Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (3) _ أبو محمد السلفي

07/06/2015 عند 22:17 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | تعليق واحد

.

dolcy-83-salafi

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

– الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

* * *

(8) – الندماء ~

3- أبو محمدٍ السَّلفي: “ولكن… لماذا يكره الناس المَدَاخِلة؟!”

مجدداً… Dolcy 5 بعد غيابٍ طويل.

كنتُ قد حققتُ رقماً قياسياً في الغياب عن المقهى في تلك الفترة من عام 2013، وهي فترةٌ تلت فترة إدمانٍ طويلةٍ كدتُ أصير فيها من الزبناء اليوميين للمقهى، حتى أن جلالاً لم يعد يسألني عند انتهاء الدوام سؤاله القديم الذي كان يثير أعصابي:

– “ستجلس معنا اليوم؟”

بل صار الآن ينتظرني في الباب منادياً عليَّ وقد نفد صبره:

– “هيا بنا… أسرع!”

وأما (سي مصطفى) فلم يتخلص قطُّ من عبارته الجائرة التي يقولها لي كلما ناقشتُ معه شيئاً من فلسفاته الاقتصادية البالية، ليستشهد بها على كثرة مصاريفه وقلة مصاريفي:
– “نحن مختلفان يا صديقي… أنت تجلس في المقهى مرةً كل أسبوع لا أكثر، وأما أنا فأعشِّش هنا بشكلٍ يومي!”

هكذا؟!

كنتُ أشعر بالظلم عند سماعي لهذه العبارة، لأني بالفعل صرتُ مثله معشِّشاً في المقهى بشكلٍ يومي، وقد نبتت لي أيضاً جذورٌ عميقةٌ ضربتْ في أرضيتها ولفَّتْ ساقيَّ بإحكامٍ حول أرجل المقاعد، لكن (فرويد الاقتصاد) ما زال محتفظاً بنفس تلك الصورة القديمة عندما كنت أمقت المقهى وما فيه، وعندما لم أكن أشرِّف Dolcy 5 بزيارتي الميمونة إلا مرةً في الأسبوع على الأكثر، ولا يكون ذلك – طبعاً – إلا بعد أن يجتهد الأصدقاء في إقناعي وإغرائي، ثم يقررون في النهاية أن يلقوا عليَّ القبض ويجرُّوني جراً إلى المقهى وأنا مقيدٌ بالسلاسل.

لا بأس… في تلك المرة كنتُ متغيباً حقاً، وكان من حق (سي مصطفى) أن يتهمني بقلة المصاريف الاقتصادية، وبأني وصلتُ – كما يزعم – لمرحلة (الادِّخار)! فإني لم أظهر في Dolcy 5 منذ مدةٍ تتجاوز الشهرين، وهي فترة غيابٍ استثنائيةٌ ابتدأت بشهر رمضان المبارك، لتمتدَّ إلى أسابيع أخرى من بعده.

لقد نجح شهر رمضان في إبعادي عن Dolcy 5 مدةً لا بأس بها، لكن الإنسان على ما ألِف، في النهاية استسلمتُ لمصيري وعدتُ من جديدٍ إلى المقهى الذي اشتقتُ إليه، وإلى (الأوغاد الأعزاء) الذين افتقدتُ هراءهم وصخبهم… لم يتغير شيءٌ على الإطلاق، المقاعد هي المقاعد، الزبناء هم الزبناء، مشهد الشارع هو مشهد الشارع، الزحام هو الزحام، و(سي احمد) هو نفسه (سي احمد) دون أي تغييرٍ يُذكر.

كنتُ قد مررت بالبولفار في ليلةٍ واحدةٍ من ليالي رمضان، وهالتني تلك الفجوة الزمنية الهائلة التي تنطوي على فجوةٍ شعوريةٍ أيضاً! كل شيءٍ على ما هو عليه تماماً مثل الأيام العادية، بما في ذلك المفاسد الأخلاقية وعري بعض الفتيات وتبرجهن الصيفي الصارخ… لا وجود لشهر رمضان في ليالي بولفار طنجة، وإنما هي امتداداتٌ مختلسةٌ لأيام الفطر بكل ما فيها من المنكرات والمفاسد… ليلتها عدت إلى البيت ساخطاً وبي شوقٌ عارمٌ إلى أجواء رمضان وأنسامه، وإلى آثار الإفطار ورائحة السحور.

وافقني (سي مصطفى) على هذه الملاحظة، وأطلق كعادته سيلاً من القذائف الكلامية الناسفة على كل ما هو أنثويٌّ في الكون، ثم رشف من كأس قهوته ليبتلع هذه الغصة التي نمت في حلقه، قبل أن ينطق أبو محمدٍ أخيراً وقد قرر أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع:

ارتفع صوته الرخيم الذي يجبرنا بدافع الاحترام لصاحبه على الاستماع لما يقول، والتفتنا إليه لنسمع عبارته التالية، وكان كعادته قد اختار مقعده بحيث يكون مقابلاً لبوابة المقهى، موارياً الشارع ظهره لأسباب متعلقةٍ بغضِّ البصر:

– “ليس اللوم عليهن فقط يا (سي مصطفى)، اللوم علينا نحن أيضاً، هن يخطئن ونحن أيضاً لنا نصيبنا من الخطأ، ومن أخطائنا تلك أيها الإخوة، وأقولها لكم بصراحة: مجرد جلوسنا في هذا المقهى!”

نطق أبو محمدٍ السلفي أخيراً، هززنا رؤوسنا مترقبين تتمة كلامه التي كانت كالآتي:

– “لا يجب أن ننكر… هن يرسلن المنشورات في الشارع، ونحن نغدق عليهن بالإعجابات (j’aime). كل نظرةٍ هي إعجاب (j’aime)، وكل عبارةٍ معاكِسةٍ يتلفظ بها أحد المتحرشين هي (تعليقٌ) على المنشور… لهذا يتمادين أكثر ويزددن في غيِّهن وتبرجهن، لأن لهن جمهوراً من المطْلقين لأبصارهم والمعاكسين لهن، وأيضاً… من الجالسين على قارعة الشارع في المقاهي، من أمثالنا غفر الله لنا! أليس كذلك يا شباب؟”

ثم افتر ثغره عن ابتسامةٍ عريضةٍ على سبيل الفاصل الفكاهي، وأردف قائلاً:

– “كم حصيلتنا من الـ (j’aime) في هذه الأمسية؟”

وارتفعت أصوات الضحك…

ثم عاد إلى حالته الطبيعية الجدية، وواصل كلامه رافعاً حاجبيه موحياً بالأهمية، وقد ازدادت لحيته طولاً ونبرته خطورة:

– “بالمناسبة… إن الله سيحاسبنا حساباً عسيراً على (إعجاباتنا) هذه… لا أعني إعجابات الشارع، بل إعجابات الفيسبوك نفسها! إن تلك النقرة على زر الإعجاب مسؤوليةٌ عظيمة، وأي شيءٍ تعبِّر عن إعجابك به ستُسأل عنه أمام الله تعالى، لأن الإعجاب معناه أنك أحببت المنشور ووافقت على ما فيه، فهو بمثابة التزكية له، وألاحظ أن كثيراً من الإخوة لا يعيرون اهتماماً لهذا الأمر، ولا يقدِّرون خطورته، لذلك نراهم يشتِّتون إعجاباتهم هنا وهناك في كل حدبٍ وصوب، غافلين عن أن الله تعالى سيحاسبهم عن كل نقرة زر، ويسائلهم عن كل حرفٍ كتبوه في الفيسبوك وغيره من تلك المواقع الاجتماعية التي ابتلينا بها.”

كنا نصغي باهتمامٍ ونهزُّ رؤوسنا تفاعلاً مع نصائحه، بينما يواصل صديقنا السلفي كلامه النابع من سويداء قلبه:

– “وأما عن إعجابات الشارع هذه، فيجب أن نعترف بأننا مخطئون عندما نجلس في هذا المقهى… عندما أفكر في الأمر أستشعر بقوةٍ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في الطرقات، وأرى أن هذه المقاهي التي تُخرج مقاعدَها إلى الرصيف تدعو حرفياً إلى فعل ما نهينا عنه… أليس كذلك أيها الإخوة؟”

يجيبه (سي مصطفى) قائلاً:

– “بلى، كلامك صحيح يا أبا محمد، لكن الزمن قد تغير كما ترى، وما عادت لنا مجالس إلا هذه المقاهي، فماذا نفعل؟”

– “لا يا (سي مصطفى)، إن الزمن لم يتغير في هذه المسألة، لأن نفس كلامك هذا قد قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجاب بأن علَّمنا كيف نعطي الطريق حقه، وذلك بغضِّ البصر، وكفِّ الأذى، وردِّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهل نفعل نحن شيئاً من هذا؟ وهل نعطي الطريق حقه كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لنجب بصراحةٍ ولنكن صادقين مع أنفسنا…”

وساد صمتٌ ثقيل، ثم اهتزت الرؤوس اتعاظاً واعتباراً…

هذا هو أبو محمدٍ السلفي، صديقنا الفاضل الذي قرر أن يكثِّف حضوره معنا في Dolcy 5 منذ بعض الوقت، وهو شابٌّ في نحو الثلاثين من عمره، وقد أقام في طنجة منذ عددٍ من السنوات بعد أن جاءها من مدينته الأصلية فاس، ولأنه زميل عملٍ لـ (سي مصطفى) فقد تعرفنا عليه من خلاله، ويمكنني القول بأن أبا محمدٍ هو الوحيد الذي يلتقي به (سي مصطفى) خارج إطار العمل.

يروي (سي مصطفى) عن أبي محمدٍ أنه مر بمرحلة تحولٍ في حياته شهد هو بعضها، ولم نشهد نحن إلا أواخرها، وعندما تعرفنا عليه أول مرةٍ كان ذلك الشابَّ الناصح الذي هداه الله إلى طريق الاستقامة، وكان قد ترك لحيته لتروِّيَ وجهه بعد أن أقلع عن حلقها، ثم ليتركها تطول شيئاً فشيئاً حتى تشعَّبت إلى بضعة سنتيمراتٍ من الشعر الأشقر الناعم، وهو ما أعطى وجهه الصبوح ذلك الطابع الأسَديَّ المهيب.

ثم إنه كان قد تزوج، ولما رُزق بطفله الأول أسماه محمداً، فصار بذلك أبا محمد.

وأما حضوره معنا في جلسات Dolcy 5 فكان يجعلها مختلفةً عن بقية الأيام المعتادة، بسبب تأثير (الرجل الوقور) ذاك الذي نحرص على انفعالاتنا في حضرته… بقدرة قادرٍ تتحول الضحكات الصاخبة المدوية إلى ضحكاتٍ رزينةٍ هادئة، وتتحول التصريحات الشبابية الفاحشة إلى تلميحات، وتتحول التلميحات إلى إيماءات، وتتحول الإيماءات إلى مجرد نظراتٍ خاطفةٍ وابتساماتٍ طولها ملمترٌ واحدٌ فقط. وكان هو يشاركنا طرفاً من مزاحنا وضحكنا، وأحسب أنه كان ينظر إلينا على أننا شبابٌ طيبون وأناسٌ جيدون، لكننا نحتاج فقط لبعض التوجيه والنصح حتى نصير على الجادة ويستقيم اعوجاجنا.

كما أنه وإن كان (سي مصطفى)، كما ذكرنا سابقاً، ينظر إلى الحياة من زاويتها الاقتصادية، ويمرِّر في ذهنه جميع أمورها من هذه المصفاة، فإن الزاوية التي ينظر أبو محمدٍ من خلالها هي الزاوية الإسلامية الشرعية، ولم يزل على الدوام محتفظاً بدهشته الفطرية البريئة من كل هذا الفساد والانحلال الواقع في شوارع المدينة وفي المجتمع عموماً، ولم يفتأ متسائلاً بلا انقطاعٍ عن الأحكام الشرعية لكل صغيرةٍ وكبيرةٍ من أمور الحياة التي تُعرَض له.

وهكذا صارت جلسات Dolcy 5 في حضرة أبي محمدٍ السلفي عبارةً عن منتدياتٍ للتناصح وتبادل الاستفادة والنقاش الهادف حول أمور الدين، وكان قد أصيب بإدمان البحث والتنقيب في المواقع والمنتديات ومقاطع اليوتوب، وهو إدمانٌ خطيرٌ يقود صاحبه في كثيرٍ من الأحيان إلى دهاليز مريعةٍ من الأسئلة الحائرة والمواضيع الشائكة المعقدة، فكان في كل أسبوعٍ أو كل بضعة أيامٍ يأتينا بموضوعٍ جديدٍ للنقاش، يسبر آراءنا فيه ويستفسرنا عما نعرفه عنه، بعد أن أعياه البحث والتنقيب في المقاطع المرئية والمسموعة ونصوص الفتاوى المقروءة:

– “من هم العلماء الموثوقون عندنا في المغرب؟ وهل فتاوى المجلس العلمي مُلزمةٌ للمغاربة؟”

– “متى يكون الفعل بدعةً في الدين ومتى يكون سنَّةً حسنة؟”

– “هل المصافحة بعد الصلاة وقراءة الحزب جماعةً في المسجد بدعة؟”

– “هل النقاب فريضةٌ أم فضيلة؟”

– “هل يجوز للرجال إسبال أثوابهم إن كان ذلك بلا خيلاء؟ وهل سراويل الجينز هذه التي نلبسها جائزةٌ شرعاً أم لا؟”

– “ما هو الاقتصاد الإسلامي؟ وما هي آفاقه في المغرب؟ وهل ستكون هناك أبناكٌ إسلاميةٌ عما قريب؟”

– “هل الأبناك الإسلامية إسلاميةٌ حقاً؟ أم أنها أيضاً أبناكٌ ربويةٌ لكنها مقنَّعة؟ وهل يجوز التعامل مع هذه الأبناك الإسلامية إن وُجدت؟”

– “هل يجوز أخذ قرضٍ ربويٍّ لغرض اقتناء شقةٍ سكنية؟ وهل يُعدُّ هذا اضطراراً؟ وما هو ضابط الضرورة وما هي حدودها؟”

– “هل يجوز لي أن أستعمل حاسوب العمل في أوقات الفراغ للقراءة والاتصال بالإنترنت؟ إنني أفعل ذلك أحياناً، ووالله إن في نفسي منه شيئاً، لذلك أحاول أن أفعله أمام رئيسي، وأن أميل الشاشة إلى جهته كي يراها، وكي يطَّلع بوضوحٍ على ما أفعل.”

هذه وغيرها من الأسئلة الكثير، كان أبو محمدٍ يأتينا بها ويطرحه على مائدة Dolcy 5 للنقاش، ليدلي كل واحدٍ منا بدلوه مستعرضاً ما سبق وقرأه وسمعه عن الموضوع، ثم لتكون الخلاصة دائماً – أو غالباً – هي كالآتي:

– “المسألة فيها خلاف، وتحتاج إلى مزيدٍ من البحث حتى نقف على الأرجح في الأقوال، ونحن في الحقيقة ما زلنا جاهلين بديننا جهلاً معيباً، وينبغي أن نبذل جهودنا في القراءة للعلماء والاستماع للمشايخ وتعلُّم ما نجهله من أمور الدين، لكن يظل الورع أولى واجتناب الشبهات أفضل.”

وكنا إذا تمشينا في الشارع لا يكفُّ عن إبداء ملاحظاتٍ متحسرةٍ على المخالفات الشرعية التي لا حصر لها، متسائلاً عن الأسباب المشؤومة التي أدت بالمسلمين إلى هذه الأحوال المزرية والانحطاط الأخلاقي المهول، وأحياناً كان يذهب به تفكيره بعيداً جداً، ليخلص في النهاية إلى أن أغلب الموجودات في واقعنا المعاصر لم يكن ينبغي أن توجد على هذا النحو، وأن المجتمع الإسلامي في حاجةٍ إلى تغييرٍ جذريٍّ شاملٍ في نظامه ومفاهيمه وأخلاقه.

ومما أذكره في هذا الباب أني اصطحبته ذات ليلةٍ وكان الوقت متأخراً، إلى صرَّافٍ آليٍّ قرب شارع المكسيك ليستخرج منه أموالاً احتاجها، فوجدنا صفاً من الناس ينتظرون دورهم عند الصرَّاف، ومن بينهم امرأةٌ ترتدي جلباباً ضيقاً واصفاً وقد أرسلت شعرها على كتفيها، فما كان منه إلا أن أشاح عنها ببصره وواراها ظهره، وحجبها عني بجسده، وانطلق يحدثني معبراً عن تسلسل أفكاره وخواطره الذي كان كالآتي:

– “لا حول ولا قوة إلا بالله… وتظن نفسها بهذا الجلباب محجبة! الخبثاء… إنهم يخترعون للنساء جلابيب ضيقةً تصف مفاتنهن وصفاً، لكنها تظل مع ذلك محسوبةً على (الحجاب)، حتى تخرج المرأة بها وضميرها مرتاحٌ تماماً، تظن أنها أدت ما عليها وتحجبت!

ثم كيف تخرج المرأة وحدها في هذا الوقت من الليل؟ أليس في بيتها أخٌ أو زوجٌ يخرج عنها؟ وكيف تقبل أن تزاحم كل هؤلاء الرجال الأجانب عنها في هذا الصف؟ هل انقرض الحياء في النساء؟ إنا لله وإنا إليه راجعون…”

– “نعم يا أبا محمد… إنا لله وإنا إليه راجعون…”

– “إنني يا أخي أحاول أن أعدَّ المخالفات الشرعية في هذا الوضع الذي نحن فيه… أولاً: خروج المرأة من بيتها في هذا الوقت من الليل. ثانياً: خروجها متبرجةً كاشفةً عن شعرها، وبجلبابٍ يصف مفاتن جسدها وصفاً. ثالثاً: مزاحمتها للرجال الأجانب في الصف… كل هذا لا يجب أن يكون!

لو كان الأمر بيدي لسددتُ باب الاختلاط هذا، ولجعلتُ هناك صرَّافين آليين في كل وكالةٍ بنكية، واحداً للرجال وآخر للنساء!

لكن، وبالتفكير في الأمر… فإن هذه الأبناك نفسها ما كان يجب أن تكون، أليست جميعها أبناكاً ربوية؟

لا حول ولا قوة إلا بالله… إن المسلم ليجد نفسه غريباً في هذا المجتمع، لا ينتقد شيئاً في أخلاقه إلا وأحاله إلى غيره، وإلى ما هو أعلى منه، وما زال متتبعاً خط الانحراف باحثاً عن منابعه وأصوله، حتى يجد نفسه وقد وصل إلى النظام القائم نفسه، وإلى الأفكار والمبادئ التي تسيره وتتحكم في مساره، وهي والله أفكار ومبادئ دخيلةٌ علينا، تعادي ديننا وأخلاقنا وقيم مجتمعنا التي ما زلنا نفقدها كل يوم… بل نضيعها في كل لحظةٍ بجهلنا وغفلتنا!
نحن مستعمَرون يا أخي… مستعمَرون في السياسة والاقتصاد والفكر والأخلاق، فما السبيل إلى إصلاح كل هذا؟ ما السبيل…؟”

ولم ينتبه في خضمِّ خواطره هذه إلى أن الصف قد فرغ، وإلى أن دوره قد جاء، فنبهته إلى ذلك فهرع إلى الصرَّاف ليسحب منه حاجته من المال.

ثم إنني كنت قد أضفته إلى حسابي الفيسبوكي، وكانت تلك علامةً فارقةً في المواضيع التي جمعتنا، إن هذا الفيسبوك بحق، وخلافاً لما يعتقده البعض، يفتح آفاقاً أرحب بكثير، ويتيح معرفةً أوسع وأعمق بالآخر، وما حدث بيني وبين أبي محمدٍ السلفي بعد الفيسبوك أكَّد لي ذلك أكثر وأكثر… فجأةً انفتحت بيني وبين الرجل مواضيع جديدةٌ تماماً، وأكثر تعقيداً بكثيرٍ من تلك المواضيع العامة السابقة، واكتشفنا بدهشةٍ وانبهارٍ أن لدينا من الانشغالات الفكرية المشتركة ما لم يكن أحدنا يتوقع أن الآخر على علمٍ به واطلاعٍ على جديده!

كانت هناك مشكلةٌ صغيرةٌ هي أن (سي مصطفى) صار يلحُّ علي أن أضيفه إلى حسابي الفيسبوكي أكثر من أي وقتٍ مضى، خاصةً بعد أن علم أني أضفتُ أبا محمد، وصرتُ دائماً أماطله محاولاً صرفه عن الموضوع وجعله ينساه تماماً:

– “فيما بعد… عما قريب إن شاء الله… قريباً بإذن الله…”

لكنه – الشرير! – صار في كل يومٍ يتذكره ويذكرني به، ولست أدري ما سبب هذا الإصرار الغريب في هذا الوقت بالذات!

لا بأس، سأنظر في هذا الأمر في وقتٍ لاحق… لكن يبدو أن أبا محمدٍ السلفي قد صار من زبناء Dolcy 5 الدائمين، بعد أن سُرَّ باكتشاف صديقٍ جديدٍ لم يعرفه من قبل إلا صخَّاباً بالضحك، ولم يتوقع يوماً أن يشاركه نقاشاتٍ جادةً وهادفةً حول مواضيع دقيقةٍ قلَّ أن تجد في محيطك من يلمُّ بها ويضبط مصطلحاتها.

وقد فوجئ بقية الأصدقاء بالتغير الكامل والمريب لنغمة النقاشات المعتادة، ولشيوع مواضيع ومصطلحاتٍ جديدةٍ لم يسمعوا مثلها من قبل وما كان لهمٌ علم بها. فجأةً تحولت النقاشات الجماعية إلى نقاشاتٍ ثنائية، وبقدرة قادرٍ صار فضاء Dolcy 5 يمتلئ بألفاظ ومصطلحاتٍ خطيرةٍ من قبيل (ولي الأمر، الخروج على الحاكم، المداخِلة، الخوارج، الثورة، التكفير بالنوع والتكفير بالعين، العمل ومسمَّى الإيمان، الجماعات الإسلامية، الإرجاء والمرجئة، التفصيل في تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله… الخ).

كل هذا في حين يقلِّب كلٌّ من جلال و(سي مصطفى) عيونهما فينا بدهشة، متسائلين عما دهانا، وما هذه اللغة الهيروغليفية العجيبة التي صرنا نتحدث بها، وهل هناك خللٌ ما أصاب قدراتنا العقلية!

كانا يلتزمان الصمت في أغلب الوقت، وعندما علَّق جلال بعد أن صمت دهراً قال:

– “المعذرة، أسمعكم تتحدثون كثيراً عن أولئك الـ… ماذا تسمونهم؟ الدَّوَاخلة؟! المداخلة؟! من هؤلاء؟!”

أجابه أبو محمدٍ معتبراً إياه على مستوى الحدث، متجاهلاً تلك الفجوة المعرفية الهائلة بينهما في هذا الموضوع:

– “وهذه هي المشكلة! الناس يسمونهم (المداخِلة) على سبيل الذم والتنابز بالألقاب، لكن لماذا؟ وما ذنب أهل السنة؟ هل لأنهم ثابتون على أقوال العلماء الربانيين؟ هل لأنهم يحذِّرون الناس من البدع والمبتدعة؟ وماذا في ذلك؟ إن هذا من أوجب الواجبات في هذا العصر الذي كثرت فيه البدع وعلا فيه صوت المبتدعين، أليس كذلك؟!”

لم يفهم جلال شيئاً من هذه العبارات المنطوقة باللغة الصينية بالنسبة له، لكنه ظل مصراً على الاستفهام رغم ذلك:

– “المداخلة؟ وهل هناك أيضاً المخارجة؟ ثم من هؤلاء؟ هل هم شيعة؟ أعوذ بالله منهم! إن الشيعة قومٌ سيئون!”

وأما (سي مصطفى) فكنت أجده غارقاً في شاشة هاتفه (النوكيا) الصغير الذي يعود إلى العصر الطباشيري، والعجيب أنه استطاع مع ذلك وصله بالشبكة وفتح المواقع عليه، وكنت أستغرب جداً كيف يستطيع قراءة أخبار ومقالات (هسبريس hespress) التي تظهر حروفها على شاشته وكأنها أرجل النمل المصاب بالكساح! وأما الأسوأ من ذلك فهو عدم تفويته الاطلاع اليومي على مستجدات موقع (أفيتو avito) و(بخير bikhir) لغرض الاطمئنان على الأحوال الاقتصادية للمملكة.

ثم إنه كان أحياناً يرغب في مشاركتنا النقاش ومعرفة ما نتحدث عنه، وهنا كانت تحصل المأساة التي طالما جعلتني أقهقه في نفسي لساعاتٍ طويلة! إنها محادثة بين شخصٍ ينطلق من فرضية أن صاحبه يعرف نفس ما يعرفه تماماً، ويهتم بالموضوع قدر ما يهتم هو به، وبين شخصٍ آخر لا يعرف عن الموضوع حرفاً واحداً على الإطلاق!

يوجه أبو محمدٍ إلى (سي مصطفى) تساؤله المحير الذي لم يجد له جواباً بعد:

– “لكن… لماذا يكره الناس المداخِلة؟! لماذا يبغضونهم؟ ما ذنبهم وما الذي فعلوه؟”

لا إجابة عند (سي مصطفى)، إلا النظرات الحائرة الفارغة التي تتخللها رمشاتٌ طفوليةٌ بريئة!

غير أنه كان يتمكن بحقٍّ من إقحام نفسه في المناقشة، وذلك بواسطة تعليقاتٍ عامةٍ جداً يردُّ بها على كل ما يطرحه أبو محمدٍ من القضايا العقائدية والفكرية المعقدة، ومهما يكن ما يقوله أبو محمدٍ فإن أجوبة (سي مصطفى) لم تكن تتجاوز أمثال هذه العبارات، وهو ما جعل جميع أجوبته بعيدةً تماماً عن الأسئلة بعد المشرق عن المغرب، لكن ظل الأمر يبدو كنقاشٍ رغم ذلك، وهي مهارة تواصلٍ عند (سي مصطفى) تُحسب له في حقيقة الأمر:

يقول أبو محمد: “وعندما تقول له بعدم جواز الخروج على الحاكم يتهمك مباشرةً بأنك مدخلي!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن الإيمان هو أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.”

يقول أبو محمد: “وهم يطعنون في الشيخ ربيعٍ لكنهم يحترمون الشيخين ابن باز والعثيمين، وهذا تناقضٌ عظيمٌ لا أفهمه، لأن الشيخين قد زكيا الشيخ ربيعاً كما هو معلوم!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن أعداء الإسلام يخططون لمحاربة ديننا العظيم بواسطة الغزو الفكري ونشر الفساد والانحلال في المجتمع.”

يقول أبو محمد: “لكنه يصر على أن الحاكم بغير ما أنزل الله يكْفُر رأساً، رغم أن علماء أهل السنة قرروا بأن ذلك يكون على التفصيل!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن الشيعة قد يكونون أشد خطراً من اليهود والنصارى، لأن خطر اليهود والنصارى ظاهرٌ ومعلوم، وأما خطر الشيعة فخفيٌّ مستتر.”

يقول أبو محمد: “وعندما ننشر ما بينه الشيخ من حال المبتدع يقولون بأننا من غلاة التجريح والتبديع، وكأنهم يريدون منا أن نسمح بنشر البدع والضلالات بين الناس!”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن المرأة قد فسدت وأفسدت، وصارت تطالب بالمساواة مع الرجل، وكل هذا من مخططات أعداء الإسلام لإفساد المجتمع.”

يقول أبو محمد: “كما أنه قد كثر المتعالمون في صفحات الفيسبوك، الجميع صار يتكلم والجميع صار يفتي دون علم، كما أن نشر الإشاعات صار ديدناً عند البعض، لذلك يجب تمحيص الأخبار وعدم نشر شيءٍ إلا بعد التيقن من صحته.”

يجيبه (سي مصطفى): “نعم… إن قناة الجزيرة قناةٌ زنديقةٌ حقيرة، وتنشر الفتنة والفوضى بين المسلمين، وهي قناةٌ عميلةٌ للصهاينة وتعمل لصالح إسرائيل.”

وتتفق عبارته هذه مع مرور (سي احمد شوارب)، والذي يتدخل قائلاً بحماسةٍ شديدةٍ ليضع النقاط على الحروف، ولينهي النقاش بالقول الفصل الذي لا قول بعده:

– “نعم والله هي كذلك… وذلك الزنديق الأكبر (فيصل القاسم) هو السبب في كل هذا!”

وينتبه أبو محمدٍ متأخراً إلى أنه “سَارتْ مُشَرِّقَةً وسِرْتُ مُغَرِّباً … شتَّانَ بين مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ!”

حقاً… لا فائدة ترجى من هؤلاء القوم، ويبدو أن أبا محمدٍ السلفي قد اكتفى من النقاشات العقيمة أخيراً، خاصةً بعد أن توصلتُ معه إلى نقاط اتفاقٍ كثيرةٍ لم نتوقع أن نصل إليها يوماً من قبل، وهو الأمر الذي كان قد سرَّه كثيراً.

بدأ أبو محمدِ يميل إلى الاختفاء تدريجياً، وعندما دخلنا في عام 2014 لم نعد نراه إلا قليلاً، ولم يعد يجالسنا في Dolcy 5 إلا نادراً، وكان قد أخبرنا بأنه ماضٍ في مسيرة الاستقامة التي يجاهد نفسه عليها، والتي بمقتضاها اتخذ قراراتٍ جديدةً ألزم بها نفسه، ومنها الإقلاع التام عن الجلوس في مقاهي البولفار التي تطلُّ على الشارع المزدحم بالمنكرات والمعاصي.

احترمنا قراره هذا وهنَّأناه عليه، وطلبنا منه أن يخبرنا باختياراته الجديدة للمقاهي التي سينتقل إليها، على أمل أن نزوره فيها عما قريبٍ إن شاء الله.

يجب أن أقرَّ بأن أبا محمدٍ السلفي إنسانٌ فاضلٌ لم أعلم عنه ولم أر منه إلا خيراً، وأحسبه من المتحرِّين للحق والساعين إليه، كما أن تلك الفترة التي أمضاها معنا في Dolcy 5 كانت من أفضل الفترات وأخصبها، وأكثرها غنىً بالنقاشات الهادفة والفوائد المتبادلة والتناصح الصادق بين الإخوة والأصدقاء.

لم يمض على رحيل أبي محمدٍ إلا أسابيع قليلةٌ حتى فوجئنا بخبر الإغلاق النهائي لمقهانا العريق، وكان خبراً صادماً لم نستوعبه إلا بعد أيامٍ تأكدنا فيها أن جلستنا الأخيرة فيه قبل إغلاقه كانت هي الأخيرة فعلاً، وأن ذلك اليوم كان هو آخر العهد مع (سي احمد) وقهوته، ومع مسجد القبو ومع أمسيات البولفار من تلك الزاوية المتميزة دون غيرها…

فكرتُ وأنا أتأمل الأبواب المغلقة للمقهى بأن لكل شيءٍ نهاية، وبأن دوام الحال من المحال، واستشعرتُ فجأةً قيمة تلك الجلسات الثمينة التي جمعتني بأولئك الأفاضل في هذا المكان منذ أكثر من خمس سنواتٍ حافلة.

ما مصير اجتماع شمل الندماء بعد Dolcy 5؟ هل سنجد مقراً جديداً نتفق عليه أم أنها ستكون نهاية المجموعة أيضاً؟

وأي مقهىً هذا الذي سينجح في ما نجح فيه Dolcy 5 من اتفاقنا على تفضيله وجمع كلمتنا عليه؟

أسئلةٌ حائرةٌ حامت فوق رؤوسنا في تلك الأيام الأولى بعد إغلاق المقهى، والتي أمضيناها تائهين نتسكَّع هنا وهناك على غير هدى، لنقرر في النهاية أن نعود إلى منازلنا في انتظار أن نتباحث في هذا الموضوع لاحقاً، وهو ما سأتناوله بتفصيلٍ أكثر في الفصل القادم والأخير من النص الذي صار مطوَّلاً، لأطوي به الصفحة الختامية من هذا الجزء الهادئ والممتع من كتاب الذاكرة، ذاكرة القهوة المسائية وأباريق الشاي، وحين تحلو المنادمة والمسامرة مع الأحبة وسط ليل طنجة وأضوائها الدافئة، ونسيمها الصيفي العليل…

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

تعليق واحد »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. […] – الفصل الثامن: الندماء (3) _ أبو محمد السلفي […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: