السكرية – نجيب محفوظ

26/07/2019 عند 18:27 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

IMG_3697

.

رواية: السكرية
لمؤلفها: نجيب محفوظ

.

“وبدا له الحبُّ من ناحية أخرى (دكتاتوراً) وقد علَّمته الحياة السياسية في مصر أن يمقت الدكتاتور من صميم قلبه… ففي بيت عمَّته جليلة كان يهبُ عطيَّة جسده ثم سرعان ما يستردُّه وكأن ما كان لم يكن، أما هذه الفتاة المستكنَّة في حيائها فلن تقنع بما دون روحه وجسده جميعاً إلى الأبد.”

* * *

“قد يبدو يسيراً أن تعيش في قمقم أنانيتك ولكن من العسير أن تسعد بذلك إذا كنت إنساناً حقاً…”

* * *

“إني أومن بالحياة وبالناس، وأرى نفسي ملزماً باتِّباع مُثُلهم العليا ما دمتُ أعتقد أنها الحقُّ إذ النكوص عن ذلك جبنٌ وهروب، كما أرى نفسي ملزماً بالثورة على مُثُلهم ما اعتقدتُ أنها باطلٌ إذ النكوص عن ذلك خيانة، وهذا هو معنى الثورة الأبدية!”

.

=====

وجاءت رواية (السكرية) لتضع آخر النقاط على الحروف، ولتحملنا جميعاً نحو الخواتم والنهايات المتنوعة، والبدايات الأخرى التي تنطق باستمرارية الحياة…

هي روايةٌ بلون الغروب، تتميز بكونها الأصغر حجماً بالمقارنة مع أختيها، لكنها في الوقت نفسه الأكثر امتداداً على خطِّ الزمن… ففي حين لم تغطِّ رواية (بين القصرين) – وهي الأطول – أكثر من عامين فقط، من عام 1917 إلى 1919، نجد أن رواية (السكرية) تمتد – وهي الأقصر – على مساحةٍ زمنيةٍ قدرها تسع سنواتٍ كاملة، من عام 1934 إلى 1943!

وفي (السكرية) نراقب امتداد الحياة وفقاً للسُّنن الإلهية الكونية… يشيخ الكهل ويكتهل الشاب ويشبُّ الصبي، أفولٌ وموتٌ يقابله إشراقٌ وحياة… انتهى عصر جبروت السيِّد (أحمد عبد الجواد) الذي تحول إلى شيخٍ فانٍ، ومضى في سبل الحياة أبناؤُه وبناتُه وأحفادُه، يواجهون الصعوبات والمحن التي اكتووا جميعاً بنيرانها على كافة المستويات.

وكبر الأحفاد واستووا شباباً، وتفرَّقت بهم السبل الفكرية بين الشيوعية والإخوانية، بين الإلحاد والإيمان، ولكل واحدٍ منهم حججه وبراهينه التي يستدلُّ بها على صحة مذهبه…

.

عاد نجيب محفوظ في (السكرية) إلى استخدام أسلوب السرد الكلاسيكي، وهو الأسلوب الذي تركه في (قصر الشوق) مستبدلاً إياه بأسلوب الخطاب النفسي لكل شخصية، وهكذا نجد أن ضمير المتكلم اختفى في (السكرية) إلا قليلاً، وحلَّ محلَّه صوت الراوي العليم بكل شيء.

تراجع قليلاً دور (كمال أحمد عبد الجواد) الذي زاحمه فيه أبناء إخوته، لكنه ظلَّ مع ذلك أشهر شخصيةٍ تاريخيةٍ روائيةٍ تجسِّد معاني الضياع والحيرة والدوران في مكانٍ واحد، والشكِّ في كل شيءٍ بلا استثناء، جحود الدين والإلحاد، والإصرار على العزوبة لأسباب غير مفهومة، وخيبة الأمل في الحبِّ والفلسفة والقيم والمبادئ، والعمر يمضي فارغاً من أي معنى، والثلاثينيات تدنو نحو نهايتها، والأربعين تقترب منذرةً بتوسُّعٍ أكبر في فراغ الروح ومساحة العذاب والحيرة…

مدرِّسٌ بائسٌ في مدرسةٍ ابتدائية، يكتب مقالاتٍ فلسفيةً معقدةً لا يفهمها أحد، وينشرها في مجلة الفكر التي لا يقرؤها أحد! رفض قديماً السعي وراء المنصب حباً في الأدب والفلسفة، فأسلمه ذلك الحبُّ إلى الفقر والهوان ثم خاب أمله في الأدب والفلسفة… وخاب أمله في الحبِّ نفسه فأسلم جسده إلى دور البغاء وروحه إلى الفراغ المطلق…

.

وما من شكٍّ في أن (كمال أحمد عبد الجواد) ما هو إلا (نجيب محفوظ) نفسه! وقد أقرَّ الكاتب بذلك مصرِّحاً بأن شخصية (كمال) تجسِّد تاريخ أزمته الروحية التي رافقته في فترة شبابه، وإذا ما استثنينا مهنة التدريس التي لم يمتهنها، والشارب الضَّخم الذي اتَّخذه (كمال) ولم يتَّخذه (نجيب)، فإن سيرته الذاتية تكاد تكون مطابقةً تماماً لسيرة (كمال)، بما في ذلك الولادة المتعسِّرة لكليهما، والعزوبة الطويلة التي لم تنته – روائياً – لـ (كمال) رغم دنوِّه من الأربعين، لكنها انتهت – واقعياً – عند (نجيب) بعد الأربعين ببضع سنوات.

وعموماً فإن معظم أحداث الثلاثية وشخصياتها متصلةٌ بالواقع، بل إن معظم روايات (محفوظ) هي قصصٌ واقعية، قدَّمها الكاتب روائياً بعد أن أعمل فيها الخيال والتحوير وتبديل الأسماء وغير ذلك، لكن الشخصيات وهياكل الأحداث كلها واقعيةٌ تماماً، وليست هذه الثلاثية باستثناء، فما السيِّد (أحمد عبد الجواد) إلا جارٌ لأسرة نجيب محفوظ، وكان رجلاً جليلاً معروفاً في حيِّ (بين القصرين) اسمه (محمَّد عبد الجواد)، كان له دكَّانٌ لبيع العطور، ولم يُعرف عنه في الواقع جانبه الماجن، والذي يرجَّح أنه من خيال المؤلف، أو أنه دمجٌ لشخصيتين واقعيتين في شخصيةٍ واحدةٍ خياليةٍ هي السيِّد (أحمد عبد الجواد).

.

أزعجني قليلاً في رواية (السكرية) ذلك الإسراف في عرض التفاصيل السياسية المتعلقة بتلك الفترة الزمنية من تاريخ مصر، وهي تفاصيل كانت لها قيمتها دون شكٍّ بالنسبة للمصريين في تلك الأيام، لكنها ليست ذات قيمةٍ بالنسبة لي بصفتي بعيداً كل البعد عنها زماناً ومكاناً، ولذا كنت أتمنى أن تنتهي تلك الحوارات الطويلة المشحونة بأسماء الشخصيات السياسية المصرية وتفاصيل الأحداث التي لا تعنيني في شيءٍ على الإطلاق…

وفيما عدا هذا، فإن (ثلاثية القاهرة) هي مدرسةٌ حقيقية، في الأدب والأسلوب واللغة والحياة عموماً، وهي دون ريبٍ فخرُ الرواية العربية، والوحيدة الحاصلة على (نوبل) عن جدارةٍ واستحقاق، ولم يُكتب أفضل منها عربياً حتى الآن رغم توالي السنوات وتكثار الكتَّاب والأدباء.

ومن عجبٍ أن تتبوَّأ الثلاثية هذه المكانة العليا في الأدب العربي رغم انتمائها لفئة (الرواية الاستاتيكية)، كما صنَّفها الكاتب والناقد (يحيى حقِّي)، والذي فرَّق بين (الرواية الاستاتيكية – Statique) و(الرواية الديناميكية Dynamique)، بحيث أن الرواية (الديناميكية) تتميز بتفاصيل أقلَّ وأحداث أكثر، وإليها تنتمي روايات الملاحم، وأما الرواية (الاستاتيكية) فهي تتميز بتفاصيل أكثر وأحداث أقل، وتعمد إلى تقديم لوحاتٍ وصفيةٍ مفصَّلةٍ لأوضاعَ ثابتة، ويكون الجانب الوصفيُّ فيها طاغياً على الجانب الحركي.

ولذا نلاحظ أن (ثلاثية القاهرة) هي روايةٌ (استاتيكيةٌ) بامتياز، لأن جانب الأحداث فيها يظلُّ ضئيلاً رغم كل شيء، ولا يكاد يخرج عما هو معتادٌ في الحياة اليومية المستمرة، لكن تعمُّق نجيب محفوظ في عرض اللوحات الوصفية، وخوضه العميق جداً في دهاليز وأغوار النفس البشرية لشخصياته، وتطرُّقه لعددٍ هائلٍ من المواضيع والقضايا النفسية والدينية والاجتماعية والأسرية والسياسية والفلسفية… كل هذا جعل الثلاثية مرجعاً ضخماً لكل قارئ، وما منَّا من أحدٍ إلا وسيجد نفسه أو جانباً منها في إحدى شخصيات الثلاثية أو بعض أحداثها، ومن هنا تنبع أهميتها العظمى التي جعلتها مستحقةً لمكانتها السامية، متربِّعةً على عرش الأدب العربي دون منازع…

أنس سعيد محمد
05/06/2016

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: