صيد الخاطر – الإمام ابن الجوزي

19/04/2019 عند 18:03 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

صيد الخاطر

.

كتاب: صيد الخاطر

لمؤلفه: الإمام ابن الجوزي رحمه الله

.

=====

ذكرتُ في المنشور السابق بأن صديقاً لي من جماعة العدل والإحسان كان قد أبدى امتعاضه واشمئزازه الشديدين من كتاب (تلبيس إبليس)، ثم لم يلبث أن استخرج لي من أعماق خزانته كتاب (صيد الخاطر)، وناوله لي قائلاً:

– “هاك اقرأه، وسيزيل هذا الكتاب مفعول الكتاب السابق!”

وذهبتُ به إلى بيتي متحفزاً لاستكشافه، وشرعتُ في قراءته متيقظ الذهن حذراً، أجوس بعينيَّ بين فقراته وسطوره باحثاً عما زعمه ذلك الصديق من (تراجعات) للإمام رحمه الله عما قرَّره في (تلبيس إبليس)، وما ادَّعاه من تمجيد وتعظيم بالغين لرجالات التصوف الكبار الذين حملها عليهم شعواء في الكتاب المذكور…

وطال بي مقام البحث، والتهمتُ من صفحاته الكثير، ولم أجد شيئاً مما ادَّعاه ذلك الصديق! وما وجدتُ فيه إطلاقاً أي تراجعٍ أو مناقضةٍ لمضمون الكتاب السابق، بل إن ابن الجوزي رحمه الله قد حمل على الصوفية المخالفين للشرع في (صيد الخاطر) بنفس ما حمل به عليهم في (تلبيس إبليس)، بل وإنه قد أحال عليه إحالةً واضحةً لا تقبل اللبس، ووجَّه الباحث عن أوجه ضلال القوم لكتاب التلبيس معيِّناً له باسمه، قاطعاً الطريق بصرامةٍ عن كل من قد يزعم بأن في الصيد تراجعاً عما في التلبيس.

وكان مما أفدتُه من هذه الحادثة أن الإنسان لن يكوِّن نظرةً واضحةً صحيحةً عن كتاب ما إلا إن قرأه بنفسه، وأما الاكتفاء بسماع ما يقوله الآخرون وقراءة ما يكتبونه، حتى وإن كان ذلك تحت مسمى النقد، فهو غير كافٍ إطلاقاً لإصدار الحكم على كتاب ما، بل لعل الأمر لن يخلو من تضليلٍ وتدليس، والتباسٍ لن يكشف ضبابه إلا خوض غمار القراءة، واقتحام الكتاب سبراً لأغواره وكشفاً لخفاياه.

ومهما يكن من أمر، فإن كتاب (صيد الخاطر) هو – كما يدلُّ اسمه – كتاب خواطر ورقائق، يقوم على فكرة التقاط الأفكار والانطباعات التي تخطر على الذهن، والمسارعة لتقييدها خشية أن تذهب فلا تعود! فهو إذاً كتابٌ يقوم على التأملات الذاتية، وهو ما يفسر أن معظم فقراته تبدأ بضمير المتكلم، ولا يمكن بحالٍ من الأحوال مقارنته بكتابٍ علميٍّ موضوعيٍّ مثل (تلبيس إبليس).

التلبيس كتاب دقائق والصيد كتاب رقائق، والفرق بينهما هو كالفرق بين المقالة العلمية الموضوعية والقصيدة الشعرية العاطفية… الأول يخاطب عقلك والثاني يخاطب قلبك، والرابطة بينهما هي رابطة تكاملٍ وليست رابطة تضادٍّ وتناقض…

.

(صيد الخاطر) هو كتاب تأملاتٍ رائق، يحلِّق بك في مساحاتٍ من التأمل العذب، آخذاً بيدك نحو فضاءات الارتقاء والتزكية، بالأسلوب الرفيق والكلمة الطيبة، والنصيحة بالتي هي أحسن…

رحم الله الإمام ابن الجوزي وجزاه عما ترك للمسلمين من تراثه خير الجزاء.

11/05/2016

تلبيس إبليس – الإمام ابن الجوزي

19/04/2019 عند 18:00 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

تلبيس إبليس

.

كتاب: تلبيس إبليس
لمؤلفه: الإمام ابن الجوزي رحمه الله

.

=====

هذا الكتاب موجودٌ منذ قديمٍ في مكتبة والدي، وكان عنوانه الغريب يوقع في نفسي شعوراً غامضاً كلما وقعت عيني عليه، ولم أتجاسر على قراءته في أطوار الحياة الأولى، حتى بلغتُ أوائل العشرينيات من العمر، وهي فترةٌ يصحو فيها العقل على عطش المعرفة الجريئة، فكان بذلك من أوائل الكتب المهمة التي قرأتها كاملةً في نحو عام 2007.

وقد كان لهذا الكتاب تأثيرٌ كبيرٌ علي، ولم يقتصر ذلك التأثير على الحشو المعرفي بالمعلومات والعجائب التي تقع في النفس موقع التسلية، بل إنه قد فتح في ذهني آفاقاً جديدةً ورحيبةً من الفضول المعرفي والرغبة في البحث والاستقصاء والتعلم، ولعلي لا أبالغ لو قلت بأن هذا الكتاب كان باباً فُتح لي على عدة كتبٍ أخرى قرأتُها من بعده، وعلى عدة مباحث نقَّبت عنها واطلعتُ على جملةٍ مما كُتب فيها.

ولم أخرج من هذا الكتاب القيم بمجرد الفائدة المقتصرة على المادة العلمية، بل إنه كان من الكتب التي أسست لمنهجٍ عقليٍّ وطريقة تفكيرٍ صارمةٍ اعتمدتُها، ولم تزايلني بعد ذلك أبداً، سواء فيما يتعلق بقبول الأخبار ورفضها، وأيضاً فيما يتصل بالحذر الشديد تجاه الأطياف والمذاهب الدينية، وتجاه المحدثات والبدع، وتجاه العبادات والأذكار التي لا أصل لها في الشرع.

وقد بدأ الإمام ابن الجوزي كتابه هذا بالرد على طائفةٍ من أهل الزيغ والانحراف عن الإسلام بالجملة، مبيناً كيف لبَّس عليهم إبليس أمرهم، ومن أين تسلل إليهم ليضلَّهم ذلك الضلال البعيد، ثم انتقل بعد ذلك إلى الطوائف المنتسبة للإسلام، وحمل حملةً شعواء على التصوف والصوفية، وأتى على بنيانهم الهشِّ من القواعد، داحراً أباطيلهم المبنية على غير أساسٍ من الحق بمنهجٍ عقليٍّ وشرعيٍّ صارم، يبدأ أولاً بتمحيص الأخبار وردِّ ما لا يصحُّ منها، ثم تنزيل ما جاء به القوم على القواعد القرآنية، ثم على القواعد الحديثة، وبالتالي ردِّ كل ما يتعارض مع القرآن والحديث النبوي الشريف.

وهو كما نرى منهجٌ سلفيٌّ أصيلٌ في تلقي الدين من معينه الأصفى (الكتاب والسنة)، وردِّ كل ما أحدثه المحدثون في الدين مما يخالف الأصلين العظيمين، ويا له من منهجٍ عظيمٍ دقيق، ويا حبذا لو اتبعه المسلمون حفظاً للدين من بدع المبتدعين وتمييع المميِّعين وتلاعب المتلاعبين…

.

وما إن أخبرتُ أحد أصدقائي المقربين، وهو من جماعة العدل والإحسان، بمدى إعجابي وتقديري لهذا الكتاب، حتى تغضَّن وجهه وامتقع لونه، وطفت أمارات الاشمئزاز على ملامحه، وأبدى للكتاب كراهيةً شديدةً ونفوراً عجيباً جعلني – لسذاجتي يومها – أندهش منه، غير أن أسباب ذلك لا تخفى على من لديه أدنى اطلاعٍ على حقيقة الوضع.

ثم إنه قد زعم أن ابن الجوزي قد تراجع عن جلِّ ما خطَّه في هذا الكتاب، وذلك في كتابٍ لاحقٍ له هو (صيد الخاطر)، وزعم أيضاً أن بعض من كان ابن الجوزي يهاجمهم في (تلبيس إبليس) صار يمجِّدهم في (صيد الخاطر)، ثم وعدني أن يبحث عن هذا الكتاب الأخير ويعطيني إياه لأقرأه، سعياً منه لكي يزيل عني تلك (اللوثة) التي يراها علقت بفكري من جرَّاء قراءتي وإعجابي بـ (تلبيس إبليس).

ولم يمرَّ إلا قليلُ زمنٍ حتى وفى صديقي بوعده، وذهب باحثاً عن كتاب (صيد الخاطر)، واستخرجه من تحت أطنان الكتب والغبار، وجاءني به قائلاً:

– “هاك اقرأه، وسيزيل هذا الكتاب مفعول الكتاب الأول!”

شكرته على مجهوده واهتمامه، وعدت إلى البيت حاملاً معي (صيد الخاطر)، متشوقاً للاطلاع على ما فيه، يحدوني فضولٌ عارمٌ للوقوف على مواضع (التراجع) ذاك الذي حدثني عنه…

08/05/2016

حذار من الشفقة – ستيفان زفايغ

18/04/2019 عند 11:45 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

حذار من الشفقة

.

رواية: حذار من الشفقة

لمؤلفها: ستيفان زفايج

.

=====

أول ما يدهشك وأنت تصافح هذه الرواية تقديم مترجمها لها، فهو يصفها بأنها واحدةٌ من أعظم الروايات التي أنتجها العقل البشري في كل الأزمنة والعصور! ولعله وصفٌ يوحي لقارئه بأنه واحدٌ من تلك المبالغات التسويقية المعتادة، والتي يتفنن في اصطناعها المترجمون والمقدمون والناشرون…

غير أنك وبعد إيغالك في صفحات الرواية وأحداثها، يتبين لك أن وصف المترجم لم يكن بتلك المبالغة، وأن فيه قدراً وافراً من الصحة، لأن الرواية بالفعل هي واحدةٌ من أعظم ما كُتب على الإطلاق!

ولا تتجلى أهمية هذه الرواية في طولها وتعدد شخصياتها وأحداثها وملاحمها، فهي لا تقارن – على كل حال – بروائع المطوَّلات الروائية الخالدة، لأنها تظل منتميةً لفئة الروايات القصيرة أو متوسطة الطول (حوالي 300 صفحة لا أكثر)! غير أن أهميتها متجليةٌ في قدرتها الخارقة على طرق موضوعٍ حساسٍ شديد الدقة، وعلى التوغل العميق في دهاليز النفس البشرية الأكثر عمقاً، فضلاً عن الأسلوب الاحترافي الذي وُصفت به الأحداث وقُدِّمت به انفعالات الشخصيات وتصرفاتها وحتى حواراتها وطرق كلامها…

هي روايةٌ تكاد تسمع أصوات شخصياتها وهم يتكلمون! وتكاد تراهم وهم يتحركون ويلتفتون وينفعلون انفعالات آدميةً شديدة الواقعية، بشكلٍ لا يكاد يتناسب مع طول الرواية الذي يبدو أقصر من أن يتحمل تلك الدقة الهائلة في الوصف وكتابة الحوار.

وأما موضوع الرواية فهو، وكما يدل عنوانها الغريب المثير للفضول: الشفقة! هذا الانفعال النفسي العاطفي الذي ارتبط في أذهاننا بالنبل ورقة الشعور والإحساس بآلام الغير، نجده في هذه الرواية قد اتخذ شكلاً آخر غير الذي تعودنا عليه، شكلاً بشعاً من شأنه أن يؤدي إلى مأساة مؤلمة!

ثم إنها رواية تستعرض لنا بشكلٍ دقيقٍ بعض أهم القضايا المرتبطة بنفسية الأنثى، وطريقة نظرتها للأمور، ومدى تأثير ذلك على العلاقات بين الجنسين عموماً، وكيف أن شفقة بطل الرواية ما كانت لتؤدي إلى المأساة لولا التقاؤها بنفسية الأنثى وعاطفتها الجامحة التي لا تعرف الاعتدال ولا تؤمن بأي منطق! ما يجعل الرواية صالحة لإسقاطها على كثيرٍ من الحالات المماثلة وغير المماثلة في شتى العصور… وهو ما يجعل القارئ يستشعر حاجته إليها في مناسباتٍ عدة، لكي يبحث فيها عن أجوبةٍ لأسئلته الحائرة، ويستشفَّ منها جملةً من الخفايا النفسية التي يمكن أن يسترشد بها لفهم واقعه وما ينطوي عليه من أبعادٍ ودلالات.

ولعل المواقف من أحداث هذه الرواية وشخصياتها ستختلف إلى حد التناقض بين القارئ الرجل والقارئة المرأة، لأن كل واحدٍ منهما سينظر إلى الأحداث من زاويته، فحين يبدي الرجل تعاطفاً مع شخصية (الملازم هومفلير) فإن المرأة لن تتعاطف إلا مع الفتاة الكسيحة (أديث)، وسيتكرر كالعادة ذلك الخلاف الأبدي بين الجنسين في مثل هذه المواضيع، وسيؤكد (الرجل) على أن البطل تصرف بدافع الشفقة وحدها، وهو دافعٌ نبيلٌ دون شك، ولأنه لم يقدِّم أي وعدٍ للفتاة أو إشارةٍ عاطفيةٍ صريحةٍ لها فهو في حِلٍّ إذاً من مسؤوليتها، ومن أي تهمةٍ قد تحاول إلصاقها به! وأما المرأة فستصرُّ على أنه قد كان في تكرار زيارات الرجل ولطفه وحسن سجاياه إشاراتٌ عاطفيةٌ صريحة، وأنه بعد أن تورَّطت الفتاة في حبه، أو بعد أن تورَّط هو في حبها له، فإن عليه أن يواصل معها حتى النهاية مرغماً، وإلا فهو خائنٌ نذلٌ جبانٌ خسيسٌ ملعون!

ولا حاجة هنا للقول بأن تعاطفي قد انصبَّ كلُّه أو جلُّه على شخصية البطل، في حين أحمِّل البطلة مسؤولية المأساة التي وقعت! ورغم أني لا أبرِّئ ساحة الملازم (هومفلير) بشكلٍ كامل، ولا أنفي عنه وقوعه – بسبب شفقته وضعف حزمه – في أخطاء ذات بال، إلا أن النصيب الأعظم من الخطأ كان من طرف الفتاة (أديث) دون أي شكٍّ في ذلك!

ولأن الرجل بطبيعته يتصرف بمنطق العقود الموقَّعة المكتوبة، وفي عُرفه أنه إن لم ينطق بالكلمة نطقاً ملموساً فإن صفحة ضميره ستظل بيضاء ناصعة، فإن المرأة كانت ولا تزال وستظل عاجزةً عن فهم ذلك، وستستمر إلى الأبد في تفسير الحركات والخلجات والسكنات، وإقناع نفسها بصحة استنتاجاتها الخيالية الوهمية، ثم ستحاكم ضمير الرجل ومبادئه بناءً على تلك الخيالات والأوهام التي قادتها إليها استنتاجاتها، وصدَّقتها هي نفسها مُنزلةً إياها منزلة الواقع الذي لا شك فيه…

ولأنه سيظل هناك دائماً رجالٌ يتصرفون بلطفٍ عن حسن نية، وفتياتٌ يفسرن أبسط تعاملٍ لطيفٍ على أنه حبٌّ سيفضي إلى الزواج! فإن رواية (حذار من الشفقة) ستبقى ضروريةً لشباب وفتيات هذا العصر، تكشف لهم عن أخفى الخفايا النفسية لبعضهم بعضاً، وتساعدهم على فهمٍ أفضل لواقعهم وعلاقاتهم ودوافعهم…

20/05/2016

لحظات لا غير – فاتحة مرشيد

17/04/2019 عند 17:44 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

لحظات لا غير

.

رواية: لحظات لا غير

لمؤلفتها: فاتحة مرشيد

.

=====

روايةٌ تتميز بأن اجتمعت فيها كل عناصر الفشل والتفاهة والانحطاط الفكري والأدبي والأسلوبي…

ولا يشكُّ من يقرأ الرواية أن التي كتبتها هي – أيضاً – واحدةٌ من (عاهرات الفكر والأدب)، اللواتي يحترفن حقن الدَّعارة الأخلاقية في عقول القارئات وقلوبهنَّ.

لم تفلح الرواية في جعلي أتأثر بشيءٍ من أحداثها السخيفة، ولو أقل التأثير! رغم مجهود الكاتبة وتكلُّفها المقزِّز في محاولة التأثير على القارئ واستدرار عاطفته، بواسطة أسلوبها النَّجس المتَّسخ، والذي أوحى إلي أثناء القراءة أني أمام عمل لفتاةٍ مبتدئةٍ فاشلة، لا يُرجى منها خيرٌ ولا يُتوقع أن يتطور أسلوبها مهما حاولت الكتابة واستهلكت فيها من جهد…

باختصارٍ شديد، تدور الرواية حول محورين اثنين، هما نفس المحورين اللذين تدور حولهما جميع الروايات المكتوبة من طرف عاهرات الأدب! والمحوران هما (نبذ الزواج)، ثم (تمجيد الزنا والخيانة).

هذان المحوران هما (الكرسي والطاولة)، على رأي أحلام مستغانمي، وهي منهن، بل هي كبيرتهن التي علمتهن العهر، والتي ذكرت في إحدى روايتها أن في كل عملٍ أدبيٍّ هناك (كرسيٌّ وطاولة) هما أهمُّ ما فيه، والبقية مجرد حشوٍ وأدب، كما أن بقية ما في الغرفة أثاثٌ لا يُحتاج إليه إلا للزينة وحشو الفراغات…

إن المسألة هي في الواقع أخطر مما تبدو عليه، فعندما تكون لدينا روايةٌ يقوم أساسها على تمجيد الخيانة الزوجية، وتأتي فتاةٌ لتعبر – بكل صفاقة – عن إعجابها الشديد بالرواية وكاتبتها، فإن المسألة هنا هي أكثر من مجرد رأيٍ بريء، بل لعله لا يبعد أن تكون تلك الفتاة الموبوءة مشروع زوجةٍ خائنةٍ لزوجها في المستقبل! لأن هذه هي الأفكار التي حُشيت في عقلها وتقبلتها وأُعجبت بها، وانحراف السلوك ليس إلا نتيجةً لانحراف الفكر…

(لحظات لا غير) ليست روايةً أدبية بقدر ما هي دورةٌ تكوينيةٌ للعاهرات والسافلات والزوجات الخائنات!

15/06/2014

حديث القمر – مصطفى صادق الرافعي

16/04/2019 عند 20:21 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

حديث القمر

.

كتاب: حديث القمر

لمؤلفه: مصطفى صادق الرافعي

.

=====

كان هذا الكتاب تجربتي الأولى مع أدب الرافعي، ومن أسفٍ أني – على ما يبدو – أخطأتُ الاختيار.

بدأتُ قراءة الكتاب وحملتُ نفسي حملاً على إتمامه، حتى إذا ختمتُه لم أكد أذكر عن أي شيءٍ كان يتحدث! وما ذلك إلا للصعوبة الشديدة التي تميز بها أسلوب الرافعي، والتفاف ألفاظه على المعاني، وإغراقه المفرط في التشبيهات البلاغية العميقة، إلى حدٍّ يجعل معاني فقراته شديدة الاستغلاق على الفهم، ثم يصير القارئ بإزاء هذا الوضع إلى خيارين أحلاهما مر؛ فإما أن يقف عند كل جملةٍ وقفةً طويلةً حتى يستوعبها ويفتح مغاليقها، أو يواصل تلاوة الكتاب مكتفياً بموسيقاه ونبرته الأسلوبية، قانعاً منه بما طفا على سطح الفهم…

والحق أن الرافعي إنسانٌ حباه الله نظراً شديد التعمُّق، إذ إن أفكاره ومعانيه لتنوء بالأساليب السهلة الميسَّرة، وتحتاج لبيانها إلى قدرةٍ لغويةٍ خارقةٍ للعادة، وهي قدرةٌ قد مُنِحَها الرافعي، واستطاع بها أن يعبِّر عن أفكاره العميقة باللغة التي تتحمل عمقها.

على أن هذا التعمُّق في المعاني كان له أثرٌ وخيمٌ على عامل (الاستمتاع بالقراءة)، ومتعة القراءة إنما تتحقق بكونها سلسةً ميسورة، وبكون الألفاظ تجري بمعانيها على اللسان والعقل جرياناً لا عوائق فيه، وهو أمرٌ افتقده بشدةٍ كتاب الرافعي هذا، فلم أستمتع به – للأسف – إلا قليلاً.

وكنت قديماً، بوحيٍ من هذا الكتاب، قد وزَّعتُ أدب الأدباء على مقياسٍ رباعيٍّ مكونٍ من ثنائية (السطحية والعمق) و(البساطة والتعقيد)، وافترضتُ أن أدب الأديب لا بد أن تكون له نسبةٌ ما إلى إحدى هذه الثنائيات:

– بسيطٌ وسطحي.

– بسيطٌ وعميق.

– معقدٌ وسطحي.

– معقدٌ وعميق.

ولا شك أن كتاب الرافعي هذا ينتمي إلى الثنائية الرابعة (معقدٌ وعميق)، وهي عندي ليست أفضل صفةٍ يمكن أن يتَّصف بها الأدب…

10/04/2016

العرب، وجهة نظر يابانية – نوبوآكي نوتوهارا

14/04/2019 عند 13:32 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

العرب وجهة نظر يابانية

.

كتاب: العرب، وجهة نظر يابانية

لمؤلفه: نوبواكي نوتوهارا

=====

أول ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب عنوانُه المثير للفضول، إذ إننا – نحن العرب – تعوَّدنا على النظر لبعضنا بعضاً بعيون بعضنا بعضاً، وقد حفظنا بسبب التكرار كافة الآراء والأفكار والانتقادات الذاتية مهما بلغ اختلافها، خاصة مع هذه العادة المريضة المتفشية حين يسبُّ كل عربيٍّ بقية العرب كلهم! حتى لا تكاد تجد عربياً إلا وهو يسبُّ ويشتم ويلعن شعوب العرب وحكام العرب والمجتمع العربي والفساد العربي والفاسدين العرب! حتى إنك لتتساءل أين هم هؤلاء المتخلفون والفاسدون (الآخرون)؟!

ثم جاء هذا الكتاب كضربةٍ خارجيةٍ مُهينة، وهذه المرة سيكون علينا أن نسمع السبَّ والشتم من وغدٍ قادمٍ من اليابان وليس من عربيٍّ من بني جلدتنا! ولا يتعلق الأمر بخواطر سجَّلها سائحٌ في عطلته التي أمضاها في بلدٍ عربيٍّ ما، بل هو نتاج دراساتٍ طويلةٍ وخلاصة تجارب امتدَّت أربعين سنة كاملة، درس فيها الكاتب اللغة العربية والأدب العربي وحاول فهم الشخصية العربية بمختلف تجلياتها، في الداخل والخارج، في المدينة والبادية، وفي معظم البلدان والعواصم العربية…

والحق أني لم أكد أتمالك غيظي واشتعال غضبي أثناء قراءتي لهذا الكتاب، ثم تضاءل ذلك الغيظ كله أمام ما اعتمل في صدري وأنا أقرأ بعض تعليقات (العرب) عليه، وهي تعليقاتٌ بعضها انهزاميٌّ وبعضها مستخزٍ وبعضها يُظهر الشماتة بشكلٍ واضح! وكأن هذا الكاتب الياباني قد وقع على فضائحنا الشنيعة ونشرها في كتابه مشهِّراً بنا أمام العالم أجمع!

لقد انتهج الكاتب الوغد أسلوباً خبيثاً متكبراً في طرح ملاحظاته وانتقاداته (البريئة) على الشخصية العربية والحياة العربية، وهو أسلوبٌ بُني على اعتبار اليابان قمة القمم ومثال الأمثلة، وجنة الله في أرضه، وأما اليابانيون فهم الملائكة المطهَّرون، وبالتالي فإن عقائد القوم وأفكارهم وأساليبهم هي (المقياس) الصحيح والسليم الذي يجب أن يقاس عليه، ولذلك ظلَّ الكاتب يُحيلنا في كل فقرةٍ من فقراته إلى الأوضاع عندهم في اليابان، وكيف أنها طوباويةٌ ملائكية، وتختلف تماماً عن الأوضاع المزرية التي يعيشها المجتمع العربي.

ومن عجبٍ أن الكاتب قد انتقد في بعض فقرات كتابه مسألة (العنصرية)، وقد فاته أن العنصرية تنضح من كل فقرةٍ وسطرٍ وجملةٍ في كتابه بشكلٍ صارخٍ جداً! وأنه ظل على طول الخط يقيس الإنسان العربي المسلم إلى الإنسان الياباني كأنما يقيس النموذج الناقص المعوجَّ إلى النموذج الصحيح الكامل!

ولو قرأتَ الكتاب لوجدتَ أن أغلب فقراته يبدأ بوصفٍ تهكميٍّ واضحٍ لظاهرةٍ عربيةٍ ما، ثم يختم الفقرة بعبارته المتكررة (لكن عندنا في اليابان الأمر مختلفٌ تماماً، وهذه أشياء لا نفهمها، لأننا…)، ثم يشرع في وصف الكمال الإنساني الياباني في التصور والاعتقاد وأسلوب الحياة…

وليت الكاتب قد اقتصر على بعض ما يستحق الانتقاد فعلاً مما يتعلق بالمشتركات الإنسانية الأخلاقية والمسلَّمات الكبرى، لكنه تجاوز حدَّه وخاض بقلمه، أو بقدمه، إلى بعض ما هو من أخصِّ خصوصيات هويتنا العربية المستقلة، ومبادئ ديننا الحنيف الذي لا يدين به!

فنجده ينتقد مسألة الكرامة والشرف، ويهزأ من حجاب المرأة المسلمة ولباسها (لأن اليابانية غير محجبة طبعاً)! ويسخر من غيرة الرجل العربي على حُرَمه (لأن الرجل الياباني لا يغار طبعاً)! ثم إنه قد تعدى كل حدٍّ حين انتقد تمسك المسلمين بمبادئ دينهم، ناسباً تخلفهم إلى ذلك، بل إنه قد بلغت به الوقاحة إلى أن ينتقد عقيدة التوحيد نفسها! واصفاً إياها بأنها من أسباب تخلف العرب والمسلمين، ثم لا يفوته أن ينبهنا إلى أن عقيدة (تعدد الآلهة) هي من العوامل التي ساهمت بشكلٍ إيجابيٍّ في بناء الإنسان الياباني المتقدم!

إننا نحن العرب والمسلمون لنا هويتنا، ومبادئنا، وأخلاقنا، وتراثنا، ولنا ديننا العظيم الذي ندين به، ولنا الوحي المنزل من فوق سبع سماوات، ولنا سنَّة رسولنا صلى الله عليه وسلم. ومن ديننا نأخذ مبادئنا وشرائعنا وأخلاقنا، وإذا انحرفنا فإننا نحن من نحدد الانحراف وبواعثه، ونحن من ينبغي أن يصف دواءه، ولا نحتاج ليابانيٍّ كافرٍ كي يعلمنا كيف يجب أن نفكر وكيف يجب أن نعيش! فضلاً عن أن يقيسنا – متعالياً – إلى قومه أصحاب الفطرة المنتكسة، والذين لو عدَدنا فضائحهم ومخازيهم وفظائعهم الشنيعة ما أحصيناها…

ولا يقال لمثل هذا الكاتب إلا: ظُفر مسلمٍ عربيٍّ برقبتك ورقبة قومٍ من أمثالك… وكفى!

25/05/2016

صور من حياة الصحابة – عبد الرحمن رأفت الباشا

12/04/2019 عند 11:17 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

صور من حياة الصحابة

.

كتاب: صورٌ من حياة الصحابة
لمؤلفه: عبد الرحمن رأفت الباشا

=====

كتابٌ جميلٌ قيِّم، ختمتُه بحمد الله منذ عدة سنوات، وعدت مؤخراً أطالع بعض فقراته الماتعة… وهو كتابٌ يستعرض لنا تاريخ 65 صحابياً جليلاً على شكل قصصٍ قصيرة، كُتبت بأسلوبٍ جزلٍ منساب، يجمع لك بين الإفادة التاريخية والمتعة القصصية والأدبية، فضلاً عما تحتويه قصص الأخيار الأجلاء من عبرٍ وعظات، ودروسٍ عظيمةٍ ما أحوجنا لاستيعابها والسعي لتمثُّلها في حيواتنا هذه الغافلة…

وهو أسلوبٌ يلائم ناشئة الإسلام أيضاً لبساطته ورونقه، وما أجمل أن يربِّي الأب أبناءه على مثل هذه الكتب النافعة، فيكتسبون منها ملَكة اللغة العربية وحب القراءة المفيدة والمطالعة النافعة، وقبلهما محبة الصحابة الأخيار الذي اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، واصطفاهم للمكرمات، وأنعم عليهم بأن يكونوا قدواتٍ تحتذى في سبيل الإخلاص والبذل وسائر صفات الرجولة والشهامة والمروءة.

وللكاتب أيضاً كتابٌ آخر اسمه (صور من حياة التابعين)، غير أني لم أقرأه بعد، ولعلي أفعل عما قريبٍ إن شاء الله…

28/04/2016

بجعات برية – يونغ تشانغ

11/04/2019 عند 16:48 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

بجعات برية

.

رواية: بجعات برية
لمؤلفتها: يونغ تشانغ

.

“إن كل كلمةٍ ينطق بها (ماو) هي حقيقةٌ كونيةٌ مطلقةٌ غير قابلةٍ للنقاش.”

“إن كانت هذه هي الجنة… فما هو الجحيم؟!”

“في هذه الفترة، بدأتُ أدرك أن (ماو) هو المسؤول، في الحقيقة، عن (الثورة الثقافية)… ولكني، مع ذلك، لم أحكم عليه صراحةً بالإدانة، ولا حتى في ذهني… كان من الصعب جداً تدمير إله! لكني كنت ناضجةً نفسياً للكفر به…”

=====

أتممتُ أخيراً، وبعد قراءةٍ متقطعةٍ امتدت زمناً طويلاً، الرواية التاريخية العظيمة (بجعات برية).

إن هذا الكتاب الذي بين يديَّ هو أكثر من مجرد رواية، بل هو في الحقيقة وثيقةٌ تاريخيةٌ شديدة الأهمية، تروي لنا التاريخ المفصَّل للصين عبر مدةٍ زمنيةٍ تمتد ثلاثة أرباع القرن، من عام 1909 وحتى عام 1978، متمثلاً في حياة نساءٍ ثلاثٍ هنَّ الجدة والأم والحفيدة، بحيث أن كل واحدةً منهن عاشت حقبةً مهمةً من تاريخ الصين الحافل في القرن العشرين.

هي روايةٌ طويلةٌ تتجاوز الـ 600 صفحة من القطع الكبير على صغرٍ في الخط المستخدم، ونلاحظ أنها تطلبت من مؤلفتها عملاً جباراً من التجوال والبحث وجمع المادة التاريخية بتفاصيلها الدقيقة جداً، والمدرجة كلها في صفحات الرواية بأسلوبٍ احترافي، وقد بلغ من احترافية الكاتبة في نقل التفاصيل أنها تعطيك انطباعاً بأنها عاشت بالفعل في زمن جدتها وأمها، وقد احتفظت في ذاكرتها من تلك الأحداث والمشاهد ما جعلها قادرةً على أن تنقلها لنا وكأننا نراها رأي العين.

.

ولعل أهم ما في الرواية على الإطلاق تطرُّقها لفترة حكم الطاغية الأشدِّ شراً وسفكاً للدماء (ماو تسي تونغ)، وهنا ينبغي أن أشير إلى حقيقة أن ما نعرفه اليوم عن الدكتاتورية والطغيان وتسلُّط الأنظمة الجائرة على شعوبها ليس شيئاً على الإطلاق! وأنه جميعاً ليس أكثر من قطرةٍ في بحر الطغيان المطلق الذي عاشته الصين تحت إرهاب ذلك الشيطان الشيوعي الأكبر (ماو تسي تونغ).

إن ما قرأته في هذه الرواية ليس توثيقاً لسيرة حاكمٍ طاغيةٍ سفَّاح، بل هو شيءٌ أكثر من ذلك وأشدُّ فظاعةً بكثير! إنها سيرة بشرٍ نصَّب نفسه إلهاً بالمعنى الحرفي للكلمة، ورغم المادية والإلحاد الصارخ الذي تقوم عليه شيوعيته ونظامه، إلا أنه كرَّس في شعبه عقيدةً راسخةً لا تكاد تتزحزح في ألوهيته، وهي عقيدةٌ ترتقي لتكون دينيةً حقاً! ولن يستطيع أحدٌ أن يستوعب هذا الكلام إلا إن قرأ الرواية، ووقف بنفسه على تفاصيلها وأحداثها الرهيبة المروِّعة.

وليس أغرب من ذلك التسلُّط المطلق لـ (ماو) على شعبه إلا تغلغل أفكاره وعقائده بالفعل في وعي ذلك الشعب، وهو أمرٌ لم تفلت منه كاتبة الرواية نفسها، إذ إنها رغم كل الفظاعات والانتهاكات الصارخة التي حصلت أمام عينيها، ورغم كل التعذيب والدماء والأشلاء، ورغم كل المآسي التي كان (ماو) سبباً مباشراً فيها، إلا أنها لم تكن تجرؤ على لومه أو إدانته حتى فيما بينها وبين نفسها، وكانت إذا راودتها فكرةٌ عابرةٌ ضد (ماو) فإنها سرعان ما تطردها من ذهنها، بل وتعاني بسببها من (تأنيب ضمير) قد يجعلها مقتنعةً بأنها تستحق العقوبة حقاً!

ولم تصارح الكاتبة نفسها، سراً وعلى استحياء، بالكفر بـ (ماو) إلا بعد سنواتٍ طويلة، وبعد أن دنا أجل هذا الأخير، ثم كان أن عبَّرت لنا دون تحفظٍ عن فرحتها بموته، وعن السعادة الغامرة التي شملتها بعد أن شاع الخبر، وهي سعادةٌ كان عليها أن تخفيها وراء قناعٍ زائفٍ من الحزن الاصطناعي المتكلف…

.

هي روايةٌ إنسانيةٌ وتاريخيةٌ كبيرةٌ وذات أهميةٍ لا ينبغي أن يستهان بها، غير أنها قد خلت – مع الأسف – من التعابير البلاغية والجماليات الأدبية، فأسلوبها هو أسلوبٌ حياديٌّ جامد، يكتفي بنقل الأحداث والوقائع بطريقةٍ موضوعيةٍ مباشرةٍ لا تخلو من جفاف، وهو ما قد يجعل تطرُّق الملل إليك أثناء قراءتها أمراً غير مستبعد، لكنك ستجد نفسك متشوقاً دائماً – رغم ذلك – لاستكشاف المزيد مما تخفيه في صفحاتها الكثيرة من عجائب وغرائب الطغيان والظلم والجبروت، والتي لن تخطر لك على بالٍ مهما جمح خيالك وتطرَّف…

24/04/2016

الشيخ والبحر – أرنست همنغواي

10/04/2019 عند 21:34 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

الشيخ والبحر

رواية: الشيخ والبحر
لمؤلفها: إرنست همنغواي

“وقال لنفسه:

إنك لم تقتل السمكة فقط من أجل أن تعيش، ولتبيعها كغذاءٍ للناس، وإنما إرضاءً لكبريائك واعتدادك بنفسك، ولأنك صياد… لقد أحببتَها وهي حية، وأحببتَها بعد أن فارقت الحياة، وإذا كنت تحبها فهل قتلك لها يعدُّ خطيئة؟ أو أن ذلك شيءٌ أكبر من الخطيئة؟”

=====

إن رواية (الشيخ والبحر) أو (العجوز والبحر) هي روايةٌ غنيةٌ عن التعريف، وهي من الروايات التي فازت بجائزة نوبل في خمسينيات القرن الماضي، وقد أتيح لي أن أقرأها كاملةً هذا اليوم في أثناء طريق العودة من مراكش إلى طنجة.

كنت أعرف قصة الرواية من قبل، وهي واحدةٌ من أبسط القصص وأكثرها عمقاً في الوقت نفسه! فليس في الرواية إلا شخصيةٌ واحدةٌ رئيسية، وليس فيها أكثر من حدثٍ واحدٍ رئيسيٍّ ربما تخلَّلته بين الفينة والفينة بعض الذكريات العابرة، لكنه يظل حدثاً واحداً يعرفه كل من قرأ الرواية أو قرأ عنها، ولعل كل واحدٍ منا يجد نفسه، أو جزءاً من نفسه، في قصة (العجوز والبحر) المؤثرة بعمق…

إنها – باختصار – قصة صيادٍ عجوزٍ طاعنٍ في السن، ومحتفظٍ بقوته رغم ذلك، ولم يكن قد اصطاد سمكةً منذ أكثر من ثمانين يوماً، ثم عقد العزم على الإبحار بعيداً لاصطياد سمكةٍ كبيرة، وكان له ما أراد، واصطاد في عرض البحر سمكةً عملاقةً يفوق حجمها حجم مركبه، مما اضطره لترويضها إلى مصارعتها صراعاً شديداً امتدَّ أياماً بلياليها كي يسحبها إلى سطح البحر، وتم له ذلك بعد جهدٍ مرير، واستطاع أخيراً أن يغرس رمحه فيها ويرديها قتيلةً بعد أن ساحت دماؤها الحمراء على صفحة البحر.

غير أن الفرحة لم تتم، فما كاد يبحر عائداً إلى الشاطئ ساحباً معه نصره المظفَّر وإنجازه العظيم، حتى جاءت إليه أسماك القرش بعد أن جذبتها رائحة دماء السمكة، مما اضطره إلى خوض صراعٍ شرسٍ آخر ضد الأسماك المفترسة التي جاءت تنهش لحم سمكته العملاقة… ولقد استمر يصارع القروش صراع الأبطال، وطوَّر أسلحةً وأدوات قتلٍ من أشيائه البسيطة التي حملها فوق مركبه، واستطاع بالفعل أن يقتل عدداً من أسماك القرش المهاجمة، لكنه لم يفرغ من ذلك – للأسف – إلا بعد فوات الأوان، ولم ينصرف آخر قرش إلا وقد نُهشت آخر قطعة لحمٍ من السمكة العملاقة، ولم يبق له منها سوى هيكلها العظمي المربوط بواسطة الحبال إلى قاربه…

ولم يعرف سكان الجزيرة وزوارها شيئاً عن ملحمة العجوز العظيمة، وكان كل ما رأوه في نهاية المطاف هو منظرٌ غريبٌ لقاربٍ مهمل، وقد رُبط إليه هيكلٌ عظميٌّ لسمكةٍ (كانت) عملاقة في يوم ما!

.

تعددت تحليلات النقاد لهذه الرواية ذات الحدث الواحد، إلا أن الأمر المؤكد هو أن المؤلف كان يرسم صورةً لنفسه عبر شخصية العجوز، ولعله عبَّر من خلال الرواية عن إحباطاته النفسية العميقة ومخاوفه الدفينة، خاصة وأن المؤلف هو صيادٌ حقيقي، وقد تميز بحدة النظر، وهي صفةٌ من صفات العجوز في الرواية، وقد رُوي عن الكاتب أنه كان يعاني خوفاً مرَضياً غير سويٍّ من الأفول والموت واضمحلال القوى الجسدية والعقلية في سن الشيخوخة، ولعل هذا يفسر كون الرواية مبنية على بطولةٍ خارقةٍ لشيخ طاعن في السن، لكنه مع ذلك محتفظٌ بكافة قواه العضلية والعقلية، فضلاً عن عزيمته الجبارة وإقدامه الشجاع على مواجهة الآلام والمخاطر دون خوفٍ ولا تردد…

ينظر بعض النقاد إلى هذه الرواية على أنها تجلٍّ نرجسيٌّ لكاتبٍ محبطٍ يستدرُّ عطف قرائه، في حين ينظر إليها آخرون من منظار الأدب الرمزي، على اعتبار أننا جميعاً نشبه – بشكلٍ أو بآخر – ذلك العجوز في الرواية، وجميعنا نبحر في الحياة باحثين عن المجد، مقاتلين لأجله، لكن ما من أحدٍ يمكنه أن يهنأ به إن تحصَّل عليه، فلا بد من (أسماك قرش) تعترض سبيلنا في الحياة بعد أن تشم رائحة آثار ذلك النجاح العظيم، ولا بد أن نبذل جميع قوانا في محاربتها حفاظاً على ذلك (المجد) الذي حققناه، لنكتشف أخيراً وبعد (العودة إلى الشاطئ) أننا بإزاء نهايةٍ مأساويةٍ لم تخطر لنا على بال، وأن كل ما تبقى لدينا هو (هيكلٌ عظمي)، حطام! ينظر الناس إليه بازدراء، وبشفقةٍ ربما، يلقون عليه نظرةً عابرةً ثم ينصرفون، دون أن يكون أحدٌ منهم قد شهد قتالنا المرير وكفاحنا الشديد ومعاناتنا الأليمة والطويلة في صناعة المجد والحفاظ عليه…

فكرةٌ سوداويةٌ جداً ومتشائمةٌ لأقصى حد، لكنها ليست غريبةً على كاتب غير سويٍّ من الناحية النفسية، وقد اختار أن ينهي حياته منتحراً بطلقة رصاصة، بعد أن لم يُبقِ له الإحباط والقنوط أي دافعٍ لمواصلة الحياة…

.

رواية (الشيخ والبحر) هي روايةٌ ممتعة، مشوقة، عميقة، وهي رغم ذلك قصيرةٌ لأنها تحتوي على حدث واحد فقط، غير أن المؤلف قد استطاع ببراعةٍ رسم المشاهد بدقةٍ متناهيةٍ وبأقل قدرٍ ممكنٍ من الكلمات، وهو ما يجعلها لوحةً فنيةً رائعةً تستحق – بلا شك – التأمل والاهتمام…

22/04/2016

خرافة التقدم والتخلف – جلال أمين

09/04/2019 عند 18:44 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

خرافة التقدم والتخلف

.

كتاب: خرافة التقدم والتخلف

لمؤلفه: جلال أمين

=====

أحب كثيراً الكتب الجريئة، تلك التي تخرج عن المسار وتنقض المسلَّمات وتتعمق في حقائق الأشياء ومضامينها.

الكتاب تحفة فكرية من الطراز الرفيع، وهو من الكتب التي تدعو إلى التأمل العميق والتجرُّد لمعرفة الحقائق بأسلوبٍ بعيدٍ عن تلك القوالب الجاهزة التي يقدِّمها الساسة عبر قنواتهم ووسائلهم الإعلامية الموجَّهة.

يتناول الكتاب جوانب مثيرةً من (السياسة الأمريكية) ونظرتها المتعالية للعالم، والتي بلغت من تعاليها أنها قدَّمت مفاهيم ثابتةً لا نقاش فيها لكلمتيْ (التقدم) و(التخلف)، وهي مفاهيم رُوِّج لها بشكلٍ متوحشٍ حتى تغلغلت في أعماق وجداننا دون أن ننتبه لذلك أو نشعر به، وحتى صار فهمنا للتقدم والتخلف موافقاً للمفهوم الأمريكي لهماوهي الفكرة التي عمل الكاتب على نقضها في هذا الكتاب، مشيراً إلى أن لكل أمةٍ هويتها الخاصة ومميزاتها المختلفة عن بقية الأمم، وبالتالي فلا شيء يُلزم أي أمةمهما بدت متخلِّفةبأن تخضع لمفاهيم أمةٍ أخرى ورؤاها الخاصة بالتقدم والتخلف.

وقد كان الكاتب ذكياً في استقرائه لبعض النصوص والتصريحات الصادرة عن بعض هيئات (المجتمع الدولي)، والتي تبدو للقارئ في الوهلة الأولى بريئةً جداً ولا غبار عليها، لكن الكاتب عمد إلى تحليلها بشكلٍ متعمِّق واستخرج منها من معاني الغطرسة والاستكبار والتمركز على الذات ما يفاجئ القارئ حقاً، لأنه لم ينتبه إليها أثناء القراءة ولم يلمح ما كُتب بين السطوروهو ما اعتبرتُه درساً حقيقياً في قراءة الكلام المكتوب وتحليله تحليلاً نقدياً متعمقاً.

كما قد أعجبتني جداً جرأة الكاتب في حديثه عن (نظرية المؤامرة)، وقد عبَّر عن آراء حولها تطابق تماماً ما توصلتُ إليه في هذا الموضوع! وبشكلٍ أدهشني في بعض الفقرات، وأحسستُ معه أن الكاتب قد صاغ حرفياً ما يدور في ذهني وما أفكر فيه.

لكن مع كل ذلك، أعتبر أن هذا الكتاب قد سار بمحاذاة الحقيقة التي قرَّرها ديننا الحنيف، قريباً جداً منها، واقفاً على أعتابها، لكنه مع الأسف وقف دونها، وإن كان شديد الاقتراب منها بفضل الفهم العميق للكاتب ورؤيته النقدية المتميزة.

وأعني بكلامي هذا أن الركيزة الفكرية التي يقوم عليها الكتاب ليست مرتبطة تماماً بالانتماء للهوية الإسلامية، بل إن الكاتب يعتبر الإسلام ديناً، والهوية العربية ثقافة، وأن مظاهر الغزو الفكري الأمريكي هي (اعتداء حضارةٍ على أخرى، ومحاولة طمس ثقافةٍ معينةٍ واستبدالها بثقافة أخرى)، وهذا الكلام وإن كان صحيحاً في ظاهره إلا أن موقف الكاتب منه كما يبدو هو مجرد انتقاد (غزو هويةٍ لأخرى)، أياً كانت هذه الهوية! وهذه رؤيةٌ ليبراليةٌ في حقيقتها تتنافى مع الرؤية الإسلامية في مثل هذه المواضيع، بسبب تجاهلها وربما إنكارها لمفاهيم (الدعوة إلى الله) و(الحق والباطل) كما نستمدُّها نحن المسلمون من الوحي الإلهي.

وعلى كل حال، فإني أستطيع القول بأن رؤية الكاتب تمثِّل (الليبرالية الصافية)، أعني الليبرالية المجرَّدة في أبهى وأصدق صورها، وهي رؤيةٌفيما يبدوأخلاقيةٌ تستحق التقدير والاحترام، رغم الاختلاف الجذري معها جملةً وتفصيلاً

تبقى الإشارة إلى أن مما يمكن أن نأخذه على الكتاب اقتصاره على عرض المشكلة، دون تقديم حلولٍ حقيقيةٍ فعالة! فالكاتب قد تعمَّق في فهم المشكلة وشرحها شرحاً وافياً مستفيضاً، لكنه لم يتكلَّف عناء تقديم الحلول لتلك المشكلة! ولو تُرك لنا أن نستنبطه من طيَّات الكتاب، فسنجده مدفوناً في تلك (الركيزة الليبرالية) التي أسَّس عليها الكاتب كتابه، وأعني تحديداً السماح لكل قومٍ بفعل ما يشاؤون وبناء حضارتهم على النمط الذي يريدون، دون أي تدخلٍ أو غزوٍ ثقافيٍّ وفكريٍّ من أي طرف، ويلزم من هذا احترام كل الأديان والثقافات وعدم إبطال أيٍّ منها، وجعلها على قدم المساواة وعلى صعيدٍ واحدٍ دون تمييز

وهذه رؤيةٌ تبدو في ظاهرها أخلاقيةً بالمقاييس الدنيوية المفصولة عن الوحي، لكنها لا يمكن أن تُقبل إطلاقاً من طرف الإنسان المسلم الذي يؤمن أن لا معبود بحقٍّ إلا الله، وأن الإسلام هو دين الحق الذي نزل بالوحي من عند الله تعالى، ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

03/01/2014

 

« الصفحة السابقة

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.