الحب والزواج في زمن الوسائط الرقمية ~

07/04/2016 عند 22:18 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

img_3940

.
.

بسم الله الرحمن الرحيم،
.
كنت قد توصلت منذ عدة أسابيع برسالة على موقع الآسك، تطرح مواضيع وقضايا مهمة تمس واقع الشباب في هذه الأيام، وتلامس ما استجد فيه مما لم يكن موجوداً في الزمن الذي مضى، ولقد تأخر جوابي عنها بعض الشيء، إلى أن أعانني الله على تسويد هذه الفقرات التي حاولت أن أسلك فيها طريقاً وسطاً بين تنطع المتنطعين وتسيب المتسيبين…

وأنقل لكم الآن نص الرسالة كما وصلتني، متبوعاً بجوابي عنها والله ولي التوفيق…

.


نص الرسالة:

“أعرف الكثير من الإخوة الطيبين – أحسبهم والله حسيبهم – أعجبوا ببنات طيبات – أحسبهن والله حسيبهن من خلال الإنترنت، ولا أتكلم عمن تفصل بينهم آلاف الكيلومترات التي لا يتيسر لبعضهم قطعها بل القريبات منهن جغرافياً أو من يستطيعون بلوغ دار أهلهن، فلماذا لا يفكرون جدياً في التقدم لهن وطلب يدهن للزواج؟

وكذلك كثير من الأخوات لديهن معرفة جيدة ببعضهن فقد جمعهن درس شرعي أو مشروع دعوي أو غيره ثم توطدت العلاقة بينهن وهن في شبكة متوسعة تغطي الكثير من الدول العربية بل والأجنبية أيضًا، فلماذا أحدكم لا يسأل أختاً ثقة أو يتحرى محرماً لها يعرفه إن كانت تعرف بنتاً يريدها أو بها المواصفات التي يرتضيها؟

ألم يأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أم سليم يقول لها “انظري إلى عرقوبيها”؟ وكذلك الأمر بالنسبة للفتاة إذا أحبت أو أعجبت بشخص وتمنته زوجًا لها فلماذا لا تجعل بينهما واسطة ثالثة عاقلة كما فعلت أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها؟

كثير من الطيبين والطيبات – نحسبهم الله حسيبهم – في هذه المواقع ولا يضع مشكلة ليلتقوا بشكل شرعي – بأمر الله – إلا غياب الخطوة أو الوسيط، أظنني أتحدث بلسان كثير منكم/منكن، اصدقوني القول، أليس كذلك؟ ولكن كل هذا بشرطه وهو السرية التامة ولا تخفى عليكم أهميتها بالتأكيد.

قلتها لكم على الملأ ولا أخشى إلا أن تضيع الأماني أو تطول، أو تهلك من القلوب أو العقول، أو تضيع الأعمار بين التردد المرهق ومبهمات الوصول، قدمت لكم من الحلول ولا أرجو إلا نفع نفسي ونفعكم، وأن أكون سببا في تكوين أنواء مباركات لهذه الأمة، استخيروا الله استعينوا به – سبحانه – ولا تعجزوا.”

.

وهذا كان جوابي مقسماً على فصول معنونة نُشرت جميعاً على صفحة الفيسبوك:

.

القسم الأول – تمهيد: اتركوا مواضيع الشباب للشباب فقط! ~

وهذا النداء الذي أدرجته في هذا العنوان، بأسلوبٍ لعله لا يخلو من إقصائيةٍ وقسوة، هو ليس نابعاً فقط عن فجوة أجيالٍ وصراعٍ بين الأعمار، بل لأني رأيت بعينيَّ، وما زلت أرى، أن تقحُّم كبار السن وضعفاء الخبرة لمجالٍ لا يكادون يعرفون عنه شيئاً، وإعطاءهم للأحكام التعميمية الجاهزة، والمبنية فقط على تمسكهم بالتقاليد البالية والأعراف المتجاوَزة، قد كانت له آثار سلبية وأضرار وخيمة على حيواتنا الاجتماعية، وعلى وعي الشباب بواقعهم ومحيطهم، وقد أبى أولئك الكهول (في السن والفكر) إلا أن يكرسوا نظرتهم العدائية لكل ما هو جديد، وأبوا أيضاً إلا أن يحملوا الشباب حملاً على أن يفكروا بعقولهم ويعيشوا بطريقتهم وأسلوبهم!

إن الكهول وكبار السن، ومن كان في حكمهم حتى من بعض الشباب المتأثر بهم، ينظرون باحتقار وعدوانية لكل ما يمت بصلة إلى الحياة الافتراضية، وهي عدوانيةٌ مبنيةٌ على جهلهم بها، وتأخرهم عن الركب السائر نحو الأمام في تقنيات التواصل الحديثة، فليس غريباً إذاً أنهم لا يكفون – ليلاً ونهاراً – عن التحسر على العلاقات الاجتماعية التقليدية، وليس غريباً أيضاً أنهم يبنون مواقفهم على سوء الظن المطلق تجاه كل كيان فيسبوكي وكل علاقة فيسبوكية، حتى إنه يخيل لك أحياناً أنهم يعتبرون الفيسبوك بأكمله ماخوراً كبيراً، وجميع الفيسبوكيات فيه بنات هوى!

من جهل شيئاً عاداه، وخير ما يفعله الكهول ومن كان في حكمهم، أن يصمتوا قليلاً، وأن يواصلوا ما يفعلونه من نشر الصور القديمة ومقاطع الفيديو المضحكة، وأن يمسكوا ألسنتهم عن الحديث فيما ليس لهم به علم، فقد أفسدوا على الناس وعيهم وفهمهم لحقائق الأمور، وغرسوا في أنفسهم بذور السوداوية والسلبية والانغلاق والرجعية وسوء الظن.
ولهذا أكرر نفس القاعدة التي سبق وقررتها من قبل:

– في أيامنا هذه، كل من تجاوز منتصف الثلاثينيات من عمره فضلاً عن ما بعد الأربعين، لا يحق له مطلقاً وفي أي حال من الأحوال، إعطاء أي رأي بخصوص الحياة الافتراضية وما يتعلق بها من مواضيع وقضايا، وكل رأي يأتي من هذه الفئة العمرية ومن كان في حكمها، هو رأيٌ مرفوضٌ قطعاً، ومضروبٌ به عرض الحائط كائناً ما كان، ودون جدال.
مواضيع الشباب للشباب فقط، ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، وما أكثر العجائب التي سمعناها من هؤلاء الذين لم يدخلوا عالم الإنترنت إلا كباراً، فلم يكن عندهم من الوعي ما يكفي لوضع تصورات سليمة للأوضاع، بحيث تساعد على إصدار حكم صحيح.

ولعله لولا خشية التعريض بالأشخاص، ولولا مخافة أن يُشار إلى أصحاب بعض الطوام، لسردت لكم منها ما قد يجعلكم تستلقون على أقفيتكم من الضحك، وخاصة بعد أن تعلموا بأنهم نشروا ما نشروه وهم جادون غير مازحين!
وعليه، فإن هذا عالمنا، وهذه حياتنا، وعلاقاتنا، ومشاعرنا، وقراراتنا، ونحن فقط من يجب أن يحدد القواعد ويضع الأعراف، ونحن فقط نتحمل مسؤولية قراراتنا، وإني إذ أنبه إلى الضرر الحاصل بتقحُّم الكهول لما ليس لهم به علمٌ ولا شأن، فإني أقدم للجميع دعوة نحو الانتقال من القيود البالية إلى الحرية، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن السلبية إلى الإيجابية، ومن تعميم سوء الظن إلى مقاربة أكثر واقعية، دون سوداوية مفرطة وانغلاقية خانقة، وأيضاً دون إيغالٍ في الأحلام الوردية والتصورات الطوباوية…

.

القسم الثاني: بين الشخصية الفيسبوكية والشخصية الواقعية ~

بعد أن تطرقتُ في القسم الأول من هذه الرسالة، إلى موضوع آراء الكهول – ومن كان في حكمهم – في مواضيعنا الشبابية المتعلقة بحياتنا الافتراضية، أجد نفسي مضطراً لمواصلة الحديث عن بعض الآثار السيئة التي خلَّفوها في وعي كثير من الشباب، بسبب ما تتصف به آراؤهم من سطحية شديدة وسذاجة مفرطة… وما دام الحديث هنا متعلقاً بما ورد في الرسالة الأصلية، وهو مرتبط بموضوع (الزواج والفيسبوك)، فإن من الواجب أن نحاول معاً وضع تصور واضح وصحيح لهذا العالم الأزرق الذي يستحوذ على جزء كبير من وقتنا وكياننا، وللمعنى الحقيقي لما يسمى بـ (الشخصية الفيسبوكية)، وإلى أي حد يمكن اعتبارها معياراً يُبنى عليه قرار الزواج من عدمه.

أولاً، وبادئ ذي بدء، فإن أول ما يخطر بالبال عند فتح هذا الموضوع الشائك، هو تلك الفكرة السطحية الشائعة على الألسنة والأقلام، والتي روَّجها أولاً أولئك الكهول المتعالمون، وصدَّقها مع الأسف كثير من الشباب، حتى صاروا أبواقاً تردد – دون وعي – تلك الفكرة لمجرد أنها شائعة، أو لمجرد أنها وافقت عدة تجارب شخصية هنا وهناك! وأعني هنا تلك الفكرة البليدة التي تقول بأن (الشخصية الفيسبوكية وهمية ولا يمكن الوثوق بها مطلقاً، لأن الإنسان قد يرسم لنفسه بسهولة صورة مثالية ملائكية على الفيسبوك، لكنه في الواقع يكون ذئباً متوحشاً وشيطاناً مَريداً)!

هذه الفكرة بالذات، نراها تتردد بإفراط على الألسنة وفي المنشورات، ويريد مروِّجوها – في الغالب – أن يظهروا بمظهر الأذكياء الذين لا ينخدعون، أو بمظهر الخبراء الذين عركتهم الحياة وعرَّفتهم معادن الناس وخفايا نفوسهم… ولستُ هنا أهدف لإسقاط هذه الفكرة وبيان بطلانها، لكن ما أريد قوله هو أنها مجرد (حالة) واحدة من عدة حالات ممكنة، وأنها لا تنطبق على الفيسبوك فقط بل قد نجدها متحققة على أرض الواقع أيضاً، وأن التركيز عليها وحدها، وتضخيمها، والزعم بأنها وحدها القاعدة المطلقة التي تكاد تنطبق على الجميع، هو تعميم ظالم جداً، وحكم غير مبني على أي أساس علمي أو منطقي، علاوة على ما يفتحه من أبواب النفور وسوء الظن واتهام النيات والبواطن دون موجب ولا دليل.

وليس أيسر لبيان بطلان تعميم هذه الفكرة، وتضخيمها إلى هذا المستوى المرَضي الشائع، من أن نعارضها بهذه النقاط الواقعية الملموسة:

– أن ظاهرة (الظهور بمظهر ملائكي مع باطن شيطاني) هي ليست حكراً على الفيسبوك فقط، بل هي ظاهرة ملموسة أيضاً على أرض الواقع، وبشكل أوضح في أغلب الأحيان، فلماذا نعتبرها حكراً فقط على الفيسبوك دون غيره؟

– أن عكس هذه الفكرة قد يكون صحيحاً أيضاً! وكم من إنسان شخصيته الواقعية أجمل من شخصيته الفيسبوكية بكثير، وهذا أمر واقعٌ ومشاهَد ومجرَّب، خاصة وأن الفيسبوك قد يظهر من عيوب الإنسان ما يسهل خفاؤه في عالم الواقع.

فلماذا إذاً نأخذ (حالة) واحدة محددة من بين عدة حالات، ثم نقوم بتضخيمها وترويجها بتعميم ظالم مبني على سوء الظن؟

إن هذه الرؤية السطحية القاصرة خطيرة جداً، وهي من بعض ما جناه الكهول بتطاولهم على ما لا يفقهون، وينبغي – في الواقع – أن تحارَب وتعارَض، بنشر الوعي السليم المبني على النظرة الواقعية للأمور، وعلى البدء أولاً بالإيجابية وإحسان الظن، دون تشاؤم مظلم ودون تفاؤل ساذج.

وليس معنى هذا – على الإطلاق – أن الشخصية الواقعية هي نفسها الشخصية الفيسبوكية، وأننا من خلال إلقاء نظرة على الآثار الفيسبوكية لإنسان ما فإننا نصير مؤهلين لإصدار حكم شامل على سائر جوانب شخصيته… لا! بل إن هناك فرقاً جوهرياً صارخاً بين الكيان الواقعي ونظيره الفيسبوكي، وهو فرق قلَّ من ينتبه له ويأخذه بعين الاعتبار، بسبب أن الفكرة الباطلة التي انتقدتُها قبل لحظة صارت مسيطرة تماماً على العقول، لدرجة أنها تكاد تحجب – ويا للأسف – كل ما عداها.

وقبل التطرق لهذا (الفرق الجوهري) بين الشخصيتين الفيسبوكية والواقعية، أود أولاً أن أميز بين نوعين من الفيسبوكيين؛ وهما (الفيسبوكي الحي) و(الفيسبوكي الميت).

– الفيسبوكي الميت: هو إنسان لا يشكل الفيسبوك جزءاً جوهرياً من حياته واهتماماته، فتجد أن حسابه مقصور على بعض المنشورات العشوائية التي لا تدل على شيء (صور، أدعية وأذكار، ثقف نفسك، هل تعلم، مقاطع فيديو مضحكة، كاريكاتير… الخ)، ومثل هؤلاء ليس عندهم (كيان) خاص على هذا الموقع الأزرق، وليست عندهم (شخصية مستقلة) يمكن أن تُعرف من خلاله، فهم إذاً خارجون قطعاً من دائرة كلامنا ههنا، لأنهم لا يقدمون لنا عبر الفيسبوك أي مؤشر لقياس مدى قابلية التعامل الشخصي معهم في أي موضوع كان، ناهيك عن الرباط المقدس والميثاق الغليظ.

– الفيسبوكي الحي: وهو إنسان له (كيان فيسبوكي) مستقل قائم بذاته، وله (شخصية خاصة) ذات خصائص ومميزات وأبعاد، وقد تتفاوت درجة حرارة حضور تلك الشخصية بحسب حجم النشاط ونوعه، لكن الفيسبوكي الحي في مطلق الأحوال هو إنسان معروف، واضح، مكشوف إلى حد معقول، وعادة ما يكون قد راكم تاريخاً فيسبوكياً طويلاً وشبكة علاقات موسعة، منها ما انتقل من الفيسبوك إلى الواقع ومنها ما انتقل من الواقع إلى الفيسبوك، فهو إذاً كائن فيسبوكي (معروف)، ويسهل الوصول إليه في الواقع لمن أراد ذلك لأن عناوينه مكشوفة للجميع.

وهذا الصنف الثاني، أعني (الفيسبوكيون الأحياء)، من الشباب والفتيات معاً، هو الأكثر قابلية لأن يطرح لنا سؤال (الحب والزواج)، وهل هو ممكن أم لا، وهل هو واقع أم وهم…

وهذه جميعاً أسئلة لن نتمكن من الإجابة عنها إلا إن كنا – قبل ذلك – واعين تمام الوعي بذلك (الفرق الجوهري) بين الشخصية الواقعية ونظيرتها الفيسبوكية، وهو فرق أعمق بكثير مما يروجه السطحيون والسذج من أن الفيسبوكية وهمية والواقعية حقيقية، أو من أن الفيسبوكية مثالية والواقعية شيطانية!

لا… إن الفرق الجوهري بين الكيانين هو متعلق أساساً بالفرق بين (الحالة الفكرية) و(الطبع الشخصي).

الشخصية الفيسبوكية للإنسان تمثل بشكل أكبر (حالته الفكرية)، وأما شخصيته على أرض الواقع فتمثل بشكل أكبر (طبعه الشخصي).

إن الإنسان على الفيسبوك (يأخذه وقته الكافي) قبل النشر، وحتى قبل الإجابة عن المحادثات، فهو إذاً يتمهل، ويفكر، ويرتب الكلمات، ويبحث عن الصور، ويتفنن في النشر، ليكون ما يُظهره للناس على حائطه الشخصي هو (توجهه الفكري) بشكل أخص، فهو إذاً يعرض لنا على الفيسبوك (حالته الفكرية الثابتة والمستمرة)، لأنها تظل سارية المفعول ما لم يتراجع عنها أو يحذفها، وإلا فهي تظل مسجلة تؤرخ للحالة العقلية للإنسان في فترة ما…

وعليه، فإن التجول في الحائط الشخصي لـ (فيسبوكي حي) ما يعطينا – في غالب الأحيان – صورةً عن انتمائه العقلي وتوجه أفكاره وحجم مداركه، وربما تطوراته وتحولاته الفكرية، وهي في الواقع صورة من الأهمية بمكان، ولا ينبغي قطعاً تجاهلها عندما يتعلق الأمر بـ (مشروع زواج ما).

وأما على أرض الواقع، فإن (الحالة الفكرية) تكون ضامرة خافتة الظهور، ويكون أكثر ما يبرز على السطح من الإنسان (طبعه الشخصي)، والمراد به هنا انفعالاته العاطفية الفورية، ردود أفعاله السريعة تجاه المعطيات المفاجئة، أسلوب تعامله الشخصي مع الآخر…

في عالم الواقع لا نرى من الإنسان (حالاته الفكرية) بقدر ما نرى منه ملامح وجهه وتفاعلاتها، نظرات العينين، نبرة الكلام، هزات الرأس، الابتسامات الحوارية، الضحكات، حركات اليدين، لغة الجسد، الانفعالات، الميول الشخصية تجاه الهدوء أو الصخب، تجاه المجتمعات أو العزلة، تجاه الصراع أو المسالمة… الخ.

وهذه (الطباع الشخصية) هي ذات أهمية قصوى أيضاً، بل لعلها أن تكون أوثق عروة بعلاقة الزواج حتى من (الحالات الفكرية) نفسها، لأنها أكثر مساساً بواقع الحياة اليومية المستمرة.

فهنا إذاً قطبان، كفتا ميزان: (الحالة الفكرية = الفيسبوك)، و(الطبع الشخصي = الواقع)، وما أحوجنا إلى أن يترسخ في وعينا بأن العلاقة بين الكيانين (الفيسبوكي والواقعي) هي علاقة تكامل وليست علاقة تناقض وتنافر، وأن هذا الموقع الخطير (فيسبوك) قد قدم لنا خدمة عظيمة، وبُعداً جديداً للتأمل، وزاوية ملائمة نتعرف بها بشكل أوضح على جوانب من الأشخاص الذين نتعامل معهم، قد لا يكون من اليسير الاطلاع عليها عبر التعامل الواقعي فقط.

فالمسألة إذاً هي منظار يتكون من عدستين؛ الأولى فيسبوكية = الحالة الفكرية، والثانية واقعية = الطبع الشخصي.

ختاماً، ورغم أن هذا الكلام قد يبدو بعيداً عن موضوع الرسالة، إلا أن هذه تمهيدات أراها ضرورية لقول ما أريد قوله، وسيكون لنا لقاءات نطور فيها الموضوع بشكل أكبر – إن شاء الله – في الأقسام القادمة من هذه الرسالة، وإلى أن ألقاكم في المنشور القادم بحول الله، أترككم في رعاية الله وحفظه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ^__^

.

القسم الثالث: الواقع هو الأهم ~

تم في القسم السابق من هذه الرسالة، بعون الله وتوفيقه، وضح محاولة تمييز مختصرة بين النوعين الأساسيين من الشخصيات الفيسبوكية، وهما (الفيسبوكي الميت) و(الفيسبوكي الحي)، بحيث أن (الفيسبوكيين الأحياء) هم فقط الذين يمكن أن يكونوا موضوع نقاش حول علاقة الفيسبوك بالحب والزواج، وعددهم قليل جداً بالمقارنة مع (الفيسبوكيين الأموات) الذين يشكلون الغالبية العظمى من مجتمع الفيسبوك.

ولقد تم أيضاً بيان الفرق الحقيقي والدقيق بين الشخصية الفيسبوكية والواقعية؛ بحيث أن الشخصية الفيسبوكية الحية تكشف لنا عن (الحالة الفكرية) للشخص، وأما الواقعية فتكشف لنا عن (طبعه الشخصي)، فهما إذاً زاويتان متكاملتان وليستا متناقضتين، ولعل ذلك يتجلى بوضوح في أن الحساب الفيسبوكي لأي شاب يَخطب أو فتاة تُخطب، لا بد أن يخضع لعملية بحث وتفتيش طويلة ومعمقة، وفي هذا دليل على أن الناس صاروا اليوم بالفعل يأخذون الفيسبوك على محمل الجد، ويعرفون أن تحليل حساب إنسان ما سيجيب حتماً عن مجموعة من الأسئلة التي قد يستعصي الحصول على إجاباتها واقعياً، وهذا توجه صحيح يجب أن ندعمه وأن نلتفت إليه، لأن الحساب الفيسبوكي الحي هو – دون أدنى شك – يقول الكثير…

وكم من إنسان لو التقيته على أرض الواقع وتعاملت معه بناءً على طبعه الشخصي فقط، فإنك – ربما – لن تجد فيه ما يريب، لكنك إن قمت بجولة في جداره الفيسبوكي وجدتَ ما يصدمك ويسوؤك! كأن يكون مثلاً من أهل الإلحاد والإباحية والعلمانية، أو أن يكون من مناصري التشدد والتطرف الديني والجماعات الإرهابية المجرمة، أو أن يكون من ساقطي المروءة المجاهرين بالميوعة والخلاعة، أو أن يكون من أهل النرجسية وعشق الذات والأنانية المفرطة… وجميع هذه أمور تبدو متجلية بوضوح شديد في بعض الحسابات الفيسبوكية الحية، وهي ولا بد ذات تأثير مباشر على اتخاذ قرار الارتباط من عدمه.

ولعل من الإجحاف والظلم الكبيرين اللذين يمارسهما المجتمع المريض على شبابه، بسبب الانطلاق أساساً من سوء الظن، أنه إذا رأى خيراً على الفيسبوك نفاه وألغاه وأعرض عنه، ووصفه بأنه وهم وكذب وانتحال وتمثيل، لكنه إذا رأى شراً وسوءاً سارع فوراً للإدانة به، ولم يعتبره وهماً، بل حقيقة ثابتة ودليل إدانة يصدر بموجبه حكم الإعدام!

ومهما يكن من أمر، ولكي أدخل أكثر في صلب الموضوع كما ورد في السؤال الأصلي، فإني أود قبل ذلك أن أشير لمسألة مهمة؛ وهي أن كل ما قلته في هذا الموضوع من قبل، وكل ما أقوله الآن، وكل ما قد أقوله لاحقاً، لا علاقة له إطلاقاً بمسألة نجاح الزواج أو فشله… احتمالات النجاح والفشل، كما أثبتت ذلك تجارب الحياة، مفتوحة دوماً على مصاريعها، ومفتوحة أيضاً بشكل كامل على المفاجآت الصادمة من أي نوع! وكم من زواج بني على أسوأ الطرق المرفوضة مجتمعياً، ومع ذلك حقق نجاحاً مفاجئاً، وكم من زواج بني على المبالغة في الدراسة والتحليل والتنظير، ومع ذلك فشل فشلاً ذريعاً! وكم من زيجات للعوام البسطاء الجاهلين نجحت، وكم من زيجات للمثقفين والمشاهير الذين صدَّعوا رؤوسنا بالثرثرة عن الحب، انتهت على أسوأ حال…

نتيجة الزواج في كل حال هي مفاجأة لا يمكن توقعها، والارتباط مغامرة مهما دُرست تظل مفتوحة الاحتمالات على النتائج، وليس للإنسان – مهما فكر وقدر – إلا أن يتوكل على الله وحده، وأن يسأله التوفيق والسداد والبركة…

إذاً… كل كلامي هذا غير معني إطلاقاً بالنتائج، وإنما أتحدث فقط عن بعض الوسائل المعينة، والاحتياطات اللازمة، وأما نتيجة الزواج فهي دائماً في حكم الغيب المجهول، فأرجو من جميع القراء وضع هذه النقطة في عين الاعتبار وعدم إهمالها، فهي من الأهمية بمكان…

* * *

أعود الآن لما تطرقت إليه الرسالة التي أحاول الإجابة عنها، وهي متمحورة حول إثبات وجود مشاعر متبادلة بين الجنسين على الفيسبوك، وأن الكثيرين هنا يتوقون لبعضهم بعضاً، وأنه لا ينقصهم سوى الوسيط الذي يعينهم على الإفضاء بمكنونات القلوب، تمهيداً لفتح السبيل أمام الانتقال إلى علاقة ارتباط جاد.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو متعلق بهذه (المشاعر الرقمية) نفسها، والتي إن كانت موجودة بلا شك، فهل هي بالفعل مشاعر حقيقية تكفي للتفكير في قرار الارتباط؟ أم أن الكيان الفيسبوكي وحده غير كاف للتفكير في هذا الاتجاه؟

وجوابي عن هذا السؤال هو: لا، قطعاً!

المشاعر الفيسبوكية والرقمية عموماً – ومهما بلغت شدتها – هي ليست من الواقعية بما يكفي للتفكير في اتجاه الزواج، ورغم أن هذا الرأي قد يبدو مخيباً لآمال أنصار (زواج الفيسبوك) إلا أن هذه هي الحقيقة التي لا مفر منها…

المشاعر الرقمية مبنية دائماً على (صورة ذهنية خيالية) للطرف الآخر، وتلك الصورة تتشكل من خلال منشوراته وكتاباته وأفكاره، وقد يكون فيها جانب من الانجذاب الشخصي في حالة نشره لصوره، على أن تلك الصور نفسها قد تكون خادعة وإن كثُرت، وأما مقاطع الفيديو فهي أقرب من الصور لتكوين صورة أوضح، لكنها مع ذلك غير كافية لتكوين انطباع صادق.

إن جانب النقص الأبرز في (المشاعر الفيسبوكية) هو أنها مبنية فقط على (الحالة الفكرية)، في حين أن الزواج – كما ذكرتُ من قبل – يعتمد بشكل أكبر على (الطبع الشخصي) الذي لا يمكن التعرف عليه إلا في الواقع.

ولذا، فإن أي مشاعر أو انطباعات مبنية فقط على الكيانات الرقمية، هي واهمة وقاصرة ولا بد، وإن الأشخاص على حقائقهم مختلفون بشكل كبير عن كياناتهم الفيسبوكية، ومما ينبغي التأكيد عليه أن دقيقة واحد من اللقاء الواقعي قد تنسف تلك الصورة المتخيَّلة فيسبوكياً بشكل كامل، حتى وإن شُكِّلت على مدى سنوات طوال من العلاقة الرقمية المقربة.

تعرَّف رقمياً إن شئت على إنسان لمدة سنوات، ثم التق به في الواقع، وسترى أن الدقيقة الأولى في الواقع ستعيد تشكيل صورتك عن الشخص بشكل جذري، نحو الأحسن ربما، أو نحو الأسوأ، المهم أن انطباعك عنه سيتغير دون أدنى شك في ذلك…

وعليه، فإن أي قرار خطبة أو زواج مبني على الانطباع الفيسبوكي وحده دون أي تدخل للانطباع الواقعي، هو قرار أراه منافياً للحكمة، ليس لأن الفيسبوك ماخور وكل من فيه بنات هوى – معاذ الله! -، بل فقط لأني أراه – وبكل بساطة – قراراً مصيرياً ضخماً لكنه مبني على معلومات ناقصة وغير كافية.

وبناءً على هذا، فإني أؤكد بشدة على ضرورة الحضور الواقعي قبل اتخاذ أي خطوة جدية نحو الارتباط، وأعني بالحضور الواقعي أن يكون قد حصل لك لقاء للطرف الآخر أو رؤية عينية له في مكان ما… في المدرسة، في الجامعة، في ملتقى ما، في زيارة عائلية، في صدفة من الصدف كيفما كانت… الخ، لا تهم التفاصيل، فالأقدار الإلهية المتعلقة بلقاء الأزواج متعددة بتعدد الناس أنفسهم، المهم أن تكون حصلت (رؤية عينية حقيقية ومباشرة)، لأنها شرط أساسي لا محيد عنه للانجذاب المفضي لاتخاذ قرار الخطبة، ثم يأتي الفيسبوك بعد ذلك ليدعم ذلك الانطباع الواقعي أو يهدمه، وإن له لأهمية تفرض نفسها أيضاً، لكنها لا تحل أبداً محل الانطباع الواقعي الأكثر أهمية.

فهي إذاً مقاربة وسطية معتدلة واقعية أدعو إليها، وهي مبنية على إعطاء الفيسبوك حجمه الحقيقي دون تضخيم ولا تبخيس، ودون إفراط ولا تفريط.

بعيداً عن إفراط من يعتبر الفتاة ذات الحساب الفيسبوكي رجساً من عمل الشيطان، ومطعونةً في عفتها وشرفها وكرامتها، وأن مجرد امتلاكها لحساب، أو كونها في قائمة صداقتك، هو مانع نهائي من الارتباط بها بأي شكل كان وتحت أي ظرف!

وبعيداً أيضاً عن تفريط من يسارع إلى التحليق في فضاءات الخيال الوردي الحالم، ويسعى عازماً على خطبة فتاة فيسبوكية لأن (منشوراتها دينية صالحة) أو لأن (أسلوبها الكتابي جميل) أو لأنها (جميلة من خلال صورها المنشورة) أو لأنها (من أهل الصلاح بسبب حجابها أو خمارها أو نقابها)!

.

في القسم القادم إن شاء الله، وعسى أن يكون عنوانه (معالم الطريق)، سأنطلق من فرضية أن الشروط المذكورة في هذا القسم قد تحققت، وسيكون فيه حديث عن الوسيط للزواج والاعتراف بالمشاعر بواسطة المراسلة، وأيضاً اقتراحات لأساليب وطرق آمنة تمهد الطريق نحو تحقيق خير ما يُرى للمتحابين، فانتظرونا ^__^

.

القسم الرابع: معالم الطريق (1) ~
بعد أن تحدثت في القسم الثالث من هذه الإجابة عن (المشاعر الرقمية) واصفاً لها، ومميزاً بينها وبين المشاعر المبنية على انطباعات واقعية، اشترطتُ لاتخاذ قرار الارتباط أن تكون قد حصلت بين الطرفين ومضة واقعية ما؛ نظرة، لقاء، صدفة، أي شيء! لأن ذلك أدعى لأن يكون الانطباع العام أصدق وأدنى إلى الحقيقة.

وأعتقد أنه حان الوقت الآن للانتقال إلى مستوى آخر من هذا الموضوع، ألا وهو التطبيق العملي، والطريق التي يمكن اتخاذها لتحقيق الاقتراب المنشود، وقد اقترحت صاحبة الرسالة الأولى تعزيز مسألة (الوسائط) في هذا الموضوع، بمعنى أن يكون هناك أشخاص أو هيئات مهمتها الأساسية التوسط بين الشاب والفتاة، بحيث تنقل لأحدهما رغبة الآخر فيه، وتسعى للتقريب بينهما وتيسير سبل لقائهما تمهيداً للخطبة الرسمية.

والحق أن مسألة (الوساطة) في الزواج هذه هي محل انتقاد شديد عندي، وقد سبق ووضحت في منشورات سابقة أسباب رفضي التام للوساطة، وأنها – في حقيقة الأمر – شيء لا داعي له، ويمكن تجاوزه بسهولة من طرف الشباب خصوصاً، بل إنها قد تكون سبباً في فتح أبواب من الشر ما أحوجنا إلى أن تظل مغلقة موصدة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن الواسطة نوعان؛ النوع الأول يكون مبنياً على اختيار شخصي حر للطرف الآخر، فيقوم الشاب مثلاً بإرسال الإشارات عبر قنوات من الأهل أو أصدقاء والد الفتاة أو وليها أو غير ذلك مما يراه بحسب ظروفه، وهذه أراها مقبولة لا عيب فيها، وأما النوع الثاني فهو المبني على (البحث عن الشريك) أساساً، كما تفعل بعض مواقع (ابحث عن زوجك/زوجتك المستقبلي/ة)، وكما فعل (مستر عنُّوب) في مبادرة (سوق النخاسة) إياها…

وإن السبب الرئيسي وراء رفضي لمسألة (الواسطة) هذه، سواء أكانت فيسبوكية أو واقعية، هو أنها تجرد الارتباط من أجمل وأقدس ما فيه؛ ألا وهو الانجذاب الشخصي والاقتناع التام بالآخر، ولعل أسلوب الواسطة يجد له ترحيباً حاراً من طرف فئة (الكهول) تلك، لأن هذه الفئة لا تزال مؤمنة – في الأغلب الأعم – بالزواج التقليدي البائس الكئيب، والذي يلغي من اعتباره إلغاءً تاماً جانب العواطف والمشاعر والأحاسيس، وهي أهم ما في الموضوع أساساً!

وهذا النوع من الزواج أسميه (زواج الكاتالوغ)، لأنه مؤسس فقط على مواصفات قياسية موضوعية جامدة، فهو إذاً (كاتالوغ) يضم مجموعة من المواصفات، وهي إذاً (استمارة) لو ملأتها أي فتاة في محيط الشاب لصارت مرشحة لأن يتقدم لها، دون النظر – إطلاقاً – لميل القلب والإحساس! وهو ما أراه أمراً فظيعاً يدل على تبلد في المشاعر وتحجر في القلب، فضلاً عما فيه من أنانية مفرطة شديدة القبح…

فالزواج إذاً هو قرار شخصي، حر، يؤسس على عمودين هما (المواصفات الموضوعية) و(ميل القلب)، وإلغاء أحد هذين العمودين خطأ فادح قد تكون له نتائج لا تُحمد عقباها.

كما أن الفتاة ليست (سلعة) تباع وتشترى، وإني لأعجب كيف بلغ الذل والهوان ببعض الفتيات أن يقبلن الانضمام لمبادرة سوق النخاسة، وأن تجعل الواحدة منهن نفسها رقماً في قائمة أرقام، طويلة، وسطراً في جدول يضم مجموعة من المواصفات الموضوعية، بحيث يأتي الشاب فيتبضَّع من تلك القائمة فتاة ما قد تكون هي وقد تكون غيرها!

وليس رجلاً أيضاً من تزوجه أمه، أو من تُختار له زوجته، ولا يملك قلباً من يسلم زمام اختيار شريكته لآراء الآخرين ووسائطهم واقتراحات المقترحين!

جميع هذه أمور حاطة من الكرامة الإنسانية، ولا يقبلها من الشباب أو الفتيات من أوتي ذرواً من عزة النفس ورفعتها…

ولو أننا فرضنا أن كافة الشروط سالفة الذكر قد تحققت، من وجود الانجذاب العاطفي الأولي، والمبني على مزيج الانطباعين الواقعي والرقمي، فكيف السبيل إذاً إلى الاقتراب والمكاشفة؟ وما هي الطريق الأمثل لتحويل الخيال إلى حقيقة؟

وهل يستوي الطريق بين الشاب والفتاة أم أن هناك اختلافاً بين الطريقين؟

إننا بتأملنا لهذا الوضع بتعمق، وفي ظل المعطيات التي يتميز بها عصرنا الحاضر، فإن من المؤسف حقاً القول بأن الأبواب هي أكثر انفتاحاً أمام الشباب منها أمام الفتيات، وأن الشاب إن تيسرت أموره المادية فإنه لن يعدم أن يجد طريقاً سالكة توصله إلى فتاته، وأما الفتاة فإن الأبواب أمامها أشد إغلاقاً، والطرق المتاحة لها – إن كانت هناك طرق – وعرة ضيقة صعبة، وهذا واقع مؤسف لا تمنعني أي مجاملة لأحد في أن أنص عليه كما هو.

ثم إن الأمور قد تتيسر بتوفيق من الله تعالى، للشاب والفتاة معاً، في حال كانت ظروفهما من النوع الذي يساعد على اقتراب أكبر في أرض الواقع، كالزمالة الجامعية أو شبكة المعارف المشتركين، في العائلة أو الحي أو غير ذلك، وأما لو كانت المسافة الواقعية بينهما أبعد – حتى وإن كانا في نفس المدينة -، فإن الطريق أمام الفتاة أضيق منها بكثير أمام الشاب، وهو ضيق راجع لكون الشاب هو الطالب المبادر المعلن عن نفسه، فإذا أحب فتاة تقدم لها، وأما الفتاة فهي تُطلب وتظل تنتظر أن تُطلب، فإذا أحبت شاباً لم تستطع أن تعرض عليه نفسها وتدعوه إلى خطبتها، ووجدت نفسها مضطرة إلى الكتمان حتى يأذن الله!

وقد يقول قائل بأن الشرع أجاز للفتاة أن تعرض نفسها على الشاب الصالح إن أرادته زوجاً لها، وأجاز لها أيضاً أن توسِّط له من يقترحها عليه من أهل الفضل، وكل هذا حق لا جدال فيه، لكن الإنسان الكيس لا يُغفل معطيات عصره وواقعه، ولا يتجاهل أيضاً ما صار سائداً في عقول الناس وأساليب تفكيرهم، وكون الشيء جائزاً في الشرع لا يوجبه، ولا يجعل إتيانه ضرورة، وقد يكون تركه أولى إن دعا النظر إلى تركه، وهو ما أراه منطبقاً على مسألة عرض الفتاة لنفسها على الشاب.

ثم إن هناك مسألة مهمة يُغفل عنها كثيراً؛ وهي أن الشاب في العادة لا يصبر على محبوبته التي مال إليها قلبه، فإن أحب الشاب فتاة لم يستطع الكتمان في صدره طويلاً، وإن كان مستعداً للزواج سارع بأقصى ما لديه لكي يتقدم لها خشية أن يُسبق إليها، ومن هنا لا يعود هناك معنى لاعتراف الفتاة للشاب بمشاعرها نحوه على الفيسبوك أو غيره، لأنه إن كان يشعر نحوها بشيء وكان مستعداً فإنه سيسبقها إلى ذلك ولن ينتظرها حتى تعترف له هي…

إن الشاب حين يسمع اعتراف الفتاة له بمشاعرها، ومهما يكن أسلوب اعترافها، فإن دماغه يترجم كلماتها كيفما كانت إلى عبارة واحدة وهي (تعال اخطبني)، وهي في الحقيقة عبارة لها وقع مزعج جداً على الشاب، ويكون جوابه الضمني عليها (لو كنت أريد خطبتك لفعلتُ منذ زمن)!

ثم إن الفتاة لا تأمن أن يكون الشاب، أو أهله، من ذلك النوع من الناس الذين ينتقصون من الفتاة العارضة لنفسها، ويعيرونها به، فلا تزال ذكرى عرضها لنفسها سيفاً مصلتاً فوق رأسها، ولا تدرى متى يهوي عليها حتى بعد الزواج، وأعني هنا في حال كان الزوج من هذه الفئة الجاهلة التي ذكرتُ.

وهناك أيضاً مسألة نفسية دقيقة أخرى لا يُنتبه لها؛ وهي أن من طبائع الأمور أن الرجل – بتكوينه النفسي – يحب أن يكون (صياداً) ويكره أن يكون (فريسة)، فإذا أحس بأنه يتعرض لعملية (نصب شباك) من طرف فتاة ما لغرض أن (توقعه في حبائلها)، فإن أجهزة الحماية تتحفز عنده، ويتخذ وضع الدفاع عن نفسه… والفتاة حتى وإن كانت صادقة في مشاعرها فإن الشاب قد لا ينظر إليها كذلك، بسبب ما يراه ويعرفه من كثرة (قناصات الأزواج) على الفيسبوك وغيره، فيأخذ اعترفها بالحب على أنه مجرد (نصب شباك)، وأنه لو التقط الطعم فإنه سيصير طريدة واقعة في الفخ المنصوب لها، فيبدأ على الفور بعملية الهروب التكتيكي والانسحاب الممنهج…

فليس للفتاة إذاً – مهما كانت نيتها – أن تستغرب لو رأت بأن الرجل بدأ يتحول إلى سراب، لا تقترب منه إلا بقدر ما يبتعد منها، السبب ببساطة أنها تسرعت بالاعتراف له بحبها أو عرض نفسها عليه، أو أتت من الأفعال والتصرفات ما جعله يستشعر أن شباكاً ما تُنصب حوله، مما حفز أجهزة الدفاع لديه، ولو أنه كان راغباً في التقدم لك – أختي الفتاة – لسبقك، ولبادر هو إلى الإعلان عن نفسه فور أن تقرر لديه بأنه مستعد لذلك مادياً ونفسياً.

ربما من المؤسف عرض هذه الحقائق التي صار يفرضها علينا واقع المجتمع، والذي جعل من كيد الفتاة واحتيالها للظهور في ساحة من تحب مهمة أصعب بكثير، وهو أمر وإن كان أجازه الشرع من باب (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا)، وأيضاً (يا أبت استاجره إن خير من استاجرت القوي الامين)، إلا أن الحذر الشبابي المتزايد من الفتيات عموماً، فضلاً عما يعانونه من صعوبة الأوضاع وقلة ذات اليد التي تحجب عنهم التفكير فوراً في الزواج، يجعل من الأفضل للفتاة من الاعترف وعرض نفسها أن تتوجه إلى الله بالدعاء الخالص، في سجودها، وفي ساعات الاستجابة، أن يأتيها الله به إن كان فيه خير، وأن يبعده عنها ويصرفه عن قلبها إن كان فيه شر.

والله تعالى قادر على كل شيء، ولعله إن أجاب دعاءها أن يأتيها به من حيث لا تحتسب، أو يأتيها بخير منه إن شاء، على أن تكون متيقنة – بدافع من حسن ظنها بالله – أن الله تعالى لم يصرفه عنها إلا لحكمة يعلمها، ويعلم من أوجه الخير فيها ما لا تعلم، فالإنسان يريد والله يفعل ما يريد، والخير فيما اختاره الله عز وجل…

.

القسم الخامس والأخير: معالم الطريق (2) ~

أما الآن وقد فرغتُ في القسم السابق من الحديث عن جانب (الفتاة) في موضوع الزواج وما طرحه الفيسبوك حوله من أسئلة جديدة، فإني أنتقل بحول الله إلى الجانب الآخر وهو جانب (الشاب)، ولا حاجة للتذكير طبعاً بأن كل ما أكتبه في هذه الإجابة مبني على فرضية حسن النية، مع تحقق كافة الشروط المذكورة في الأقسام السابقة…

إن المسألة المفروغ منها بحكم الواقع الملموس، أنه وإن كانت الأبواب أمام الفتاة – لسوء الحظ – شبه مغلقة في ما يتعلق بسيرها نحو من تحب، فإن الأبواب أمام الشاب – لحسن الحظ – أكثر انفتاحاً بكثير، بل إن الفيسبوك قد زادها انفتاحاً وتيسيراً، وإن كان إعلان القطيعة مع الأفكار البائدة الرافضة لكل جديد، يحتاج شجاعة وجسارة ما أجمل أن يتحلى بهما الشاب الثائر على هذر الكهول.

فإلى الشاب الذي استقر به الرأي على خطبة (فلانة) من الناس، بعد أن استشفَّ من كيانها الفيسبوكي الحي ما أرضاه من ذوقها واهتمامها وأفكارها، وبعد أن رأى منها على أرض الواقع من الحياء والجمال ما أنعش قلبه وجعله يخفق تجاهها، وبعد أن تضافر كل ما عرفه عنها ورآه منها – هنا وهناك – جاعلاً إياه يتوسَّم فيها خيراً كثيراً، فعزم أمره على أن يتقدم لها خاطباً، متوكلاً على الله تعالى مستخيراً له؛ هذه نصيحتي لك ووصيتي التي ألقيها إليك، فاسمعها عساها بإذن الله تفيدك:

بادئ ذي بدء، فإن أفضل ما يمكن أن تفعله هو أن تبحث بطرقك الخاصة في الاستقصاء، عن قناة توصلك إلى الفتاة على أرض الواقع، كأن تستخبر عن عنوانها، ومكان عمل أبيها أو وليها، وأن تبحث عما إذا كانت هناك قنوات موصلة بين أهليكما، أو شبكة معارف مشتركين، أو غير ذلك مما يمهد لك طريقاً سالكة لتأتي بيت الفتاة من بابه… وإياك إياك أن تكون من أولئك الذين يسعون لإخراج الفتيات سراً من بيوتهن إلى المقاهي لغرض (التعارف أولاً قبل الخطبة)، فهذه حيلة شيطانية خسيسة، وكن على يقين من أنك لن تتعرف من الفتاة على شيء في المقهى، بل لعل ذلك أن يكون من أسباب تصدع العلاقة بينكما مستقبلاً، وتيقن أيضاً من أن فترة الخطوبة كافية جداً لأن تعرف ما تريد، ولا تسمع لمن يقول بأن جلسات التعارف في فترة الخطوبة تكون خجولة صامتة لأنها في حضور محرم، فهي لن تعرِّفك شيئاً إذاً، وأن الفتاة في المقهى تكون أكثر حريةً وانطلاقاً وعفوية، فهي إذاً ستكشف لك من ذات نفسها ما لن تكشفه في جلسة الخطوبة! بل إن الفتاة في المقهى تكون أكثر انتحالاً وتمثيلاً، ولا تتوقع أنك في جلسات المقاهي توقِّع معها عقداً على ما تتفاهمان حوله من شؤون المستقبل، لأنها وبكل بساطة تستطيع أن تقول لك (نعم) حول كل شيء، ثم بعد الزواج قد يكون شيء آخر! وعندها لن تذكِّرها طبعاً بـ (ما اتفقتما عليه) في المقهى الفلاني في (عام اللفت) قبل أن تتقدم لبيتها!

فهو إذاً طريق واحد أن تأتي البيت من بابه، ولا تخش شيئاً بإذن الله، فهي على كل حال ليست سوى (فترة خطوبة)، وبالإمكان التراجع خلالها إن ظهرت بوادر عدم التفاهم واستحالة الاستمرار…

ثم إذا لم تجد – رغم بحثك – طريقاً توصلك لبيت الفتاة على أرض الواقع، فإن بإمكانك أن تستثمر هذا الفيسبوك استثماراً حسناً، وكما استثمرته من قبل في التعبير عن ذاتك وأفكارك وتوجهاتك، وكما استثمرته في التعرف على فتاتك التي تابعت حسابها وأخذت فكرة عن ميولها وأفكارها وتوجهاتها، فبإمكانك إذاً أن تستثمر ما يوفره هذا الموقع من تقنية تواصل ممتازة، وأعني هنا… أن تعبر عن نفسك بأسلوب المراسلة.

والمقصود أن تكتب للفتاة رسالة خاصة في الموضوع موجهة لها، وهو مقترَح أتقدم به للجميع، على أن يكون مراعياً للشروط التالية:

– اكتب رسالة للفتاة، على أن تكون رسالة مهذبة قاصدة، تودعها في صندوقها، تعرِّف فيها بنفسك وبعض أوضاعك وأحوالك، وتكشف بتهذيب عن رغبتك الصادقة في التقدم لها، وأنك إنما تنوي صادقاً إتيان البيت من بابه، ثم اذكر لها أنك تمنحها ما تشاء من الوقت للتفكير، فإذا انتهى بها الأمر إلى الموافقة أن تجيبك عن رسالتك مرحبة بعرضك، وتقدم لك عنوانها، أو مكان عمل أبيها أو وليها، أو مكان وجوده، أو ما تراه من أفضل أساليب الاقتراب الواقعي بحسب تقديرها لظروفها الخاصة وظروف أسرتها.

– واحرص على أن تكون رسالتك موضوعية مهذبة، ولا تحشُها بألفاظ الحب والغرام والهيام، وكل كلام لم يأت أوان قوله بعد.

– ولا تدهمها برسالتك في محادثة مباشرة، بل اجعل الأمر عبارة عن (تراسل) وليس (محادثة)، فالتراسل أدعى لزوال الحرج وتنظيم الكلام وقول ما هو مهم، بعكس المحادثات التي تتطلب التفاعل الفوري، وموضوع حساس كهذا لا يحتمل المحادثة، وإنما يستوعبه التراسل.

– ولا تطالبها بالرد ولا تستعجلها، ولا تكرر عليها عرضك بشكل مزعج ومحرج، بل اذكر في رسالتك أنك تخيرها في حالة الرفض بين عدم الرد بتاتاً، وبين الرد بالرفض، ولا تنزعج إذا لم ترد على رسالتك مهما طال الزمن.

– فإذا قرأت الفتاة الرسالة وأخذت من وقت التفكير ما كفاها، واستخارت ربها، واستقر رأيها أخيراً على القبول، فإنها تجيب الشاب برسالة مهذبة قاصدة، تودعها في صندوقه، وتخبره بالطريق الأنسب الذي يمكن أن يسلكه نحو باب بيتها، وباب بيتها فقط! كأن تخبره بعنوان البيت، أو محل عمل الأب أو الولي، أو غير ذلك… فإذا استقر رأيها على الرفض تخبره بذلك أيضاً برسالة اعتذار، متمنية له أن يرزقه الله خيراً منها.

– وفي حالة الرفض لا يلحُّ الشاب ولا يكرر رسائله، فإن فعل صار مزعجاً جداً للفتاة، واستحق منها أن تعامله بما يستحق، واستوجب أن يتعرض منها للحذف والحظر وكل ما يقطع عنه سبل التواصل معها بأي طريقة كانت.

وقد يقول قائل – وخاصة من أنصار المقاهي – بأن من غير العملي، بسبب واقع المجتمع، أن ندعو الشاب لأن تكون أول خطواته خطبة رسمية، لأن الخطبة اليوم هي عبارة عن حفل بهيج، ويتكلف الشاب فيه شراء الخاتم والهدايا وغير ذلك، فكيف يأخذ معه هذه الأشياء إلى بيت يزوره أول مرة؟ وكيف يدخل به على أهل لا يعرفونه ولم يروه من قبل؟

وجواب هذا ببساطة أن التقاليد يمكن تطويعها بما يتلاءم مع الحاجة، وأن كثيراً من الشباب الذين يتحرون الزواج الشرعي في هذه الأيام يذهبون في زيارة أولى للتعارف فقط، لا خاتم فيها ولا هدايا ولا حفلة، فإذا حصلت الموافقة المبدئية حُدد موعد (حفلة الخطوبة) في وقت لاحق، وفيها تراعى الأعراف وما اعتاده الناس في هذه الأمور…

هذا، وإن كل ما ذُكر ينبغي أن يحاط بسياج من الكتمان التام إلا عن ذوي الشأن من الأهل، وحتى لو تمت الخطبة فلا ينبغي مطلقاً إعلانها على الفيسبوك.

وإني لأعجب أشد العجب ممن يعلن خطوبته على الفيسبوك، وإني لأكثر عجباً ممن يعلن حساب مخطوبته واسمها! فليست الخطبة في الواقع إلا خطوة أولى لا أكثر، وقد يبدو للشاب من الفتاة أو أهلها ما لم يكن يحتسب، وقد يبدو للفتاة من الشاب أو أهله ما لم تكن تحتسب، وقد تظهر بوادر استحالة الاستمرار منذ البداية، وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، فإذا كان مقدراً أن تُفسخ الخطوبة (وهو أمر عادي لا شيء فيه) فإن كونها مكتومة يخفف من وقع الأمر، ويكف ألسنة السوء عن الشاب والفتاة وأهليهما، وأما إن كانت معلنة على الفيسبوك بالأسماء والحسابات، فإن ذلك يجعل الشاب والفتاة عرضة للألسنة وكلام والناس والخوض في الأعراض وشماتة الأعداء…

وإن من عيوب مجتمعنا المريض بتقاليده أنه يعطي الخطبة من سرف الاهتمام ما لا يعطيه للزواج نفسه، وقد صار مؤخراً يسرف في الاهتمام بما قبل الخطبة نفسها، وبأسلوب التعارف ذاته، وقد أضاف بذلك مزيداً من الآصار والأغلال على الشباب، بعد أن كان من المفروض أن تتوجه العقول نحو مقاربات أكثر بساطة لمسألة الزواج، فلا تُعطى بعض الأمور أكبر من حجمها الذي تستحق…

لأن العبرة في النهاية – في حقيقة الأمر – ليست بكيفية التعرف الأولى بين الطرفين، وهل كان للفتاة حساب فيسبوكي أم لا، وهل كلمته قبل أن يتقدم لها أم لا، وهل كانت قديماً تضع صوراً لها أم لا، وهل رآها في الشارع أم لا، وهل كلمها أم لا، وكيف، وأين، ولماذا… إلخ من التفاصيل التي تصير تافهة وغير ذات قيمة عندما تصل العلاقة إلى مرحلة الميثاق الغليظ والرباط المقدس!

المهم أن الأقدار جمعتهما وهذا كاف، وما دامت الأمور تسير سيراً صحيحاً نحو الميثاق، وما دام الشاب قد أثبت جديته بطرقه باب المنزل، فإن كل ما مضى لا ينبغي أن يدقَّق فيه، وقد قلتُ من قبل بأن الأقدار الإلهية المتعلقة بلقاء الأزواج تتعدد بتعدد الناس أنفسهم، وأما التفاصيل الدقيقة فتطوى ولا تروى، ومنها يتسلل الشيطان اللعين، والهوس بها مرض اجتماعي يجب أن يعالَج، ومهما يكن في ما مضى من صواب أو خطأ فلا ينبغي أن نحمل الأثقال على ظهورنا، بل نتوجه بأبصارنا فقط نحو الأمام، نحو المستقبل، نحو الحياة، نحو سعي متبادل لأن نصير أفضل دائماً، وأن تكون بيوتنا عامرة بالحب والمودة والرحمة والتعاون الذي لا حدود له…

(( الــنــهــايــة ))

أنس سعيد محمد
24/03/2016

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: