بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الثاني: كباب ~

06/08/2015 عند 20:47 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

pizza kabab sandwish 02

.

(2) – كباب ~

السابع من مارس، عام 2012.

العاشرة والربع صباحاً…

ما زالت الأكداس البشرية تتجمَّع في القاعة وما حولها من الممرات المرصوفة في مركز التكوين بـ (عين السبع)، ويحمل كل واحد من الحاضرين كوباً ورقياً أبيض يحتوي على تلك القهوة المريعة!

لسببٍ ما يصرُّون على أن يطبِّقوا عبارة (pause-café) تطبيقاً حرفياً، وأما أنا فما زلت عند عهدي، منذ طعِمْتُ قهوتهم الشنيعة في المركز قررتُ ألا أذوقها ثانيةً ما حييت، ثم إنه ليس من عادتي احتساء القهوة في العاشرة صباحاً على كال حال…

سأمضي فترة الاستراحة – كما أفعل دائماً – في الذهاب والمجيء هنا وهناك على غير هدى، محاولاً أن أفسر سلوك الناس الذين يتكدَّسون ويتزاحمون بأكتافهم لعدة دقائق من أوقاتهم الثمينة من أجل كوب قهوةٍ هي أبشع ما يمكن أن تذوق في حياتك!

أحياناً أجد نفسي عاجزاً تماماً عن فهم تصرفات البشر…

بالمناسبة، أين عاصم؟ لعله فضَّل البقاء في قاعة الاجتماعات أو ربما انشغل في الحديث مع بعض أصدقائه، أو لعله قد خرج من المركز أصلاً وطار إلى مكانٍ ما رغم أن التعليمات بعدم الخروج قبل الخامسة مساءً صارمةٌ للغاية، لكنه عاصم على كل حالٍ ولا أستغرب لو فعلها!

لا بأس… سأواصل مهمتي في مطالعة وجوه الناس ومحاولة تجنُّب أولئك الذين أعرفهم عبر التظاهر بعدم رؤيتهم، وخصوصاً منهم أولئك الذين يثرثرون بلا توقفٍ حول مواضيع لا يتعدى اهتمامي بها نسبة 0.01%. إنه الجحيم بالنسبة لي أن يتسلَّط علي موظفٌ عجوزٌ أمضى عمري كله أو أكثر منه في الخدمة، ثم يحدثني بالساعات الطوال عن مشاكل العمل والمديرين والترقيات وصندوق التقاعد والضمان الاجتماعي والنشاطات النقابية وغير ذلك من هذا الهراء، ويزداد الأمر سوءاً عندما يسألني – وكأن الأمر من البدهيات – عن أحوالي مع قرض السكن الذي أخذته لاقتناء الشقة!

أي شقة؟ ومن أخبره أصلاً أني ملتزمٌ بقرضٍ سكني؟ لا أحد! لكن بالنسبة لهم هذه أمورٌ بدهيةٌ مثل الطعام والشراب تنطبق على جميع الناس دون استثناء…

بدؤوا يلقون أكوابهم الورقية في حاويات القمامة هنا وهناك، وألقى المدخِّنون منهم أعقاب سجائرهم وداسوا عليها بأقدامهم، بعضهم مجتمعون على الصخب والضحك والبعض الآخر منزوٍ يتحدث في مواضيع جديةٍ جداً، وذاك الرجل هناك أعرفه…

إنه هو! والمشكلة أنه لمحني ولوَّح لي بيده من بعيد، لا مفر من الذهاب إليه فهو من زملائي في طنجة ويمضي أسبوعيْ تكوينٍ هنا مثلي.

كان واقفاً على مبعدةٍ مني يحادث رجلاً خمسينياً مثله في موضوعٍ يبدو من هيئته وانفعالات يديه أنه ذو أهميةٍ شديدة، أقترب منه ويزداد حجمه اتساعاً في إطار بصري، وتختفي بقية عناصر المشهد البعيد شيئاً فشيئاً لتحلَّ محلَّها القامتان الوقورتان فقط.

وصلتُ إليهما أخيراً ومددتُ يدي إلى الرجل مرحباً:

– “سيد عبد الجليل، كيف حالك؟”

قبض على يدي بكفِّه العملاقة إلى حدٍّ عجيب، والتي تغوص يدك فيها حتى لا تكاد تجد منها فكاكاً، وأما الأسوأ فكان تلك العادة الغريبة له عندما يظل مصافحاً لك ممسكاً بيدك معظم الوقت وهو يحادثك، محدِّقاً بك بنظراته النفَّاذة التي تُعدُّ لوحدها عامل إرباكٍ يكفي لأن تفقد ذاكرتك.

وأما عندما يخفض رأسه قليلاً ويخترقك بعينيه العاريتين من فوق إطار نظارته فاعلم يقيناً أنه قد وضعك في إحدى قوائمه، ولا يبقى لك إلا أن تدعو الله ألا تكون قائمته السوداء المرعبة.

ظلَّ مصافحاً لي يعتصر كفي بقبضته العملاقة وهو يحادثني بصوته الأجشِّ الذي تتكسَّر حروفه وتتدحرج كلماته لتتحطَّم وتنفجر بين شفتيه مذكرةً إياك بانهمار الصخور الجبلية أو بحوافر الخيل في حفلات (التبوريدة):

– “كيف حالك يا ولد؟ ألم تأخذ قهوة؟”

– “بخيرٍ والحمد لله، لا أحب قهوتهم هنا.”

– “معك حق، قهوتهم رديئةٌ جداً، لكننا نصبر عليها على كل حال… بالمناسبة، هل بتَّ هنا في الفندق؟”

– “لا، أقيم في المحمدية، في شـ…”

– “شقة أحمد في المحمدية؟ نعم أعرف أن عنده شقةً هناك، أفارغةٌ هي؟”

– “نعم، وقد فضَّلتُ الإقامة فيها على المبيت في فندق الدار البيضاء، وحتى على الفندق هنا في هذه المنطقة النائية.”

– “نعم، معك حق… ثم إن الفندق هنا قد امتلأ عن آخره ولم يعد هنالك مكانٌ لأحد، لم أحجز غرفةً عندما كنتُ في طنجة ولما جئتُ هنا وجدتُ أن الأوان قد فات.”

– “حقاً؟ وأين بتَّ ليلة أمس؟”

– “عدتُ إلى منزلي في القنيطرة ثم استيقظتُ في الصباح الباكر وجئتُ هنا، إن ذلك متعبٌ جداً ولن أطيقه لمدة أسبوعين كاملين.”

– “معك حق… إنها مشكلة!”

عندها حدث ما لم يكن في الحسبان…

ظل معتصراً كفِّي بقبضته طوال المحادثة، ثم إنه قد أخفض رأسه قليلاً ورمقني من فوق إطار نظارته، وصوَّب نحوي واحدةً من نظراته المميتة تلك والتي تذيب عظامك وتحوِّلك إلى كائنٍ من فصيلة الرخويات.

قال:

– “قلتَ إن الشقة في المحمدية فارغة؟ وتقيم فيها وحدك؟ وطيلة هذين الأسبوعين؟”

وعند الساعة الخامسة مساءً كنا ثلاثتنا، أنا وعاصم وعبد الجليل، ننطلق في سيارتين نحو مأوانا في مدينة المحمدية، بينما أنا أندب حظي وأفكر في مخرجٍ من هذه المصيبة الكارثية التي هوت على أمِّ رأسي ولم أحسب لها حساباً…

عبدَ الجليل… بأي ذنبٍ سلَّطك الله علي؟!

* * *

اسمه عبد الجليل، رجلٌ في الثالثة والخمسين عمره، أجمع كل الذين عرفوه قديماً بأنه إنسانٌ (خطيرٌ جداً) بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، وخطورته مستمدةٌ من ولعٍ عجيبٍ له بالمشاكل ذات الطابع القانوني، والتي يبحث عنها حيثما حلَّت وارتحلت، ولا يكاد يجد لنفسه راحةً إلا في أحضان مشكلةٍ عويصةٍ ما يكون قد افتعلها افتعالاً، وكأنه يستمدُّ من تلك المشاكل سرَّ وجوده ومعنى حياته…

وأما المفارقة هنا فهي أنه وجد في عالم المعضلات هذا منجماً سخياً استخرج منه كنوزاً من الأموال الطائلة التي تدفَّقت عليه دون توقف، دون أي جهدٍ يُذكر بالنسبة لمواهبه وقدراته الفريدة.

فإذا كان أصحاب الفن التجريدي قد وجدوا منجمهم في تلطيخ الأقمشة بألوان عشوائيةٍ مع الادِّعاء الصفيق بأن ثمة فلسفةً ما لا يفهمها إلا الراسخون في الفن، فإن عبد الجليل هذا قد وجد منجمه الخاص في ردهات المحكمة الإدارية وأروقتها! وفي رفع القضايا التي لا أول لها ولا آخر على المكتب الذي يشتغل فيه.

وإن في هذه المحاكم لعالَماً كاملاً من الحيل الماكرة والتلاعبات بالأوراق الإدارية والفراغات القانونية، وفيها من الثغرات العظيمة ما يمكِّن المتمرِّسين وأهل الخبرة من استخراج كنوزٍ وكنوزٍ من الأموال الطائلة، إلا أن هذا الأمر ليس متاحاً لكل أحد، ويحتاج في الواقع إلى مهاراتٍ خاصةٍ نادرة جداً، ومعرفةٍ عميقةٍ راسخةٍ بالنصوص القانونية وثغراتها، وشخصيةٍ نافذةٍ ذات نظراتٍ ثاقبةٍ مصمِّمةٍ لا تعرف العاطفة أو الضمير أو التردد، وكل هذا مع عجزٍ كاملٍ عن الشعور بالملل، وقدرةٍ خارقةٍ على الانتظار الطويل وتجاهل عامل الوقت إلى درجة إهماله تماماً.

وهي صفاتٌ اجتمعت كلها في شخص السيد عبد الجليل، ليكون مقدَّراً له أن يمضي أغلب سنوات مسيرته المهنية الطويلة في رفع القضايا والتردد على أروقة المحاكم ومكاتب المحامين، وقد زاده ولعاً بهذه الأجواء القانونية ما ناله منها من الخير الوفير والمال الكثير، فقد رفع على المكتب عدة قضايا على مدى سنواتٍ طويلةٍ كان في أكثرها ظالماً، لكنه فاز فيها جميعاً دون استثناء، وتحصَّلت له منها أرباحٌ هائلةٌ بلغت عدة عشراتٍ من الملايين.

وما زال حتى اليوم يتابع قضاياه القديمة ويرفع أخرى جديدة، ويطارد بلا مللٍ ولا كللٍ ملايين أخرى ستأتيه حتماً دون شك، وقد استخرجها استخراجاً من ثغرات القانون والإدارة أمام أعين القانون والإدارة.

مجرَّدٌ من العواطف تماماً، حادُّ النظرات عند الحاجة، القانون الوحيد الذي يحكم كل أفعاله وتصرفاته هو قانون (مصلحته الخاصة) ولا شيء آخر، لا يشكُّ الناظر إليه في أن جلد وجهه أثخن من جلد وجه غيره، كأن ثمة طبقاتٍ إضافيةً من الجلد المسلَّح تجعل وجهه لحمةً راسخةً لا يبدو على صفحتها أي انفعالٍ عاطفي.

عتيق الطراز في ملبسه وأسلوب حياته، متوقفٌ عند التسعينيات تقريباً، يرتدي بدلةً رسميةً دون ربطة عنق، مع حذاءٍ لا تراه إلا عند من تجاوز الستِّين من عمره، وهو حذاءٌ ضخمٌ جداً، يدوس به القانون بلا رحمةٍ ولا هوادة، فليس في حياته أي وجودٍ أو اعتبارٍ للقانون والالتزام به. لقد علَّمته سنواته الطويلة مع المحاكم والقضايا أن لكل مشكلةٍ حل، وأن بإمكان كل من يخالف القانون أن يجد لنفسه مخرجاً وأن يحوِّل دفة القضية إلى صالحه، لذلك لم يكن يبالي بشيء إطلاقاً، ولم تكن عنده أي مشكلةٍ في رفع القضية إلى المحكمة في أي وقتٍ يريد، حتى صارت عبارته التهديدية الدائمة التي يلقيها بثقةٍ أمام كل من يشهر في وجهه سيفاً من سيوف القانون:

– “وإن أبيتَ فهيا إلى المحكمة، وعندها سنرى لمن تكون الغلبة!”

وهي عبارةٌ أنصح كل من يسمعها من عبد الجليل أن يستسلم فوراً، مهما كان مظلوماً ومهما كان عبد الجليل ظالماً، لأن وحش المحاكم سيفوز في النهاية حتماً دون شك…

* * *

وصلنا إلى الشقة أخيراً…

صعدنا أنا وعاصم بينما تأخر عنا عبد الجليل قليلاً في سيارته.

– “أينوي المبيت عندك هنا؟”

– “أظن ذلك ويا لمصيبتي!”

– “هذه الليلة فقط بطبيعة الحال أليس كذلك؟”

ولم يكمل عاصم جملته الأخيرة حتى كان عبد الجليل يصعد الدرج وهو يجرُّ حقيبة ملابسه الهائلة، وتبادلتُ مع عاصم نظراتٍ ذات معنى، ولم يستطع كتم ضحكته فتوارى عني – الشرير! – واستغرق في قهقهةٍ مكتومة.

وضع عبد الجليل حقيبته في إحدى الزوايا وشرع يجيل بصره في جدران البيت وسقفه، ثم قام بجولةٍ في الغرف – وكانت لا تزال مقلب قمامةٍ منذ الأمس – وهو يقول:

– “يا لطيف، يا لطيف! ما كل هذه الفوضى هنا؟ هذا الدَّمار خلَّفتماه في يومٍ واحدٍ فقط؟ أنتما من النوع الذي يعتمد على أمه ولم يتعلم بعد العناية بمنزل، يجب أن تتعلما أيها الولدان!”

ثم جلس بعد أن خفَّف قليلاً من فوضانا العارمة وقال وهو يحرك رأسه متأسفاً:

– “إن مهندس هذا المنزل رجلٌ فاشل… لو أن هذه الغرفة كانت هناك وأن هذا الجدار لم يكن، ولو أن تلك السارية نُقلت إلى هناك وجُعلت زاوية تلك الغرفة هناك، وأما المطبخ فإن مكانه كان ينبغي أن يكون هناك، وأما تلك الغرفة فكان ينبغي…”

ولم ينته حتى أعاد تصميم وهندسة البيت كاملاً من الصفر، ونحن نتظاهر بمتابعته والموافقة على آرائه، بالطبع لا نجرؤ على أن نخالفه في رأيٍ حتى لا نجد أنفسنا فجأةً في المحكمة!

– “نعم يا سيد عبد الجليل، (كاينة آالسي عبد الجليل، كلامك هو الكبير)، تصميم البيت كان يجب أن يكون كما ذكرتَ والمهندس رجلٌ فاشلٌ يستحق أن تُرفع عليه دعوةٌ في المحكمة.”

– “نعم، نعم.”

وبدا راضياً…

– “نخرج للعشاء؟”

– “فكرةٌ عظيمة، لقد جعنا حقاً.”

– “أين نذهب؟ تعرفان مكاناً جيداً؟”

– “لا ندري… اختر أنت يا سيد عبد الجليل.”

– “ليس في بالي أي مكانٍ محدد، من النادر أن أزور المحمدية لذلك لا أذكر أماكن الطعام فيها.”

– “لا بأس… كنا بالأمس قد تناولنا وجبة بيتزا في أحد المطاعم، والحق أنها كانت جيدة، ما رأيكما أن نعود لنفس المطعم؟”

– “بيتزا؟ هممم… لم لا؟!”

وتبادلتُ مع عاصم نظرةً سريعةً ذات معنى:

– “الثمن عندهم مرتفعٌ بعض الشيء، لعلمك فقط…”

وحملق فينا عبد الجليل في عدم فهمٍ ثم قال دون اكتراث:

– “قلتما إن الأكل الذي يقدمه جيد؟”

– “نعم، جربناه بالأمس وكان ممتازاً.”

– “على بركة الله إذاً، لا داعي للتردد.”

وانطلقت السيارة تنهب الطريق المظلم نهباً، وما هي إلا دقائق حتى كان عاصم يركنها بمحاذاة الرصيف في نفس موضع الأمس، ونزلنا…

نفس مشهد البارحة تقريباً، إذا استثنينا عربةً جديدةً من تلك التي أسميها (عربات الموت)، والتي نشاهد الكثير منها في طنجة قرب (مقهى عبد الرحمن) وفي بعض الأحياء الشعبية.

إنها واحدةٌ من عربات الأكلات السريعة القاتلة التي تغلِّفها دائماً سحابة دخانٍ في غاية الكثافة، ويقف عندها شابٌّ عصبيٌّ نحيلٌ رثُّ الثياب وذو لحيةٍ كثةٍ طويلة، وتراه ينشُّ على اللحم المشوي والكباب الذي يحشوه لك في قطعة خبزٍ ويبيعك إياه بأثمان بخسةٍ جداً، بخسةٍ لدرجة أنك تتساءل من أين يأتي بكل تلك القطط والكلاب والحمير التي يذبحها ويطعمها للرِّعاع الذين يأكلون عنده!

تجاهلنا العربة تماماً وكأننا لم نرها، وعبرنا الشارع الفارغ تقريباً، والذي لاحت في الجانب الآخر منه تلك اللافتة المضيئة بألوان العلم الإيطالي: LUIGINO.

الأضواء الهادئة التي تريح النفس، والموسيقى المنسابة التي تنعزف على أوتار الروح… مشهد الأمس يتكرر اليوم من جديد، مع شخصٍ إضافيٍّ هو وحش المحاكم عبد الجليل.

ظل عبد الجليل يحملق بعينيه في جدران المطعم وزواياه، وقد بدت على ملامحه أمارات الرضا والاقتناع، وهو ما أفعمنا بالفخر والاعتزاز لأننا جئنا به إلى مكانٍ نال إعجابه (وليس من السهل أبداً أن يعجب شيءٌ عبدَ الجليل)! وبصوته المجلجل المتهدِّج تدحرجت هذه الكلمات على لسانه:

– “جيد… جيد… صاحب هذا المطعم رجلٌ ذو ذوقٍ رفيع، لقد عرف كيف يزيِّن مطعمه للناظرين وهذه قاعدةٌ مهمةٌ في التسويق: (زوَّق تبيع).”

وافقنا على كلامه، وجاء أخيراً نادل الأمس الذي استقدموه من إحدى قصص الأطفال، وقد تذكَّرَنا بعد إذ رآنا فشاعت في وجهه ابتسامةٌ عذبةٌ مليئةٌ بالثقة والخيلاء والاغترار، وخُيِّل إلي أن ابتسامته المعلَّبة تلك تخفي وراءها العبارة التالية:

– “عدتما أيها المغفَّلان؟ أرأيتما؟ رغم أن بضاعتنا باهظة الثمن إلا أنها ذات جودةٍ أجبرتكما على العودة إلينا في اليوم التالي.”

فابتسمتُ في وجهه ابتسامةً عريضةً تمنيتُ أن يقرأ وراءها العبارة التالية:

– “نعم أيها الوغد، طعامكم اللعين لذيذٌ جداً وها نحن نعود إليك مع ضحيةٍ جديدة، هل أرضاك هذا الآن؟”

– “آش حبّْ الخاطر نعام آ سيدي؟”

ولم نطلب أنا وعاصم إلا ما طلبناه في الأمس، وأما عبد الجليل فقد أبى إلا أن يجعل أمسيتنا جحيماً بتنقيبه المتوحِّش في القائمة وفي تفاصيل كل طعامٍ معروض… لقد تناول كتاب القائمة وشرع يتفحَّصه من وراء نظارته ببطءٍ شديدٍ إلى درجةٍ لا تطاق، وقد ظهرت عليه – ويا للكارثة – علامات الصدمة من الأرقام المرتفعة لأسعار المأكولات.

– “هذه البيتزا هنا… ما مكوِّناتها؟”

– “إنها يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

– “هذا فقط وبهذا السعر المرتفع؟ وهذه هنا، ممَّ تتكون؟”

– “إنها يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

– “لا، هذا كثير… هذا كثير… وماذا عن هذه؟ ماذا تضعون فيها؟”

– “هذه يا سيدي تتكون من… ومن… ومن…”

ونظرتُ إلى عاصم خفيةً مع ابتسامة تقول:

– “ما شأن هذا؟”

فأجابني بغمزةٍ ساخرةٍ تقول:

– “شيخٌ كبير، اصبر عليه ولك الأجر!”

وأما النادل المسكين فقد صار في حالةٍ مأساويةٍ تثير شفقة العدو! اختفت ابتسامته المغرورة وتقوَّس ظهره، وتجمَّعت حبَّات العرق على جبينه، وكان قد بلغ أقصى درجات الحرج والسأم من هذا العجوز الذي يستنطقه استنطاقاً نازياً، والمشكلة أنه بدأ الآن بتصعيد اللهجة بما لا يبشر بخيرٍ أبداً.

– “ما هذا؟! ما هذا؟! ما هذه الكارثة عندكم هنا في هذا المطعم؟! كل شيءٍ عندكم هنا باهظ الثمن بشكلٍ غير معقول! بشكلٍ لا يطاق! وماذا عساكم تتفوَّقون به على غيركم من المطاعم؟! أين مديركم؟ أين صاحب هذا المطعم؟ خذني إليه لأتكلم معه! خذني إليه الآن فوراً هيا!”

– “سيدي ولكن…”

يا للمشكلة… يبدو أن عبد الجليل هذا مصرٌّ على ألا تمرَّ الليلة بخير، لقد بدأ يصرخ حقاً ويرتفع صوته، ولأننا نحن من جئنا به إلى هنا فإن اللوم كله واقعٌ علينا، ومعناه أن ليلةً سوداء تنتظرنا نسأل الله السلامة والعافية!

– “لا بأس… لا بأس… لا تحضر لي أية بيتزا.”

ثم سحب سبابته إلى أرخص سعرٍ عندهم في القائمة وهو (45 درهم)، وكان مخصصاً لشيءٍ اسمه (سلطة الخضروات المشوية salade de légumes grillés)، فقال عبد الجليل وهو يسدِّد نظراتٍ ناريةً للنادل كادت تحوِّله إلى حلزون:

– “أحضر لي سلطة الخضروات المشوية هذه أو لا أدري ماذا، هيا! بسرعة!”

وتوارى النادل المسكين مهرولاً وقد تخلَّى عن كل أرستوقراطيته ووقاره، كان غير مصدِّقٍ بأنه نجا أخيراً من هذه الكارثة الآدمية التي نزلنا بها عليه.

وبعد لحظاتٍ كنا نحاول فيها – دون جدوى – أن نلطِّف الأجواء ونغير الموضوع جاء النادل المسكين حاملاً معه الأطباق العجيبة، فأما طبقا البيتزا فكانا على ما يرام مثل الأمس، وأما طبق (سلطة الخضروات المشوية)… فهنا كانت الكارثة!

وضع النادل الأطباق وانصرف هارباً، وكلمة (هارباً) هنا مقصودةٌ بمعناها الحرفي فعلاً!

صببتُ لنفسي كوباً من المشروب الغازي وشرعتُ ألتهم البيتزا بتلذُّذ، وهو نفس ما كان يفعله عاصم، وأما عبد الجليل فكان يقلِّب كفيه عجباً وهو يزمُّ شفتيه:

– “ما هذا؟! ما هذا؟!”

ثم التفت إلى النادل ولوح له بحدةٍ آمراً إياه بالمجيء بسرعة، عندها عرفنا أن مصيبةً ما ستحصل دون شك، وشعرنا أنا وعاصم بدوار الخجل الشديد والحرج الذي يجعلك راغباً حقاً في أن تنشقَّ الأرض وتبلعك… وجمنا وتقلَّصت ملامحنا وغرسنا أعيننا في طبقينا كي لا تلتقي مع عيون النادل الذي تسبَّبنا له في ليلةٍ سوداء سيذكرها طوال حياته.

وبعنفٍ شديدٍ علا صوت عبد الجليل وهو يضرب أحياناً بقبضته على المائدة مما خلخل أحشاء النادل وزعزع كيانه:

– “هذه السلطة التي جئتَ لي بها، لم تعجبني! إنكم تكذبون هنا على الناس! أنتم تزعمون أنها (سلطة خضرواتٍ مشوية)، فأين هي الخضروات هنا؟! هل ترى هنا خضروات؟! هاه؟! أجب! لا أرى هنا سوى الخس! أقول لك أن تحضر لي خضرواتٍ مشويةً فتحضر لي خساً؟! هل حسبتني ماعزاً؟! هاه؟! (واش حنا المعاز)؟! ما هذا النصب والاحتيال؟! وتبيعني طبق الخسِّ التافه هذا بخمسين درهماً؟! أين مديرك؟! أين هو؟! قلت لك خذني إليه فوراً!”

شعرتُ بدماء الخجل والحرج والحياء تتدفَّق إلى وجهي وتفعم خديَّ، وألقيتُ نظرةً متسللةً إلى وجه عاصمٍ فوجدته قد احمرَّ خجلاً هو الآخر، وكان منكِّساً رأسه ينظر إلى أسفل متظاهراً بأن الأمر لا يعنيه، ثم ألقيتُ نظرةَ على طبق عبد الجليل فكتمتُ ضحكتي!

الرجل معه حقٌّ في احتجاجه! الطبق صغيرٌ جداً ومخيِّبٌ للآمال حقاً، ولم يكن فيه سوى طبقاتٌ كثيفةٌ من الخسِّ يعلو بعضها بعضاً، وفوقها تناثرت قطعٌ ذابلةٌ من الجزر والخيار مع بعض الزيتون، وقد فُرشت على الخسِّ بطريقةٍ فنيةٍ مضحكةٍ قطعٌ مشويةٌ صغيرةٌ وقليلةٌ من الكوسا والباذنجان… فقط!

نطق النادل أخيراً بصوت يرتعش ارتعاشاً تداخلت له حروفه:

– “سـ.. سيدي… نحن آسـ.. آسفون… هذا هو الطبق كما هو موصوفٌ في القائمة سيدي، وأنا… وأنا رهن خدمتك سيدي… هل تريد؟ هل تريد أن أشوي لك هذه الخضروات أكثر يا سيدي؟”

وكان عاصم أيضاً يكتم ضحكته، وأما عبد الجليل فقد صوَّب نحوه نظرته النارية تلك من فوق إطار النظارة، وظلَّ يرمقه صامتاً للحظة، فبدا وكأنه يفكِّر في الجواب الملائم على سؤاله الغبي إلى درجةٍ مرعبة…

وكانت المفاجأة أنه لم يجب بشيء، وأعتقد أن غباء السؤال والحالة الكارثية التي وصل إليها النادل جعلاه ييأس منه ويقرر تركه وشأنه، ليست هناك فائدةٌ من الإجهاز على فريسةٍ ميتةٍ على كل حال.

– “لا بأس… لا بأس… لا أريد شيئاً… أرجو المعذرة… شكراً.”

وفرَّ النادل من جديدٍ إلى داخل المطعم دون كلمة، وتنفسنا الصعداء قليلاً…

ذاق عبد الجليل أول قطعة كوسا في طبقه، فمجَّها وابتلعها بصعوبةٍ وهو يسبُّ ويلعن، ثم ظلَّ يقلِّب طبقات الخسِّ بشوكته وكأنه يبحث فيها عن كنزٍ ما، فزمَّ شفتيه وحرَّك رأسه متحسراً دون أن يكلمنا، وألقى نظرةً شاردةً إلى الخارج، فوقع بصره على عربة الموت تلك التي رأيناها عندما وصلنا، وكان صاحبها ذو اللحية الطويلة ما زال ينشُّ على الكباب المشوي الذي ترتفع فوقه سحابة دخانٍ هائلةٌ تحيط بالعربة وبصاحبها، والتمعت الفكرة في رأس عبد الجليل وبدا أنه اتخذ قراره أخيراً:

– “والله لا أدري ما الذي أعادكما إلى هذه الكارثة! أما أنا فقد اتخذتُ قراري الذي لا رجعة فيه، لن آكل شيئاً عند هؤلاء النصَّابين المجرمين، وسأتعشَّى عند صاحب الكباب ذاك.”

وظننَّا في البداية أنه يمزح، ولم نتأكد من جديته إلا وهو يستعجلنا لإنهاء طبقينا، والتقت عيناي المندهشتان بعيني عاصمٍ الأكثر اندهاشاً: أحقاً سيفعلها؟

أكملنا طبق البيتزا دون أن نحسَّ لها بطعم، وقمتُ إلى الصندوق لأدفع ثمن ما أكلناه بحرجٍ بالغ وخجل جعلني أتحاشى ما أمكن النظر في وجه النادل المسكين والتقاء عينيَّ بعينيه، وخرجنا مسرعين من مطعم Luigino، وتبعنا عبد الجليل الذي كان يقطع الشارع نحو عربة الكباب القاتلة.

وخَفَتَ صوت الموسيقى العذبة، تناقص صدى الإيقاع حتى تلاشى…

وكنا على موعدٍ مع إحراجٍ آخر، إن عربة الكباب تقع مقابلةً تماماً لباب المطعم، بمعنى أن المهزلة التي ستحصل بعد لحظاتٍ ستكون على مرأىً من نادل المطعم وعماله وزبنائه…

عبدَ الجليل… سحقاً لك!

– “كباب لو سمحت… بكم؟”

– “عشرة دراهم.”

– “أرأيتما؟ أيهما أفضل الآن؟ لحمٌ بعشرة دراهم أم طبق خسٍّ بخمسين درهماً؟ والله لو عرفتُ أن الأمر سيكون كذلك لقصدتُ منذ البداية هذا الرجل الطيب، أكلٌ نظيفٌ وصحيٌّ ولذيذ، وبثمنٍ مناسبٍ جداً فوق كل ذلك! تعلَّموا أيها الشباب تعلَّموا… ما زالت خبرتكم في الحياة منعدمةً تماماً وما زلتم تنبهرون بالأضواء اللامعة والزخارف التافهة، لا يصحُّ في النهاية إلا الصحيح، تعلَّموا مني هذا، تعلَّموا!”

ثم تناول سندويش الكباب ورفعه إلى فمه وقضم منه قضمةً محترمة… ألحم قططٍ هو؟ أم لحم كلاب؟ أم لعله لحم حمير؟ لا أدري… ربما لن تخرج الحقيقة عن أحد هذه الاحتمالات الثلاثة على كل حال، لكن عبد الجليل لا يبالي، وها نحن نراه واقفاً بجانب العربة وقد غمره دخانها الكثيف حتى كاد يختفي فيه، وكان يقضم ويمضغ كبابه بتلذُّذٍ ونشوةٍ واقتناعٍ تام.

سينفد صبري قريباً، وكذلك عاصم على ما يبدو لي… كنا واجمين غاضبين منزعجين إلى أقصى حدود الوجوم والغضب والانزعاج، وقد ابتعدنا عن الرجل قليلاً كي ندعه يلتهم كباب الحمير وحده دون إزعاج.

– “لم أستطع أن أنظر في وجه النادل أو أن تلتقي عيناي بعينيه، والله لو انشقَّت الأرض وابتلعتني لكان ذلك أرحم بي من هذه المهزلة!”

– “الخطأ خطؤنا… والله خطؤنا! ما كان علينا أن نُحضر ذلك (الجلاخة) إلى هذا المكان، الانتحارات الشبابية لا يفهمها إلا الشباب فقط، بعض الشباب فقط، وأما هؤلاء الكهول والعجائز فالواحد منهم ينطوي على الملايين لكنه في الطعام يتصرف كطالبٍ متغرِّبٍ لا تتعدَّى ميزانيته خمسين درهماً في الشهر… تباً لهذه العقليات القديمة المتحجِّرة وسحقاً لها!”

– “أياً يكن، أحمد الله أن هذه الليلة هي الأخيرة لي معكما هنا، وغداً إن شاء الله أطير عائداً إلى طنجة وأتركك مع صاحبك… يجب أن تصبر يا صاحبي! أسبوعان فقط وينتهي كل شيء!”

نعم يا عاصم، يحقُّ لك أن تسخر… غداً صباحاً ستمتطي سيارتك وتنطلق إلى طنجة لتتركني وحيداً مع هذا الوحش القانوني وآكل القطط المرعب، والمشكلة أن مزاجي الآن قد صار في أدنى حضيضٍ يمكن أن يصل إليه، ومع ذلك ما زالت تنتظرنا ليلةٌ كاملةٌ من اللوم والتقريع والدروس المبتذلة في حكمة الحياة وأساليب الإنفاق…

أطلَّ النادل – الذي كان وسيماً – برأسه من الباب وبدت لي قامته وهو يقف مشرئباً بعنقه وموجِّهاً إلينا نظرةً ثابتةً لا تدل على شيء، ثم عاد إلى الداخل وتوارى من جديد… الحق أن مشهدنا كان مخزياً للغاية، ويبدو أن عبد الجليل لن ينتهي من كباب القطط ذاك قريباً…

كنت قد تذمرتُ في ليلتي الأولى من الوحدة القاتلة التي خنقت أنفاسي، وأخشى أن رفقة هذا الكهل ستجعلني أتمنى عودة تلك الوحدة بكل مساوئها وسلبياتها التي بدأتُ أراها جميلة جداً ويا للأسف!

أين أنتم أيها السادة القضاة والأساتذة المحامون؟ أين أنتم يا وكلاء الملك ويا أيها المستشارون؟ تعالوا لتنظروا إلى عبد الجليل وهو يأكل الكباب من عربةٍ على الرصيف!

يا للسخرية…

وظننَّا أنه انتهى أخيراً، مسح يديه وشفتيه ونادى علينا، دنونا منه ونحن نلملم أجسادنا وملامح وجوهنا مستعدِّين للانصراف، لكنه فاجأنا بقوله وهو ينظر إلينا بعينين صافيتين بريئتين:

– “والله إنه لذيذ! خذا واحداً أنتما أيضاً.”

لم يكن منتبهاً حتى لمخايل الوجوم والملل التي كانت منطبعةً على ملامحنا بوضوحٍ هو الشمس نفسها في رائعة النهار!

– “لا داعي، شكراً… أكلنا البيتزا وشبعنا.”

– “هذا شأنكما! ولقد ضيَّعتما الكثير حقاً… الكثير من المال، والكثير من هذا الكباب اللذيذ! واحداً آخر يا زعيم!”

وخارت قوانا من جديد… وأخذ عبد الجليل سندويش كبابٍ جديداً، وجعل يلوكه بتلذُّذ من لا يريد أن يشبع منه، وكان مغموراً تماماً بدخان العربة الذي يزكم الأنفاس، بينما بائع الكباب الملتحي يمارس مهمته الأبدية في النشِّ على النقانق واللحم والكفتة، ووضع شرائح جديدةٍ منها فوق مقلاته الدسمة التي تنتج المزيد والمزيد بلا توقف، من سحائب الدخان الأبيض الكثيف…

أنس سعيد محمد
بيتزا، كباب، سندويش!

(( يـــُـــتـبـع >> ))

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: