مغالطات لغوية – عادل مصطفى

30/03/2021 عند 18:10 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

كتاب: مغالطات لغوية

لمؤلفه: عادل مصطفى

البلد: مصر 🇪🇬

صدر عام: 2016

.

=====

لم أتردد لحظةً في قراءة هذا الكتاب فور أن علمتُ بوجوده، كيف لا وقراءتي لكتابه “المغالطات المنطقية” كانت من أفضل تجاربي القرائية وأكثرها إمتاعاً وإفادة؟ ليس على المستوى العلمي فقط بل حتى على المستوى الأدبي.

“مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة”… عنوان موحٍ بوجود مشكلة لغوية ما، وأسئلة تحتاج إلى إجابات، وأشياء في النفس قد يُحجم عن ذكرها اللسان، وقلقٍ لغوي يرخي بظلاله على حلمات التذوق للعربية وأسلوب الكتابة بها.

كيف نقرأ ما كُتب بالعربية؟ وبأي أسلوبٍ نكتب العربية؟

هل نكون أفضل خدمةً للعربية لو مِلنا كل الميل نحو لغة التراث العتيقة مديرين ظهورنا لكل أسلوب حديث؟ أليست أساليب اللغة الحديثة، بجمالياتها التي لا تُنكَر، شاهدةً على مرونة العربية وقدرتها على التكيف مع متغيرات العصور؟ ما الحد الفاصل بين احترام ثوابت اللغة وتطويرها بما يتلاءم مع مستجدات العصر؟ ما الضرر من بعض “الأخطاء الشائعة” حين يقع إجماع شامل على فهم معناها؟أيُّما أفضل: خطأ مشهور أم صواب مهجور؟ هل نعرِّب الألفاظ الأجنبية ونخضعها لقوالب العربية أم نبحث في قواميسنا التراثية عن أصولها اللفظية رافضين أي تعريب؟ ما موقفنا من العامي الفصيح؟

لماذا نستشعر نغماً جميلاً محبباً إلى النفس في بعض التراكيب العربية المخلخلة نحوياً، في حين تبدو بعض التراكيب “الصحيحة” ثقيلة منفِّرةً تستشعر النفسُ نقصَ شيء فيها أو زيادته؟

أسئلة كثيرة طالما شكَّلت عندي حالة نفسية سمَّيتُها “القلق اللغوي”، على غرار “القلق الفلسفي”، وطالما انعكست بآثار لها على استقبالي لما أقرأ، وأسلوبي فيما أكتب، فجاء هذا الكتاب برداً وسلاماً، وبلسماً مداوياً لأكثر أعراض ذلك القلق، بل أستطيع القول بأن الكتاب “أنقذني” من مزالق كثيرة كدتُ أقع فيها، بل إني وددتُ لو أعدتُ كتابة كثير مما كتبتُ على ضوء ما استفدتُه من سطور هذا الكتاب الذي أخذ بيدي أخذاً رفيقاً، وأعادني إلى فطرتي اللغوية الأولى، إلى تلك السليقة الصافية المتحررة من الأغلال النحوية الثقيلة.

* التضخم اللفظي في اللغة العربية:

وصف الكاتب العربية بأنها لغة جسيمة هائلة الجِرم، لكنه وعلى خلاف الكثيرين لم يفاخر بهذه الضخامة بل انتقدها، وكان انتقاده مبنياً على بحثه في أصولها وأسبابها الراجعة إلى عصر التدوين المتأخر نسبياً؛ فبعد أن اختلط العرب بغيرهم إثر الفتوحات الإسلامية حصلت لهم عُجمة بسبب تأثرهم بلغات الأجانب، لذلك انبرى أناس لتجميع مادة العربية لغرض حفظها من الاندثار، فارتحلوا إلى القبائل العربية المتباعدة، وقابلوا البدويين الذين لم تختلط لغاتهم بالمؤثرات الخارجية، ومضوا يأخذون عنهم ألفاظهم ويدوِّنونها على أنها “لغة عربية سليمة”، ومن ثمَّ حصل تراكم هائل في المترادفات، وفي غريب اللغة وحوشيِّها، وفي الأسماء المتعددة للشيء الواحد، والتي ترجع في الواقع لاختلاف لهجات القبائل.

لقد نشأ بعد ذلك وهمٌ بأن العرب كانوا بالفعل يعرفون مئات الأسماء للأسد والسيف والناقة، لكن الواقع أن أسماء الأسد والسيف والناقة تعددت بتعدد القبائل العربية وتباعدها، وأن لكل قبيلة لهجتها الخاصة التي تشترك وتختلف مع غيرها، وأما وجود لغة عربية شاملة لكل الألفاظ المعجمية، حيث كان عرب زمانٍ ما يتكلمون بها كلَّها فهذا شيء لا وجود له إلا في بعض الأوهام.

يرى الكاتب أن التضخم اللفظي قد أضرَّ باللغة ولم يخدمها، بل إن له شواهد من اقتباسات تراثية تدلُّ على أن عرب القبائل ربما تفطَّنوا لأغراض الرواة الذين يختلفون إليهم لأخذ اللغة عنهم، وربما أكرموهم بالمال أو نحوه، ولما أحسوا بولعهم بالغريب فربما اخترعوا لهم ألفاظاً يرضونهم بها ويستدرُّون كرمهم، مما قد لا يكون له أصل أساساً.

* اللغة العربية بين التوقيف والاصطلاح:

عرض الكاتب لنظريتين محوريتين حول نشأة اللغة؛ التوقيف والاصطلاح.

يرى أصحاب نظرية التوقيف أن اللغة وحيٌ منزَّل من السماء، أنها مخلوق إلهي دال على عظمة الله، وأنْ ليس على الإنسان إلا أن يتأمل فيها بديع صنعه (يستدلون على ذلك بقوله تعالى: “وعلَّمَ آدم الأسماءَ كُلَّها”). وأما أصحاب نظرية الاصطلاح فيرون أن اللغة اختراع بشري لا يختلف في شيء عن العادات والتقاليد، وأن الألفاظ اللغوية لا تعدو أن تكون صوتاً نطق به إنسان قديم ما ليدلَّ به على شيء، ولما فُهم عنه وقع “اصطلاحٌ” على ربط الدال (العلامة اللغوية) بالمدلول (الشيء المسمى).

هذا الاختلاف ليس نظرياً فحسب كما يبدو عليه، وليس من باب الترف المعرفي، بل تترتب عليه آثار فكرية ملموسة، ومواقف لها تأثير مباشر على وضعية اللغة في كل مرحلة من مراحل التطور التاريخي. التطرف في الاعتقاد بنظرية التوقيف سيقود حتماً إلى الجمود اللغوي ورفض أي تطوير، بل قد يصل إلى اتهام المجددين للغة بفساد العقيدة وسوء الطوية، وكذلك فالمغالاة في اعتقاد الاصطلاح قد تلغي أي احترام للغة العربية، وقد تنحو بأصحابها إلى إسالتها ومحاولة تذويبها تمهيداً للقضاء عليها.

بوسع الإنسان بطبيعة الحال أن يتبنى موقفاً وسطاً بين التوقيف والاصطلاح، قد يكون جزءٌ من اللغة وحياً إلهياً حقاً عُلِّمَهُ آدمُ عليه السلام، وقد يكون جزءٌ منها ناتجاً عن الاصطلاحات البشرية، كما أن نظرية التمثيل الصوتي “الأونوماتوبيا” تبدو وجيهة حقاً في التأصيل لكثير من الأفعال التي تبدو مطابقة للأصوات الطبيعية الصادرة عنها، لكن تعميمها على اللغة كلِّها مجازفة وتكلُّف يرفضه العقل.

لا غرابة في أن الكاتب كان أكثر ميلاً نحو نظرية الاصطلاح، لأنها أكثر توافقاً مع نظرية التطور التي يصدِّق بها، وأبعد عن الغيبيات التي تعارض مناهج التفكير المادية المسيطرة عليه، لكن ذلك الميل لم يجنح به -والحمد لله- إلى امتهان اللغة ومحاولة تذويبها، بل لقد أبان رغم ذلك عن احترام عميق لها، وتعظيم لفصاحتها وقدرتها على البيان، وأقر بتفرُّد جذرها الثلاثي العجيب وتفوقها من معظم الوجوه على كافة اللغات الأخرى.

* التضخم النحوي في اللغة العربية:

لعل كثيراً من المدافعين عن العربية في أيامنا هذه يلجؤون إلى قواعدها النحوية باعتبارها دليلاً على عظمة اللغة وعلو شأنها، وربما نحا بعضهم إلى المغالاة في تخطئة التراكيب وفي “قل ولا تقل”، دون أن يعلموا أنهم بمنهجهم هذا واقعون في تناقض كبير، وأنهم يدافعون عن العربية من منطلق غير عربي.

كان العرب القدماء يتكلمون العربية بالسليقة، إذ هي اللغة التي فتحوا عليها أعينهم ورضعوها مع حليب أمهاتهم، وكانوا يستشعرون أنغامها بفطرتهم، وينظمون الشعر على السجية دون أن يعرفوا بُحوره وأوزانه. ثم جاء في العصر العباسي أناس من الموالي، من غير العرب، فأخضعوا العربية لبحث علمي تجريبي اعتمدوا فيه على المنطق العقلي الأرسطي (وهو غير عربي المصدر)، فاكتشفوا بذلك أوزان الشعر وبحوره، ووضعوا قواعد النثر، وصار للعربية إهاب من القوانين واضح المعالم، من شأنه أن يعصم المتكلم بها من اللحن، وأن يقوِّم الألسنة والأقلام في زمن صارت فيه مهددة بالغزو اللغوي الخارجي.

لقد كان خليقاً بعلم النحو أن يظل في موقعه الطبيعي خادماً للغة، لكن الذي حدث أنه تضخَّم وتعملق وتغوَّل، ثم كبَس على جسم اللغة خانقاً إياها، قاطعاً أنفاسها، فكاد يتركها جثة هامدة محنَّطة لا حراك بها. صار الفرع أصلاً، ووُضعت العربة أمام الحصان، وأمسى النحو حاكماً للغة بدل أن يكون محكوماً بها، وهكذا تولَّدت اختلافات شتى وحروب لغوية ما كان أغنانا عنها، وبتطاول الأزمان توهَّم كثيرون أن حفظ اللغة لا يكون إلا بالتشدد في القولبة النحوية، فكانت النتيجة ظهور دعوات ظاهرُها حماية اللغة وباطنُها تحنيطُها، والتحنيط لا يكون إلا لميت.

يعتقد غلاة النحويين ومن لفَّ لفَّهُم أن اللغة العربية كائن ثابت على حال، وينبغي له أن يظل ثابتاً على ما كان عليه في نقطة محددة من التاريخ (ما هي بالضبط؟!)، فهم يرفضون أي ابتكار في الاشتقاقات اللغوية، فضلاً عن تعريب الألفاظ الأجنبية، ثم إنهم بمغالاتهم في التدقيق اللغوي وتنطُّعِهم فيه يكادون يخطِّؤون كل عبارة، وبإخضاعهم اللغة للمنطق وقعوا في الركاكات وأوقعوا الناس فيها.

هذا واللغة كانت ولا زالت سائرة في دربها، مرنة تتكيف مع كل وضع، وتتطور بتطور الزمان، غير خاضعة لشيء إلا لنواميس الطبيعة التي لا مبدِّل لها.

الروح العربية الحقيقية تقبل التطوير وتستوعبه، وأما علم النحو فقصارى ما يرومه أن يحيط بكلام العرب الفطري، ثم إنه يعجز عن ذلك فيتحوَّل عجزُه إلى تضخُّمٍ مرَضي في القواعد، وتناقضٍ فيها، وحروبٍ نحوية لا فائدة منها، وقد ضرب الكاتب مثالاً على ذلك بمفهوم “الضرورة الشعرية” الذي ينكره، باعتبار أنْ لا ضرورة في الشعر، وأنه ما من لفظ نطق به شاعرٌ إلا وكان بوسعه أن يستبدل به غيره، لكن الشعراء من العرب الأقحاح كان لهم سلطانٌ على اللغة، وهم إذا وضعوا في منظومهم ما يبدو أنه مخالف لقواعد النحو فالأصل ما وضعوه، وليس على النحو إلا أن يسمع ويطيع، وإلا كان فعلهم شبيهاً -مع الفارق طبعاً- بمن يخطِّئ بعض آيات القرآن الكريم بحجة أنها تخالف هذه القاعدة النحوية أو تلك (وفي القرآن “إنَّ هذان” و”حتى يقولُ الرسولُ”).

إن عظمة اللغة العربية كامنة في مدى مرونتها وقابليتها للتطور، وأيضاً في فطريتها وانسيابها، لذلك ينبغي تذكير غلاة النحويين وأتباعهم بأن تحنيط اللغة العربية بحجة الدفاع عنها هو منهج غير عربي الروح، تماماً كما أن النحو وإن كان عربي المنشأ فهو غير عربي المآل، واللغة الفصيحة أغنى منه وأرحب.

* نماذج من تصحيح الصحيح:

عرض الكاتب عدة نماذج مما شاع مؤخراً من تصحيح الصحيح، أو على الأقل من تخطئة ما له وجه يسوِّغه في اللغة، وذلك رداً منه على من أسماهم “هواة قل ولا تقل”، والذين قال عنهم في أكثر من موضع من كتابه: “يوشك هواة (قل ولا تقل) أن يغادروا الناس وهي لا تقول ولا تقول”.

كثير من تلك التخطئات الشائعة جاء نتيجة الغلو النحوي، وأيضاً نتيجة إخضاع اللغة إلى المنطق بشكل مبالغ فيه. نعم للغة منطق، لكنه منطق خاص قائم بذاته، ولا يوافق بالضرورة المنطق العلمي المادي الصارم، المنطق الأرسطي الذي يُمكن أن ننسبه إلى اليونان قديماً أو إلى الغرب حديثاً، لكنه حتماً ليس المنطق العربي. وقديماً قال الجاحظ: “للعرب إقدامٌ على الكلام، ثقةً بفهم المخاطَب من أصحابهم عنهم”.

نعم إن العربية تعتمد على الاستعارة والمجاز، وعلى الجناس والتضاد، وعلى اللمحة الخاطفة، والومضة الساحرة، وعلى التلويح والإشارة، وعلى التحوير والحذف، وعلى ما وصفه الكاتب بـ “تفجير أكبر طاقة من المعاني بأقل كتلة من الألفاظ”، ومن ثمَّ لا تعود المعالجة المنطقية مسعفة دائماً بل لعلها تثقل اللغة بأجسام دخيلة عليها، وما أكثر العبارات التي يتمُّ تصحيحها منطقياً ونحوياً، فإذا بها ركيكة ثقيلة تمجُّها الأسماع وتنفر منها النفوس، ولذلك قال الكاتب: “لكي نفهم الظاهرة اللغوية فإن علينا أولاً أن نتعوَّذ من وَسواس المنطق”.

النماذج التي أوردها الكاتب:

– مُتحف / مَتحف؟

– تقييم / تقويم؟

– نفس / عين؟

– هام / مهم؟

– تخرَّج من المعهد / تخرَّج في المعهد؟

– زوج / زوجان؟

– منسوب الماء / مستوى الماء؟

– يسري الحكم / يجري الحكم؟

– استضاف / أضاف؟

– استبدل القديم بالجديد / الجديد بالقديم؟

– اعتدَّ بنفسه؟

– انطلى؟

– رغم / على الرغم / بالرغم؟

– الرئيسي / الرئيس؟

– جيب؟

– لعب دوراً؟

– قناعة؟

– هل كذا أم كذا؟ / هل كذا أو كذا؟

– بمثابة؟

– كرَّس تكريساً؟

– حار / احتار؟

– بواسل / بسلاء؟

– كلل / كلال؟

– نوايا / نيات؟

– صدفة / مصادفة؟

– مستديم / مستدام؟

– المباشَر / المباشِر؟

– مُفاد / مَفاد؟

– تساءل / سأل؟

– ساهم / أسهم؟

– داهم / دهم؟

– أعتذر عن الحضور / أعتذر عن عدم الحضور؟

– نلعب في الوقت الضائع / نلعب في الوقت بدل الضائع؟

وأختم بمثال طريف لمتنطِّع زعم أن عبارة “ممنوع التدخين” خاطئة، وأن صوابها “التدخين ممنوع”!

* اللغة العامية والازدواج اللغوي:

ليست العامية بالضرورة مظهراً من مظاهر الانحطاط اللغوي، بل ما العامية إلا شكلٌ من أشكال التطور الطبيعي، والتلقائي، للغة الفصيحة. وهو تطور لا مفرَّ منه لأنه لصيق بالناس في أحوالهم الاعتيادية وحيواتهم اليومية.

لم يفرض أحدٌ على الناس قواعد لغاتهم العامية، وإنما ابتُكرت أساليب الكلام العامي عن طريق أشكال من الاقتصاد اللفظي والذهني، عبر إلغاء الإعراب وتسهيل الصرف، وعبر حذف بعض الحروف والكلمات أو إدغام بعضها ببعض. ثم إنها رغم تحررها من القواعد الفصيحة تؤدي مهمة التواصل على الوجه الأكمل، بل لقد انتهت إلى أن تكون لها جمالياتها الخاصة التي يعرفها الزجَّالون وكتَّاب كلمات الأغاني، والتي تجلَّت كذلك في الأمثال الشعبية التي لم تزل تتناقلها الأجيال كابراً عن كابر.

لا معنى على الإطلاق لمعاداة العامية من حيث هي لغة تواصل طبيعي، ولا سبيل بالطبع إلى إزالتها أو إلغائها، بل على العكس من ذلك، ينبغي تأمل العامية تأملاً عميقاً، فهي ليست لغة تخلَّقت من العدم، بل ما من لفظ عامي إلا وله أصل ما في اللغة، العربية أو غيرها، علمه من علمه وجهله من جهله. تتيح لنا العامية أن نتحسَّس نبض الأعماق، وأن نفهم عن الناس بعيد شجونهم، وربما أفادتنا في العربية الفصحى إفادة عظمى حين تحملنا ألفاظها على البحث في المعاجم، ويا للدهشة حين نكتشف أن جلَّ ما ننطق به بعاميتنا ما هو إلا فصحى تحوَّرت.

لم تتطور العامية ولم تشِع إلا لأنها تسهِّل التواصل، وتقتصد في أدواته، ولها دون شك مستوياتها الصوابية الخاصة، وبوسع الأدب بطبيعة الحال أن يعمل على سدِّ الفجوة بينها وبين الفصحى عبر التقريب بينهما، وعبر استيعاب الألفاظ العامية الموافقة للقوالب الفصيحة، وبذلك تصير العلاقة بين العامية والفصحى علاقة إفادة متبادلة دون عداوة ولا بغضاء، كل هذا مع مراعاة أنَّ لكل مقام مقالاً، وأن لكلتا اللغتين مجالاً حيوياً تنشط فيه بحيث لا ينبغي أن يقع بينهما تداخل واصطدام (الفصحى في الحياة اليومية مستحيلة، والتفاصح مع العوام وخيم العواقب، كما أن السرد الروائي بالعامية جريمة أدبية يجب أن يعاقب عليها القانون).

* لغتنا العالية، لغة العلم والأدب:

“إذا كانت اللغات جميعاً لغاتٍ تمشي فإن العربية لغةٌ تطير”.

ختم الكاتب كتابه بفصول بديعة في الانتصار للعربية والاعتزاز بها، مؤكداً على أنها لغة العلم، وأن تعريب العلوم ضرورة ملحة لتحقيق التقدم المنشود.

يقول الكاتب: “يسيء الظنَّ بالعربية من يخشى على العربية من لغة العلوم. العربية لغة شديدة المرونة هائلة الجِرم تتطور من داخلها، تهضم العلم ولا يهضمها العلم، وكل ما يتمُّ في العربية من ترجمة أو تعريب هو رصيدٌ يضاف إلى العربية ويثريها، ويفتق فيها عوالم جديدة، وينقل إليها أجواءً ومناخاتٍ مغايرة، ولا ضير البتة من أخذ اللفظ الأجنبي كما هو وتعليمه العربية، أعني تعريبه، أي تطويعه للمقتضيات الصوتية والصرفية للغة العربية، بحيث “يستعرب” ويصبح عربياً ونكاد ننسى أصله الأجنبي”.

العربية لغة ساحرة بكل تفاصيلها، بحروفها التي تحمل الفتح والضمَّ والكسر والسكون، وبما يضاف إلى تلك الحروف من المُدود وبما يُحدث ائتلافها من الأصوات المتناغمة. تُضمُّ الحروف إلى الحروف والكلمات إلى الكلمات، فإذا بآفاق من المعاني مترامية الأطراف لا يحدُّها البصر.

العربية لغة تستوعب كافة المعاني، وتهضم كافة الألفاظ من سائر اللغات، صالحةٌ لكل زمان وكل مكان، ومحفوظةٌ بحفظ الله لكتابه العزيز.

لقد أبان الكاتب في خاتمة كتابه عن انتماء عربي عميق واعتزاز بالعربية لا أنكر أني دهشتُ له، لما أعرفه عنه من التأثر الواضح بالفلسفات الغربية المادية، لكنه في كتابه هذا كان جريء الطرح مستقلَّ الشخصية، وقد خاض في مواضيع قلَّما تُطرح في ساحتنا الأدبية هذه الأيام، معتمداً في ذلك على المنطلقات التالية:

⁃ الرؤية الوسطية للغة العربية، والتي تجمع بين البعد عن التقديس المفرط الذي يؤدي إلى الجمود والتحنيط، وبين الاعتزاز العميق والصادق بالانتماء لهذا اللسان العربي المبين.

⁃ محاولة إنقاذ اللغة من جناية النحو عليها، عبر الاستقراء التاريخي لنشأة التزمت النحوي وتطوره، وكيف انتهى إلى أن يصير منهجاً دخيلاً على اللغة خانقاً لها.

⁃ التأكيد على رحابة اللغة وتسامحها، ومرونتها الشديدة واستيعابها للتعريب والاشتقاق، وأن كل إضافةٍ إلى العربية إثراءٌ لها.

⁃ محاولة عقد الصلح بين العامية والفصحى، وأن تكون بينهما علاقة تبادلية دون طغيان إحداهما على مجالات الأخرى.

⁃ التأكيد على ضرورة تعريب العلوم، وإخضاع المصطلحات العلمية الأجنبية للتعريب.

⁃ الدعوة إلى التمسك بالعربية، والاعتزاز بها، إلى تعليمها وتعلُّمها، وإلى أن نعتبرها “جيناً” من جيناتنا، ومكوناً أصيلاً من ذواتنا وأرواحنا. بذلك لن نكون أذيالاً لغيرنا، نتنفَّج بلغتهم، ونقلدهم في حركاتهم وسكناتهم، وما عندنا أفضل مما لديهم.

(مغالطات لغوية) كتاب قيم جريء الطرح، بالغ الإمتاع والإفادة. كانت قراءته واحدة من أنفع تجاربي القرائية على الإطلاق، وأقول عنه كما قلتُ عن أخيه (المغالطات المنطقية): كتاب يجب أن يُقرأ ويُقرأ، وأن تعاد قراءته، وأن يصير مرجعاً يُرجع إليه…

#أنس_سعيد_محمد

30/03/2021

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: