً أم كافراً، لكن ذلك ليس على إطلاقه، بل مشروط بموافقته لأحكام الدين، والتي هي أولاً وآخراً في صالح الإنسان، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته.

فليس من الصواب إذاً أن نتصور بأن على الإسلام أن تكون له (حضارة) بتلك المقاييس المادية المعروفة، وأن نبحث في الأطلال عن أصول تلك الأطلال، ثم نعيدها إلى منابعها الأولى عند البابليين والآشوريين وغيرهم، ثم نقول بأن الإسلام لا حضارة له! بل هذه علوم مادية مرتبطة بالعقل الإنساني المجرد، وهي تتطور على مر العصور، وهي ليست أولوية في دين الإسلام، وليست غاية، بل هي وسيلة تساعد على تحقيق غاية المسلم من وجوده على الأرض، وهي عبادته لله تعالى والتزامه بشريعته طمعاً في رضاه وخوفاً من عذابه.

ثم إن جوهر الحضارة ولبَّها موجود في الأخلاق الإنسانية أولاً وآخراً، وليس في الصناعات المادية، وسأضرب لك مثالاً بسيطاً:

لو أن رجلين مسلمين التقيا في فلاة من الأرض، أو في صحراء قاحلة، أو في قرية بائسة من قرى الجبل، فسلما على بعضهما البعض وابتسما، ثم تناصحا ودل أحدهما الآخر على الخير، ثم تبادلا تقديم المساعدة، ثم توضآ وصليا ركعتين معاً! إن هذا المشهد المتصور هو عندي تجسيد حقيقي لصميم ما يمكن أن نسميه إن شئت (الحضارة الإسلامية)، وهي كما ترى ليست مرتبطة بالمكان والزمان أو مستوى التقدم المادي، بقدر ما هي مرتبطة بروح الإنسان وأخلاقه.

ولو أنه كانت هناك في واحدة من أكثر الدول الكافرة تقدماً، بناية ضخمة أو ناطحة سحاب، بُنيت على أعلى ما توصل إليه العلم الحديث من أساليب البناء والأنظمة الذكية، والأجهزة الكهربائية والكاميرات وغير ذلك، ثم في تلك البناية الفارهة يُشرب الخمر، ويُرتكب الزنا، ويؤتى بالكفر والكبائر والمحرمات كلها، فهذه إذاً جاهلية وهمجية، وهي ليست من الحضارة في شيء رغم قشرة التقدم المادي تلك.

فعلى المسلم إذاً أن يكون عزيزاً بدينه، مستعلياً به على الكفر، مجسداً لمقاصده العظيمة باستقامته وأخلاقه، ويجب قبل كل شيء أن يعرف حقيقة ما جاء به هذا الدين، وأن يرتب أولوياته أولاً، ويفرق بين الغايات والوسائل، وأن يعرف جيداً تلك الغايات والوسائل…

التوحيد أولاً، العبودية وهي الغاية العظمى، نبذ الكفر والشرك بأشكاله، ثم العبادات المفروضة، وهي أهم مما دونها، ثم الأخلاق والمعاملات، ثم طلب العلم في أي باب من الأبواب النافعة للإنسان في دنياه وأخراه، ثم التواصي بالحق والتواصي بالصبر، وليفرق المسلم بين الجزء والكل، وبين الغاية والوسيلة، وليضع كل شيء في مكانه المخصص وليعط كل شيء حجمه الحقيقي…

هكذا يُفهم الإسلام وهكذا يُعتز به، وهكذا يظل المسلم قوياً عزيزاً شامخاً بدينه وأخلاقه، لا تنال منه الشبهات ولا تحرفه الحروب النفسية عن الحق الذي يعتقد به ويعمل بمقتضاه.

* * *

بقيت كلمة أخيرة تخص شبهة لصيقة بشبهة الحضارة، وهي حول بعض العلماء الذين يُنسب إليهم الفضل العظيم في بناء أجزاء مما أسموه (الحضارة الإسلامية)، والذين تم تضليلهم أو تبديعهم أو حتى تكفيرهم من طرف علماء العقائد.

رداً على هذه المسألة، لن أخوض في أي تفاصيل تاريخية ولن أذكر أي أسماء، بل سأكتفي بحديث عام أبتغي به إعادة القراء الأفاضل من المسلمين إلى مسألة (ترتيب الأولويات).

وهذه آفة تلاحَظ بشدة عند بعض الشباب المفتون بهذه الحضارة المادية الغربية، والذي يحاول مستميتاً ومتباكياً أن يثبت للعالم بأنه قد كان للإسلام حضارة عظيمة سابقاً! فهو إذاً يتمسك بأي قشة، ويرفع من شأن أي عالم عربي الاسم، أو عاش في بلاد المسلمين، وكان له فضل في علم من العلوم الدنيوية كالطب أو الرياضيات أو الاختراع أو العمران أو غير ذلك…

ومن كانت هذه حالته فهو بطبيعة الحال لن يقبل أن يتم تضليل ذلك الرمز أو تبديعه، فضلاً عن تكفيره وإن ثبت أنه كان كافراً حقاً! فذلك لا يهم بالنسبة إليه، ولو سألته لماذا يرفض ذلك لقال لك بلسان حاله أو مقاله: “نحن الآن نعيش في عصر التخلف، وهذه الأسماء اللامعة من الماضي هي القشة الوحيدة التي نتمسك بها لإثبات أنه كانت عندنا حضارة سابقة، فإذا بدَّعنا هؤلاء أو كفرناهم فماذا يبقى للإسلام؟!”

هذه هي طريقة تفكيرهم مع الأسف الشديد، وهي موغلة في السطحية والضحالة، والجهل بأولويات الأمور، ثم إنها تنطوي على خيانة لدين الإسلام نفسه! وإن كانت غير مقصودة، لكنها من لوازمها، وسبب هذا الذي يقعون فيه الخللُ المنهجي في الرؤية والتصور.

فهؤلاء يتصورون أنه لا إسلام إلا بالحضارة المادية، وأن العلم بالعلوم الدنيوية أهم بكثير من علم التوحيد والعقيدة، ولهذا وجب تمجيد كل من له لحية وعمامة واسم عربي، حذق في علم دنيوي أو اخترع شيئاً مادياً، واعتباره مسلماً في مطلق الأحوال، بل من الرموز الإسلامية المبجلة التي يُرفع من شأنها ويُفتخر بها، حتى ولو ثبت عنه يقيناً ابتداعه أو اعتقاده لعقائد الكفر، فيجب أن يُغض الطرف عن ذلك كله ويُطمس ويُطمر في النسيان، وألا يُثار الموضوع من طرف المسلمين لأنه يخدش تلك القشة، أو ذلك الرمز الذي يتعلقون بتلابيبه من أجل استعادة ما يتوهمون أنه كرامة مهدورة، وما هي إلا الحرب النفسية التي يشنها عليهم الماديون وهم يقعون في فخاخها بسبب جهلهم وضعفهم وانهزامهم المحزن أمام أعدائهم…

مسألة تقرير العقائد لها أهلها المتخصصون فيها، ولهم مناهجهم الخاصة في البحث والتدقيق وإثبات الأقوال لأصحابها، وإثبات الأحداث التاريخية وإسقاط الضعيف والموضوع منها، فيجب أن يُنظر إلى الأمور من هذه الزاوية (العلمية) المنهجية، وليس من تلك الزاوية العاطفية المهزومة التي تقتضي تمجيد كل من له لحية وعمامة واسم عربي!

فمن ثبت إسلامه من هؤلاء العلماء الذين حذقوا في علوم الدنيا، فهو مسلم على الرأس والعين، ومن ثبت عنه يقيناً أنه كان كافراً أو مبتدعاً، فهو كافر أو مبتدع، ولا كرامة للكفر ولا للبدعة، حتى وإن كان قد اخترع صاروخاً يطير إلى كوكب زحل في القرن الثالث الهجري!

فهو في هذه الحالة ليس منا ولسنا منه، ونحن نعقد الولاء والبراء على العقيدة الصحيحة وليس على العلم المادي والدنيوي…

هذه مفاهيم يجب أن تصحح، وما تخلف المسلمون إلا عندما جهلوا دينهم وتركوه، وراحوا يتخبطون ههنا وهنالك، يتقممون من الكفرة ما يحسبون أنه يكسو عريهم ويتوهمون أنهم يتجملون به، ولو عاد المسلم إلى مبادئ دينه وحدها لوجد فيها غُنية عن غيرها، ولعاش بها عزيزاً حراً أبياً، لا تهزمه شبهة ولا تنال منه حرب نفسية ولا يطاله استفزاز كلامي من أولئك الذين يريدون إطفاء نور الله بأفواههم.

والله المستعان وله الأمر من قبل ومن بعد…

19/06/2014

الحفظ خوّان ~

06/07/2014 عند 14:06 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

مما يخطئ فيه بعض الطيبين الأفاضل، اعتبارهم لمسألة (القراءة من ورقة أو عدمها) في خطبة الجمعة مقياساً يفاضلون به بين الخطباء، ويقارنون بينهم اعتماداً عليه، وكثيراً ما سمعت بعض الإخوة يقول: “خطيب الجامع الفلاني ما أحسنه، ولا يعيبه إلا أنه يتلو خطبته من ورقة!” أو “هذا الخطيب جيد لكن الآخر أفضل منه، لأنه يخطب دون ورقة!”

وهذا مقياس خاطئ لا يصح، ولا يضير الخطيبٓ أن يتلو خطبته من ورقة، من باب أن بعض الخطب تكون مبنية على منهاج وهيكلة، فربما اعتمد الخطيب على ورقة كي يضبط رؤوس الأقلام والمحاور الرئيسية لخطبته، أو ما فيها من الأحاديث والآثار التي كثيراً ما يخون الحفظ فيها، وجميع ذلك لا يضيره ولا يجعله أقل مرتبة ممن يخطب ارتجالاً من دون قراءة.

وقد حضرت جُمعاً عند خطباء يعتمدون على خطبة مكتوبة، وتكون مع ذلك محكمة ماتعة مفيدة، منظمة المحاور مركزة، ويكون الخطيب فصيح اللسان جيد العربية، لا يلحن ولا يخطئ.

وحضرت جُمعاً أخرى عند بعض المتطفلين على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن يتجملون بعدم القراءة من ورقة، وتكون خطبتهم كأسوأ ما تكون الخطب، ويكون الخطيب لحّاناً رديء العربية، لا ينطق بجملة إلا وهي تعج بالأخطاء التي يشيب لها الرضيع، فلا تخرج من عنده بعد الصلاة إلا كئيباً متحسراً على أحوال أمة هؤلاء خطباء الجمعة فيها.

فهذه المسألة ليست مقياساً على الإطلاق، وحسبك في بيان ذلك ما روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه، من أنه على جلالة قدره وسعة حفظه وغزارة علمه، لم يكن يحدّث إلا من كتاب، وكان يوصي بذلك ابنه وتلاميذه، لأن الحفظ خوّان.

04/07/2014

عن كتب الذين أسلموا حديثاً ~

15/06/2014 عند 13:57 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

مما يلاحَظ على بعض الشباب الغيور على دينه، المتشبع بعواطف إسلامية حارة، ندعو الله أن يبارك لهم فيها وأن يوفقهم لتوجيهها في الاتجاه الصحيح، أنهم يعطون تلك الكتب التي يؤلفها المعتنقون للإسلام من الغربيين، اهتماماً وقدراً يفوق ما هي عليه في الحقيقة، حتى أن بعضهم يقصر عليها فهمه للإسلام ومقاصده وأحكامه، ويعتبرها مصدراً أعلى للتصور والفكر عنده.

وهذا من الخطأ الناتج عن أمور، منها اختلال ميزان الأولويات في فهم هؤلاء الشباب لدينهم، ومنها انقطاع الحبال التي تربط بينهم وبين العلوم التي دُوِّنت لهذا الدين على مر العصور، من طرف أئمة الإسلام وعلمائه من أهل الفهم والاستنباط.

إن أولئك الغربيين، الذين شاء الله تعالى أن يخرجهم من ظلمات الكفر إلى أنوار الإسلام، وأن يمن عليهم بالهداية لهذا الدين، هم في الأعم الأغلب أعاجم اللسان، لا يفقهون العربية، وغالباً ما يحصل لهم الاقتناع بالإسلام انطلاقاً من بعض قراءاتهم، أو بحوثهم العلمية، أو حضورهم للمناظرات، أو تأثرهم ببعض المواقف الأخلاقية التي تحصل لهم، أو يرونها في مجتمعاتهم، أو مجتمعات غيرهم.

وربما كان من بينهم علماء في مجالات اختصاصهم، أو مثقفون، أو حملة أقلام من الكتاب والروائيين، فهم إذاً يؤلفون الكتب المتحدثة عن الإسلام، يروون فيها قصة اقتناعهم به واعتناقهم له، ومعظمها عبارة عن مقارنات علمية بين الإسلام وغيره من ملل الكفر التي كانوا يعتنقونها، في بعض جوانبها، وأحياناً تكون داخلة في إطار الخواطر أو المذكرات الشخصية، ثم ينشرونها بلغاتهم، وتُترجم إلى العربية، وتنتشر في أوساط المسلمين.

وكل هذا أمر حسن مفرح، وهو من مظاهر نصر الله لدينه الحق، ومن حق أمثال هذه الكتب أن يُفرح بها ويُحتفى بأصحابها، إلا أن الخطأ الذي يقع فيه البعض، أنه يرفعها فوق قدرها، وينظر إليها بعين الإكبار والإجلال، إلى درجة أن يحاول فهم الإسلام من خلالها! وما من سبب لذلك سوى أن كاتبها غربي أسلم، ولما كانت ظاهرة (الهزيمة النفسية) أمام الغرب شائعة في أوساط المسلمين، بسبب تفوقهم المادي والتنظيمي، فإن هؤلاء الشباب يبحثون في كتب من أسلم منهم عن أية وسيلة تقرب دين الإسلام من حضارة القوم، وكثيراً ما يأخذون بعض خواطرهم تلك على أنها حقائق مسلَّم بها، وأنها تمثل المستوى الأعلى من فهم الإسلام فهماً يتوافق مع متطلبات العصر.

وهذا من ضبابية الرؤية وقلة العلم وانتشار الجهل، ومن يقرأ تلك الكتب التي يؤلفها القوم، ثم يضعها في ميزان العقيدة الإسلامية، فسيجد أنها متضمنة ولا بد لبعض الأخطاء، ومن يقرأ خواطر أولئك الكتاب فلا بد أن يجد فيها أثراً من حداثة عهدهم بالكفر، ومن يتأمل أفهامهم التي توصلوا إليها، من خلال ما قرؤوه وعلموه، فلا بد أن يجدها على قدر من الضحالة والسطحية، التي سببها عجمة ألسنتهم.

إن مما ينبغي أخذه بعين الاعتبار، وعدم إغفاله عند القراءة لهذا النوع من الكتب، أن أصحابها أعاجم لا يفقهون اللغة العربية، وأن الإسلام قد وصل إليهم مترجماً إلى لغاتهم الأجنبية، ومعلوم أن من المستحيل أن يُفهم الإسلام حق فهمه إلا من طرف من هو ضليع في لغة الضاد، سابر لأغوارها، عالم بغريبها وخفاياها، ولو ألقى هؤلاء الشباب نظرة على ما تركه أئمة الإسلام وعلماؤه من مراجع وكتب، لوجدوا أن دقة استنباطهم لأحكام الدين ومقاصده، هي تابعة بالضرورة لدقة فهمهم للكلمة العربية، وهم في تدبرهم لآيات الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم، يتناولون كل كلمة على حدة، ويعيدونها إلى جذرها، ثم ينظرون في كل معانيها ومرادفاتها عند العرب، وربما استشهدوا لذلك بالنصوص الجاهلية، أو الشعر الجاهلي الذي كان سابقاً للوحي، وجميع هذا لازم ولا بد لمن أراد أن يفهم مراد الشارع ومقاصد الشريعة.

وأما تلك الكتب، التي يكتبها أعاجم حديثو عهد بالإسلام، فهي إما بحوث علمية مقارنة أو خواطر ومذكرات شخصية، تتناول بعض الأمور العامة المجملة والقصص المؤثرة، لا بأس أن يقرأها من أراد ذلك للاستئناس بها، وأخذ العلم، وتوسيع مجال الثقافة، بل ربما كان على المسلم الباحث أن يخضع تلك الكتب للتدقيق والتمحيص، وأن يضعها في ميزان العقيدة الصحيحة، وأن يشذب ما فيها من الأخطاء، وأن يبينها للمسلمين، ولا تُرفع فوق قدرها، ولا يُتناول ما فيها على أنه فهم عميق للإسلام، فضلاً عن أن يُفهم الإسلام من خلالها، وأن يسلِّمها المسلم العربي فهمه وإدراكه وثمرة عقله.

14/06/2014

كفة الحسنات ~

15/06/2014 عند 13:44 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

أيادي المحرومين والبؤساء…

تلك الممدودة إليك، هي كفة الحسنات في ميزانك!

فدونَك فاملأها، ودونَك فأثقِل…

13/06/2014

وعن الحب أقول ~

07/06/2014 عند 17:12 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | تعليق واحد

.

سألني سائل عن الحب يوماً، فاستعصى علي الجواب، ولم أجد ما أقول.

وبعد تفكير وتأمل، فُتح على قلمي باب من البيان، عُلِّقت عليه لافتة تزينها عبارة للدكتور أحمد خالد توفيق، كانت قد وردت في إحدى رواياته: “الحب هو تلك المقطوعة الموسيقية التي يعزفها صوتان، أحدهما ناعم والآخر خشن!”

هذا الحب الذي حير الناس جميعاً على مر العصور، هو شعور فطري ينتاب الإنسان، رجلاً وامرأة، وهو شعور راق نبيل، مقدس، إحساس دافئ بالامتلاء، انسكاب الروح في الروح، ثم اشتعال الروحين معاً بالأشواق المتبادلة، وأحلام الاقتراب، وخيالات الوصل.

وهذا الحب هو من أكثر المشاعر غموضاً وغرابة، وعصياناً على الفهم، وهو بلا شك ضرب من (الغيبوبة العقلية)، غشاوة غامضة توضع على عين المحب وعقله، ويكون راضياً بها تماماً، مع علمه بوجودها، ولا يرى أنها تنقصه شيئاً من كرامته ومروءته، بل ربما رآها عينَ كرامته ومروءته!

الحب أن يستمد المحب وجوده وسعادته من وجود محبوبه وسعادته، الحب أن تختل جميع تلك المقاييس العقلية والمادية، الجامدة الكئيبة، وأن لا يرى المحب جميلاً في الناس غير محبوبه.

الحب أن تُضرب جميع أساليب المقارنات عرض الحائط، مقارنات الجمال والمال والجاه والنسب، وأن لا يطلب المحب من الدنيا أكثر من ساعة يكون فيها قرب محبوبه، فإذا كانت له تلك الساعة لم يجد في الدنيا بأسرها أسعد منه ولا أكثر فرحاً وغبطة.

الحب أن يستغرب منك الناس، وأن لا تبالي أنت بذلك!

الحب أن تتطرَّف!

الحب – كما قيل – أن تكتفي بالمحبوب ولا تكتفي منه.

الحب أن تحمي محبوبك من نفسك، وأن تخاف عليه منك.

الحب أن تطمئن له، ويطمئن لها، اطمئنان الجسد إلى سريره والرأس إلى وسادته.

* * *

ولما كانت الغاية من هذا الحب، من ذلك الخيط الأحمر الذي يربط بين قلبين، هو إقامة عقد زواج بين المحبين، يكون بداية رحلة لهما معاً نحو الجنة، بغية الخلود فيها تحت ظلال رضا الرحمن، فإن ثمة سؤالاً هو أكثر أهمية وعمقاً من ذلك السؤال الشائع، والذي لا أخفي تحفظي الشديد عليه: “هل الحب قبل الزواج أم بعده؟”

بل إن السؤال هو: هل يستمر الحب بعد الزواج أم لا؟ وكيف ذلك؟

إن براكين الحب التي تشتعل في القلوب وتثور، وتقذف بحمم الأشواق، إنما هي متكونة من مادة الأشواق نفسها، فإذا ما تم الأمر ووقع الوصال، صارت براكين الأشواق إلى خمود، وهنا امتحان الحب الأعظم، هل يستمر رغم ذلك أم ينقطع؟

إن الزواج ليس هو بداية الحب، ولا نهايته، بل هو اختباره ومحنته، الزواج هو الأتون المضطرم الذي تُصهر فيه قلوب المحبين، ثم تُنفى عنها خبائث المادة كلها، ويُكشف عن حقيقة معدنها وما تنطوي عليه، وهل كان ما كان حباً حقاً، أم أنه محض أشواق عارضة زائفة، انتهت بتمام الوصال، ثم لم يُكشف حجابها عن شيء إلا الفراغ والخيبة.

وحب الشباب مهما بدا مشتعلاً مضطرماً، إلا أنه يظل دعوى تفتقر إلى الدليل، ولا يقوم الدليل عليها إلا بعد أن يتم الزواج، ويطول عليه الأمد، وتخمد براكين الأشواق، ويحصل تمام الوصل ودوامه، ويُصهر القلبان بذلك الأتون صهراً، ثم يُنظر إلى ما صارت إليه الأمور، وما أسفرت عنه نتيجة امتحان الحياة.

ولا يُتصور – مع ذلك – أن على الحب بعد الزواج أن يستمر على نفس ما كان عليه قبله، أو في بداياته، من تلك الأشواق المتفجرة والحمم المتطايرة، فكل ذلك مؤقت وإن تجدد بين فترة وأخرى، أو عقب بعض تلك الخصومات الصحية التي لا مفر منها، بل هو ذلك الدفء المستمر المتواصل الذي لا ينتهي، والذي لا يزيده تعاقب السنين إلا ثباتاً ورسوخاً، ولا ينال الزمن منه شيئاً إلا أن يمعن في إثباته والدلالة عليه.

إنها تلك العِشرة الطيبة، ذلك الاطمئنان التام، ذلك التقديس للعهد المتبادل.

تلك الثقة التي تجري مجرى الدماء.

ذلك الحنان، ذلك العطف…

تلك المودة، تلك الرحمة…

ذلك الحنو.

تلك الابتسامة العاكسة لما في الروح من جمال وطهر.

ذلك التجرد – كل التجرد – من الأغراض والأطماع.

بهذا يُعرف الحب ويُمتحن، وليس لكل أحد أن يدعيه مهما سال مداده بحروفه وتغنى بأغانيه، بل إن هذا الحب هو شرف عظيم لا تحظى به إلا النفوس الراقية والأرواح الشفيفة، ومن لم يكن راقي النفس شفيف الروح، فليس من الحب في شيء وليس الحب منه في شيء، وإن ادعاه وتمثله، بل مهما ادعاه وتمثله.

الحب ثمرة طيبة لا تمنح نفسها إلا لمن يستحقها عن جدارة، وهو سر من أعظم أسرار هذا الكون، والنسخ المزيفة منه كثيرة جداً، مبثوثة بلا حدود في القصائد والروايات والأغاني والتمثيليات، وجميع هذا لا ينطلي على من عرف هذا الشعور حق المعرفة، وقدره حق قدره…

07/06/2014

جدل، جدلية ~

07/06/2014 عند 17:04 | أرسلت فى ومـضـات فـيـسـبـوكـيـة | أضف تعليق

.

بينما أتجول في بعض المكتبات، مطالعاً ما فيها من كتب مصفوفة عُرضت للبيع، أثارت اشمئزازي عناوين جل تلك الكتب المعروضة، تلك السمجة الثقيلة، الكبيرة حجماً والقليلة فائدة!

تلك الكتب الفلسفية والجدلية الفارغة، والتي إذا قرأتها وبذلت عصارة دماغك لتفهمها، أو لتفهم بعضها، قلتٓ في استخفاف واضح: أهذا ما كان يريد الفيلسوف قوله؟ فقط؟ فلو قالها منذ البداية في سطرين! ثم إن كلامه غير صحيح أصلاً!

ومما لفت انتباهي، طغيان كلمة (الجدل) أو (الجدلية) على عناوين كثير من أمثال هذه الكتب، وربما نرى عما قريب كتاباً عنوانه (جدلية الجدلية)! وهذه الكلمة أعادت إلى ذهني حديثاً نبوياً شريفاً، قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نرى في هذا العصر مصداقه.

قال صلى الله عليه وسلم: “ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل!”

جدل، جدلية…

فتأمل!

30/05/2014

الصفحة التالية «

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.