Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

07/06/2015 عند 22:06 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

dolcy-82-jalal

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

* * *

(8) – الندماء ~

2- جلال: “حركة المفلسين الجدد!”

وأما جلال هذا فقِصَّةٌ أخرى، و(فَقْصَةٌ) أخرى كذلك!

إنه الفتى الذي جاء من مدينة وزان إلى طنجة لاستكمال دراسته، منذ أكثر من عشر سنوات، فاندمج مع حياة المدينة اندماجاً كاملاً دون أن يتخلص من رواسبه (القروية)، ومن افتخاره الشديد بمدينته وزان التي لم يكفَّ يوماً عن وصفها بأنها (كاليفورنيا المغرب)، في حين نأبى نحن إلا أن نسميها – مستفزين له – بـ (موريتانيا المغرب)!

حسناً… ماذا أقول عن جلال هذا؟

إنه بحقٍّ حالةٌ نادرةٌ من النحس وسوء الحظ الذي تجسَّد على شكل كائنٍ بشريٍّ ينتمي لبني آدم! وهو ما جعله يثبت لنا دائماً، وعن جدارةٍ واستحقاق، لقبه الذي لُقِّب به في الأيام الأولى لالتحاقه بالوظيفة؛ وهو لقب (دعاوي البلا)!

كيف ذلك؟ حسناً… ماذا تقولون في شابٍّ بدأ حياته بأن أصابته إبرةٌ في إحدى عينيه، فصار مقدَّراً عليه أن يعيش بقية حياته واضعاً نظاراتٍ بسمك قاع الكأس؟

وماذا تقولون في شابٍّ لم يكد يبدأ مسيرته الكروية حتى تلقى لكمةً مدمِّرةً من قبضةٍ حجرية، جعلته يعيش سنواتٍ طويلةً بسنٍّ أماميٍّ أسود تماماً، يظهر كفجوة كهفٍ عميقةٍ كلما ضحك أو قهقه؟

وماذا عن شابٍّ ما إن انضم إلى الوظيفة وجلس أمام حاسوبه حتى انفجر الحاسوب وتصاعد منه الدخان؟

وما رأيكم في شابٍّ لم يكد يتم أسابيعه الأولى في الوظيفة حتى كاد يُفصل منها لولا لطف الله؟

لم يحتج جلال إلى كثيرٍ من الوقت حتى يؤكد لنا هويته المصائبية، وصرنا نتعامل معه على أنه كارثةٌ تنتظر أن تقع! إذا تسلَّط المدير على أحدٍ بالعمل المضني تسلَّط عليه، وإذا لعب الكرة نال النصيب الأكبر من الرضوض والكدمات والإصابات، وإذا قاد السيارة ارتكب حادثة سير، وإذا سافر بها استوقفه رجال الشرطة والدرك وخرَّبوا بيته، وعندما استأجر سيارةً وسافر بها للمرة الأولى إلى الدار البيضاء، حُملت إلى الحجز بسبب توقفه في مكانٍ يُمنع التوقف فيه.
وأما عندما انطلق في مهمة عملٍ مع مجموعةٍ من الزملاء، انقلبت السيارة بهم قرب (عين الحصن)، وكان هو المتضرر الأكبر بالطبع بعد أن أصيب بكسرٍ حادٍّ في عظم الكتف!

وأما مصائبه على المستوى العاطفي؛ فتتلخص في أنه لم يلبث أن وقع في حب فتاةٍ جامعيةٍ فور قدومه إلى طنجة، ونجح في أن يجعلها تتمشى معه في البولفار عدة أيامٍ بعد أن أنفق عليها – بسخاءٍ – دريهماتٍ من بذور دوَّار الشمس (الزرِّيعة)، ليُفجع بها بعد وقتٍ قصيرٍ وهي تزدرد بشرهٍ (الحرشة والرايب) في محلبةٍ من المحلبات مع شابٍّ آخر! وكانت هذه مصيبته العاطفية الأولى التي جعلت الدنيا تسودُّ في عينه، واكتسب في أقل من دقيقةٍ واحدةٍ حكمة العمر التي تقول بأنه ما عادت هنالك ثقةٌ في البشر، ثم قرَّر أن يعاقب بقسوةٍ هذه الخائنة التي تلهث وراء المادة بأن تعلَّم تدخين السجائر وأدمن عليه!

وأما مع الأطفال الصغار فهي الكارثة العظمى، وما زلتُ أذكر لما عرَّفنا صديقٌ للمرة الأولى على ابنه الصغير البالغ من العمر ثلاث سنوات، وكيف أن الطفل أقبل علينا جميعاً ضاحكاً مستبشراً يلاعبنا ونلاعبه، ثم وما إن تناوله جلال ونظر في وجهه حتى أطلق صرخةً مدويةً وأتبعها بموجة بكاءٍ هستيرية! وكاد الطفل يموت خوفاً عندما قرب جلال شفتيه منه لتقبيله، فاضطررنا – ونحن يكاد يغمى علينا من الضحك – أن نبعده عنه ونمنعه من رؤيته، وقد اتفقنا مع ما فعله الطفل تماماً ورأينا أن انفعاله منطقيٌّ وصحيح، وعلَّمناه أن اسم ذلك البعبع المرعب هو (عمُّو بُولُولُو)!

وهكذا صارت حياة جلال عبارةً عن سلسلةٍ متواليةٍ من المصائب التي لا تنتهي، والمحاولات الفاشلة للإقلاع عن التدخين، وقد أضاف إليها قائمةً رهيبةً من الدائنين الذين سيفتكون به يوماً ما.

إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في إطار تحليلنا لشخصية هذا الوزاني المنحوس؛ هو هل كوارثه هذه ناتجةٌ فقط عن الابتلاء وسوء الحظ، أم أن لتصرفاته الخاصة دوراً في ما يصيبه؟
حسناً… ما توصلتُ إليه بعد المصاحبة والملازمة الطويلة لهذا الديناصور الآدمي العجيب هو أنه يستحق أكثر ما يصيبه! وذلك لأنه من القلائل الذين أثبتوا نجاحاً باهراً – أكثر من مرةٍ – في إثارة أعصابي إلى حدودها القصوى، رغم أن من أبرز ما اشتهرتُ به بين أصدقائي هو برودة الأعصاب التي يصفونني بها منذ عرفتهم وعرفوني.

والحق أني لم أعد مستغرباً كيف تلقى جلال تلك اللكمة المدمرة التي سوَّدت سنَّه، إذ لا بد أنه أثار أعصاب الذي ضربه بشكلٍ أفقده طوره، ورغم أني لا أعرف حيثيات القصة التي وقعت قبل أن أتعرف عليه بزمنٍ طويلٍ إلا أني مصرٌّ على أن من ضربه كان معه حق، وأن جلال كان يستحق ما هو أكثر!

ثم إن من المفارقات العجيبة أن تجمع صداقةٌ حميمةٌ بين كلٍّ من جلال و(سي مصطفى)، رغم أنهما على طرفي نقيضٍ تماماً في ما يتعلق بالرؤية الاقتصادية للأشياء والحياة، وكنتُ كلما نظرت إليهما جالسين معاً في Dolcy 5 إلا وأقرأ فوق رأسيهما آيةً قرآنيةً كريمة، وأرى أنهما يمثلان التجسيد الآدمي الحرفي لها:

– “وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً.”

فإن كان (سي مصطفى) – حسب رأينا – يجعل يده مغلولةً إلى عنقه حتى لا يخضع لابتزاز الباعة والتجار ولأن ضميره الاقتصادي يؤنبه، فإن جلال كان يحرص كل الحرص على أن يحقق أهدافه الاقتصادية الشهرية، متمثلةً في القضاء على الراتب في أسرع وقتٍ ممكنٍ مع إضافة أسماء جديدةً لقائمة الدائنين! وكل هذا تمهيداً لتحقيق الهدف الأكبر وهو الوصول لحالة (الإفلاس) التي تشكل عنده قمة السلام الروحي والتصالح مع الذات.

لقد بدا لنا ونحن نتأمل بدهشةٍ وانبهارٍ أسلوب حياة جلال أنه مصابٌ بحالة عشقٍ مزمنٍ للإفلاس وتبديد الأموال، حتى إننا قد شككنا في كونه منضماً لـ (جمعية هواة الإفلاس) لو كان هناك شيءٌ بهذا الاسم، وأما لو قام في يوم ما تيارٌ فكريٌّ متطرفٌ اسمه (حركة المفلسين الجدد) فليس عندي شكٌّ في أن جلال سيكون هو الأب الروحي لهذه الحركة، وربما يلصق أتباعها صوره مبتسماً في قمصانهم التي سيخرجون بها للمظاهرات التي يطالبون فيها بحقهم المشروع في الإفلاس!

سجائر بلا حدود، أكواب قهوةٍ لا حصر لها، مطاعم ومشروباتٌ غازية في اليوم والليلة، سيارات أجرةٍ صغيرةٌ لمسافاتٍ قصيرةٍ يمكن قطعها مشياً، ديونٌ تُدفع لأولئك الذين تجاوزوا مرحلة المطالبة بلطفٍ إلى مرحلة التعنيف والتهديد… والنتيجة إفلاسٌ تامٌّ في الأيام الأولى للشهر، وديونٌ أخرى جديدةٌ للتخلص من أخرى أقدم، ثم يصل جلال إلى سلامه النفسي المنشود؛ جيوبٌ فارغةٌ وسيجارةٌ في الفم، وقهقهاتٌ لا مباليةٌ تكشف عن سنٍّ أسود بتنا نعتقد أنه يلائمه، وأنه صار (علامةً مسجلةً) لجلال لا يجب أن تتغير يوماً، والأسوأ من هذا كله ترديده المتكرر للعبارة الوحيدة التي يعتبرها منتهى الحكمة وشعاره الدائم في الحياة:

– “إن الإنسان في حد ذاته هو عبارةٌ عن سمكة!”

وأما الطامة الكبرى فهي ذلك الإقدام الشجاع على مصاريف مهولةٍ رغم الجيوب الفارغة! فعندما لم يكن يملك ما يتناوله على العشاء كان يفكر جدياً في اقتناء شقة، وعندما لم يكن يملك ما يحلق به ذقنه همَّ بشراء سيارة، لولا أن منعناه من ذلك بالقوة في اللحظة الأخيرة!
وكنتُ قد تعقبتُ بشيءٍ من التحليل أصل المشكلة عند (دعاوي البلاء) هذا، فاكتشفتُ أنه عائدٌ لآفةٍ واحدةٍ هي: أنه يكذب الكذبة على نفسه ويصدقها!

نعم… ففي جميع خيباته الاقتصادية وصدماته المالية، كان السبب وراءها أنه يضع تقديراتٍ للأسعار كما يحب هو أن تكون، لا كما هي في الواقع، وتكون النتيجة أنه يجد نفسه متورطاً في ميزانياتٍ تفتقر تماماً إلى الدقة، وتخالف بشكلٍ كاملٍ حساباته وتوقعاته، ثم ينتهي بعد الصدمة وخيبة الأمل إلى أن يردد دائماً وأبداً عبارته الشهيرة:

– “لم يكن الشيء بهذا السعر من قبل! لقد ضاعفوا سعره!”

وما ضاعف أحدٌ سعر شيء، لكن الولد قد بنى تقديراته الخرقاء على السعر الذي كان يشتهيه ويتمناه، لا على الواقع الملموس، بمعنى أنه قد كذب على نفسه ومنَّاها، ثم صدق أمنيته وكذبته.

ثم إنه قد ورطنا كثيراً في مواقف محرجةٍ بسبب انسياقه وراء أحلامه وأمنياته، حتى تعلمنا مع مرور الوقت أنه لو قدَّر جلال بأن الميزانية المطلوبة هي مئة درهمٍ فإن الواقع هو أننا سنحتاج إلى خمسمئة، ولو بلغ تقديره إلى ألف درهمٍ فمعنى ذلك أننا سنحتاج إلى خمسة آلاف…

وأما عندما يخطط جلال للأمسية على النحو التالي:

– “سنلتقي على الساعة السادسة بفلانٍ وسيكون وحده، ثم نذهب إلى المتجر الذي لا يبعد إلا عشر دقائق لنشتري الشيء الذي لن يتجاوز سعره خمسين درهماً!”

فإن ما يحدث في الحقيقة هو أن فلاناً يتأخر ساعةً كاملة، ويأتي مع خمسةٍ آخرين وليس وحده، ثم نذهب إلى المحل الذي نكتشف أنه يبعد أكثر من نصف ساعة، لنفاجأ أن سعر الشيء هو ثلاثمئة درهم!

وكالعادة:

– “لم يكن الشيء بهذا السعر من قبل! لقد ضاعفوا سعره!”

ثم يشعل سيجارته ببساطةٍ ولا مبالاة، وينفث دخانها في الهواء وهو يترنَّم بأغنيةٍ ما ويلقي دعاباته الضاحكة، تاركاً إياي وقد صعد كل الدم في جسمي إلى رأسي، محاولاً ما أمكن كبح رغبتي الجامحة في أن أحطِّم أسنانه كلها بقبضتي، لولا أني أتذكر – في آخر لحظةٍ – بأن قواعد الحضارة – مع الأسف الشديد – صارت تمنعنا من تلبية احتياجاتنا البدائية في الشراسة والتدمير وتفريغ الغضب بهمجيةٍ ووحشية…

وقد وافقني (سي مصطفى) على القاعدة الأصولية التي توصلتُ إليها فيما يخص صديقنا المنحوس، فقد جاءني يوماً وهو يستشيط غضباً ليقول لي:

– “والله لقد تذكرتك، إن القاعدة التي أخبرتَنا بها حول جلال صحيحةٌ تماماً”

– “أية قاعدة؟”

– “أنت أخبرتني بها ذلك اليوم، هل نسيت؟ قلتَ: إن أردت أن تعرف الرأي الصواب في موضوعٍ ما، فاسأل جلال عن رأيه فيه، ثم خذ بعكسه تماماً!”

نعم، هذا هو رأيي فعلاً! لكن لا أذكر أني أخبرتُ به (سي مصطفى) من قبل، لعلي فعلتُ ونسيت، إلا أنها قاعدةٌ صحيحةٌ فعلاً وقد أثبتت لي التجربة صدقها، وقد سرَّني كثيراً أن (سي مصطفى) توصل للشيء نفسه أخيراً.

غير أن دوام الحال من المحال، والأوضاع لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه للأبد، فقد استيقظتْ في جلال فجأةً رغبةٌ في الزواج، وما هي إلا أيامٌ حتى أخبرنا أنه عزم وتوكل!

– “جلال… اسمع جيداً ما أقول، هذا زواجٌ وليس لعباً، هل أنت متأكدٌ مما أنت مقبل عليه؟ إنك لا تملك ما تقصُّ به شعرك، فمن أين تأتي بمصاريف الزواج؟”

يجيبنا وهو ينفث دخان سيجارته ليساهم في تلويث البيئة:

– “إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله… لن تكون هناك مصاريف كثيرة، لن أقيم أية حفلات، ثم إني قد حسبتُ حسابي جيداً وضبطتُ الميزانية ضبطاً تاماً.”

– “وهذا بالضبط ما يقلقني!”

– “لا تقلق… الأمر بسيطٌ والحياة جميلة، ولا شيء يستحق منا أن نتعب أنفسنا في التفكير فيه… الزوجة تأتي برزقها والأولاد يأتون بأرزاقهم، وسوف ترى!”

ثم إني فعلاً قد (رأيتُ)، ولأول مرةٍ في تاريخ البشرية يثبت جلال أنه قادرٌ على اتخاذ قرارٍ صحيحٍ يحول حياته إلى الأفضل… بمعجزةٍ ما استأجر بدلةً رسميةً وربطة عنقٍ جعلته رائعاً، واقترض ما اشترى به باقة وردٍ وأكياساً مليئةً بتلك الأشياء التي لا أعرفها والتي تؤخذ إلى الفتاة المخطوبة، وما هي إلا عشيةٌ أو ضحاها حتى صار جلال في عداد الخاطبين!

وما هي إلا فترةٌ وجيزةٌ حتى بلغنا نبأ توقيع الرجل لعقد الزواج، وكانت مسألة وقتٍ فقط حتى ينتقل – أخيراً – إلى عش الزوجية الذي كان آنذاك قيد التجهيز.

بقي أقل من عامٍ على زفاف الرجل، وكان من المثير أن نلحظ كل ذلك القدر من التغييرات الإيجابية المتسارعة في حياته… فجأةً صار الولد حنوناً محباً للآخرين، وفجأةً صار يكثر الابتعاد عنا في مجلس Dolcy 5 ليتحدث طويلاً عبر الهاتف، ثم لم يلبث أن قلَّل من جلسات Dolcy 5 حتى كاد يقلع عنها بشكلٍ نهائي!

تخلَّص من نظارته الغليظة التي يبلغ سمك زجاجها عشرة سنتيميترات، واستبدلها بزجاجٍ رقيقٍ وإطار عصريٍّ عوضاً عن الإطار السابق الذي يعود للعصر الجوراسي.

أيضاً… انتهى عصر السن الأسود البارز في مقدمة قواطعه العلوية، وقد أصلحه له طبيب الأسنان الذي جعل ابتسامته رومانسيةً جميلةً تكشف عن أسنانٍ ناصعة البياض، وهو تغييرٌ لم نحبذه كثيراً لأنه كسر تلك الصورة النمطية التي تعودنا عليها تجاه الديناصور الآدمي القادم من وزان ليجعل حياتنا جحيماً بمشاكله ونحسه المتواصل.

نجح أخيراً في الإقلاع التام عن التدخين، وكان ذلك خلال أسابيع قليلةٍ فقط لم يحتج لأكثر منها حتى يكسر آخر سيجارةٍ في حياته، هو الذي أمضى سنواتٍ طويلةً في المحاولات الفاشلة التي لم ينجح في أيٌّ منها قبل الآن.

ازداد حكمةً ورويةً في أسلوب إنفاقه للأموال، وتخلَّص من عادة التبذير التي لم يعرف غيرها طيلة حياته، ويبدو أنه أعلن انسحابه التام من (جمعية هواة الإفلاس)، وأما (حركة المفلسين الجدد) فلا شك أنها اعتبرته خائناً لمبادئ التيار وأصوله الفكرية الثابتة.

وأما الخبر الأكثر سعادةً فهو أن قائمة الدائنين عنده – وكانت مرعبةً جداً – قد تقلصت إلى حدٍّ بعيدٍ يثير الدهشة، وهو أمرٌ يتعارض منطقياً مع التكلفة المرتفعة للزواج وما يتعلق به، ولا يمكن تفسيره بأية حساباتٍ رياضيةٍ صارمة، إلا أن نسلِّم بأنه الرزق الإلهي فقط ولا شيء غيره.

الخلاصة أن كل يومٍ يقربه من الزواج كان يكتسب فيه عادةً جيدةً جديدة، ويتخلص فيه من عادةٍ سيئةٍ قديمة، ثم إنه قد رفع من الميزانية المخصصة للأناقة والملابس، فصار يحرص على اقتناء العلامات التجارية الأصلية بعد أن كان يقتني العلامات المزورة، طبعاً بعد أن يكذب على نفسه ليقنعها بأنه ظفر بساعة Rolex سعرها مئة درهم، وبسروال جينز Massimo Dutti لم يتجاوز سعره مئة وعشرين درهماً فقط!

المصيبة أنه كان يصدق كذبته التي يكذبها على نفسه كالعادة، لكن رفعه لميزانية الملابس جعلنا نراه في حللٍ جديدةٍ أنيقة، خاصةً بعد أن بدأ يميل للتخلص من الألوان الترابية الغامقة الكئيبة، مستبدلاً إياها بألوانٍ أكثر جمالاً وانفتاحاً، وقد بلغ الأمر ذروته القصوى عندما أقبل علينا ذات يومٍ مرتدياً قميصاً ورديَّ اللون!

يا لسحر الفتيات هذا! حتى جلال نفسه تحول إلى كائنٍ رومانسيٍّ له أسنانٌ ناصعة البياض ويلبس قمصاناً وردية!

– “أرأيت يا (سي مصطفى)؟ انظر إلى جلال كيف تحسنت حياته بعد أن أقبل على الزواج، انظر إليه كيف صار جميلاً أنيقاً مشرقاً، تأمل كيف لم يعد يجد الوقت الكافي لمجالستنا، حتى لم نعد نراه إلا قليلاً، متى ستفعل مثله أنت يا (سي مصطفى)؟ إلى متى ستظل تبدد أمسيات شبابك في هذا الـ Dolcy 5 مع أباريق الشاي ومطالعة وجوه الغادين والرائحين؟

هاه… لماذا لا تفعل مثله وتلتحق بركب المتزوجين؟ ولا تنس عرضنا لك المتعلق بحفل زفافك، ماذا قلت؟”

لا إجابة – طبعاً – سوى القهقهة: “قه قه قه قه قه قه!”

اضحك يا (سي مصطفى)… اضحك! لك يومٌ يا صديقي، لك يومٌ قريبٌ إن شاء الله… وأما الآن فلا فائدة ترجى منك، وخير ما أفعله الآن هو أن أبتعد عن هذين المجنونين اللذان سيقتلانني بالجلطة يوماً ما، وأنتقل إلى النديم الثالث الذي سيأخذنا معه إلى أجواء مختلفةٍ تماماً، وهي أجواءٌ عاقلةٌ رزينةٌ تستحق أن ننهي بها هذا الفصل من باب (ختامه مسك)، وسنعيشها بإذن الله مع الإنسان العاقل الوحيد في مجموعة Dolcy 5؛ أبو محمدٍ السلفي حفظه الله ورعاه…

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

2 تعليقان »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. […] – الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال […]

  2. […] – الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: