الأيام – طه حسين

21/04/2019 عند 11:11 | أرسلت فى كـتـب وروايـات | أضف تعليق

الأيام

.

رواية السيرة الذاتية: الأيام
لمؤلفها: طه حسين

.

=====

من أسباب قراءتي لهذه الرواية، إضافةً إلى شهرتها الطاغية، كون كاتبها مكفوف البصر! وقد كان عندي دائماً – وما زال – اندهاشٌ عظيمٌ من المكفوفين الذي حقَّقوا إنجازاتٍ في العلم والفكر والأدب، وإن كنتُ بشكل عام، وهذا طبيعي، قليل الثقة جداً في ما يقرِّرونه من الأفكار والآراء، ولا سيما منهم الذين عمُوا في سنٍّ مبكرةٍ جداً.

وهذا طه حسين، كُفَّ بصره في الرابعة من عمره بسبب رمدٍ حادٍّ لم ينفع معه علاج، وهو عمرٌ صغيرٌ لا تكاد الذاكرة تحتفظ فيه بشيء، وهو ما يعني أن إدراك طه حسين للحياة، بأكمله، مبنيٌّ فقط على حواس السمع واللمس والشم والذوق، وأما البصر فهو لم ير شيئاً قط، لا في مصر ولا في إيطاليا ولا فرنسا ولا في أي مكانٍ زاره على الإطلاق، بل إنه لم ير حتى نفسه وأساتذته وأقاربه وزوجته وأبناءه وكل من اتصلت أسبابه بأسبابهم طيلة حياته المديدة التي جاوزت الثمانين عاماً…

ونحن كما هو معلوم، نعتمد على حاسة البصر بشكلٍ أساسيٍّ جداً لا غنى عنه، لتكوين الرؤى والتصورات والأفهام التي نصدر عنها لإعلان آرائنا وانطباعاتنا في شتى نواحي الحياة المختلفة، فهي حاسةٌ أساسيةٌ وأكثر أهمية من غيرها، وعلى أساسها يتكون الجزء الأكبر من مداركنا، ولا نستطيع أن نتصور – مجرد تصور – أننا قد نفهم ما يدور من حولنا فهماً صحيحاً دون هذه الحاسة العظيمة التي لا حياة حقيقيةً بدونها.

فحُقَّ لنا أن نعجب إذاً، حين تُؤخذ آراء طه حسين وأفكاره على محمل الجد، وحين يُتكلف الرد على ما اعتُبر منه (دعوةً إلى التغريب)، أو (دعوةً إلى الأَوْرَبة)، وذلك على أساس أنه سافر إلى فرنسا فانبهر بالحضارة الغربية ثم عاد إلى مصر داعياً إليها مبشراً بها! فأي انبهارٍ يمكن أن يكون بحضارةٍ لم ير شيئاً منها قط؟! والمعروف أن أكثر انبهار المنبهرين بالغرب مردُّه إلى حاسة الإبصار، وإلى ما (رأوه) هناك من النقوش والزخارف وعجائب البناء والعمران والأضواء المتلألئة والحسان المتبرِّجات وحرية الملذَّات المحرَّمة… إلخ.

فما الذي رآه طه حسين في حياته كلها؟ الجواب هو (لا شيء)! مجرد سوادٍ مطلقٍ مطبقٍ على الكون كله، سوادٍ مستمرٍّ في اليقظة والمنام لا يتخلَّله لونٌ ولا شعاع نور، وسواءٌ أكان في فرنسا أو في مصر أو في أي مكانٍ آخر فهو لم ير شيئاً مما حوله، وكل إدراكه لمحيطه مبنيٌّ على ما سمعه من الآخرين، وعلى ما اتصل بجسده مما لامسه، أيادٍ وجدرانٌ ومقاعد وفرشٌ وأطعمةٌ وأشربةٌ ومركوبات!

فهل يكفي شيءٌ من هذا لتكوين تصورٍ سليمٍ للمحيط على نحوٍ يُنبهَر به، ثم يصدر عن ذلك الانبهار رأيٌ داعٍ للتغريب؟ بالطبع لا! ومهما كان ما قاله طه حسين في هذا الباب فما كان ينبغي أن يُؤخذ على محمل الجد، وكان يكفي أن يقال (مكفوف البصر لم ير شيئاً ولم يعرف شيئاً) وكفى!

لكن أغلب الظن أن الرجل لم يكن وحده، بل كان مَقُوداً مُستغَلاً من غيره ممن وراءه، وما من مكفوفٍ إلا ووراءه من يقوده، وإلا فليس من المعقول أن نعبأ برأي إنسانٍ أعمى في مواضيع لا يدرك أبعادها إلا المبصرون…

.

وأما كتابه (الأيام) وهو سيرةٌ ذاتية، ففيه يصحبنا طه حسين إلى حيِّز عماه، ويجعلنا ننظر إلى الحياة بذلك المنظار الأسود القاتم، فليس في الرواية ألوانٌ ولا أوصافٌ للمرئيات، وإنما هي حواس السمع واللمس والذوق فقط…

وقد اعتمد الكاتب في سيرته هذه ضمير الغائب لا ضمير المتكلم، وكنَّى عن نفسه بـ (صبيِّنا، الصبي، الفتى…)، ولعله أراد من ذلك أن يخرج من الذاتية التي تصبغ عادةً أمثال هذه السير، والتي تجبر كاتبيها على الرفق بأنفسهم وإضفاء مظاهر الكمال عليها، وحجب النواقص البشرية التي تعتريهم، وبالفعل فقد نجح طه حسين – إلى حدٍّ ما – في الخروج من ذاته بهذا الأسلوب، ورأيناه يتحدث عن نفسه كما لو كان يتحدث عن شخصٍ آخر، ولم يتردد في أن يدرج في روايته شتى النقائص والعيوب النفسية التي اعترت (صبيَّنا) في مراتٍ كثيرة، من الخبث والغش والحسد وغير ذلك، وهو ما أضفى على الرواية نوع تجردٍ في تناول الذات ما أندر ما نشاهده في الكاتبين بضمير المتكلم.

ولما كانت (الأيام) منقسمةً إلى ثلاثة أجزاء، فإني سأذكر انطباعي حول كل جزءٍ على حدة، لأن الأجزاء بدت لي مختلفة حقاً بما يكفي لهذا التفريق…

– الجزء الأول:

هو الأصغر حجماً، وفيه تطرق طه حسين إلى أطوار طفولته الأولى في القرية قبل رحيله إلى الأزهر… وقد اعترتني دهشةٌ عظيمةٌ من الأسلوب دعتني في البداية إلى الضحك! لأن الأسلوب بدا لي – على فصاحته – إنشائياً بسيطاً جداً كأشدِّ ما تكون البساطة، وعلى نحوٍ أعاد إليَّ شعور قراءة النصوص المدرسية في أيام الطفولة!

غير أن الأسلوب – رغم بساطته – قد تميز بفصاحةٍ محبَّبة، وازدانت الصفحات بالألفاظ الأنيقة والتعابير الممتعة، وأمضيتُ في قراءته وقتاً جميلاً نهلتُ فيه من منبع العربية الفصيحة التي نراها الآن – مع كامل الأسف – آيلةً للانقراض…

– الجزء الثاني:

هو الأكبر حجماً والأكثر تعداداً في الصفحات، لكنه الأكثر مللاً وتكراراً والأقل تنوعاً رغم ذلك!

ولستُ أدري هل تغير الأسلوب عما كان عليه في الجزء الأول أم أنني فقط تعودتُ عليه، إلا أني دهشتُ من كمِّ الأحداث المتكررة والتفاصيل غير المهمة التي شكَّلت معظم هذا الجزء، والذي مضى معظمُه في وصف يومياتٍ باردةٍ مكررةٍ في الأزهر وفي مكان إقامة (الصبي)، وما كان فيها من تفاصيل الذهاب والإياب واليقظة والنوم والأكل والشرب وما شاكل ذلك مما لا غَناء فيه… ويضاف إليه وصفٌ مملٌّ آخر لمجالس الأساتذة والشيوخ وجيران السكن وباعة الشوارع، وما كان من أمر هؤلاء الناس من الصفات والعادات المضحكة والخصومات البسيطة التي تعددت أسبابها، وكل ما سبق ذكره لا يخرج بحالٍ من الأحوال عن طابع (الحياة اليومية) الروتينية المكررة.

ولو أن أي واحدٍ منا تطرق لأكثر فترات حياته الدراسية مللاً ورواها لنا في كتاب، لما جاء بشيءٍ مختلفٍ عما في هذا الجزء من (الأيام)، بل وربما تضمنت إثارةً أكبر!

ولعل عمى الكاتب قد ضاعف من ملل الوصف، خاصةً وأن القارئ يجد نفسه يتصور الشخصيات والأحداث من حيِّز العمى ذاك، فهو يقرأ وصفاً للروائح والأصوات وبعض الملموسات فقط، ولا يكاد يجد وصفاً مرتبطاً بحاسة البصر، وإن وُجد فلأن الكاتب سمعه من غيره لا لأنه رآه بنفسه…

الجانب المهم الوحيد في هذا الجزء هو (الجانب الدراسي والعلمي)، وما كان فيه من القراءة والأبحاث والخصومات العلمية وواقع بعض الشيوخ والأساتذة والطلاب، وهو جانبٌ يثير الدهشة حين نلاحظ كيف أن الله فتح على المكفوف بصرُه من أبواب الحفظ والضبط والذاكرة والتأليف والتفوق فيه ما لم يفتحه على كثيرٍ من المبصرين.

– الجزء الثالث والأخير:

أقل حجماً من سابقه وأكبر من الجزء الأول، فهو في منزلةٍ بينهما، وثمة اختلافٌ آخر هو أن فصوله قد تضمنت عناوين! ولست أدري أهي عناوين أصليةٌ من الكاتب نفسه أم أنه تمت إضافتها لاحقاً، خاصةً وأن العناوين قد نطقت بضمير المتكلم رغم أن الجزء قد سار على غرار سابقيه في الاعتماد على ضمير الغائب، وهو أمرٌ أثار استغرابي أن أجد من تلك العناوين (حين دعا عليَّ أستاذي بالشقاء) أو (المرأة التي أبصرتُ بعينيها)، ثم إذا أخذتُ في قراءة الفصل وجدته مستمسكاً بضمير الغائب (الفتى)!

مهما يكن، فقد كان هذا الجزء أكثر إثارةً من سابقه وأقل مللاً، وقد روى لنا الكاتب فيه ما كان من أمر سفره إلى فرنسا لاستكمال دراسته العليا، وكيف قاتل بشراسةٍ من أجل انتزاع موافقة الجامعة المصرية على ضمِّه إلى البعثة رغم عاهته البصرية، ثم كيف كافح في طلب العلوم متغلباً على عماه حتى استطاع أن يدرس ويحفظ ويؤلِّف، ثم ليظفر بالشهادات العليا ودرجات التفوق، ثم روى لنا أيضاً تعرفه على زوجته الفرنسية (سوزان بريسو) وكيف أنها كانت له خير معينٍ على البحث والدراسة والطلب، إذ كان لا بد للمكفوف ممن يقرأ عليه الكتب مهما طالت، ومن يكتب له ما يمليه عليه مهما أطال!

وسبحان الله، لم يحرم الله عبداً حاسة البصر إلا وعوَّضه عنها حدةً في بقية حواسه، وما زلتُ مندهشاً من قدرة المكفوف على التفاعل مع محيطه بشكلٍ عام، حتى في أبسط أشكال التفاعل، وأما الدراسة وطلب العلم والتفوق فيه والتأليف والرواية وارتقاء المناصب العليا التي بلغ فيها طه حسين منصب الوزارة، فهو أمرٌ لا أخفي عليكم أني أجد – بصراحة – صعوبةً في تصوره، فسبحان الله القادر على كل شيء! وإن الاطلاع على مثل هذه السير لمما يدلُّ على أننا لا نعرف إلا القليل على هذا الكائن الموغل في غموضه (الإنسان)، وعن قدراته التي حباه الله إياها، والتي يبدو أن إدراك وتصوُّر الأشخاص العاديين من أمثالنا لا يبلغ إلا النزر اليسير منها…

كتاب (الأيام) سيرةٌ ذاتيةٌ مفيدةٌ بلا شك، وإن كان مما يعاب فيها بعض الملل والإسراف في عرض تفاصيل غير مهمة، كما قد لاحظتُ أيضاً نوعاً من (تضخيم المشاكل والأحزان) في غير ما مقطع، وهو ما دلَّ على درجةٍ معينةٍ من نرجسية الكاتب، لم يتمكن من طمرها كلَّ الطمر عدولُه عن ضمير المتكلم، واعتماده – مبتعداً عن ذاته وخارجاً منها – ضمير الغائب الذي يُنظر إليه من بعيد…

31/07/2016

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: