الحب في زمن الكوليرا – غابرييل غارسيا ماركيز

10/03/2021 عند 15:49 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: الحب في زمن الكوليرا

لمؤلفها: غابرييل غارسيا ماركيز

البلد: كولومبيا 🇨🇴

ترجمة: صالح علماني

صدرت عام: 1985

.

=====

طال انتظاري لدوري في إحدى المصلحات، فعنَّ لي أن أتصفَّح أي شيء موجود في هاتفي لتزجية الوقت، فتحتُ التطبيق فوقع بصري -عشوائياً- على رواية “الحب في زمن الكوليرا”، لا أذكر متى حمَّلتُها لكنها موجودة بطريقة ما، شرعتُ في قراءتها بعينين ناعستين، تلقيتُ من صفحاتها الأولى انطباعاً بأنها رواية بوليسية، لكن ما إن تجاوزتُ عشرين صفحة أو نحوها حتى طار النعاس من عيني، واعتدلتُ في جلستي، ومضيتُ أقرأ في انتباه كامل متمنياً أن يطول انتظاري أكثر.

ثمة روايات يستشعر القارئ العادي أنها أكبر منه بكثير، أحياناً بسبب حجمها الهائل وأحياناً بسبب الهالة المحيطة بعنوانها وباسم كاتبها. غالباً ما أجد بعض التهيُّب بإزاء هذه العناوين الروائية الكبيرة، وهو تهيُّبٌ قد يغذِّيه الضجيج النقدي المصاحب لها، وكثرة التصنيفات الأدبية وأسماء التيارات التي تتطاير هنا وهناك كلما ذُكرت الرواية، والتي ما إن طالعتُ نبذة عنها قبل الاستمرار في قراءتها حتى وجدتُ نفسي في متاهات الحديث حول “الأدب اللاتيني” و”الواقعية السحرية”. بحثتُ عن معنى الواقعية السحرية وقرأتُ بعض ما كتب عنها فلم أستفد شيئاً يعينني على تذوُّقٍ أفضل لما أقرأ، وهذه مشكلةٌ أعاني منها مع كل التيارات الأدبية التي تُنسب إليها هذه الرواية أو تلك؛ إذ يصعب علي غالباً، أو دائماً -ربما بسبب قصورٍ حادٍّ في إدراكي الأدبي- أن أطابق بين التيار الأدبي (النظرية) والرواية (التطبيق العملي). كل تيار أدبي أقرأ خصائصه فلا بد أن أجد تلك الخصائص تنطبق بشكل أو بآخر، وبدرجات متفاوتة، على كل رواية بلا استثناء. ما من رواية إلا وفيها خليط من الكلاسيكية والواقعية والرومانسية والعجائبية وتيار الوعي والحداثة وما بعدها… إلخ. وعلينا من ثمَّ أن نفكك الرواية تفكيكاً شاقاً إلى أصغر أجزائها، ثم نجري عمليات حسابية معقدة لنعرف أي الجوانب أغلب عليها لنُلحقها به، ولنصمها بأنها “رواية (…)ـية”. 

لمثل هذا التشويش لا أحب النقد الأدبي، وأراه في الغالب عائقاً يحول دون الاستمتاع بتذوق النص بلا خلفيات مرهقة للذهن، لذلك قررتُ أن أمضي في قراءة الرواية مديراً ظهري لكل ما كُتب عنها، مغمَض العينين عن تصنيفاتها النقدية، مسلماً حواسي إلى جماليات الوصف والسرد فقط، باحثاً عن تجربة انطباعية ذاتية ممتعة هي كل ما أريد من القراءة.

تقع الرواية في فصول كبيرة تتألف غالباً من خمسين صفحة كثيفة دسمة، غير مقسمة إلى فصول فرعية، لذلك فالانتقال بين مواضيعها السردية كان مباشراً وسلساً بين الفقرات دون سابق تمهيد؛ أي أن الكاتب يسترسل في الحديث عن شخصية ما على امتداد صفحات، ثم يرجع إلى السطر فينتقل إلى شخصية أخرى قافزاً بالقارئ إلى مكان وزمان آخرين، والعجيب أن هذه الانتقالات المفاجئة ظلَّت سلسة تماماً دون أن تسبب أي إرباك للقارئ.

أما أحداث الرواية فتدور في مدينة لم يُذكر اسمها على ساحل الكاريبي، ويغطي مجالها الزمني نصف قرن تقريباً بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. توحي الرواية في صفحاتها الأولى بأنها رواية بوليسية، لكن سرعان ما نكتشف أنها ليست كذلك إطلاقاً، وأن الكاتب سيرحل بنا إلى الماضي البعيد للشخصيات التي ظهرت في فصلها الأول، ليسرد لنا قصص حياة كاملة بكافة تفاصيلها، وبشكل يضعنا عنوة في أجواء الكلاسيكيات والرومانسيات الأوروبية الخالدة، حين كانت الرواية تدور حول “الإنسان” بوصفه محوراً للكون.

تناقش الرواية موضوع الحب الأعمى، الحب الجارف اللاعقلاني، رابطةً إياه بمراحل حياة الإنسان بدءاً من مطالع الشباب حتى أواخر الشيخوخة. هي قصة شاب مراهق أخرق “له ملامح كلب مضروب”، يقع في حبٍّ جنونيٍّ لفتاة بادلته الهوى زمناً قبل أن تصدَّ عنه دون أسباب. تتزوج الفتاة طبيباً مرموقاً فيقيم العاشق المتروك منتظراً موت الزوج، وهو الانتظار الذي سيطول أكثر من نصف قرن، ليواجه العاشق “فتاته” الأرملة في جنازة زوجها، مقدماً نفسه لها وهما فوق السبعين من العمر.

في الرواية ثلاث شخصيات رئيسية هي العاشق والفتاة والزوج، وعدد كبير من الشخصيات الثانوية التي رافقتها في رحلة حياتها الطويلة. اعتمد الكاتب على سرد مترع بالتفاصيل لكل شيء؛ للأشخاص والأماكن والأجواء ولأشياء شديدة الدقة في النفس والحياة، حتى ليخيل إلى القارئ أن الكاتب عايش تلك الفترة الزمنية وتلقى بكافة حواسه تفصيلاتها الدقيقة. تفاصيل… تفاصيل… تفاصيل… هذه هي السمة الأبرز للرواية، والتي أضفت عليها طابعاً شديد الواقعية رغم جنونية حب البطل وخروجه عن أي منطق يمكن تصوره. هنالك مَشاهد عاطفية تذكرنا رأساً بالحب الطاهر الذي جمع بين “كوزيت” و”ماريوس” في رواية البؤساء، أجواء الحدائق والأشجار الظليلة والمقاعد تحتها وعبارات الحب المتوجسة، مع وجود شيخ متصلب مثل “جيلنورمان” جدِّ “ماريوس” يعوق استمرار ذلك الحب. لكن ما إن نندمج مع هذه الأجواء ونستسلم لحفيف الأشجار وزقزقة العصافير حتى يصدمنا ماركيز بواقعية مفرطة في قبحها؛ فإذا به يصحبنا إلى وكر دعارة قذر، ويسهب في وصف علاقات جنسية شديدة الانحطاط، وعلى نحو ما كنا لنجد مثله في “البؤساء” وأمثالها إلا بشكل عابر وبأكثر الألفاظ تهذيباً.

هذا التفاعل الفريد في نوعه بين فرط الرومانسية وفرط الواقعية قدَّم لنا مخلوقاً أدبياً عجيباً أقرب إلى الكاريكاتير، ما جعلني أتصور معادلة غريبة هي كالآتي: “الرومانسية + الواقعية = الكوميديا”. من المعروف أن الأدب الرومانسي في احتفائه بالإنسان ومشاعره السامية يلغي غالباً نقائصه البشرية، يتجاهلها تماماً على حساب جوانبه البطولية التي يسلِّط الضوء عليها، وأما هذه الرواية فتوحي للقارئ برومانسية محمومة، لكنها لا تلبث أن تعرِّي بشرية بطلها بشكل يبعث على الضحك. ولكم أن تتصوروا موعداً رومانسياً يبدع الكاتب في وصف الجماليات الحافَّة به، ثم يخبرنا فجأة أن الموعد فسَد بسبب إسهال شديد أصاب البطل! ثمة جانب ساخر في هذا، وجانب مستحيل في تصوير بطل مقيم على حبه الجنوني حتى الشيخوخة، رغم استغراقه في العلاقات الجنسية، بكافة أنواعها وبكثافة، طيلة حياته.

نعم من المستحيل أن نتصور بطلاً كهذا إلا أن يكون مختلاً عقلياً، لكننا نستسلم لإبداع الكاتب في الوصف واسترساله في العزف على نغماته الأدبية العجيبة، فنرتمي طائعين في عوالمه المحمومة متقبِّلين بصدر رحب كافة المبالغات التي يكذِّبها العقل وينفيها واقع الحياة كما نعرفه.

“الحب في زمن الكوليرا” رواية كُتبت لتمجيد الحب والشيخوخة، تنتمي لزمن أدبي جميل سابق لعصر الفساد الروائي هذا، وهي بمبالغاتها الأدبية كأنها تحثُّ القارئ على حراسة الذاكرة، ذاكرة القلب والمشاعر، على أن يحتفظ بجذوة الشباب الملتهبة، المقدسة، وأن يحملها في قلبه كاملة مصونة إلى قمة العمر، وحينئذ سيستطيع رغم آفات الشيخوخة أن يرقص، وأن يحب، وأن يضحك ملء فيه، وأن يرتكب الحماقات، وأن يتأمل الجمال في كل ما حوله، وأن يبحر عكس التيار أو بلا وجهة مدفوعاً بشغف الاستكشاف وحده، مجيباً عن كل من يسأله حتَّام تستمر في هذا بجواب جاهز منذ عشرات السنين: مدى الحياة…

#أنس_سعيد_محمد

10/03/2021

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: