بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الثالث والأخير: سندويش ~

09/08/2015 عند 16:00 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

pizza kabab sandwish 03

.

(3) – سندويش ~

السابع عشر من مارس، عام 2012.

محطة قطار القنيطرة…

صخبٌ وزحامٌ ومعاطف وحقائب، وصفوفٌ طويلةٌ متراصَّةٌ أمام شبابيك التذاكر التي خفَّ عبد الجليل إلى أحدها سعياً منه ليخالف قانوناً ما لا أدري ما هو.

وضعتُ حقيبة سفري الثقيلة على الأرض وثبَّتُّها بين ساقيَّ، وأسندتُ عليها حقيبتي اليدوية التي تضمُّ جريدة المساء وبعض الكتب. ساعاتٌ قليلةٌ فقط تفصلني عن طنجة بعد أسبوعين من الاشتياق…

أسبوعان انتهيا أخيراً وانتهت معهما الدورة التكوينية، وانتهت مدة إقامتي مع عبد الجليل الذي اقتحم علي الشقة اقتحاماً دون أن يطلب مني إذناً أو يسألني عن رأيي، وها هو ذا قد أصرَّ – جزاه الله خيراً – على أن يصطحبني إلى محطة القطار، وألا يتركني حتى يتأكد من أني ركبتُ بسلام، ولو كنا في مسلسلٍ كرتونيٍّ لوقف يلوِّح لي دامعاً من رصيف السكة ثم انطلق يركض نحوي بينما ألوِّح له من نافذة القطار حتى نختفي عن أنظار بعضنا البعض! يصرُّ هذا الكهل على معاملتي كطفلٍ صغيرٍ لأني أصغر من بعض أبنائه، وهو أكبر من والدي بقليل، لذلك لا أجد خياراً آخر إلا أتفهم تصرفاته هذه وأقدرها.

ها هو ذا قد عاد أخيراً من الشباك حاملاً بيده تذكرة القطار التي اقتناها لي بالورقة النقدية التي سلَّمتها له، دسَّ التذكرة في جيب سترتي الجلدية السوداء وهو يقول متوجساً بصوتٍ منخفض:

– “فقط لأنبهك، اسمع ما أقول: زوجتي تشتغل في التعليم وعندهم بطاقةٌ يستفيدون بها من تخفيضٍ على أسعار تذاكر القطار، لقد استعملتُ البطاقة لاقتناء تذكرتك ووفَّرت لك بعض المال، لكن احذر! أحياناً يسألك مراقب التذاكر عن بطاقتك، لو سألك فتظاهر بأنك تبحث عنها في حقيبتك وجيوبك ثم قل له إنها سقطت منك أو نسيتها عند صديقٍ لك في المحطة، وغالباً سيصدِّقك لأنهم لا يركزون في هذه الأمور.”

بدا علي الوجوم والارتباك، فحدجني بنظرةٍ أكثر حدَّةً وتابع كلامه قائلاً:

– “لا تقلق يا ولد! هم في الغالب لا يسألون، وليس في مظهرك ما يمنع من أن تكون أستاذاً على كل حال، لكن أقول لك (في حالة ما إذا) سألك، حتى تكون فاهماً للموضوع، وإلا فهُم في غالب الأحيان لا يسألون، اطمئن ولا تقلق، ليست هناك أي خطورةٍ في الأمر.”

عبدَ الجليل… تباً لك!

لا يستطيع هذا الرجل أن يمضي يوماً كاملاً أو أن يقوم بأي نشاطٍ من نشاطاته دون أن يرتكب مخالفةً سافرةً للقانون، وأعتقد أن ضميره لا يرتاح إلا بذلك، بحيث لو لم يخالف القانون لأنَّبه ضميره بشدةٍ ولحرمه من النوم طوال الليل.

وأما أنا فصار عليَّ أن أمضي هذه الساعات التالية في القطار متوجساً مرتبكاً مذنباً، وأن تزداد خفقات قلبي عندما يأتي مراقب التذاكر ذو الجثة الضخمة والشوارب العملاقة ليقرع باب المقصورة الزجاجي… لا حول ولا قوة إلا بالله!

لكني مع ذلك شكرته وابتسمت، وصافحت كفَّه العملاقة ثم عانقته بحرارة…

كانت أياماً جميلة بحقٍّ رغم كل شيء! والآن في نهايتها أكتشف أن ما ظننته في البدء شراً لي كان منطوياً على خيرٍ كثير، وأن صحبة عبد الجليل والإقامة معه لم تكن بذلك السوء الذي تخيلته في البداية.

ولقد تيقنتُ من الأمر أكثر عندما عاد إلى مدينته القنيطرة في عطلة نهاية الأسبوع الأول، وعدتُ من جديدٍ إلى مخالب الوحدة القاتلة وأنيابها التي نهشتني في أول يوم، عندها عرفتُ قيمة أن يكون معك إنسانٌ يكفي وجوده إلى جانبك بصوته وصورته لتبديد وحشتك وجعل ما تقوم به في حياتك ذا هدفٍ ومعنى، وهكذا وجدتُ نفسي أنتظر انتهاء اليومين الثقيلين بفارغ الصبر، ولم يرتح لي خاطرٌ حتى عاد عبد الجليل صباح الإثنين، واستأنفنا من جديدٍ حياتنا المشتركة الهادئة.

والحق أني أشهد له بأنه كان يتركني وشأني في أغلب الأوقات (وهذه بالنسبة لي أعظم صفةٍ إيجابيةٍ في الآخرين)، ولم ألق منه إزعاجاً أو تعنتاً أو مشاكل مالية، وبدوري كنت له طيِّعاً أنزل عند رغباته واقتراحاته عن طيب خاطر، وقد منحتنا بعض تلك التنازلات المشتركة مساحةً مريحةً من الرضا والامتنان المتبادل جعلتْ كل واحدٍ منا يذكر صحبته للآخر وذكرياته معه بخيرٍ كثير.

ثم إني لا أنكر أني استفدتُ منه فيما يتعلق بامتلاكه سيارة، بحيث ضمنتُ وسيلة نقلٍ مريحةً لجميع التنقلات التي قمنا بها بين المحمدية والدار البيضاء والقنيطرة، وقد أراحني ذلك من الحافلات الكريهة المهترئة وسيارات الأجرة العصبية المزدحمة التي تجعلك تمقت السفر والمدن والناس وحتى نفسك أحياناً!

وكنتُ قد احتجت لبضعة أيامٍ حتى أضبط انفعالاتي وردود أفعالي على سنه المتقدم بالنسبة لي، ولم يكن سهلاً أن أوطِّن نفسي على نمط عيش (السلحفاة) التي تتحرك ببطءٍ وتفكر ببطءٍ وتتخذ القرارات ببطءٍ وتنفعل ببطء، لكني وجدت نفسي مجبراً على ذلك في نهاية الأمر، حتى خشيتُ أن تتحول روحي إلى خمسينيات العمر دون أن أحسَّ بذلك أو أشعر به.

إنها عدوى الشيخوخة تتسرَّب إلى روحي، علمتُ ذلك عندما لاحظتُ تغيراً طرأ على ذوقي الغنائي بسبب الأقراص المدمجة التي لم يكن يشغِّل غيرها في سيارته المرسديس العتيقة حتى حفظتها عن ظهر قلب، وهي أقراصٌ مليئةٌ بأغاني عبد الوهاب الدكالي وعبد الهادي بلخياط ومحمد الحياني، وهذا الأخير بالذات ضبطتُ نفسي أكثر من مرةٍ أترنَّم بأغانيه التي انسابت كلماتها على لساني دون عناء، وقد كنت في البداية أمجُّها وأستثقلها، ثم لم ألبث أن تعودتُ عليها، إلى أن وجدتُ نفسي في النهاية وقد أحببتها، بعد أن اكتشفتُ في الأغاني المغربية القديمة أبعاداً جماليةً رائعةً لم أنتبه لها من قبل!

الخلاصة أن عبد الجليل قد سافر بي عبر الزمن إلى الماضي الجميل ببساطته وسذاجته وبطء الحركة فيه… لكن وعلى العموم، وعندما أنظر إلى تلك الأيام نظرةً شمولية، فإني أعتقد أن كل شيء مرَّ على ما يرام…

على ما يرام… تقريباً!

فقط إذا استثنينا مشكلةً صغيرةً وقعت في اليوم التالي لليلة الكباب تلك، وهي ليلة الثامن من مارس التي سننتقل إليها الآن، لنستمع معاً إلى قصة عبد الجليل التي فتحت أمام عقلي أبواباً من الجدليات الأخلاقية الشائكة، ثم أروي لكم ما حدث بعدها في تلك الليلة المشؤومة التي لن أنساها ما حييت…

* * *

الثامن من مارس، عام 2012.

– “وأنا والله لم أفهم، والله لم أفهم! لم أفهم لماذا عدتما إلى ذلك المطعم مرةً ثانية! أمضيتُ الليل كله وأنا أحاول التفكير في الأمر وتقليبه في ذهني على جميع أوجهه لكني لم أجد لكما عذراً… لا عذر لكما فيما فعلتماه، إنها الصراحة!”

عونَك يا رب! إنها المرة المئة وهو يكرر لي عبارته هذه منذ الصباح الباكر، بل منذ ليلة الأمس، وفي كل مرةٍ كنت أجيبه بما أحاول أن أبرِّر له الأمر به، فلم يكن يزيده جوابي إلا إصراراً على موقفه وحدَّةً في تأنيبي وإنزال اللوم علي…

هذه المرة قررتُ أن أصمت، وناب عني صوت المطرب الراحل (محمد الحياني) وهو ينبعث من مسجِّل سيارته ليجيبه على تساؤله المحير…

(( يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

لله افهمني، أنا شفتو وعجبني ~

يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

بغيتْ نذوق الحبّْ، خلِّي نارو تذوّْبني ~

حلو ولَّا مرّْ، سلّْمتو أمري، يفرَّحني أو يعذّْبني، دابا تحبّْ وتعذر ~

ويغلبك كيف غلبني، وداك الساعة جاوبني ~

يا سيدي أنا حر، أنا حر، أنا حر ~

لله افهمني، أنا شفتو وعجبني ~ ))

يا للملل… إنها المرة الألف التي تتكرر فيها نفس هذه الأغنية في سيارته خلال يومٍ واحد… أخشى أني سأعود لطنجة في الخمسين من عمري بعد انقضاء الأسبوعين لو بقيتُ على نفس هذه الوتيرة الغنائية العتيقة!

لكن ما بيدي حيلة! يجب أن أصبر على كل حال، لقد عاد عاصم إلى طنجة وكان هذا أول يومٍ نمضيه معاً أنا وعبد الجليل، ولم يتركني حتى استفسر مني عن جميع ما يمكن أن أخبره به من معلوماتي الخاصة وظروفي العائلية ومشاريعي المستقبلية، وقد نشأت بيننا لذلك ألفةٌ سريعة كان مردُّ جزءٍ كبيرٍ منها لحرصي على إرضائه وعدم مخالفته، ورغم أننا نشتغل معاً في نفس الإدارة منذ ثلاث سنواتٍ تقريباً إلا أن العلاقة بيننا لم تتعدَّ تبادل التحيات وعبارات المجاملة. إن السفر حقاً يفتح صناديق الأرواح المغلقة أكثر مما يفعل أي شيءٍ آخر.

فرغتُ من إخباره عن خيالاتي الساذجة حول مستقبلي، وجاء دوره ليحدثني عن ماضيه المثير ويروي لي قصته العجيبة التي كان الغموض لا يزال محيطاً بأكثر أجزائها، ولعله لم يروها إلا لعددٍ قليلٍ من الناس منذ انتقل للعمل في طنجة عام 2009.

وبانتباهٍ مشتتٍ بين قيادته المتعقلة للسيارة وروايته للقصة، انطلق عبد الجليل يحكي، بصوته الجلمودي المتدحرج، مع خلفيةٍ موسيقيةٍ يترنَّم فيها (محمد الحياني) بصوتٍ صافٍ مفعمٍ بأحاسيس الحب ومشاعر الحرية…

* * *

(( ما بيدي حيلة ~

وفين الحيلة؟ ~

من أول نظرة قلبي مال، قلبي مال، قلبي مـــــــــــال ~

وغير البارح، وانا هاني ~

غير البارح، وانا هاني، واليوم أنا مشغول البال، مشغول البال، مشغول البـــــــــــال ~ ))

– “بدأت القصة منذ نحو أربعة عشر عاماً، وكنت يومها لا أزال شاباً في الثلاثينيات من عمري، وكنت قد عُيِّنت رئيساً لوكالة التوزيع بمدينة إفران، ورؤساءُ الوكالات في ذلك العصر لم تكن أحوالهم تدعو إلى الرثاء كما هي في أيامنا هذه، بل كان لرئيس الوكالة من الهيبة والوقار والتعظيم ما يفوق حتى مديري هذه الأيام…

الحق أني كنت ذا شأنٍ عظيم، وكانت الوكالة التي أرأسها شاسعةً مترامية الأطراف، مشيَّدةً على الطراز الإفراني ذي الأسقف القرميدية الحمراء الفاتنة، وكان يشتغل تحت إمرتي عشراتٌ من المرؤوسين آمر فيهم وأنهى، ولم يكن أي واحدٍ منهم يستطيع أن يرفع رأسه ليحدَّ النظر في وجهي. في تلك الأيام كان الرئيس رئيساً بحق، وأما الآن فلا تكاد تفرِّق بين المدير وبين أصغر موظفيه! وأما مكتبي الفسيح الفاخر فلم يكن يصل إلى أعتابه إلا علية القوم من كبار المسؤولين، بعد أن يجتازوا ممراتٍ مرصوفةً طويلةً تشقُّ المساحات العشبية التي تجعلهم منبهرين بالأجواء (السويسرية) التي تميز مدينة إفران الساحرة، حتى إن أحد كبار المديرين لما زارني ذات يومٍ بدأ مقابلته معي بأن قال لي منبهراً وهو يدخل مكتبي: لكنك ملكٌ هنا يا سيدي! Mais vous êtes roi ici monsieur.

ولم تدم حياة النعيم التي كنت أحياها في إفران إلا سنواتٍ معدودات، فسرعان ما نشأت مشاكل عويصةٌ بيني وبين الإدارة، وتُربِّص بي من طرف بعض الحاقدين، وما هي حتى جاءني تعيينٌ جديدٌ كان بلا شك على سبيل العقوبة غير المباشرة، إلى مدينة سيدي قاسم!

ولك أن تتخيل شعور الانتقال من إفران إلى سيدي قاسم، من الجنة إلى الجحيم!

وهكذا بدأ فصل الشقاء في حياتي، وصرتُ بعد أن كنتُ حاكماً مطاعاً في إفران مجرد رئيسٍ مهملٍ محشورٍ في أحد المكاتب البائسة في سيدي قاسم، وقد اضطرني عدم التوفر على سكنٍ في تلك المدينة البغيضة إلى عمل رحلةٍ يوميةٍ شاقةٍ صباح مساء بين منزلي في القنيطرة ومقرِّ عملي الجديد في سيدي قاسم. واستمرَّ هذا الوضع الكريه الذي لم أكد أطيقه عدة شهور، إلى أن كان ذلك الصباح المشؤوم في أحد أيام عام 1998…

كنت أقود سيارتي في الطريق الرابطة بين القنيطرة وسيدي قاسم، وقد أضجرتني شاحنةٌ ضخمةٌ كانت تسير أمامي بسرعةٍ بطيئةٍ لا يسمح لها حجمها الهائل بأكثر منها، فقررتُ تجاوزها رغم أن الخط كان متصلاً، وما إن تجاوزتها وصرت في الممر المقابل حتى فوجئتُ بشاحنةٍ مسرعةٍ تلقاء وجهي مباشرة، وقبل أن أفكر في ردة فعلٍ كان الاصطدام الفظيع قد وقع، وأحسست بجسدي وهو ينعجن مع حديد السيارة التي كانت تنقلب عالياً في الهواء بدوراتٍ عنيفة…

ولم أفتح عينيَّ إلا وأنا على سرير المشفى…

* * *

(( خلِّيني منِّي ليه، منِّي ليه، منِّي ليه منِّي ليـــــــــــــه ~

نوهْبلو روحي، نهديلو حيــــــــــــاتي ~

يا سيدي تنبغيه، تنبغيه، تنبغيه تنبغيـــــــــــــــه ~

بيني وبين قلبي، أنا حر بذاتــــــــــــــي ~

أنا ماشي من هادوك، اللي ميقطفوشي الوردة، غير الا كان ما فيها شوك ~

وإذا كْتاب وحبِّيتي، وتجرحتي وبريتي، يغيرو منّْك ويحسدوك ~ ))

– “يا للهول… حادثة سير؟!”

– “وكانت لتكون مميتةً لولا أن الله سلَّم، أصبتُ بجروحٍ وكسورٍ ورضوض، وأرسلتُ للمكتب شهادةً طبيةً للتوقف عن العمل ريثما أشفى، ثم كنتُ بعد انتهاء كل فترةٍ مرَضية أرسل لهم شهادةً طبيةً أخرى لتجديد المدة… إلى أن مرت خمس سنوات…”

– “خمس سنوات؟ وأنت متوقفٌ عن العمل؟”

– “نعم، بالطبع، وكنت أنال فيها مرتَّبي كاملاً غير منقوصٍ درهماً واحداً، لأن ما حدث كان مصنفاً كـ (حادثة شغل)، وحوادث الشغل ليس لها أي تأثيرٍ على الراتب.”

– “لكن… هل كنتَ عاجزاً عن الحركة لمدة خمس سنواتٍ كاملة؟”

ضحك لسذاجتي وأجاب:

– “أمجنونٌ أنت؟ لقد شفيتُ تماماً من جميع إصاباتي بعد شهرٍ ونصف أو شهرين من الحادث، لكني استمررتُ في تقديم الشواهد الطبية دون توقف، وكنت أنوي الاستمرار في تقديمها إلى الأبد!”

يا للكارثة! إن لهذا الرجل أعصاباً تفوق الوصف، والآن أتأكد فعلاً أنه لم يوهب جلد وجهه الثخين عبثاً… خمس سنواتٍ من الشواهد الطبية المزوَّرة؟ كان هذا فوق ما أستطيع تخيُّله من الجرأة والجسارة وصفاقة الوجه…

– “ثم جاء ذلك اليوم في العام الخامس الذي تلا الحادث، وكانت فترةُ الشهادة السابقة قد انقضت، فشخَصتُ إلى المكتب كعادتي لأقدِّم لهم شهادةً طبيةً جديدةً لتمديد الإجازة، ففوجئتُ بأن الموظف رفض استلامها مني…

كنت أعرف أنها تعليماتٌ جاءته من الأعلى، فحذرته من عاقبة ما يفعل، وأنه لا يحقُّ له من وجهة نظر القانون أن يمتنع عن استلام شهادةٍ طبيةٍ موقَّعة، وأن ذلك قد يُعتبر اتهاماً بالتزوير له تبعاته القانونية الوخيمة، لكنه أبى أن يستمع لتحذيري وركب رأسه، ورفض استلام الشهادة، فعدتُ إلى منزلي وواصلت حياتي الطبيعية دون أن ألتحق بالعمل، وعند انتهاء الشهر علمتُ أن الإدارة اعتبرتني متغيباً عن العمل دون مبررٍ لمدة تجاوزت ما هو مسموحٌ به، وأني بذلك قد صرت مطروداً من المكتب بشكلٍ رسمي، وتم توقيف أجرتي بشكلٍ تام.”

– “وبعدها؟”

– “وبعدها يا ولدي بدأتُ حربي الأسطورية مع الإدارة الظالمة، فاستشرتُ أهل الخبرة وتسلحتُ بالقانون وبكافة أوراقي الإدارية التي تصبُّ في صالح قضيتي، ثم تقدمتُ بدعوةٍ إلى المحكمة…

وبدأ مضمار المبارزة الصعب… أن تقف وحدك منفرداً لا تحمل معك إلا قضيتك وأوراقك، وأن تواجه بنفسك ودون مساعدةٍ من أحدٍ مكتباً عمومياً كاملاً بقضِّه وقضيضه وعدده وعدَّته، وأن تصوغ الخطابات وتتناقش مع المحامين وتمضي الليالي البيضاء في دراسة القانون ونصوصه وثغراته، وأن تحتمل الفقر والحاجة وانقلاب الأحوال، وأن تصطلي بنار الصبر المرِّ على الانتظار الطويل الذي يبدو غير ذي نهاية، وأن تظل متيقظاً شديد الانتباه لما يحاك لك وما يراد بك، وما يُنتظر منك أن ترتكبه من الأخطاء والزلَّات التي ستودي حتماً بقضيتك وعملك وحياتك وحياة أولادك…

كانت أياماً رهيبةً قاتلتُ فيها بكل شراسة، وحاربتُ فيها دون هوادة، واستمرَّ الصراع الطويل ستَّ سنواتٍ كاملةً حتى أصدرت المحكمة حكمها الأول في عام 2009.”

– “ستُّ سنواتٍ كاملة؟ وخمس سنواتٍ قبلها؟ أحد عشر عاماً وأنت بلا عمل؟”

– “نعم، حتى نصرني الله عليهم بعونه تعالى وقوته، وأصدرت المحكمة حكمها النافذ لصالحي وضدَّ المكتب، بأن يعيدني إلى الوظيفة وهو صاغر، وأن يعوِّض لي كل الأجر الذي قطعه عني طيلة السنوات الستِّ الماضية، وهكذا صدر مرسوم تعييني في إدارتكم هناك في طنجة، مع تعويضٍ أوليٍّ تجاوز الأربعين مليوناً.”

– “يا إلهي!!!”

– “لا تندهش، تلك كانت البداية فقط، وقد استمررتُ في رفع المزيد والمزيد من القضايا إلى المحكمة، وفزتُ فيها جميعاً حتى الآن، وحصلتُ على تعويضٍ إضافيٍّ قدره عشرة ملايين، وآخر قدره ستة ملايين، وتعويضاتٍ أخرى كثيرة، وبعد أسابيع قليلةٍ سأستلم تعويضاً قدره سبعة ملايين، وإني الآن منشغلٌ بجمع الأوراق اللازمة لرفع قضايا جديدةٍ إن شاء الله تعالى…”

عقدت الدهشة لساني ولم أجد ما أقول، وبصعوبةٍ لملمتُ كلماتي وسألته:

– “وحول ماذا تتمحور القضايا الجديدة؟”

– “القضية الأولى كانت تتعلق بالطرد التعسفي الناتج عن رفض استلام شهادةٍ طبيةٍ رسمية، وتلتها التعويضات عن الأضرار، ثم بعد ذلك أثرتُ للمحكمة موضوع الترقية، وأن من كانوا مثلي في التسعينيات قد بلغوا إلى المراتب العالية التي يجب أن أكون قد بلغتها مثلهم لولا الطرد التعسفي، وقد نلتُ الترقيات كلها مع تعويضاتها، ثم انتقلتُ لهم إلى حساب الإجازات والتعويضات عن الساعات الإضافية والأسفار وغير ذلك، بحيث أنها يجب أن تُحسب على أساس الدرجة الجديدة بعد الترقية وليس قبلها، وربحتُ القضية أيضاً، وما زالت رحلتي طويلةً معهم حتى أستخرج منهم كل ما أستطيع استخراجه من أموالي المغصوبة…

سأحال على التقاعد في نهاية عام 2014، أي بعد عامين ونصف تقريباً، لكني حتى بعد التقاعد سأستمر، سأستمر دون توقفٍ ومهما طالت السنوات، لقد صارت أجواء المحاكم والحياة مع القضايا المرفوعة جزءاً لا يتجزأ من أسلوب حياتي، ولا أراني أستطيع التخلص منه، ثم إنها حقوقي على كل حال، ونحن في زمنٍ إن لم تكشِّر فيه عن أنيابك ومخالبك لتستردَّ حقوقك استرداداً سُلبت منك أمام عينيك، أمام عينيك وأنت تنظر ببلاهةٍ عاجزاً عن فعل شيء…”

ولمعت عيناه وظهر الجدُّ على ملامحه القاسية، وضغط على الدوَّاسة ليزيد من سرعة السيارة التي تتجه نحو المحمدية مغمورةً بضوء الغروب الشاحب، ورفعتُ إلى وجهه نظرةً فاحصةً له بعمق…

في الثالثة والخمسين من عمره، عتيق الطراز في ملبسه وأسلوب حياته، متوقفٌ عند التسعينيات تقريباً، يرتدي بدلةً رسميةً دون ربطة عنق، مع حذاءٍ لا تراه إلا عند من تجاوز الستِّين من عمره، وهو حذاءٌ ضخمٌ جداً، يدوس به القانون بلا رحمةٍ ولا هوادة، فليس في حياته أي وجودٍ أو اعتبارٍ للقانون والالتزام به.

– “سيد عبد الجليل… سؤالي لك… سؤالي لك هو لماذا؟ لماذا فعلت كل هذا؟”

فكأنه بوغت ولم يحر جواباً… صمت للحظةٍ مفكراً ثم هزَّ كتفيه باستهانةٍ وقال بصوتٍ مغموسٍ في اللامبالاة:

– “لا أدري… لعله الانتقام!”

وساد بيننا صمت الحيرة…

(( خلِّيني منِّي ليه، منِّي ليه، منِّي ليه منِّي ليـــــــــــــه ~

نوهْبلو روحي، نهديلو حيــــــــــــاتي ~

يا سيدي تنبغيه، تنبغيه، تنبغيه تنبغيـــــــــــــــه ~

بيني وبين قلبي، أنا حر بذاتــــــــــــــي ~ ))

* * *

رُكنت المرسديس الخضراء العتيقة بجانب الشقة تحت ليل المحمدية الذي بدأ يصير دامساً، واقترح عبد الجليل أن يأخذني لمكانٍ جيدٍ يعرفه لنتناول طعام العشاء عنده… كان يتكلم ويتكلم بلا توقف، يلقي علي دروساً في كل ما يتعلق بـ (التحراميات) التي يمكنني اللجوء إليها لمخالفة القوانين بشتى أنواعها، قوانين العمل وقوانين السير وغيرها من القوانين الجاري بها العمل في مختلف المجالات. كان يختم جميع (نصائحه) لي بعبارته الشهيرة: “فإن لم ينفع معك كل هذا فما عليك إلا أن تجمع أوراقك وتتقدم للمحكمة.”

كان يتكلم ونحن نتمشى، وشردتُ بفكري بعيداً بحيث لم يبق من كلامه إلا خلفيته الصوتية المتحشرجة…

كلماتٌ ظلَّت تتردد في ذهني وتلحُّ علي… تدعوني إلى تفكيرٍ عميق:

– “الإدارة الظالمة – الطرد التعسفي – نصرني الله عليهم – أموالي المغصوبة…”

إن الرجل قد أنزل نفسه منزلة المظلوم المعتدى عليه، وكان طيلة السنوات الماضية يتصرف على هذا الأساس، وينطلق من فكرة أن ما يقوم به ليس سوى انتصاراً مشروعاً للظلم الواقع عليه…

ما أعجب شأن الإنسان حين يلقي معاذيره، وأعجب منه عندما يخدع نفسه بنفس ما يريد أن يخادع به غيره… هل حقاً عبد الجليل مظلوم؟ وهل حقاً أمواله مغصوبة؟

نعم… إنه مظلومٌ من وجهة نظر القانون والمحكمة، لكنه في ميزان الحقِّ ظالمٌ استعمل شهادة زورٍ لتحقيق مآربه الخاصة، وشهادة الزور الطبية لا تؤخذ إلا برشوةٍ يُرشى بها الطبيب، لكنها مع ذلك تظل وثيقةً رسميةً تقبلها المحكمة دون نقاش، وعليها تبني أحكامها وقراراتها…

المحكمة بريئةٌ إذاً، وهي وإن انتصرت للظالم لم تكن ظالمةً هي نفسها، لأنها غير مسؤولةٍ عما حدث تحت الطاولات مما لا يمكن إثباته، إنها تنطلق فقط مما بين أيديها من الأوراق الموقَّعة بأيدي أصحابها. وأما المكتب فهو مظلومٌ لأنه حُرم يداً عاملةً بسبب شهادة زور، لكنه ظالمٌ عندما رفض استلام شهادةٍ طبيةٍ موقعةٍ دون موجبٍ من القانون يسمح له بذلك.

من الظالم ومن المظلوم؟ من المعتدي ومن المعتدى عليه؟ وما حدود الحق والباطل في هذه القصة التي أدخلتني في جدلياتٍ أخلاقيةٍ عميقة؟

لا أدري… كان دماغي يدور بسرعةٍ أكبر من المعتاد ليلتئذ، بينما الذي تسبَّب لي بهذا الدوار مستمرٌّ في ثرثرته غير مبالٍ بشيء…

– “عليك أن تعلم يا ولدي أن الإدارة هي سالبةٌ لحقك حتماً بلا ريب، وأن الذين وضعوا القانون هم الخصوم والحكَّام في الوقت نفسه، فصَّلوه على مقاس مصالحهم، لذلك يجب أن تكون دائم التيقُّظ وعلى حذر، وألا يمنعك شيءٌ من استغلال ما يمكنك استغلاله من أموال الإدارة لمصلحتك الخاصة، لأنك مهما استغللتَ من أموالها فما هي إلا أموالك المسلوبة رُدَّت إليك… يجب فقط أن تكون حذراً وألا تترك ثغراتٍ تسبِّب لك متاعب قانونيةً أنت في غنىً عنها، يُفضَّل أن تكون ضرباتك صامتةً لا تترك أثراً، وإلا فالمحكمة هي آخر الدواء…”

وعند المنعطف المظلم قال لي وهو يمسك بيدي بعطفٍ أبويٍّ غامر:

– “وهي قاعدةٌ في الحياة ستتعلمها لاحقاً يا بنيَّ عندما تنضج أكثر وتكتسب مزيداً من الخبرات والتجارب؛ لا تسمح لأحدٍ أن يستغلَّك! ولا تنخدع بالبريق الزائف والبهرجات الخادعة… مثلاً إن عودتكم إلى ذلك المطعم بالأمس كان دليلاً على أنكما غرَّان لم تتعلما شيئاً بعد، فما ذلك المطعم إلا محلٌّ للنصب والاحتيال وأكل أموال الناس بالباطل.

ولتتعلم مني، فإني سآخذك اليوم لتتناول العشاء عند محلٍّ أعرفه يقدِّم سندويشاً ممتازاً، وسترى كيف أنك ستحظى بوجبةٍ صحيةٍ ومغذيةٍ ورخيصة الثمن في الوقت نفسه، لقد كنتُ قديماً أتناول العشاء عنده في زياراتي للمحمدية، تعال معي، من هنا…”

سندويش؟ عبد الجليل يأكل سندويشاً؟ وما المانع؟ لقد أكل بالأمس ما هو أسوأ بكثير، ومنذ الأمس لن أستغرب منه حتى لو رأيته يأكل الحيات والعقارب!

سندويش؟ ولم لا؟ لكن منذ متى يوصف السندويش بأنه وجبةٌ صحية؟

ليكن… من نعم الله عليَّ أني لا أتأثر بالوجبات السريعة حتى الآن، وقد أكلتُ مئات السندويشات في حياتي دون أن يضرني منها إلا واحدٌ فقط، وكان سندويش مخٍّ أخبرني الأصدقاء بعد مرضي بسببه أنه غير منصوحٍ به لأن المخَّ يفسد بسرعة.

لكن حسناً… بحسب منطقي العقلي والعلمي الصارم والذي سيلقي بي في الهاوية يوماً ما؛ فإن سندويش مخٍّ واحداً فقط لا يمثل أي قيمةٍ إحصائيةٍ تكفي لإصدار حكمٍ تعميمي، وبناءً على هذا الأساس المنطقي عدتُ لاتهام سندويشات المخِّ بعد أن برئتُ من مرضي، وبالفعل لم أصب بضررٍ منها بعد ذلك.

لقد أصررت على اعتبار ذلك الحادث (استثناءً يؤكد القاعدة)، وواصلتُ حياتي مستمتعاً بكون قاعدة (يحدث للآخرين فقط) تعمل معي بشكل ممتاز فيما يتعلق بالوجبات السريعة.

هل حقاً يتسمم الناس بسبب السندويشات؟ لا أصدق هذا… إنها خرافةٌ دون شك!

– “ها هو ذا، السندويش الذي حدثتك عنه.”

وتجمَّدتُ في مكاني!

عبدَ الجليل… ماذا أفعل بك؟!

إنه ليس حتى مطعماً فيه طاولاتٌ ومقاعد، بل جحرٌ ضيقٌ في جدارٍ يقف بداخله كائنٌ وقحٌ أشعث الشعر رثُّ الهيئة، فظُّ النظرات والكلمات، يتعامل بغلظةٍ شديدةٍ مع زبنائه، إنه يتحرك بانفعالٍ ذهاباً وجيئةً خلف منضدةٍ رُصَّت عليها قطع الخبز وأنواع السلَطات والنقانق وكل ما يوضع في السندويشات، ولا يخفى على ذي عينين أن الطابع العام للمكان يوحي بالقذارة الشديدة وانعدام أدنى شروط الصحة والنظافة…

وأما المصيبة العظمى فهي تجمُّع رهطٍ من الرجال يتزاحمون بأكتافهم عند باب المحل، ولأنه لا وجود لأي مقاعد وطاولاتٍ فإن كل ما تستطيع فعله أن تزاحم الناس بكتفيك عدة دقائق حتى يصل دورك، ثم تلتهم سندويشك واقفاً وقد انتحيتَ عن الناس قليلاً… يا للمهزلة!

كم علي أن أصبر على عبد الجليل هذا ومطاعمه التي يأخذني إليها؟ عبد الجليل الذي بدا راضياً تماماً وهو يزاحم الناس بكتفيه منتظراً دوره… يبدو أن عجز هذا الرجل عن الشعور بالملل حوَّله إلى كتلةٍ من الملل هو نفسه.

الصبرَ الصبر… وهل لي غيره؟

نصف ساعةٍ من الانتظار الواقف، ثم انتحينا جانباً وفي يد كل واحدٍ منا سندويشه الملفوف بقطعة ورق، لحسن الحظ أني لا أملك ترف تمييز الأذواق القريبة، إنه يشبه أي سندويشٍ التهمته سابقاً وسيشبه أي سندويشٍ ألتهمه لاحقاً… هناك بالطبع تلك اللذة الناتجة عن قذارة السندويش نفسها! وهي ما وشَّحت سندويشاتنا المغربية بلقبها المشرِّف الذي تفتخر به: (خانز وبنين)!

لو كان أكثر نظافةً مما هو عليه لكان أسوأ مذاقاً… وفي مدينتي طنجة يُعدُّ السندويش الذي يقدمه مطعم (الكرم) هو الأسوأ طعماً والأقل إقبالاً، لسببٍ واحدٍ بسيطٍ هو أنه الأنظف!

وبصوت ممزوج بهمهمة المضغ سمعته يقول:

– “ألم أقل لك؟ سندويشٌ لذيذٌ ونظيف، رغم أنه محلٌّ صغيرٌ ومحشورٌ في هذه الزاوية المظلمة إلا أن له كما رأيتَ زبائن كثراً يتوافدون عليه من كل مكان.”

– “نعم يا سيد عبد الجليل، نعم… هو كذلك، هو كما قلتَ.”

وبدا راضياً…

وعدنا إلى الشقة بعد جولةٍ قصيرة، وخلدنا إلى النوم متعبين…

انطفأت الأضواء وسادت العتمة، وانحشرتُ تحت غطائي…

شيءٌ ما ليس على ما يرام… إحساسٌ غريبٌ مقبض، غثيانٌ ما أصاب روحي…

وبدأتُ أشعر بالألم يتسرَّب في أحشائي…

ألماً عارضاً ظننته في البداية، لكنه يشتدُّ شيئاً فشيئاً…

ربَّاه… إنني أرتعش!

حنجرتي… ما هذه الحلقة الخانقة التي تشنقني؟

يا إلهي… إن أحشائي تحترق، تتمزَّق… إنها تتحول إلى أسياخ حُميت في الجحيم!

إنها النار تضطرم، إنها الحيَّات والعقارب تنهش جوفي نهشاً، إنها المقارض والسكاكين تقطِّع أمعائي تقطيعاً… يا للهول!

ربَّاه…

هذا أكثر من أن يُحتمل…

كنتُ أتصبَّب عرقاً وقد تحوَّل جبيني إلى مضخة لا تنضب، شعرتُ بالبلل يغمر جميع ملابسي، لم أتعرَّق بهذه الشدة منذ مدةٍ طويلة…

أضع يدي على بطني وأضغط بعنف، أتلوَّى يمنةً ويسرة، أعضُّ بأسناني على الوسادة، وألهث من الألم المبرِّح، لا جدوى…

إن الألم الفظيع يزداد…

محكمة تفتيشٍ كاملةٌ تدور مجرياتها داخل معدتي…

تسمُّمٌ لعين بسبب السندويش المتعفِّن…

عبدَ الجليل… قتلتني قتلك الله!

لا أريد أن أمرض أو أموت في هذه المدينة الغريبة، لا أريد أن تكون نهايتي في هذا العمر الغضِّ بسبب سندويشٍ فاسدٍ أخذني إليه عجوزٌ بخيل! لا أريد… لا أريد…

أتلوَّى أكثر، أركل الغطاء بقدمي وأشعر به ينحسر عني، لا شيء سوى الظلام الدامس، لا شيء سوى العتمة الطاغية…

أرفع عينيَّ الواهنتين إلى النافذة فوق رأسي، سوادٌ في سواد، ومصابيح برتقاليةٌ بعيدةٌ بعيدة…

وخُيِّل إلي أني أسمع صوت صافرة القطار وجرسه…

طنجة… متى العودة إليكِ؟

وبدأتُ أرتخي، وشعرتُ بالوعي ينسحب مني شيئاً فشيئاً…

الألم بلغ حدوداً غير قابلةٍ للاحتمال…

إنني أفقد القدرة على الحركة، إنني أفقد القدرة على التمييز…

أفقدان الوعي هو؟ أم النوم فقط؟ أم لعله الموت؟

لا أدري…

لا أدري…

وتلاشى وعيي في العدم…

* * *

لم يكن ضوء الصباح هو ما أعاد إليَّ بصيص الوعي الخافت، بل ركلة ألمٍ حادة…

فتحتُ عينيَّ ببطءٍ بينما أحاول تذكر من أنا وماذا أفعل هنا ومن أين جاءني كل هذا الألم…

ضوء الصباح البِكر يغمر الغرفة، وتململتُ من مكاني وقد بدأتُ أتذكر…

كنتُ ما زلت أتألم وإن كان ذلك بشكلٍ أخفَّ قليلاً، تحاملتُ على نفسي حتى جلست، وأسندتُ مرفقيَّ على ركبتيَّ ودفنتُ رأسي في كفَّيَّ…

سمعتُ خطواتٍ قادمةً إلى الغرفة، رفعتُ رأسي بصعوبةٍ فإذا به عبد الجليل بمنامته المخطَّطة وهو يفرك عينيه من أثر النوم، كان يبدو نضر الوجه سليماً معافىً وكأنه أمضى ليلته في الجنة.

– “صباح الخير يا ولدي، كيف أصبحت؟”

– “بـ.. بخيرٍ والحمد لله.”

– “كيف كان سندويش الأمس؟ ألم أقل لك بأنه صحيٌّ ونظيف؟ لقد جرَّبتُ سندويشاتٍ كثيرةً في حياتي وكان أكثرها يضرُّ معدتي، لكن هذا بالذات لم أنل منه ضرراً قطُّ، ولهذا فإنـ…”

– “آي!!!”

صرخة ألمٍ مكتومة.

– “ما بك؟”

– “لا… لا شيء، لا شيء…”

نظر إلي لثوانٍ ثم نسي الأمر وتابع كلامه:

– “كنت أقول… بأن من الضروري أن يكون الإنسان حريصاً فيما يتعلق بهذه السندويشات، وألا يتناول سندويشاً إلا وهو واثقٌ من أنه نظيفٌ وغير مؤذ، فأن يتعشَّى الإنسان وينام نومةً هانئةً كما حدث معنا نحن أفضل بكثيرٍ من أن يتعشَّى ويمضي ليلته يتألَّم ويتوجَّع. أليس كذلك يا ولدي؟”

– “بلى… بلى…”

ثم أطلق ضحكته المجلجلة وقال وهو ينصرف ليرتدي ملابسه:

– “أليس هذا إذاً أفضل من مطعمكما ذاك الذي أخذتماني إليه؟ اعترف، قل الحقيقة! لكن لا بأس، يا لحماقة الشباب! ستتعلمان مع الوقت… ستتعلمان!”

ولم يبق منه إلا صدى ضحكته…

وعدتُ إلى دفن رأسي في كفَّيَّ، ثم تحاملتُ على الآلام حتى وقفتُ، دوارٌ استبدَّ بي وجعل الموجودات تنسخ نفسها وتتراقص أمام عيني.

استندتُ على الجدار، كنتُ أحاول أن أجد لنفسي موطئ قدمٍ في صباح هذا اليوم الجديد، ونحو المغسلة مشيتُ أترنَّح…

أنس سعيد محمد
09/08/2015

(( ~ النــهــايــة ~ ))

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: