داخل سيارة الأمن الوطني ~

24/08/2015 عند 13:28 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

amn watani

.

السابعة مساءً تقترب…

وبعينين منهكتين من فرط التحديق في شاشة الحاسوب استدرتُ لإلقاء نظرةٍ على الساعة الحائطية، سفيان يفعل الشيء نفسه، والتقتْ عينانا لتتبادلا بصمتٍ العبارة الدائمة: “هروبٌ على رأس السابعة كالمعتاد.”

وإلى شاشة الحاسوب عدتُ وقد فضتُ ضجراً…

استأنفت إغراق نفسي في السطور البيضاء لجداول المحاسبة المملة، تلك التي تنتظم مسطورةً وسط الشاشة الزرقاء البدائية لبرنامج RODIN، والذي لا تكاد تفرِّق بينه وبين نظام التشغيل الطاعن في القِدَم Ms-Dos.

الجميع منهمكٌ في حاسوبه، في طاحونته، لا تكاد تسمع إلا وشوشةً وهمساً يعلو بين الفينة والأخرى، ثم يبدِّده مرور المدير (الإمبراطور) بجوار مكتب المتدربين، إنه يتعمد التجوال قرب الباب وإجراء المكالمات الهاتفية قبيل السابعة مساءً وبعدها بقليل، لكي يحبط محاولة أي متدربٍ سوَّلت له نفسه الخروج في الموعد (القانوني) لانتهاء الدوام.

تصرفٌ كهذا جعل الخروج على رأس السابعة يتطلب منا مغامرةً يوميةً تفعمنا بالحنق والسَّخط والشعور بالظلم والاضطهاد، غير أني قدَّرتُ بأن مهمة الهرب في ذلك اليوم ستكون أسهل، وما ذاك إلا لأن (الإمبراطور) الأشقر ذا العيون الزرقاء الجاحظة والظَّهر المقوَّس قليلاً قد أغلق عليه باب مكتبه بعد أن جاءه زائرٌ ما في غاية الأهمية. صحيحٌ أن أخته تشتغل سكرتيرةً عنده ولها مكتبٌ ينتصب قبالة الباب مباشرة، إلا أنها لم تكن تستطيع – في مطلق الأحوال – منعنا من الانصراف إن نحن عزمنا عليه…

ارتفعت همهماتنا نحن المتدربين ممزوجةً بضحكاتنا الكئيبة، وكان يخفِّف من أصواتنا أحياناً زجر الموظفين الذين كانوا بدورهم في حاجةٍ إلى الفكاهة والضحك والترويح عن أنفسهم، لولا أن (الإمبراطور) قد عهد إليهم بمهمة ضبطنا وإسكاتنا إن ارتفعت أصواتنا فوق الحدود التي تسمح بها جدية المكان وهيبته.

كنا في ذلك المكتب سبعة متدربين يشرف علينا موظفان بائسان، نجلس متلاصقين تقريباً ووجوهنا إلى الحواسيب المسندة شاشاتُها إلى الجدران، وبيننا فتاة واحدة فقط هي مريم، وكان سفيان يقف عند رأسها متظاهراً بتقديم مساعدةٍ حاسوبيةٍ ما، إلا أن الخبيث كان يتعمَّد إطالة الوقفة كي يمطرها بمزيدٍ من النكات والطرائف التي تجعلهما يقهقهان بأصواتٍ مكتومةٍ تتحرى عدم لفت الانتباه.

يجلس إلى جانبي شابٌّ غريب الأطوار ورثُّ الثياب إلى درجةٍ لافتةٍ للنظر، ولم يفارقني الشعور بأني رأيته من قبل لكن نسيت أين، حاولتُ أن أدقق النظر في ملامحه لكن دون جدوى… هل رأيته في الجامعة؟ في المعهد؟ لا أذكر بالضبط.

نظاراتٌ سميكةٌ جداً، سنٌّ أمامية مسودَّة، ونحولٌ زائدٌ جعل ثيابه المهترئة تبدو فضفاضةً جداً…

ارتفع رنين هاتفه مؤذناً برسالةٍ نصية، أخرجه من جيبه، هاتفٌ محطَّمٌ وقديمٌ جداً، ملفوفٌ معظمه بالشريط اللاصق كي لا تتناثر قطعه على الأرض. قرأ الرسالة فتغيرت ملامح وجهه، بدا عليه الهلع وزمَّ شفتيه حانقاً… انتبه إلى أني أراوح النظر إليه فقال لي دون أن ينظر إلي:

– “رسائل… رسائل غريبةٌ تأتيني… لا أعرف من أين…”

– “وما المشكلة؟”

– “المشكلة في الرسائل… إنها تتضمن عباراتٍ غريبة… لا أدري من يرسلها لي… لقد تكرر الأمر أكثر من مرة…”

لم أعلق… فقرأ علي الرسالة وهو لا يزيح عينيه عن شاشة هاتفه المصفرَّة:

– “يجب أن تتألَّم… كي تتعلَّم!”

كتمتُ ضحكتي! لسببٍ ما ذكَّرتني هذه العبارة بعباراتٍ قديمةٍ تعود لأيام الطفولة من قبيل (الفتاة بلا حبيب كالبقرة بلا حليب)! ووجدتها فرصةً ملائمةً لبعض الفكاهة والترويح:

– “يا لطيف! هذا تهديدٌ صريحٌ منها لك، ما كان عليك أن تتركها بتلك الطريقة… أنت تعرف، بعض الفتيات مجنوناتٌ ومتطرفات، وانتقامهن يكون مريعاً!”

لم يبتسم ولم يضحك، بل رفع حاجبيه دلالة (لا أدري، ربما!)… لقد أخذ الشاب كلامي على محمل الجدِّ وهذا ما لم أرده، أخشى أنه يعتبر الرسالة رسالة تهديدٍ حقيقية! قلت له مهوِّناً من الأمر وساعياً إلى تلطيف الأجواء:

– “لا تهتم يا أخي، لا تهتم… لعلها رسالةٌ بالخطأ أو لعله أحد أصدقائك يريد ممازحتك، انس الأمر ولا تشغل بالك به.”

– “لا أدري… ربما… أتلقى الكثير منها مؤخراً لذلك لا أدري ما الأمر.”

وأعاد الهاتف الملفوف بالشريط اللاصق إلى جيبه، ومحدِّقاً في عينيه الخضراوين خلف زجاج نظارته السميك قلتُ له:

– “المعذرة، نحن هنا منذ مدةٍ لكني لم أتشرف بمعرفة اسمك بعد.”

ابتسم، لأول مرةٍ منذ عرفته، وأجابني وهو ينظر إلي:

– “اسمي جلال.”

* * *

السابعة مساءً وخمس دقائق…

تمت عملية الهروب بنجاح! وها نحن ذان (أنا وسفيان) حرَّان طليقان بالقرب من بوابة العمارة.

عببتُ الهواء بملء رئتيَّ وأنا أجيل بصري في السماء الداكنة التي اشتقتُ لها كثيراً، ما كان من فرقٍ بين ذلك التدريب المرهق والسجن إلا فترات النوم في المنزل.

كم الساعة الآن؟ كم اليوم؟ كم الشهر؟ كم العام؟

إنها السابعة مساءً وخمس دقائق من يوم الأربعاء العشرين من فبراير لعام 2008.

كنا محرومين حتى من ضوء النهار إلا قليلاً في منتصف اليوم، ففي تلك الفترة من العام يحلُّ الظلام في وقتٍ مبكرٍ جداً، وكان يثير مخاوفنا المستقبلية ما نسمع عنه دائماً من الأهوال التي تنتظر الموظفين والمتدربين في مكاتب المحاسبة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وخصوصاً شهر مارس…

كنت قد اعتزمت إنهاء التدريب بعد أسبوعٍ أو أكثر، واستطعت إقناع سفيان بذلك أيضاً، إذ ما كانت لي رغبةٌ في أن أمضي ليالٍ بيضاء في الكدِّ الحماريِّ دون مقابلٍ على الإطلاق. لقد علمنا أن الموظفين الرسميين في مكاتب المحاسبة يتلقون راتباً لا يتجاوز 2500 درهم، مقابل أعمالٍ مضنيةٍ تتجاوز القدرة الآدمية على الاستيعاب والتخيل.

يا للضياع… يا لضبابية المستقبل… يا للتشاؤم الذي يطغى على مجال بصائرنا…

إنها بداية العشرينيات من العمر، تلك الفترة من حياة الإنسان التي طالما تحرَّقتُ شوقاً إلى بلوغها أيام كنتُ طفلاً، ظناً مني أنها جنة الشباب على الأرض، حتى إذا بلغتُها وتجاوزتُها تأكَّد لي – ويا للخيبة – أنها أسوأ فترةٍ عمريةٍ مررتُ بها طوال حياتي.

العشرون من العمر وسنواتٌ قليلةٌ بعدها… تلك الأيام الكئيبة التي يكفُّ فيها الآخرون الأكبر منك عن اعتبارك طفلاً صغيراً ومراهقاً غراً تُلتمس له الأعذار، دون أن يرحِّبوا بك في عالمهم عالم (الكبار)، ودون أن يأخذوا أمرك باحترامٍ وجديةٍ تليق بما أنت ملتاثٌ به من الخواطر الوليدة التي ترفرف خفَّاقةً في صدرك، والاكتشافات الدَّهِشة لمساحاتٍ جديدةٍ من خبايا الناس والحياة تتمنى من أعماق قلبك أن تصرخ بها ليسمعها جميع الثَّقلين.

الأصغر منك يرونك كبيراً ناضجاً تجاوز مرحلة الإعذار، ويُنتظر منك أن تقدِّم لهم النصيحة والعون والإرشاد والقدوة الحسنة التي يحاكمونك إليها، أو إلى تصوراتهم الذهنية الساذجة حولها، وأما الأكبر منك فيرونك غراً معدوم الحيل التجارب، يقْدِم بالكاد على أولى خطواته المتعثِّرة في حياةٍ قاسيةٍ لا ترحم الضعفاء ولا تشفق على الحالمين.

تبخيسٌ وازدراءٌ من الأسفل ومن الأعلى، من الأمام ومن الخلف، وأنت تداري كيانك عن الوجوه متسائلاً أين أنت وماذا تفعل هنا، منتظراً حصولك على هويةٍ تعرِّف بها نفسك للآخرين، ثم تكتشف في هلعٍ أن ما أنت فيه ليس سوى مخاضٍ عسيرٍ لا تدري إلى أين يُسْلمك، وأنك في سنواتك تلك تتخبَّط في دائرة فراغٍ جوفاء، وبرزخٍ معتمٍ لا تستبين له حداً ولا تعرف له عمقاً ولا ارتفاعاً.

ما من ماضٍ وراءك تفخر به، وما من مستقبلٍ أمامك تطمح إليه…

وتخسف بك الخيبة أرض أحلامك القديمة التي حسبتَها صلبةً لا تتزحزح، وأنت ترى نفسك تعيش عمراً يُفترض أنه الأجمل من كل ما مضى وكل ما سيأتي، لأنه العمر الذي تعوَّدتَ أن ترى فيه أبطال الأفلام يقومون بأعظم مغامراتهم وملاحمهم، وهو العمر الذي يتزوج فيه أبطال الروايات بحبيباتهم ليعيشوا معاً فيما شيَّدوه من قصور الأحلام المطلَّة على براري السعادة.
كل هذا كان يتحول في أعماقك إلى ضغوطٍ نفسيةٍ تصيب الذات وكبرياءها بطعنةٍ نجلاء تجعلها تضمر وتتضاءل، تتصاغر أمام نفسها، وينكأ الجراحَ حالةُ الفقر المدقع إلى المال وإلى الوظيفة، بل إلى أي شيءٍ يُشعرك بأنك مستحقٌّ لوصف الوجود، وتشغل حيزاً محترماً معترفاً به من الحياة التي شرعت في التهام عشرينياتك بذلك الحياد الزمني المؤلم، والذي يشعرك دوماً بتفاهتك أمام قوس الشمس ورقصة العقارب.

– “كم عمرك؟”

– “24 عاماً.”

– “كم رصيدك من المال؟”

– “0 درهم!”

قالها مبتئساً وانطلق في ضحكةٍ مريرةٍ على نفسه وعلينا جميعاً، ولم نجد إلا أن نشاركه الضحك على همومنا، وعلى ما كنا نعانيه في ذلك الخندق الفظيع وهاوية الفراغ السحيقة التي تردَّينا فيها بين مرحلة استلام الشهادة واستلام الوظيفة.

وما الحل؟

سفيان يعرف دون شك… الحل هو الضحك! الكثير منه… الإفراط فيه!

فرط الضحك الذي نغطِّي به فرط الهم.

سفيان يفهمني…

– “أرأيت ما حدث اليوم؟ لقد أخطأ رضا في سورة الفاتحة بينما يصلي المغرب!”

وارتفعت الضحكات صاخبةً مدوية، وانطلقنا في مسيرتنا اليومية على الأقدام، من عمارة (يامنة) بشارع (لبنان) قرب (ساحة موزارت)، إلى قنطرة (بن ديبان) حيث كنا نفترق أخيراً ليذهب كلٌّ منا إلى حال سبيله؛ أنا إلى منزلي، وسفيان إلى المدرسة الابتدائية حيث يقيم، فقد كان والده مديراً لإحدى المدارس في حي (بن ديبان)، وكان يقيم مع أهله في نفس المدرسة التي يعمل مديراً لها.

وبخطىً ثملةٍ متعثرةٍ انطلقنا، نتمايل ونهتزُّ يمنةً ويسرةً من الضحك الذي نراود به همومنا علَّها تُنسى، وكانت رحلةُ المشي تلك هي تسليتنا الليلية الوحيدة، والثمينة جداً، قبل مجيء صباحٍ جديدٍ من السجن المشدد مع الأشغال الشاقة في مكتب المحاسبة، ودون أي مقابلٍ ماليٍّ على الإطلاق.

* * *

السابعة مساءً وعشرون دقيقة…

مثل هيكلين عظميين يرتديان ثياباً مهلهلة، كنا نترنَّح من الضحك بمحاذاة المحطة الطرقية التي تركناها عن يميننا، في حين امتدَّ عن يسارنا الشارع الذي تليه مساحةٌ خضراء واسعةٌ يتبدَّى وراءها مسجد (السوريين) شامخاً بمئذنته غريبة الشكل. انعطفنا يميناً قبالة المدار الطرقي العملاق المسمى (رياض تطوان)، وبين الزحام بدت لنا قامة فتاةٍ نعرفها جيداً وهي تتجه نحونا.

إنها مريم…

لقد استطاعت هي الأخرى الهرب من المكتب في السابعة مثلنا، كانت تمشي ذاهلةً عما يدور من حولها وقد انهمكت تماماً في مكالمةٍ هاتفيةٍ باسمة…

تقترب ونقترب.

لمحتنا…

لوَّحتْ لنا بخفةٍ مع هزة رأسٍ سريعةٍ مفادها (مساء الخير، لقد رأيتكما!)، ثم أشاحت بصرها عنا وعادت للانغماس في مكالمتها الهاتفية.

تقترب ونقترب…

وتقاطعنا…

وبحركةٍ غير متوقعةٍ مال عليها سفيان وكان ثملاً بالهزل والضحك، وبصوتٍ خافتٍ غامزٍ همس لها قائلاً:

– “سلمي عليه!”

وفي أقل من لمح البصر حدث ما حدث…

كان كل شيءٍ خاطفاً أسرع من قدرتنا على الاستيعاب، فجأةً لمحت سفيان وهو يرتفع من الأرض نحو الفضاء، ثم يُقذف بعنفٍ داخل صندوقٍ كبيرٍ لم أنتبه لوجوده قبل تلك اللحظة!

وقبل أن يرتدَّ إلي طرفي وأحاول فهم ما حدث لصاحبي شعرتُ بيدٍ آدميةٍ عملاقةٍ تقبض على ثيابي من الظَّهر، وإذا بجاذبية الأرض تختفي، وإذا بي أرتفع نحو الأعلى طائراً في الفضاء وقد فقدتُ السيطرة على أطرافي، وفي أقلَّ من ثانيةٍ شعرتُ بتلك القوة الدافعة وهي تقذفني قذفاً، أنا الآخر، داخل ذلك الصندوق الضخم الفاغر فاه عن عتمةٍ رهيبة.

لملمتُ وقفتي والتفتُّ حولي لأفهم ما يحصل، لم أر شيئاً إلا غابةً من رجال الشرطة بملابسهم الزرقاء وقبعاتهم البيضاء يسدُّون بأجسادهم الضخمة باب الصندوق، ثم التفتُّ إلى سفيان فوجدته ملقىً على الأرض متكوِّماً، وما إن حاول النهوض حتى اندفع إليه شرطيٌّ شديد السُّمرة طويل القامة ضخم الجثَّة بارز الكرش، وقبض بكفِّه اليسرى الغليظة على طوق سترته ورفعه إلى أعلى بحركةٍ شديدة العنف.

– “لكن يا سيدي مهلاً… إننـ…”

ولم يكمل سفيان جملته حتى كان الشرطي قد رفع كفه اليمنى إلى الأعلى، وهوى بها على وجهه بلطمةٍ سُمع دويُّها مزلزلاً يجمِّد الدَّم في العروق… صفعةٌ بهذا العنف هي ولا بد، قد تسببت لسفيان بارتجاجٍ دماغيٍّ على أقل تقدير…

– “اخرس! يا ابن العاهرة! تتحرش بالفتيات أمام رجال الشرطة وأمام سيارة الأمن الوطني؟! هكذا أمامنا تتحرش بفتاة؟! هل ترضى أنت يا ابن الكلبة أن يتحرَّش بأختك أحد؟!”

قالها الشرطي مزمجراً وأتبعها بركلةٍ فظيعةٍ جعلت سفيان يخرُّ على الأرض مثل كيس رمل، مبعثر الأطراف شبه فاقدٍ للوعي…

– “لأعلمنَّك الليلة كيف يكون الرعب من رجال الشرطة، لأعلمنَّك كيف تقعقع عظامُك وترتعد أوصالُك في كل مرةٍ ترى فيها شرطياً!”

ثم قبض من جديدٍ على تلابيبه ورفعه إلى الأعلى بهمجيةٍ تخلو من ذرة رحمة.

وفهمتُ ما حدث…

نحن معتقلان داخل سيارة الأمن الوطني بتهمة التحرش بفتاة، بل بتهمة عدم احترام رجال الشرطة المتمثل في التحرش بفتاةٍ أمام أعينهم… وألقيتُ نظرةً مرعوبةً على ما يدور من حولي.

المكان معتمٌ جداً لا تكاد تتبين فيه وجوه الموجودين… رجال شرطةٍ تذكِّرك وجوههم، أو ما تبقى منها في تلك العتمة، بزبانية جهنَّم وخزنتها، كل شيءٍ فيهم مظلمٌ كالجحيم… ملامحهم، نظراتهم، أصواتهم، حركاتهم، شتائمهم التي يندى لبذاءتها الجبين، وكان الشرطي الذي تفرَّغ لسحق سفيان قد أطلق، بصوته الجهوري المغلَّظ، ماسورة البذاءات العادمة التي بلغت في فحشها حدوداً لا تصلح للنشر…

وفي آخر الصندوق لمحتُ ما بدا لي جثثاً آدميةً متكوِّمةً على غير نظام، قدَّرتُ أنها تعرضت للضرب إلى درجةٍ أفقدتها القدرة على النهوض والحركة، وتململ بعضهم على إثر ما يتعرض له سفيان من الرفس واللطم والشتائم القذرة، ولما تجرأ بعضهم على الالتفات لاحت لي وجوههم المتَّسخة المليئة بالندوب والبثور وآثار الجروح الغائرة الملتئمة، وكانت أعناقهم المهزولة متصلةً بما يرتدونه من أطمار ممزقةٍ تدلُّ على أنهم متشردون أو قطاع طرقٍ أو مجرمون تم القبض عليهم في ذلك المساء.

هل سنبيت ليلتنا مع هؤلاء؟

ارتجفتُ للفكرة…

وسُمع دويُّ صفعةٍ أخرى هزَّت أرجاء المكان… وبصوتٍ حشرجه البكاء صرخ سفيان في وجه الشرطي العملاق محاولاً التفسير:

– “لكن… لكن… إنها تدرس معنا!”

وكان جواب الشرطي ركلةً حطَّمت عظام فخذه وأوقعته أرضاً:

– “دراسةٌ في مثل هذا الوقت يا ابن السَّافلة؟! وتتجرأ على الكذب علينا؟!”

– “إنها تتدرب معنا! نحن نعرفها! نحن نعرفها جيداً! نحن نتدرب معاً في نفس المكتب! والآن التقيناها بالصدفة!”

وكان الجواب صفعةً أخرى ما زال صداها يتردد في أذنيَّ حتى اليوم، وأحسب أنها رجَّت ما تبقَّى من عصارة دماغه:

– “تدريبٌ في مثل هذا الوقت أيها الكلب؟! قبل لحظةٍ دراسةٌ والآن تدريب؟! فوق كل ما فعلت تتجرأ على الكذب علينا؟!”

ركلةٌ أخرى رضخته بالأرض…

– “لآخذنَّك أيها الوغد إلى حيث تتعلم الأدب، لآخذنَّك أيها النذل إلى حيث تعاد تربيتك!”

ولم أعد أستطيع الرؤية، وتمنيتُ أن يضرب على أذنيَّ أيضاً حتى لا أسمع أصوات الصفعات والركلات التي تمزِّق نياط القلب، وتجمَّدتُ في مكاني محاولاً استجماع ما في عضلاتي الضامرة من قوة، وما في نفسي من قدرةٍ على تحمل الألم القادم…

حاولتُ أن أعدَّ نفسي لتلقي الصفعات والركلات متمنياً ألا يصيبني بعضها بكسرٍ أو تهشُّم عظام، وكنتُ في تلك الأيام ناحلاً جداً أقرب إلى هيكلٍ عظمي.

إن (صفعة الشرطي) كانت دائماً مضرب مثلٍ في القسوة والشدة، ولا أذكر أن شرطياً صفعني إلا مرةً واحدةً تعود لأيام طفولتي، عندما وقفتُ بانبهارٍ أمام حادثة سيرٍ مروعةٍ وقعت فوق قنطرة (بن ديبان)، وكنتُ أتأمل مندهشاً مقدمة السيارة المعجونة تماماً، وفي داخلها رجلٌ عجوزٌ فاقد للوعي وقد انزلقت على صلعته اللامعة عدة خيوطٍ حمراء من الدَّم.

لم أنتبه للشرطي ذي الشارب الكثيف الفاحم الذي يدفع زحام الناس للابتعاد وبقيتُ متسمراً في مكاني، ولم يوقظني من دهشتي إلى صفعته المدمِّرة التي جعلتني أركض مذعوراً على غير هدى، واكتشفتُ بعد توقفي عن الركض أني لا أكاد أسمع شيئاً إلا صفيراً مستمراً، وأني لا أستطيع المشي إلا مترنِّحاً وبي دوخةٌ تجعل كل الموجودات خارج عينيَّ تدور وتدور…

– “اجلس مكانك!”

قذفها في وجهي شرطيٌّ تكلف بمهمة السيطرة علي، أطعتُ أمره وجلستُ على لوحٍ خشبيٍّ مستطيل.

– “قف!”

ونهضتُ واقفاً وأنا أحدِّق في وجهه… كان شرطياً شاباً قدَّرتُ أنه في العشرينيات من عمره، وبدا لي أرقَّ فؤاداً من زملائه الكهول الذين أفرغتْهم سنوات الخدمة الطويلة من كل شفقةٍ ورحمة، وحوَّلتهم إلى وحوشٍ آدميةٍ ضاريةٍ لا تعرف للرقة والإحسان أي معنى.

كان شرطياً شاباً، وكان يحدِّق في عينيَّ بنظراتٍ ناريةٍ نافذة، ولم تمنعني تلك النظرات رغم قسوتها البالغة من الشعور بأن فيها شيئاً مفتعلاً ما…

كان يحاول اصطناع الحزم الذي تقتضيه مهنته الجديدة، لم تكن قسوةً أصيلةً فيه، ولم تفقد عيناه شيئاً من بريق الشباب ولمعان الرقة، ذلك اللمعان الذي لم يعد له أي وجودٍ في عيون بقية رجال الشرطة من كهولهم والشيوخ، تلك المنطفئة التي تغلِّفها دوماً سحابةٌ داكنةٌ من الظلمة والغلظة والوحشية.

– “اجلس!!”

جلستُ.

وبحدةٍ متصاعدةٍ مع أوامره المتناقضة، وقفتُ وجلستُ مراتٍ عديدةً متتاليةً دون جدوى…

– “قف!!!”

– “اجلس!!!”

– “قف!!!!”

– “اجلس!!!!”

– “قف!!!!!”

– “ارفع يديك عالياً!!!!!”

رفعتهما.

وانقضَّ علي يتحسس جسمي من أعلاه إلى أسفله، لم يجد سوى عظامي البارزة من قفصي الصدري.

عاود العملية من جديد، تحسس جيوبي فلم يجد فيها غير مجسَّم الهاتف وقطعاً نقديةً قليلة.
– “ماذا تفعلان هنا؟”

– “نجتاز تدريباً، ونخرج في السابعة.”

– “تدريب؟ أين؟”

– “في مكتب محاسبة… fiduciaire.”

– “fiduciaire?!!”

ولم أدر ما الذي ذكَّرني بإحدى حصص اللغة العربية في السنة الخامسة الابتدائية، وعاد بي الوعي إلى ذلك اليوم الذي كنتُ جالساً فيه في الصف الأول، معلِّقاً عينيَّ وانتباهي على الأستاذ الإدريسي ذي اللحية التي خطَّها الشيب، والنظارات السميكة التي تغطي نصف وجهه، والوزرة البيضاء الملطَّخة بآثار الطباشير…

– “إن الله يا أبنائي مجيبٌ الدعاء، فادعوه دوماً بتضرُّعٍ وإخلاص… في كل مرةٍ تتعرضون فيها للخطر توجهوا بالدعاء إلى الله وأنتم موقنون بالإجابة: يا ربِّ نجِّني، يا ربِّ نجِّني. وسينجيكم الله حتماً.”

وشاء الله أن أطبق النصيحة بعد أيامٍ من تلك الحصة التي علقت بذهني وأبت أن تفارقه، فقد طاردني كلبٌ متوحشٌ شرسٌ مررتُ بجواره، ففررتُ منه بأقصى ما أستطيع من الركض المذعور وأنا أستشعر أسنانه تلمس كعبيَّ وحذائي، ثم تذكرتُ كلام الأستاذ وشرعتُ في الدعاء بينما أركض بأقصى سرعةٍ تسمح لي بها أعوامي العشرة:

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

نفدت قوتي الضئيلة وفقدتُ القدرة على الركض، توقفتُ مستسلماً لقدري، منتظراً ما سيفعله بي الكلب المتوحش… التفتُّ ورائي، وكانت المفاجأة أني لم أجد له أثراً كأنما تبخَّر!

وبينما الشرطي يواصل تفتيشي الجسدي انطلقتُ أدعو سراً:

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

– “بطاقتك الوطنية، هاتها فوراً!”

بطاقتي الوطنية؟

سبحانك ربي ما أرحمك! لم يكن من عادتي قطُّ أن أحملها معي، وفي صباح ذلك اليوم بالذات وضعتها في جيبي دون سببٍ محدد… يحدث أحياناً أن نستجيب لدوافع غامضةٍ لا تفسير لها، ثم نكتشف لاحقاً أنها كانت من اللطف الخفي الذي يغمرنا به الله عز وجل بحكمته ورحمته.

أخرجتُ له البطاقة وناولته إياها، شرع يتأملها ويراوح عينيه بين وجهي والصورة.

كنتُ مرتاح الضمير رغم كل شيء… وجعلتُ أبرمج عقلي على جميع الاحتمالات من أفضلها إلى أسوئها…

في جميع الأحوال لن يأخذونا إلى (تزمامارت)!

أفضل ما قد يحصل هو أن يطلقوا سراحنا هنا والآن، هذا هو الاحتمال الأول.

الاحتمال الثاني (الأسوأ قليلاً) هو أن يأخذونا إلى مركز الشرطة ثم يطلقون سراحنا بسلامٍ ودون أن نوقِّع على أي محضر.

الاحتمال الثالث (الأسوأ كثيراً) هو أن يأخذونا إلى مركز الشرطة ثم يطلقون سراحنا بعد أن نوقِّع على محضرٍ يلوِّث سيرتنا الذاتية النظيفة.

الاحتمال الرابع (الأسوأ على الإطلاق) هو أن نبيت ليلةً كاملةً في الحجز مع القتلة والمجرمين وقطاع الطرق والمتشردين، ثم يطلقون سراحنا صباح الغد بعد أن يبلغ الخبر والدينا وأهلنا ويروِّعهم.

لتكن مشيئة الله…

– “يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني… يا ربِّ نجِّني…”

وانفتح باب الصندوق، وبرز من خارجه شرطيٌّ عجوزٌ ذو ملامح شديدة القسوة، كان نحيفاً جداً وقد برزت جميع عظام وجهه وعروق رقبته، وكان رغم نحافته المفرطة يضع شارباً ضخماً شائكاً رماديَّ اللون ميالاً إلى البياض. مدَّ كفَّه المعروقة نحوي مشيراً إليَّ بسبابته الطويلة وهو يقول للشرطي الشاب القابض علي:

– “هذا… دعه يذهب، دعه ينصرف.”

أطاع الشرطي الشاب الأمر، ودفعني بغلظةٍ إلى الخارج طارداً إياي من ضيافته:

– “هيا… اذهب! انصرف!”

وبقفزةٍ رشيقةٍ وجدتُ نفسي خارج سيارة الأمن الوطني، واقفاً أمام الشرطي العجوز أنظر حولي بذهولٍ ورهبة… مدَّ يده نحوي وقبض على ذراعي بأصابعه المخلبية، ثم قذف بي بعيداً بعنفٍ قائلاً بلهجةٍ شديدةٍ القسوة:

– “هيا! هيا! انصرف! بسرعة! اغرب عن وجوهنا فوراً! هيا!”

أسرعتُ مبتعداً عدة خطوات، واستدرتُ لألقي نظرةً أخيرةً على سفيان، كان آخر ما سمعته صوت الشرطي الضخم وهو يزمجر:

– “هذا العاهر هو من نريد.”

وتلت العبارةَ صفعةٌ اختفى سفيان على إثرها من مجال نظري، ذلك أن أبواب الصندوق قد أغلقت، وانطلقت سيارة الأمن الوطني تشقُّ مدار (رياض تطوان) بسرعةٍ عصبية…

شعرتُ بأن الأرض تميد من تحت قدميَّ، ومضيتُ أسرع الخطو وسط دوارٍ ذاهل، ولم أعلم متى ولا كيف وصلتُ إلى البيت أخيراً…

* * *

“يجب أن تتألَّم… كي تتعلَّم!”

* * *

– “ما بك؟ تبدو متعباً وشاحب اللون جداً!”

– “لا شيء يا أمي، إنه التعب فقط.”

– “كل هذا تعب؟ ألن تنتهي من هذا التدريب المجاني؟ منذ أشهرٍ وأنت تروح وتجيء دون أي مقابل، انظر إلى نفسك كيف أصبحت، لقد صرت هيكلاً عظمياً يا ولدي!”

– “سأفعل يا أمي… قريباً جداً سأفعل.”

* * *

الحادية عشرة ليلاً…

ساعاتٌ أمضيتها في فعل لا شيء، محدِّقاً في الفراغ أطرح الأسئلة وأحتمل الاحتمالات…
سفيان… أين ذُهب بك؟

وهل ستكون بخيرٍ رغم كل ما أصابك؟ هل ستعود كما كنت من قبل؟

سفيان… ماذا فُعل بك؟ ماذا فُعل بك يا صديقي؟

رنَّ هاتفي، أضاءت شاشته الصغيرة مظهرةً رقماً منزلياً يبدأ بـ 039… متوجِّساً أجبتُ على الاتصال، وجاءني صوته ممزوجاً باللهاث والضحك:

– “السلام عليكم… أنا سفيان…”

– “سفيان؟! أين أنت الآن؟ كيف حالك؟ ماذا أصابك؟”

– “أنا في المنزل الآن، لقد أطلقوا سراحي…”

– “أطلقوا سراحك؟ كيف ومتى؟ ماذا حدث بالضبط؟”

– “ذهبوا بنا إلى مركز شرطة (العوَّامة)، وهناك زجُّوا بي مع شرذمةٍ من الحثالات والمتشردين في غرفةٍ متعفِّنة، ثم جاء بعض رجال الشرطة وأشبعونا زجراً وتقريعاً، وتعاملوا معي كواحدٍ من المقبوض عليهم في جرائم السرقة وقطع الطريق بالسلاح الأبيض ومحاولات الهجرة السرية، إلى أن طلبتُ منهم أن يمهلوني حتى أشرح لهم وضعي وموقفي.”

– “وسمعوا منك؟”

– “بعد أن طُحنت عظامي بالصفع والركل! أخبرتهم أني بريءٌ من كل هذا، وأني مجرد متدربٍ مسكينٍ في مكتب محاسبة، وأني طالبٌ جامعيٌّ وخرِّيج معهد، وأني ابنٌ لمدير مدرسةٍ ابتدائية.”

– “وبعدها؟”

– “كل ما فعله الشرطي أنه ألقى عليَّ نظرةً سريعة، واقتنع من ملامحي البريئة ومظهري النظيف بأني لست كغيري من أولئك المجرمين، وببساطةٍ طردني من مكتبه دون تفكير!”

– “بهذه البساطة؟”

– “نعم! وما إن خرجتُ من مركز الشرطة حتى طرت إلى منزلي لا ألوي على شيء، والآن أتصل بك فور دخولي!”

– “ووقَّعت على محضر؟”

– “أي محضر؟ لا لم أوقع على شيء.”

– “الحمد لله… الحمد لله على سلامتك!”

ومضت لحظة صمتٍ تخيَّلتُ فيها ما حدث، وانفجرت الضحكتان عبر الموجات الهاتفية…

– “تباً لك، أيها الوغد المنحوس! لقد أقلقتني عليك حقاً!”

* * *

صباح اليوم التالي، كانت أول مرةٍ أسرع فيها إلى المكتب متشوقاً للوصول إليه، كنتُ أعرف أن كثيراً من الضحك ينتظرني هناك.

وبالفعل، ما إن دخلتُ حتى لفت انتباهي أنْ لا أحد من الموظفين أو المتدربين جالسٌ إلى حاسوبه، إلى طاحونته، وأنهم جميعاً متجمهرون حول سفيان الجالس جلوس الأبطال الأشدَّاء على كرسيٍّ وسط القاعة.

كان يروي للجميع تفاصيل ما حدث بلهجةٍ فكاهيةٍ أجبرت الجميع على الإغراق في الضحك جملةً بعد جملة، وكان الأكثر إضحاكاً من قصة سفيان نفسها ما التصق بخدِّه الأيسر من آثار أصابع الشرطي الذي أشبعه صفعاً ولطماً.

صُعقتُ من منظر تلك الأصابع وهي مطبوعةٌ بوضوحٍ شديدٍ على وجهه منذ ليلة الأمس، وبعينين ذاهلتين قرَّبتُ وجهي منها لأتأملها! إنها آثارٌ شديدة الحمرة لأصابع حقيقيةٍ واضحةٍ جداً!

هناك يظهر الخنصر وشيءٌ من البنصر في منطقة العنق، وفي صحن الخدِّ يلوح ما تبقى من البنصر مع الوسطى والسبابة، وتلك النقطة الحمراء هناك تحت عينه هي الإبهام دون شك.
يا للهول!!!

وجاءت مريم رشيقة الخطوات غير عالمةٍ بشيءٍ مما حصل، وأدهشها تجمهرنا المريب حول سفيان، وأرعبها أن الجميع انفجر ضحكاً بمجرد دخولها إلى القاعة تقلِّب عينيها وكفَّيها متسائلةً عن الوضع.

– “ها هي ذي قد جاءت، ها هي ذي سبب المصائب والكوارث!”

– “ولكن… أنا؟!”

وحُكي لها ملخص ما حدث، فجحظت عيناها حتى كادتا أن تخرجا من المحجرين، وفغرت فاها الذي سارعت إلى تغطيته بأصابعها، ونزَّ من سحنتها رعبٌ حقيقيٌّ غير مفتعل.

– “يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للهول! أقسم أني لم أركما! أقسم بالله العظيم أني لم ألتفت ورائي! أقسم لكم أني لم أنتبه لشيءٍ مما حصل، أقسم بالله العظيم أني كنت مشغولةً بالهاتف فاكتفيتُ بإلقاء التحية فقط! أقسم أني لو كنتُ رأيتُ ما حدث لأخبرتُ رجال الشرطة بحقيقة الأمر! يا ويلي! يا ويلي! يا للهول! يا للإحراج! يا لمصيبتي! لماذا لم تناديا علي؟! لماذا لم تطلبا من الشرطة أن يسألوني؟! يا ويلي! يا ويلي!”

ولم تكن من إجابةٍ إلا انفجار الضحك…

وانفضَّ الجمع عن سفيان مع كثيرٍ من الطبطبات على الكتف وعبارات المواساة من قبيل (تكبر وتنسى) و(في سبيل الله) و(تستاهل)، وعاد كل واحدٍ منا إلى حاسوبه، إلى طاحونته، لينهمك في جداوله وأوراقه وحساباته، دون أن نكفَّ عن القهقهة في كل مرةٍ نلمح فيها خاتم الشرطة لائحاً بوضوحٍ على وجه سفيان، متمثلاً في أصابع خمسةٍ حمراء بشكلٍ لافت، ومطبوعةً على صفحة خدِّه بوضوح شديد يثير التعجب والدهشة…

أنس سعيد محمد
23/08/2015

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: