بيتزا، كباب، سندويش! – الفصل الأول: بيتزا ~

02/08/2015 عند 20:15 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | أضف تعليق

.

pizza kabab sandwish 01

.

(1) – بيتزا ~

الخامس من مارس، عام 2012.

سيُقضى علي اختناقاً ومللاً لو أمضيت الليلة وحدي في هذه الشقة، خاصة وأن المصباح المعطَّل المشنوق في وسط السقف سيجبرني على الغرق في بئرٍ من العتمة لا قعر له.
سأركِّب مصباحاً جديداً مساء الغد لكن… أسبوعان على هذا النحو؟ يا للكارثة!

إنها ليلتي الأولى هنا وهي تجثم على صدري كصخرة تزن أطناناً، حتى لو جاء عاصم في الغد فإنه لن يمضي معي أكثر من يومين أو ثلاثة أيام ثم يعود إلى طنجة، وعندها سيكون علي أن أرتمي من جديدٍ في أحضان الوحدة المطلقة في مدينة لا يعرفني فيها بشرٌ ولا شجرٌ ولا حجر.

الله المستعان على ذلك… ولعل خير ما أفعله الآن هو أن أخرج لأتمشى قليلاً في الشارع، عسى أن أكسر هذا الملل القاتل الذي تواطأ مع الزكام على تطويق حنجرتي…

المحمديةٌ مدينةٌ جميلة، وكانت لتكون أجمل لولا تلوث الجو بسبب بعض المصانع العملاقة، كما أني لم أطمئن قطُّ لنظرات المارة المستفزة ولتلك الأزقة الفارغة التي يزيدها الظلام رهبةً وتوجساً.

غير أني لم أندم على أن أخذت مفتاح الشقة الفارغة من أحمد، إن المحمدية هي الرئة التي تتنفس منها مدينة الدار البيضاء العامرة، وخيرٌ لمن سيمضى دورته التكوينية في (عين السبع) أن يقيم في المحمدية على أن يمضي لياليه في الدار البيضاء.

فقط أولئك الذين اصطلوا بجحيم أزمات المرور الخانقة تحت الشمس الحارقة وانقطاع الطرق بسبب الأشغال بين (عين السبع) والدار البيضاء المدينة، يدركون جيداً أن المحمدية هي أقرب إلى (عين السبع) من الدار البيضاء وأكثر رفقاً بالأعصاب وبمحرك السيارة!

ظلامٌ دامسٌ هو، ولا أحد في الشارع غيري، ولا يمزق رداءَ الصمت إلا صافرةُ القطار وجرسه الذي يدق بين الفينة والأخرى، لحسن الحظ أن الشقة على بعد خطواتٍ من محطة القطار، يؤنسني كثيراً صوت الصافرة التي تذكِّرني بأن كل زمنٍ يمضي عليَّ هنا يقربني أكثر لرحلة العودة إلى طنجة الحبيبة…

عقدتُ العزم على الذهاب إلى الفضاء الواسع المسمى عندهم بالـ Park، حيث تقوم كنيسةٌ تمتدُّ أمامها حديقةٌ واسعةٌ أنيقة، وعلى أطراف الحديقة سلسلة مقاهٍ متلاصقةٌ ممتازة، وما زال مقهى (فضاء الأفكار Espaces idées) الذي يتوسط سلسلة مقاهي الـ park هو محطتنا الدائمة لتناول وجبة الفطور في كل رحلة عملٍ نقوم بها إلى الدار البيضاء.

الوجهة هي الـ park إذاً، لكن أهذا كان طريقه؟ لا أذكر بالضبط!

سأواصل المشي على كل حالٍ حتى أجد أحداً أسأله.

مللٌ في الشارع أيضاً، وجوعٌ تذكَّر الآن أن يقرص معدتي بعنف… الوحدة المطلقة مزعجةٌ جداً في مدينةٍ لا يعرفك فيها أحدٌ ولا تعرف فيها أحداً، غمرني شعورٌ عارمٌ بالرغبة في صحبةٍ آدميةٍ كيفما كان نوعها، وكنت أنتظر بشغفٍ هادرٍ اتصالاً هاتفياً يؤكد لي فيه عاصم حضوره في الغد، والحق أني كنت في حالةٍ لو لقيت فيها أعدى أعدائي في طنجة لارتميتُ عليه معانقاً، ولأقمتُ معه صداقةً حميمةً لا تشوبها شائبةٌ من الخصومة أو سوء التفاهم.

مزيدٌ من المشي الهائم، مزيدٌ من الشرود الفلسفي الذي تفسده عليَّ قرصة الجوع…

العاشرة والنصف ليلاً…

لاح لي من بعيدٍ شبحٌ آدميٌّ قادم، تبينتُ فيه بعد أن اقترب شكل فتاةٍ ترتدي جلباباً وقد تركت شعرها الطليق ينسدل على كتفيها، تقترب وأقترب، وعندما تقاطعنا عند مفترق الطرق بادرتها بالسؤال قائلاً:

– “أختي… لو سمحت…”

فانتفضت مذعورة ووثبت خطوةً إلى الوراء، وحدجتني بنظرةٍ ناريةٍ قاتلةٍ وقد بدت في وضعٍ متأهبٍ للضرب والقتال والصراخ! نعم… حُقَّ لها أن تخاف في مثل هذا الوقت من الليل، وانتبهتُ إلى أني بالفعل أبدو مريعاً في مثل تلك الهيئة الصفيقة؛ ملابس سوداء بالكامل من طوق العنق إلى الحذاء، وسترةٌ جلديةٌ تجعلني أبدو فظاً، شعرٌ أشعث وعينان منهكتان وسط هالاتٍ سوداء أشعر بها ولا أراها، شفتان مشمئزتان، ووعثاء سفرٍ باديةٌ لا تخطئها العين، ما الذي ينقصني إذاً كي أبدو بلطجياً؟!

– “لو سمحت… من أين الطريق إلى الـ park؟”

قلَّبت عينيها الواسعتين فيَّ لحظةً وبدا عليها بعض الاطمئنان، أشارت بأصبعها السبابة إلى نفس الشارع الذي كنت أمضي فيه وقالت:

– “من هنا… وعند المدار خذ الشارع الثاني جهة اليمين.”

– “كم من الوقت؟”

– “اممم… عشرون دقيقةٍ ربما، نصف ساعةٍ على الأكثر.”

قالتها وتوارت مواصلةً مشيها وهي تسرع الخطى لتتوارى في الظلام من جديد…
– “شكراً…”

نصف ساعة؟ والساعة الآن العاشرة والنصف، لو ذهبتُ فلن أعود إلا بعد منتصف الليل وهذا شيءٌ لا أريده في مدينةٍ مرعبةٍ كهذه. الأفضل لي أن أظلَّ في الجوار وأن أبحث عن مطعمٍ أتناول فيه عشائي، إن قرصة الجوع تزداد ضراوةً فإني لم آكل شيئاً منذ غدائي في طنجة.

سأواصل المشي إلى ذلك المفترق وأنعطف يميناً، وهناك أواصل دورتي على الحي السكني حتى أعود إلى الشقة من الجهة الخلفية.

ضوءٌ ينبعث في تلك الزاوية هناك، عند مفترق الطرق، يبدو من بعيدٍ كشمعةٍ عملاقةٍ تمنح تلك الزاوية استثناءً من النور وسط العتمة السائدة. رائحةٌ زكيةٌ تنبعث من مصدر الضوء أنعشت روحي وأعادت إليَّ الحياة من جديد، دنوتُ فإذا بي أمام مطعمٍ صغيرٍ جداً شديد الضيق، لا يتسع لأكثر من مائدةٍ واحدة فقط أو مائدتين! ويبدو أنه متخصصٌ حصرياً في تقديم وجبات (البيتزا). هي السعادة إذاً! هات لي أضخم بيتزا لديك يا سيدي، إن لي في الطعام لمشغلةً عن هذا الملل القاتل الذي يعتصر ليلتي ومزاجي وروحي، وسيكون عليَّ أن أتحمله مدة أسبوعين من الآن.

وجلستُ أفتك بالطبق اللذيذ فتكاً، وأراوح بين لقمةٍ وأخرى بجرعةٍ ممتازةٍ من المشروب الغازي، بينما صاحب المحل ذو اللحية الكثيفة الطويلة جالسٌ وراء الصندوق يرمقني بارتيابٍ وتشكُّك…

* * *

السادس من مارس، عام 2012.

جاء الفرج أخيراً!

عاصم هنا معي في مركز التكوين بـ (عين السبع)، الصحبة الآدمية التي افتقدتها ليلة أمس جاءت أخيراً. شابٌّ طيبٌ ومسالمٌ هو، وفي مثل عمري تقريباً، أكبر مني بسنتين للدقة.

أمضيتُ يوماً كاملاً في الضحك والثرثرة وتجاذب أطراف الحديث، وكنت مسروراً منطلقاً أنساب في أودية الهزل وفجاج الطرائف أعوِّض ما خسرته من المزاج في كآبة الليلة الماضية، ولم ينغِّص علي هذه الفرحة إلا أن زيارة عاصمٍ مؤقتةٌ قصيرة، وأنه سيعود لطنجة بعد يومين فقط، ليتركني مجدداً في لجة الوحدة والكآبة التي ستلتهم ما يتبقى من الأسبوعين الثقيلين.

انطلقت بنا سيارته عائدةً إلى المحمدية في طريقٍ سلسٍ متصل، وقريباً من محطة القطار لاحت لنا جهةَ اليسار لافتةُ (أسواق السلام) العملاقة، فانعطف عاصم بسيارته إلى مركز التسوق، وانقضضنا عليه بشهيةٍ شبابيةٍ فتَّاكة.

وفي الشقة أفرغنا الأكياس البلاستيكية العامرة بما لذَّ وطاب من البسكويت والشوكولاتة وعلب الزبادي والعصير، فتحنا أكياس البسكويت وارتفعت أصوات القضم والقرمشة، ثم فتحنا بعض علب العصير وصار لدينا شاربان أبيضان مضحكان. التهمنا بعض ما اشتهينا التهامه وأودعنا البقية في الثلاجة بغير ترتيبٍ أو تنسيق، أصلحنا المصباح المعطل، وبعد نصف ساعةٍ تقريباً اكتشفنا أن الشقة صارت في حالةٍ مريعة!

إن عازباً واحداً فقط يكفي لتحويل شقةٍ إلى مقلب قمامةٍ خلال يومين لا أكثر، أما وقد كان الأمر يتعلق بعازبين جائعين، فقد تحولت الشقة إلى مقلب قمامةٍ في أقل من نصف ساعة.
انفجرت الحقائب وتناثرت الملابس هنا وهناك، أقمصةٌ وكنزاتٌ وستراتٌ وسراويل وجوارب وأحذية، بعضها على الأسرَّة وبعضها ملقىً على الأرض وبعضها يلتصق بالجدار وبعضها معلَّقٌ في السقف! أكياس البسكويت مرميةٌ هنا وهناك مع علب العصير التي بعضها فارغٌ وبعضها مشروب إلى النصف.

أجَّلنا مهمة التنظيف والترتيب إلى وقتٍ لاحق، وكان قد غلب علينا التعب فاستلقينا على أقفيتنا مستسلمين لاسترخاءٍ لذيذ.

– “أنخرج للعشاء؟”

– “أبك جوع؟”

– “نعم وأنت؟”

– “وتسأل؟ هيا لنقصف!”

– “(ساحوقة) كعادتك!”

– “منكم نتعلم!”

– “أتعرف مكاناً؟”

– “لقد دلَّني أحمد على واحدٍ قال بأنه جيد، شواء! مجموعة مطاعم شواءٍ متلاصقةٌ إلى جانب كل واحدٍ منها جزَّارٌ تشتري منه لحماً تشويه، قال إن ذلك في منطقةٍ عندهم هنا اسمها (العالية).”

– “عظيم… لكن أين هذه (العالية)؟ تعرفها؟”

– “قد أعطاني أحمد نعتها، وإن ضعنا نسأل، (اللي بلسانه ما يتلف)!”

– “على بركة الله!”

وانطلقت السيارة تنهب الطريق نهباً، يسرع بها جوعنا الشديد وشهيتنا النهمة لازدراد ما لذَّ وطاب من الأطعمة والأشربة، وألفينا أنفسنا وقد قطعنا شوطاً طويلاً في طريقٍ مظلمٍ تماماً يُفترض أنه يؤدي إلى منطقة (العالية) هذه، إلا أن أثراً للحياة لم يكن هنالك.

– “أأنت متأكدٌ من المكان؟”

– “أظن ذلك، أو لعله كان علي أن آخذ ذلك المنعطف.”

– “المشكلة أنه لا أثر للحياة هنا أصلاً، فضلاً عن مطاعم وشواء!”

وانعطفت السيارة باحثةً عن بصيص نورٍ لكن دون جدوى، واكتشفنا بجزعٍ أننا أوغلنا في منطقةٍ نائيةٍ تكاد تكون غير مأهولة…

– “ما رأيك أن نعود؟”

– “انظر… انظر هناك.”

– “أين؟”

– “هناك…”

وكان هناك بصيص نورٍ بعيد، جوهرةٌ لامعةٌ تتوهَّج وسط رقعةٍ سوداء تماماً، حتى مصابيح الإنارة العمومية كانت عاطلةً عن الإضاءة في تلك الليلة.

– “أهو مطعم؟”

– “أظن ذلك… لندْنُ منه.”

ودنت السيارة من بقعة الضوء، وإذا به مطعمٌ لا يدهشك فيه شيءٌ أكثر من عدم التجانس بينه وبين المحيط الذي يقوم فيه. مطعمٌ فاخرٌ لامعٌ متوهِّج، يتوسَّط شارعاً لا تكاد تتبين فيه غير الظلام والخرائب والمساحات الفارغة المرعبة.

اسم المطعم LUIGINO، مطعمٌ إيطاليٌّ أو يحاول ادِّعاء ذلك، لافتته الضخمة الأنيقة مضيئةٌ بألوان العلم الإيطالي؛ الأخضر والأحمر والأبيض.

– “أهو Luigi؟”

– “لا… لعله محاولة تقليدٍ له، اسمه Luigino وليس Luigi.”

– “أنتناول عشاءنا هنا؟”

– “يبدو باهظ الثمن جداً.”

– “وماذا يهمُّ في ذلك؟ وهل ترانا من أولئك الموظفين الكهول الذين يأخذون معهم احتياطي البسكويت عندما يسافرون في مهمات عمل؟”

– “معك حق… نحن نسافر مرةً كل عدة أشهر، فأي ضيرٍ في أن (ننتحر) أحياناً في مطعمٍ كهذا؟”

– “ألسنا شباباً؟

– “بلى.”

– “ألسنا عزَّاباً؟”

– “بلى!”

– “سنموت ويبقى المال هنا، سنموت ويرثه غيرنا، لا كان المال إذاً ولا كان من يرثه! والله لنأكلنَّ في هذا المطعم وإن أفلسنا!”

– “يعيش الشباب! يعيش يعيش!”

ركن عاصم السيارة بالقرب من المطعم، واندفعنا نحو مدخله ودماء العزوبة والشباب تغلي فينا غلياناً، وها نحن الآن داخل المطعم وقد أخذنا أماكننا.

مطعمٌ فاخرٌ هو بكل معنى الكلمة، يتهادى سابحاً في أنوار بيضاء ساطعةٍ تتموَّج فيها ألحانٌ موسيقيةٌ شديدة العذوبة، موائد مزينةٌ بالملاءات الملونة وقد وُضعت عليها أكوابٌ زجاجيةٌ مغناجةٌ تلوح منها أمارات البذخ والترف.

استرخينا على مقاعدنا ونحن نجيل أبصارنا في الجدران والزخارف التي زركشها ذوقٌ إيطاليٌّ بديع، إلى أن جاءنا النادل الوسيم إلى درجةٍ مستفزَّة، والأنيق إلى حدٍّ جعله شبيهاً بشخصيات الرسوم المتحركة، ووقف أمامنا في الزاوية التي علَّموه أن يقف فيها عندما كان يدرس في الجامعة العليا لعلوم المطاعم – إن كانت هناك جامعةٌ بهذا الاسم -، بحيث لا يحتاج الزبون إلى أن يلوي عنقه كي ينظر إليه ويخاطبه، فذلك – بحسب متحذلقي علم النفس والعقل الباطن – عاملٌ مقلقٌ لراحة الزبون وسيكون سبباً ينفِّره من المطعم حتى وإن لم يشعر هو نفسه بذلك!

– “مرحبا سيدي.”

قالها وهو يبتسم ابتسامةً صناعيةً ويضع على الطاولة كتابين فخمين نُقش على جلد غلافيهما: “Luigino… القائمة.”

انصرف عائداً من حيث أتى وسط الأنغام الموسيقية العذبة التي تتغلغل أكثر في أرواحنا.

قلَّبنا الأوراق الناعمة للقائمة اللعينة ونحن نحاول أن نضبط ملامحنا على الفخامة والجمود، متظاهرين بعدم الاندهاش من الأسعار الخيالية للمأكولات والمشروبات، وبدوْنا ونحن نتقارب برأسينا ونتهامس مثل مديرين عامين يتدارسان مشروعاً استراتيجياً خطيراً.

– “ننسحب بهدوء؟”

– “تباً لك! وتسمح لك كرامتك؟”

– “جيبي يسمح لي.”

– “لن نجد مكاناً آخر نتعشى فيه، لننتحر اليوم وأمرنا لله.”

– “بيتزا ملكية؟”

– “سعرها مفزع!”

– “لا يضرُّ الشاةَ سلخُها بعد ذبحها، انتحرنا وانتهى الأمر!”

– “سآخذ الملكية وأنت خذ فواكه البحر، لكي يذوق كلانا نوعين مختلفين.”

– “ليكن.”

– “يا رئيس…”

وخفَّ النادل نحونا بخطواته الأرستوقراطية:

– “مرحبا سيدي… آش حبّْ الخاطر نعام آ سيدي؟”

– “بيتزا فواكه البحر وأخرى ملكية لو سمحت.”

– “حالاً سيدي… تشربون شيئاً سيدي؟”

– “فانتا ليمون لو سمحت… وأنت يا عاصم؟”

– “لا… لا داعي للمشروب.”

– “كما تريد سيدي…”

نعم، نسيت… المسكين عاصم يعاني من حالةٍ متقدمةٍ من الاهتمام بصحته والحرص على ما يُدخل إلى جوفه، لحسن الحظ أنه لم يصل إلى درجة الوسواس بعد لكنه قطع مراحل بعيدةً في مستوى (الحرص)، إنه متوقفٌ عن المشروبات الغازية منذ مدةٍ طويلةٍ إلا في بعض المناسبات النادرة، لا شكَّ أنه قرأ مقالةً ما في مجلةٍ أجنبيةٍ جاء فيها أن كمية السكر الموجودة في زجاجة واحدة تكفي لقتل فيلٍ خلال ثلاث ساعاتٍ لو أنه تناولها دفعةً واحدة، ومنذ ذلك الحين أقسم يميناً مغلَّظاً على ألا يقرب المشروبات الغازية أبداً.

لا بد أن هذا هو ما حدث… أنا أعرفه!

– “تفضل سيدي… بالصحة سيدي.”

وحطَّ البدران المكتملان على المائدة، ويا له من قرص بيتزا يشعل الأشجان ويلهب الأحاسيس! ساخنةٌ وشهيةٌ تتناثر فوقها فواكه البحر وقطع الخضار وأشياء لم أتبين ما هي لكني عرفت بعد التهامها أنها لذيذةٌ جداً.

بدايةً عانينا بعض الشيء مع محاولات التقطيع والأكل بالشوكة والسكين، سعياً منا للمحافظة على مشهدٍ حضاريٍّ يليق بكل تلك الزخارف الإيطالية والأضواء المتلألئة المنسابة، والموسيقى التي تُلبسك ثوب السهرة مع ربطة عنق الفراشة! ثم لم نلبث أن ضجرنا من كل ذلك التكلُّف البغيض ووضعنا الأداتين المزعجتين جانباً، وأكملنا العملية بأيدينا مثل أي فلَّاحين قدِما لتوِّهما من بادية (غَوْجن)!

وبكل اقتناعٍ وامتنان، ناولنا موظف الصندوق ثمن الوجبة الهائلة ونحن في غاية السعادة والرضا، مع بقشيشٍ إضافيٍّ محترمٍ للنادل الوسيم ذي الابتسامة المرسومة بعنايةٍ فائقة.

وعندما كانت مصابيح السيارة تبدِّد ما حولها من العتمات المتراكمة لترسم لنا الطريق إلى أسرَّتنا الهانئة، في حين ما زالت آثار الأنغام الموسيقية السحرية تدغدغ أمزجتنا وأرواحنا، كان كلانا قد تجاهل تماماً ورقة المئة درهم التي تبدَّدت – تقريباً – في عشاء ليلةٍ واحدة، وقد أخفى كل واحدٍ منا عن صاحبه رغبته الدفينة في معاودة الزيارة لنفس المطعم دون غيره، في عشاء ليلة الغد…

أنس سعيد محمد
بيتزا، كباب، سندويش!

(( يـــتـبـع >> ))

Advertisements

اكتب تعليقُا »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: