ذيل الثعبان – عبد السميع بنصابر

25/02/2021 عند 13:15 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

رواية: ذيل الثعبان

لمؤلفها: عبد السميع بنصابر

البلد: المغرب 🇲🇦

صدرت عام: 2019

.

=====

* مقدمةمفارقة الروائي والرواية:

كان انطباعي حول هذه الرواية ليكون مختلفاً تماماً لولا معرفتي الفيسبوكية القديمة بمؤلفها، والتي ترجع إلى سنوات عديدة خلت كان المؤلف فيها ضمن قائمة أصدقائي، بحسابٍ قديمٍ كان له.

عبد السميع قاصٌّ مغربيٌّ موهوب، ومن أبرز ما يتميَّز به حسُّه الفكاهي المتطور المنعكس على حضوره الفيسبوكي الخفيف الظل، وعلى ما ينشره من أكتوبات وقصص قصيرة تعبِّر عن ذكاء لغوي وقَّاد وقدرة كبيرة على استخلاص الجوانب الكوميدية من الأشياء ثم التلاعب بالألفاظ لصياغتها بطريقة تنتزع منك الابتسامة، بل والضحكة، رغماً عنك مهما يكن مزاجك.

ذلك “التهيؤ للضحك” هو أول شعور يُستدعى إلى النفس كلما وقعت العين على منشور جديد لعبد السميع، وما كان لهذا الشعور الأولي إلا أن يفرض نفسه بإزاء عمله الروائي الكامل قبل الشروع في قراءته، وهنا تتملكنا الدهشة حين نقرأ النبذات المختصرة عن العمل، ومراجعات من سبقونا لقراءته، إذ نجدها تعبِّر عن عمل “جاد” يناقض تماماً ما تعودنا عليه من الكاتب في حضوره الفيسبوكي، ومن ثمَّ تشحننا بفضول الاطلاع على “الوجه الآخر” للكاتب الذي لم تستقرَّ صورته في الذهن إلا ضاحكاً تتوِّج رأسَه كُبَّةُ شَعر هائلة، ساخراً من “الستاتي” ومترجماً إلى العربية الفصحى أغاني الشاب بلال!

كان ذلك الفضول الجميل واحداً من أقوى دوافع قراءتي للرواية، ولا أخفي أن فصولها الأولى أوقعتني في حالة من الانفصام العجيب بين جدية ما أقرأ وتصوُّري المسبق لشخصية الكاتب المقترنة دائماً بالضحك، لأجد نفسي أمام واحدة من أشد حالات “التقمص الروائي” التي قرأتها إتقاناً، وهو تقمصٌ اتخذ أشكالاً عديدة إضافة إلى جدية العمل؛ إذ نجد الراوي الذي وُضعت الرواية على لسانه كهلاً يكبر الكاتب بعقود، ثم إنه أمريكي الجنسية وليس مغربياً، وذو تخصص يخالف فيما أعلم تخصص الكاتب، بل إن أحداث الرواية تدور في أماكن بعيدة عن محلِّ إقامته، لذلك وجدتُني إذا اندمجتُ في القراءة أنسى الكاتب تماماً كأني أقرأ لشخص آخر، ثم قد تلوح مني نظرة عفوية إلى الغلاف فأتذكر اسم الكاتب فأتعجب مما أقرأ! وسواء أكنتُ مؤيداً لمحاولات التملص التام من ذات الروائي أو معارضاً لها، إلا أني لا أملك، من وجهة نظر موضوعية، إلا الإشادة بجودة ذلك التملص، وبما يشي به من جهد مبذول واشتغال عميق، هذا دون أن نُغفل أن استعمال لفظة “تملص” هو على سبيل التجوُّز فقط؛ إذ إن خروج الكاتب من ذاته أمر مستحيل، وإذا أدهشنا شيء مما قد نظنه خروجاً عن الذات فلا يجب أن ننسى أنه في حقيقة الأمر ليس خروجاً، بل كشف -إرادي أو غير إرادي- عن مستويات مختلفة من تلك الذات نفسها، تدل على ثراء الشخصية واتساع طيفها.

* انطباعات حول الرواية:

– تنتمي رواية (ذيل الثعبان) إلى نمط روايات التحقيق التاريخي، والذي يعتمد في الغالب على حبكة مطروقة تتمثل في العثور على مخطوطات أو آثار قديمة، ثم بتتبع خيوطها نتوصل إلى حقائق مفاجئة لها أصول في أعماق التاريخ وآثار وخيمة ممتدة إلى عصرنا هذا. هذا النمط الروائي صعب التنفيذ جداً، ومحفوف بالمخاطر الأدبية والنقدية، ويتطلب جهداً مضنياً في البحث والتنفيذ، دون أن يقدم لنا في النهاية حقائق تاريخية يُطمأنُّ إليها أو نتائج تسهم في خلق معرفة يقينية. أعتقد أن ازدهار هذا النوع من الروايات في الغرب عائد إلى ظروف مساعدة كثيرة توضع تحت تصرف الكاتب فيما يخص البحث والتنقل، وهي في الغالب غير متوفرة في عالمنا العربي رغم عمقه التاريخي وحفوله بالمواد الخام الصالحة لهذا النوع من الاشتغال الأدبي، لكننا مع ذلك نجد إقبالاً عليه من الكتاب الشباب حتى من غير المتخصصين في الأبحاث التاريخية، وهي ظاهرة وإن كانت في نظري غير صحية، إلا أن ذلك لن يمنعني من إبداء رأي صريح حول جودة الاشتغال في هذه الرواية، والتي سار الكاتب في مجاهلها بحذر واضح دلَّ على استشعاره أنه يخوض حقلاً مليئاً بالألغام، وأن عليه أن يكتب محافظاً على “مساحة أمان” معينة يعرفها بغريزته الأدبية، حتى وإن اضطرَّه ذلك إلى التضحية بتفاصيل كثيرة كان من شأنها أن تجعل الرواية أضخم حجماً وأشد كثافة لو أنه “تهوَّر” قليلاً.

– تقدم الرواية للقارئ معلومات كثيرة حول التاريخ القديم للفينيقيين والقرطاجيين، وحول رمزية الثعبان وظلاله المبهمة، معززاً ذلك كله بحبكة متخيَّلة تمازجها وتتخلل ثناياها بإتقان يموِّه في عين القارئ الحد الفاصل بين الواقع والخيال، ما يخلق للرواية عالمها المستقل المتمتع بانسجامه الخاص.

– كان واضحاً الجهد الذي بذله الكاتب على مستوى اللغة، ومحاولته تطويعها لأفضل وصف ممكن للشخوص والأمكنة، حتى خواطر البطل كُتبت بعناية وإتقان لافتين للنظر رغم أنها جاءت متناثرة على صفحات متباعدة ومستقلة بشكل حادٍّ عن الوصف والأحداث.

– لقد أجاد الكاتب تقمص شخصية البطل؛ الكهل الأمريكي ذي الأصول المغربية، وأعجبني استعماله الذكي في أحد المواضع لوحدة قياس أمريكية (البوصة أو القدم، لا أذكر تماماً)، لكني استشعرت أحياناً أن البطل أكثر “مثالية” من أن يكون أمريكياً كهلاً؛ بعض نوازع الخير التي تدفَّقت في نفسه متخذةً شكل الاحتجاج الغاضب على مشروعات صديقه الغامضة، وتأنيبُ الضمير الذي استبدَّ به وعذَّبه، كل ذلك بدا لي “غير أمريكي” إلى حد ما، وأقرب إلى الشباب العاطفي منه إلى الكهولة الناضجة التي تتسم غالباً بقدر من تبلُّد المشاعر أو “عقلنتها” بتعبير أخفَّ.

– رغم أن الكاتب تأسَّى في روايته بنمط غربي في الكتابة الروائية، ورغم المثالية التي اصطبغت بها شخصية البطل الأمريكي بشكل غير واقعي في نظري، إلا أننا لا نلمس فيه ذلك الانبهار الساذج الأعمى بالحضارة الغربية، بل لقد عبَّر بصراحة تامة عن عدد من الشرور الصميمة في بنية التفكير الغربي عموماً، والأمريكي على وجه الخصوص، في تحرر جميل من “عقدة الخواجة” الغبية، بل وحتى من هوس إنكار “نظرية المؤامرة” إنكاراً قطعياً لا يتعلق بتفنيد المعلومات المغلوطة بقدر ما يرتبط برغبة ساذجة في الاصطفاف الآيديولوجي مع الذين ينكرون وجود التآمر، ومبايَنة الذين يقرُّون بوجوده. في رواية (ذيل الثعبان) نجد خيوط الحبكة تنتهي إلى “نظرية مؤامرة” صريحة كاملة الأركان، أوردها الكاتب بشجاعة دلَّت على استقلال شخصيته، وعدم مبالاته بأولئك الذين يسارعون إلى شنِّ حرب نفسية شرسة على كل من أثبت وجود مؤامرة ما في مجال من المجالات، حتى ولو كان ذلك في حبكة روائية متخيَّلة.

– استشعر الكاتب بغريزته الأدبية، كما ذكرتُ آنفاً، أنه يطرق حقلاً مليئاً بالألغام، لذلك سار في روايته بحذر شديد وتوجُّس ملموس، مكتفياً من المجازفة بقدر معين حكيم لم يتجاوزه، وهو ما أثر -إن جاز التعبير- على “كثافة الرواية”، أعني بذلك أن الرواية انتهت وفي جسمها فراغات لم تُملأ، وشخصيات وُصفت جيداً لكنها لم تحظ بأدوار ومصائر مشبعة، وجيوب ظلت مفتوحة لم تُرتق، وجوانب غموض نثرها الكاتب في بداية سرده ليظل القارئ منتظراً كشفها، لكنها لم تُكشف وظلت غامضة كما هي. لو أن الكاتب عمل على ملء الفراغات ورتق الجيوب لازداد حجم الرواية كثيراً، ولازدحمت بالتفاصيل التي كانت ستتطلب منه مزيداً من الاشتغال ومن ثمَّ مزيداً من المجازفة، لذلك فضَّل الكاتب التوقف عند حد آمن معين مؤثراً السلامة على أن توقعه المغامرة في ورطة روائية ما، وهو في الواقع تصرف ذكي من الكاتب يُحسب له.

* خاتمة:

رواية (ذيل الثعبان) إضافة قيمة للرواية المغربية التي لا تزال تتلمَّس طريقها وتبحث عن هويتها الخاصة في عالم سريع التغير، استمتعت بقراءتها وأنهيتها في زمن قياسي رغم اختلافي مع توجهها الأدبي، كما أني شاكر لها، ولكاتبها، ما فتحاه أمامي من أبواب جديدة للبحث والسعي وراء ريِّ عطش المعرفة، وهو ما يخالف رأي الشاب بلال حين قال مستهيناً بكل شيء غير المال والصحة: “اللهم احفظ لي جيبي واحفظ لي الصحة، وأما البقية فمجرد روايات”.

#أنس_سعيد_محمد

25/02/2021

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: