المشي في حقل الألغام – صلاح الدين أقرقر

03/03/2021 عند 12:22 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: المشي في حقل الألغام

لمؤلفها: صلاح الدين أقرقر

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2020

.

=====

سبق أن نشرتُ مراجعةً حول الرواية السابقة للكاتب “ملاكان وشيطان”، سلَّطتُ فيها الضوء على بعض الخصائص التي تميَّز بها اشتغاله الروائي، كما لم تخلُ من انتقادات حول بعض التفاصيل، وأحب أن أحيل القارئ عليها قبل الشروع في هذه المراجعة لروايته الأخيرة، لأنها -بشكل ما- مبنية عليها، وقد يصحُّ أن تُعتبر تكملة لها، أو متكاملة معها.

أخبرني الكاتب عقب نشري للمراجعة الأولى أنه تلقى بعض ما ورد فيها من ملاحظات من أكثر من قارئ، وأنه عمل على تجنبها في روايته هذه (المشي في حقل الألغام). والآن أستطيع القول، بعد قراءتي لها، أنها تشكِّل فعلاً تطوراً ملموساً للكاتب، وأنه استفاد من أخطاء عمله السابق استفادة قصوى، وأنه تغلَّب على نفسه وقدَّم عملاً يتجاوز سابقه بمراحل.

وإليكم الآن، كما جرت العادة، باقة من الآراء والانطباعات حول رواية (المشي في حقل الألغام):

– بوسع القارئ المتمرس أن يستشعر في كل رواية يقرؤها منطلقات الكاتب الأولى؛ تلك الخطوط الأعرض التي تشكل الأساس الأول لعمله الروائي. ثمة روايات انطلق كتَّابها من عنصر “الشخصية”، وأخرى انطلقوا فيها من “الحدث التاريخي”، وأخرى من “المعلومة الثقافية”، وأخرى من “الأسطورة”، وأخرى من “المذهب الفلسفي”… إلخ. وذلك بحيث تنبثق عن ذلك النبع الأول كل عوالم الرواية من شخوص وأحداث وحوارات وحبكات ومصائر. ونحن حين نقرأ لصلاح الدين نستشعر أن مُنطلقه الأول للكتابة هو “الموضوع الاجتماعي”. نعم لكأني به يجلس أول ما يجلس إلى دفتر فارغ، ثم يخطُّ عليه أولاً -قبل الشخصيات والحبكة وكل شيء- قائمة بالمواضيع الاجتماعية التي ينوي معالجتها، ثم يصير “الموضوع الاجتماعي” هو النبع الذي تتدفق منه الشخوص والأحداث والحبكات والمصائر. هذا النوع من الاشتغال الروائي صار نادراً في أيامنا هذه، بل لقد صار منبوذاً محتقراً مع الأسف الشديد، لذلك لا أملك إلا أن أشيد باقتحام الكاتب هذا الميدان المهجور، ومحاولته إعادة الاعتبار للرواية الاجتماعية التي تعاني اليوم فراغاً مأساوياً على حساب أنماط روائية أخرى هي دونها في القدرة على التأثير والنفاذ إلى الأعماق الإنسانية في النفس والمجتمع.

– استطاع الكاتب رغم تعدد مواضيعه المعالَجة أن يؤلف بينها بحبكات متماسكة دلَّت على تمتعه بحس التنظيم والهيكلة. ليس الكاتب بالذي يبدأ الفصل مطلقاً العنان لقلمه غير عالمٍ إلى أين سيقوده، بل إن وراء الشكل المكتمل لروايته هياكل ومخططات وأسهماً متداخلة، نقاط بداية ونقاط انتهاء وجداول زمنية، إلى غير ذلك مما لا يراه القارئ في العمل النهائي، ولا يكشفه الكاتب أبداً، لكن بالإمكان استشفافه من وراء الصفحات، والاستدلال به على اشتغال جاد ومنظم بريء من العشوائية والتشتت.

– اعتمد الكاتب تقنية “تعدد الأصوات”، وبشكل قد يبدو في البداية غير متناسق، إذ احتلَّ صوت “فاطمة البوكيلي” معظم جسم الرواية، مع قسم وافر في بدايتها لـ “أحمد الناصري”، أما الفصول الأخيرة فقد تكلمت على لسانها شخصياتٌ ثانويةٌ متعددة. بطبيعة الحال لستُ مؤيداً لحديث الكاتب على لسان الجنس المغاير إلا في أضيق الحدود، كما أن تعدد الأصوات مغامرة خطيرة أفضِّل في الغالب عدم اقتحامها، لكن استمتاعي بالأحداث، وباللغة السليمة والأنيقة للكاتب، جعلني أتجاهل في النهاية هذه الاختلافات. كما أشير أيضاً إلى أن حرص الكاتب على إبراز مجهوده في بناء الشخصيات، حتى الثانوية منها، قد أوقعه أحياناً في خطابات تبريرية أثقلت الرواية دون أن تخدمها.

– على خلاف روايته السابقة التي عمَّت تماماً عن الزمان والمكان، فإننا نجد في روايته هذه حضوراً عابراً لبعض البلدان والمدن والسنوات والأحداث التاريخية الحقيقية، ما جعلها متداخلة بعض الشيء مع الواقع وليست منعزلة عنه تماماً في عالم من المجرَّدات الرمزية. بيد أن ذلك التداخل ظل سطحياً مع ذلك، إذ إن الطبيعة الاجتماعية للرواية تدفعها تلقائياً نحو التعميم، ومن ثمَّ نحو إلغاء قيمة الزمان والمكان بل والرافد المعلوماتي عموماً، لكن هذا الإلغاء أثر سلباً، وبشدة مع الأسف، على معالجتها لموضوع “الإرهاب” الذي لا يمكن الفرار فيه من الرافد المعلوماتي بحال من الأحوال، وهو ما سأتناوله بمزيد من البسط بعد قليل.

– يدرك الكاتب إدراكاً عميقاً أنه يقدم لنا قصصاً خيالية لأخذ العبرة، لذلك فهو لا يتكبد عناءً كبيراً في محاولة “الإيهام بالواقع”، هو يعرف والقارئ يعرف أن تلك الأحداث لم تقع، وأن الشخصيات لا وجود لها إلا في الخيال، وأن الرواية في صميمها مجرد ضربٍ للأمثلة، لذلك تغلب على السرد نبرة “مبتسمة” إن صحَّ التعبير، أسلوب الكاتب يشبه ابتسامته الهادئة الموحية بسلامة الصدر، وبأنه يأخذ أمور الحياة ببساطة ويُسر. أحداث الرواية مأساوية أحياناً نعم، لكنها خيالية فلا داعي للتفجُّع، ولا حاجة لتلك التراكيب التي تجهد نفسها لإيهام القارئ أنه يقرأ شيئاً حقيقياً، بل لا أخفي أني استلقيتُ ضحكاً في ثلاثة مواضع من الرواية؛ في الصفحتين 22 و23، وفي الصفحة 75، ثم في الصفحتين 316 و317. ثمة في أعماق الكاتب “حكواتي” على الطراز القديم، من النوع الذي يتصدَّر المجلس وحوله المستمعون، ثم يشرع في حكاية القصص مبتسماً، مرصِّعاً سرده بالحكم والمواعظ والتأملات الأخلاقية، وهو ما يظهر جلياً في معظم فصول الرواية التي لا تبدأ بسرد الأحداث بل تبدأ بخلاصتها، بعصارتها الأخلاقية، لا بد من فقرة “وعظية” في مستهل كل فصل، توحي بأن كل ما سيُسرد من الأحداث ما هو إلا مثال مضروب على تلك الفقرة، وقصة متخيَّلة توضع لاستخلاص العبرة.

– موضوع الإرهاب موضوع شائك في غاية العمق، وأرى أنه لم يحظ حتى الآن بمعالجة روائية لائقة رغم استحقاقه لذلك، ذلك أن كثيراً من “الروائيين” الذين ادَّعوا تطرقهم لموضوع الإرهاب لم يفعلوا شيئاً أكثر من نفث أحقادهم على كل مظهر ديني، دون تمييز بين ما هو من صميم الشريعة الإسلامية وما هو من التفسيرات العوجاء للجماعات المتطرفة. في روايتنا هذه محاولة بريئة لمعالجة موضوع الإرهاب، إذ ليس الكاتب قطعاً من النوعية السالف ذكرها، لكنها للأسف محاولة غير موفقة تماماً، وذلك لما يلي:

إن الإرهاب بوصفه سلوكاً إجرامياً هداماً، موجهاً نحو المجتمع وأحياناً نحو الذات، هو نتيجة عملية لمقدمات نظرية. يخضع الإرهابي أولاً لغسيل دماغ، لأدبيات متطرفة تُحشى في رأسه وتملأ دماغه بالأوهام، ثم بعد التشبُّع بتلك الأدبيات الهدامة يُنتقل إلى التنفيذ. عند المعالجة الروائية لموضوع الإرهاب لا بد أن نتطرق أولاً لأسسه النظرية، لجذوره الأولى، لمنابعه التي تضخُّه، ثم حين الانتقال إلى جانبه العملي يجب أن نحاكي الواقع ما أمكن، وأن تكون أفعال الإرهابيين في الرواية مشابهة لأفعالهم في الواقع. هنا نعود للحديث عن “الرافد المعلوماتي” الذي ذكرتُه آنفاً، والذي إن كان غير ضروري في معظم المواضيع الاجتماعية فإنه في موضوع الإرهاب يصير مُلحاً بشدة. لا يمكن الحديث عن الإرهاب بمعزل عن رافده المعلوماتي، عن الأحداث التاريخية المتعلقة به، وعن النصوص الشرعية التي فُسرت خطأ، وعن أسماء شخصيات حقيقية وعناوين كتب مثيرة للجدل. كل هذا لم يتطرق له الكاتب، ولم ينفذ إلى عمق الأسباب والمؤثرات التي أدت إلى تحول الشخصية الإرهابية، بل مرَّ على ذلك كله مراً سطحياً لنجد أن الشخصية أمست إرهابية فجأة دون تأسيس مقنع. هذا فيما يتعلق بالجانب النظري، وأما الجانب العملي فأيضاً لم يكن دقيقاً، ولا يشبه الواقع؛ ذلك أن “العملية الإرهابية” التي أوردتها الرواية تمثلت في محاصرة فندق وتهديده بالسلاح دون الإفصاح عن أي هدف محدد أو مَطالب واضحة، وهذا في الغالب لا يشبه العمليات الإرهابية ذات الميول الدينية المتطرفة، النزَّاعة إلى التفجير بالقنابل أو العمليات الانتحارية، بل هو أقرب إلى “عملية سطو مسلح” لغرض السرقة لا أكثر، كما أن وجود امرأة ضمن المهاجمين هو أمر غير متصوَّر في أفكار الإرهابيين وأفعالهم.

هذه المعالجة المتسرعة، والمهتزة، لموضوع الإرهاب، هي خللٌ صميمٌ في بنية الرواية، وتدلُّ على أن الكاتب لم يعدَّ لها عدَّتها من البحث المعلوماتي، منساقاً في ذلك وراء بقية المواضيع التي عالجتها الرواية معالجة ناجحة، لأنها بطبيعتها، وعلى خلاف موضوع الإرهاب، تقبل التجريد والتعميم والتحرر من ثقل المعلومات.

– حرص الكاتب على وضع نهايات مقنعة لكافة شخصياته، تنطوي غالباً على نوع من “العدالة الشعرية”، حيث تُفتح أبواب الأمل أمام الطيبين وينال الأشرار جزاءهم العادل. من الجميل حقاً أن ننتصر للعدالة في رواياتنا، لكن الأجمل أن تكون هناك رابطة سببية بين الأبطال وبين تحقيقها. بعض أشرار الرواية نالوا جزاءهم جرَّاء أحداث خارجية بالإمكان دون شك ربطُها بالعقوبة الإلهية، لكن بعضها لم يخلُ من تكلُّف ينافي الإقناع؛ كمثل مصير مصطفى الذي خسر قدرته الجنسية نتيجة حادث سيارة لم توصف ملابساته بدقة. كان بالإمكان قتل فحولة مصطفى وإدخاله السجن بطرق أكثر إقناعاً دون أن تتنافى مع مفهوم العدالة الشعرية أو العقوبة الإلهية.

ختاماً، ورغم كل هذه الملاحظات، إلا أن (المشي في حقل الألغام) رواية جميلة تضمن لقارئها متعة أدبية على مستوى اللغة وحتى على مستوى الحبكة والأحداث، ولكونها رواية اجتماعية فأنا أشدُّ بقوة على يدي كاتبها، شاكراً له ومشجعاً إياه بحرارة، لما أرى من أنه يسدُّ مسداً أدبياً في غاية الأهمية، ويعيد الاعتبار، باشتغال جاد يستحق الثناء، لمجال روائي صار اليوم للأسف الشديد منبوذاً محتقراً، يكاد يفقد الاعتراف به من الناشرين والنقاد بل وحتى من القراء، رغم احتوائه على مساحات إبداعية شاسعة طالما صال المبدعون فيها وجالوا، حين كان “الإنسان” هو محور الاهتمام الأدبي، والانتصار له هاجس الروائيين الأول.

#أنس_سعيد_محمد

03/03/2021

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: