Dolcy 5 – الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

07/06/2015 عند 21:57 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 3 تعليقات

.

dolcy-81-mustapha

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

* * *

(8) – النُّدَماء ~

طال هذا النص كثيراً…

وكما هي العادة، حدث ذلك عن غير قصدٍ مني ولا تعمُّد، ويبدو أن تضخُّم النصوص هذا صار ظاهرةً ملازمةً لي لا أستطيع الفكاك منها في كثيرٍ من الأحيان.

ظاهرةٌ إيجابيةٌ هي أم سلبية؟ لا أدري!

قدرةٌ على الاسترسال وتنظيم الأفكار أم إطنابٌ وترهُّلٌ وصفي؟ الله أعلم!

ما أعلمه أن في تلك المرات القليلة التي أتحول فيها أمام بعض أصدقائي إلى كائنٍ بشريٍّ مجسَّمٍ ثلاثي الأبعاد وقابلٍ للمس، يبدي أكثرهم انبهاراً بما يسمونه (النفَس الطويل في الكتابة)، ويتساءل بعضهم بحيرةٍ وهو يعلم أين تذهب أكثر ساعات اليوم عند الموظفين:

– “ولكن… متى تجد الوقت لكتابة كل هذا؟!”

حسناً… قد لا تصدقون أني أيضاً لا أعرف متى ولا كيف أكتب (كلَّ هذا)! كل ما أعرفه أني لا أستطيع الوقوف في وجه (تسونامي الحبر) عندما يقرر أن يفيض علي فجأة، لكن ما أؤمن به حقاً هو أن جميع تلك الفيضانات كان يجب أن تكون، وأن صفحات الذاكرة التي تلحُّ علي كل هذا الإلحاح لأكتبها هي مستحقةٌ للتحنيط دون شك، وأني بهذه الكتابة ألبي نداءً غامضاً يدفعني إليها دفعاً، وهو نداءٌ يتردد على مسامعي كلما تكدَّست عندي مجموعةُ ذكرياتٍ تشكل حزمةً متكاملةً لها بدايةٌ ونهاية، تنطلق من حلقةٍ أولى لتصل إلى حلقةٍ أخيرة…

ربما كان هذا شبيهاً بما وصفه أحد الكتاب بـ (الحجامة الكتابية)، وهو أمر أحب القيام به بغض النظر عن قواعد النقد الأدبي التي لا أعلم ما سيكون رأيها في نصٍّ كهذا الذي بين أيديكم، وهو شيءٌ متضخمٌ سيمتد على أكثر من مئة صفحةٍ دون أن يكون روايةً ولا قصةً متكاملة الأركان، بل هو نصٌّ وصفيٌّ يرسم لوحاتٍ ثابتة الوضع دون أن يتحرك على خط الزمن… قد يكون هذا مملاً للبعض لكن أتمنى أن يكون ممتعاً للبعض الآخر، وسيكون حسبي منه أن يرسم البسمة على شفاه بعض القراء الأفاضل، بمن فيهم أصدقائي الأعزاء الذين شاركتهم هذه الذكريات الممتعة في مقهى Dolcy 5.

لقد سار هذا النص على منهجيةٍ منظمةٍ في رسم لوحات الذاكرة، بدءاً بقصة اجتماعنا الأول في المقهى الذي استطاع أخيراً أن يرضي جميع الأذواق، فصار مستحقاً بذلك للقب (المقر)، ثم حدثتكم في صفحاتٍ موجزةٍ عن قصة الكره والمقت لهذا المقهى، والتي تحولت مع الوقت إلى حبٍّ وألفةٍ وانتماء، ثم انتقلتُ بكم لرسم لوحة (الطريق إلى المقهى) في الفصل المسمى (حبٌّ في مخبزة البريد)، لأضعكم بعد ذلك في زاوية الرؤية التي تنطلق من المقهى إلى عالمه الخارجي، وذلك في فصل (أمسياتٌ على قارعة البولفار). وبعدها انتقلنا معاً من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي للمقهى، ونزلتُ بكم إلى القبو الصامت الذي طالما كسرتْ صمتَه اجتماعاتُ (أصدقاء الألفباء).

وبعد الانتهاء من وصف (الأمكنة) انتقلتُ بكم لوصف (الأشخاص)، وقد تعرفنا معاً في الفصل السابق على النادلين الكهلين المسميين (سي احمد)، ويسرني أن أعرفكم في هذا الفصل على عينةٍ مختارةٍ من هؤلاء (الأوغاد الأعزاء) الذين جمعتنا معاً الجلسات المسائية الرائقة في مقهانا الحبيب، وإني لأنظر إليهم بعين الذاكرة وهم جالسون حولي يتبادلون الحوارات والضحكات، داخل المقهى أحياناً وخارجه أحياناً أخرى، تحت جنح الظلام بالمعاطف أحياناً وتحت ضوء الشمس بالأكمام القصيرة أحياناً أخرى.

ربما لم أخبركم قبل الآن بأن عدد أصدقاء Dolcy 5 كان كبيراً، وأن هناك آخرين بخلاف الثلاثة الذين تعودتم على أسمائهم ومواقفهم الطريفة في الفصول السابقة، وأذكر منهم على سبيل إلقاء التحية؛ هشام، وشريف، ومحمد، وياسين، وعمر، وعبد الرحيم، وغيرهم… بعضهم كان مواظباً على الحضور بشكلٍ يومي، والبعض الآخر كان يحضر أحياناً، وآخرون كانوا يحضرون نادراً، وقد قررتُ أن أتجاهل أكثرهم تفادياً للإطالة والتشويش على القارئ، لأكتفي فقط بالثلاثة الذين صرتم تعرفونهم؛ وهم سي مصطفى، وجلال، وأبو محمدٍ السلفي.

فعلى بركة الله نبدأ…

* * *

1- سي مصطفى: “فرويد الاقتصاد!”

من أين أبدأ الحديث عن (سي مصطفى)؟

إن هذا الفتى – كما قلتُ من قبل – تحفةٌ نادرةٌ تستحق التحنيط، وأما أوصافه وغرائبه فهي جديرةٌ بأن تجعلك محتاراً بأيها تبدأ… هل أبدأ بوصف حالته الجسمانية وهويته الرياضية والكروية؟ أم أبدأ بزياراته الغامضة والمريبة لمدينة سلا كل فترة؟

هل أحدثكم عن نظرياته الاقتصادية أم على موقفه المتطرف من المرأة؟

إن هناك الكثير مما يمكن أن يقال عن هذا الكائن العجيب المسمى (سي مصطفى)، ولو أردت أن ألخصه لكم في بضع كلماتٍ فسأقول بأنه يشكل حالةً متقدمةً من الميزوجينية Misogyny (معاداة المرأة) التي يشوبها قدرٌ لا بأس به من البارانويا Paranoia (هُذَاء الارتياب)! وهو ما جعله أحد المناصرين الأقوياء لـ (نظرية المؤامرة). وأما الركائز الأربع التي تقوم عليها حياته فيمكنني القول بأنها كالآتي: (الرياضة والكرة – النظريات الاقتصادية – معاداة المرأة – الشاب بلال)!

يحب هو أن يصف نفسه بالعبارة البليغة التالية: “رجلٌ فقير، وقد خبَّأ كل ألعابه لليوم الذي يعود فيه صغيراً.”

حسناً… لا أدري من أي نصٍّ أدبيٍّ سرق (سي مصطفى) عبارته هذه التي يراها تنطبق عليه، وإني أترك لكم البحث فيها عن معنىً عميقٍ أو بعدٍ فلسفيٍّ ما، أما أنا فسأفهمها بشكلٍ حرفيٍّ تماماً، وسأتخيل أن في غرفة (سي مصطفى) صناديق تحتوي على مجموعة دباديب وقطاراتٍ وشاحناتٍ ومجسَّماتٍ صغيرةٍ لـ (غراندايزر) و(فولترون)، ادَّخرها عنده واحتفظ بها منتظراً أن يلعب بها من جديدٍ عندما يعود صغيراً!

على كل حال… وحتى أكون مرتب الأفكار، فإن أقرب وصفٍ يمكن أن أصف به (سي مصطفى) من الناحية الجسمانية؛ هو أنه شبيهٌ إلى حدٍّ بعيدٍ بالبوكيمون القوي المسمى (ماتشوك – Machoke)، فهو قصير القامة، صلب العضلات، وكان قد أمضى شبابه في العناية بجسمه وممارسة الرياضات المختلفة، بدءاً من (التايكواندو) ومروراً بكمال الأجسام، ثم انتهاءً بالركض الصباحي العنيف على طول الطريق الغابوي لـ (الرميلات). ولا بد أنه يشاهَد كثيراً في صباح يوم السبت ذلك الشهاب الوحيد المنطلق مهرولاً على محاذاة الشارع الطويل بجانب لافتة (السلوقية)، لا يهمه أن يوافق الأصدقاءُ على مرافقته أم لا، فهو لا يتكاسل عن الذهاب وحده في الصباح الباكر ليضيف عضلاتٍ جديدةً إلى جسمه ويروِّض أخرى قديمة. ولما بلغ الثلاثين من عمره كان قد حصل على نتيجةٍ جيدةٍ جداً، وظل متمتعاً ببنيةٍ قويةٍ ولياقةٍ عالية، وجسمٍ صخريٍّ تتكدَّس فيه العضلات الحجرية الصلبة.

غير أني حمدتُ الله تعالى على أنه توقف عن التردد على نادي كمال الأجسام، لأنه لو كان استمر فسينمو له في كتفيه ذراعان جديدان قويان، وسيتطور إلى المرحلة التالية من البوكيمون (ماتشوك)، ليتحول إلى نسخةٍ جديدةٍ من البوكيمون (ماتشامب – Machamp)!
ثم إن (سي مصطفى) لاعب كرةٍ على قدرٍ من الإجادة، وإن كنتُ ما زلتُ على رأيي الذي صارحتُه به بأن أسلوبه في اللعب هو (قوةٌ دون عقل)، وهو ما جعلني أشبِّهه دائماً بـ (وحيد القرن) أو (الكركدن)، ويذكِّرني ركضه السريع المندفع كقذيفة مدفعٍ في الملعب الأخضر بمشهدٍ من الحلقة التاسعة من مسلسل الأنيمي (القناص)، عندما كُلِّف أبطال المسلسل بإحضار (وحيد القرن المشوي) لمسؤول الاختبار الثاني من امتحان الصيادين.

حسناً… إن اندفاع (سي مصطفى) في الملعب يذكرني تماماً بطريقة ركض وحيد القرن في تلك الحلقة! وتمنيتُ أن أخبر اللاعبين بأن الوسيلة الوحيدة لإيقاف هذا الكركدنِّ هي ضربةٌ قويةٌ على الرأس، لولا أن (سي مصطفى) لم يكن يوقفه عن الركض المجنون شيءٌ إلا أن يسجل هدفاً، أو يرتطم بلاعبٍ مسكينٍ تعيس الحظ، وإلا فهو الاصطدام العنيف بجدار الملعب!
الخلاصة من هذا والنصيحة التي يمكن أن أقدمها لكل من يلعب مباراة كرةٍ ضد (سي مصطفى): إياك أن تعترض طريقه! إن مجرد مروره بجانبك على بعد مترين كافٍ ليسبب لك رضوضاً مؤلمة، وأما لو اصطدم بك فإني لا آمن عليك أن تتناثر أشلاؤك في الملعب، ولن يكذبنا الأطباء لو أخبرناهم بأن ما وقع هو حادث قطارٍ مؤلم!

وأما الجانب الثاني من جوانب شخصية (سي مصطفى) وهو ما أسميه – تلطفاً – بـ (النظريات الاقتصادية)، وإلا فلو عاد أبو عثمان الجاحظ إلى الحياة فلسوف يُسرُّ بـ (سي مصطفى) سروراً عظيماً، وسيخصص له دون شكٍّ جزءاً ثانياً من كتابه الممتع (البخلاء).
ذلك أن عند (سي مصطفى) اهتماماً مفرطاً بكل ما له علاقةٌ بالاقتصاد والمال ونظرياتهما المختلفة، بل يمكنني القول بأن الجانب الاقتصادي عند (سي مصطفى) هو البؤرة التي تتشعب منها بقية جوانب الحياة، وهو المصفاة التي يمرر عليها كل شيءٍ يُعرَض له، بحيث يكون حكمه عليه مبنياً على حقيقته الاقتصادية أولاً وقبل كل شيء.

ولقد أوصلته رؤيته الاقتصادية الحادة هذه إلى اعتبار أن كل شيءٍ أغلى مما يجب، وأن جميع الباعة نصَّابون، وأن جميع الأجور منخفضة، وهو ما جعله سوداويَّ النظرة – بشكلٍ مريعٍ – إلى الواقع والمجتمع، ساخطاً بشدة على الأوضاع، كثير الإجراء للعمليات الحسابية التي تملؤه غيظاً وحنقاً على ضعف الموارد المالية وكثرة المصاريف المستنزِفة.

وكان مما أدى إليه تعنته الاقتصادي الشديد أنه لا يكاد يشتري شيئاً ولا يشارك في نشاطٍ من الأنشطة الترفيهية، والحق أني ما زلت أتساءل مستغرباً عن المعجزة التي جعلته يشتري الثياب التي يرتديها، وقبلها معجزة بقائه حياً إلى العمر الذي وصل إليه!

إن هذا الـ (سي مصطفى) كارثةٌ اقتصاديةٌ حقيقية! إنه يصنف كل المطاعم والمقاهي ومحلات الثياب والخدمات وأماكن الترفيه والأجهزة الإلكترونية في خانةٍ واحدةٍ هي خانة (الابتزاز)، إذ كان يعتبر أن الأسعار الباهظة لكل ذلك هي ابتزازٌ صارخٌ للمواطن، يهين كرامته ويستهزئ بعقله، كل هؤلاء مبتزون نصَّابون بلا استثناء! وكرامته لا تسمح له بأن يخضع لهذا الابتزاز المقيت ويشتري من عندهم شيئاً، لذلك كان يمتنع – في إباءٍ وعزة نفسٍ – عن تبديد درهمٍ من ماله في أي شيءٍ باستثناء ما يتقرر عنده أنه ضرورةٌ لا مفر منها.

وأما الأعجب من هذا كله فهو امتلاكه لتنظيراتٍ وتقعيداتٍ جاهزةٍ ومحكمة، يبرر بها لنفسه ولغيره ما نكاد نفتك به بسببه. ولم يعد من المستغرب أن نستمع من (سي مصطفى) درساً اقتصادياً كاملاً من ربع ساعةٍ أو أكثر، حول الاقتصاد المالي و(الميكرو اقتصاد) و(الماكرو اقتصاد) والتأثير السلبي للقطاع غير الرسمي على الناتج الإجمالي الخام للدولة… الخ. ثم لنكتشف في النهاية أن هذه الفلسفة كلها كان هدفها الوحيد أن يبرر لنا أن سبب امتناعه عن إعطاء درهمٍ لحارس السيارات ليس هو البخل، بل هو ضميره الاقتصادي المتقد الذي يؤرقه، والذي لا يسمح له بدعم قطاعاتٍ سوف تتضخَّم بعيداً عن أعين الدولة التي لن تأخذ منها أية ضرائب، ثم ليؤدي ذلك إلى إفساد المؤشرات الحيوية التي ستعطي صورةً مغلوطةً عن اقتصاديات المملكة… دعك من أن حارس السيارات الذي لا يأتي ليساعدك على ركن سيارتك لكنه يظهر فقط عندما تهمُّ بالانصراف، هو حارسٌ مبتزٌّ لا يستحق أن يعطى ذلك الدرهم الذي سيجعله يتمادى أكثر!

على كل حال… أنا ما زلتُ مصراً على أن كل هذا تعقيدٌ لا فائدة منه، لكن الفتى العجيب (سي مصطفى) يثبت لي دائماً أنه مستحقٌ تماماً للَّقب الذي أطلقتُه عليه، والذي ظننتُ أنه سيغضبه لأفاجأ بأنه أُعجب به كثيراً وافتخر به! وذلك اللقب هو (فرويد الاقتصاد)، أو بعاميتنا المغربية (فرويد ديال ليكونومي)!

ثم إن (سي مصطفى) كان قد أثار فضولنا قديماً بسبب بعض أسفاره الغامضة إلى مدينة سلا، والتي كان يحيطها بهالةٍ من التكتم، حتى كدتُ أشكُّ في أنه قد انضم إلى عصابةٍ من عصابات المافيا، وأنه عما قريبٍ سيقوم باختطافنا جميعاً كرهائن ويطلب من آبائنا فدية! إلا أن الحقيقة لم تلبث أن انكشفت، وعرفنا أن الولد كان فقط (يستعين على قضاء حوائجه بالكتمان)، وتلك الحوائج كانت شراءه لسيارةٍ عتيقةٍ من سوق السيارات المستعملة في مدينة سلا.

(سي مصطفى) يشتري سيارة؟!

نعم، وصدق أو لا تصدق! ولماذا يشتريها من سلا بدلاً من طنجة؟

الجواب عن هذا واضح؛ ما دام (سي مصطفى) بالذات قد فضَّل السفر إلى سلا لشراء سيارة، فلا شك إذاً أنه قد قام بجميع العمليات الحسابية الممكنة التي تضمن له أن هذا الخيار هو أفضل ما يمكن من حيث الجدوى الاقتصادية، لا أحد يجرؤ على مناقشة (سي مصطفى) في شيءٍ كهذا.

وهنا ينبغي أن أعترف بأننا استفدنا من السيارات التي اشتراها (سي مصطفى) كثيراً، رغم أنه لم يكن يلبث أن يبيع سيارته بعد مدةٍ قصيرةٍ من شرائه لها، ثم عندما يبلغنا خبر أن (سي مصطفى) سيتغيب عن Dolcy 5 بسبب سفره إلى سلا، فإننا نعرف حتماً أن هناك سيارةً جديدةً قادمةً في الطريق، وأنه لم يذهب إلى سلا عبر القطار أو الحافلة إلا ليعود إلى طنجة بسيارته الجديدة، وهو ما كان يتحقق فعلاً في أغلب الأحيان…

إلا أن هذا التفكير العقلي المنطقي الصارم قد تسبب لصديقنا (سي مصطفى) بأعراضٍ جانبيةٍ خطيرة، أخذتْ عنده شكل معاداةٍ متطرفةٍ للمرأة ولكل ما هو أنثوي، حتى إنه قلَّ أن نأخذ مقاعدنا المسائية في Dolcy 5 إلا وينهمك الفتى في تفريغ نقمته وانزعاجه وغضبه الشديد على ما يعايشه في عمله من الأفكار والتصرفات الأنثوية، وكثيراً ما ينجح في إصابتنا بالعدوى الميزوجينية المزمنة!

والحق أن هذا الوضع منطقيٌّ تماماً ولا غبار عليه، إذ كيف سيطيق إنسانٌ يبني مواقفه وقراراته وآراءه في الحياة على منهجٍ عقليٍّ محكم، لا مجال فيه لغير المنطق الرياضي الصارم، كيف سيطيق التواءات الأنثى وانحناءاتها وتقوُّساتها الكثيرة التي لا تثبت على حال؟! إن أي قولٍ تقوله الأنثى وأي فعلٍ تفعله يسبب عطلاً في نظام التشغيل لدى (سي مصطفى)، وهو عطلٌ يكون من آثاره ردود فعلٍ فظةٌ وقاسيةٌ تجاه (اللامنطق الأنثوي) المزعج هذا، وكانت النتيجة أن تحول الفتى إلى كائنٍ كارهٍ للمرأة ومعادٍ لها، وبشكلٍ متطرفٍ أحياناً، وهو ما كان يشعرني ببعض الاطمئنان تجاه التهمة التي صارت تلاحقني أينما ذهبت، لأن هناك من هو أسوأ مني بكثير!

وكان من السخرية حقاً أني كثيراً ما حاولتُ مناصحته حول هذا الأمر، وسعيتُ في التخفيف من حدة عداوته للأنثى وقسوته عليها، فكان جوابه المعتاد لي أني ساذجٌ جداً ومفتتنٌ بسحر الأنثى الخادع، وأني لو استمررتُ على هذه الغفلة فسأقع على أمِّ رأسي، وستأتي أفعى خبيثةٌ – وكلهن كذلك – لتسحرني بجمالها وكلامها، ثم أسمح لها بدخول حياتي لتفرغ جيوبي كلها وتحول أيامي إلى جحيم، ثم لترحل بعد ذلك وتتركني وحيداً!

فألٌ رائعٌ يا (سي مصطفى)، بارك الله فيك!

أين أخواتنا (الفيمينيست) اللواتي يعتبرنني أعدى عدوٍّ للمرأة وأقسى الناس عليها؟ تعالين وانظرن! هنا رجلٌ بلغ من معاداته للمرأة أني أنا نفسي صرتُ أبدو أمامه كناشطٍ من نشطاء (الفيمينيزم)!

لا بأس… يوماً ما سيتزوج (سي مصطفى) ويخفف من حدته هذه تجاه الأنثى، وربما ينجب لنا مجموعةً من بوكيمونات (ماتشوب – Machop)! لكن متى؟ إنه ما زال يغذِّي عداوته للمرأة بالأغاني الفظة المستفزة لمطربه المفضل (الشاب بلال)، والذي يصرُّ (سي مصطفى) على أن مغني الراي الأصلع هذا مصلحٌ اجتماعيٌّ حقيقي، لأن في كلماته (معاني عميقةً) تجرِّد المرأة من هالتها المزيفة، كما أنها تصف بدقةٍ بؤسنا الاقتصادي وأوضاعنا الاجتماعية المزرية!

حقاً، الطيور على أشكالها تقع… إن لم يدمن (سي مصطفى) على أغاني (الشاب بلال) فعلى أي أغانٍ سيدمن؟

إنني أعرف جيداً هذا النوع من إدمان أغاني الراي القديمة الذي لا يزول مهما تقدم المرء في السن، بل هي أغانٍ تزداد قيمتها كلما تقادمت أكثر، وهكذا توالت علينا السنوات ونحن لا نكاد نسمع في سيارات (سي مصطفى) التي تعاقبت عليه، والتي يخوض بها حرباً شرسة ضد إسفلت الطريق، صوتاً غير البحة المتميزة للجزائري الأصلع المستفز.

– “آمين يا ربي آمين!”

– “الغربة والهم كل يوم histoire – الغربة والهم، في كل يومٍ قصة!”

– “مالك تبومبي علينا؟! – ما بك تتقافزين علينا؟!”

– “العن الشيطان!”

وكان قد جاءنا يوماً وقد اكتشف أغنيةً جديدة للشاب مامي أعجبته كثيراً، بسبب أن كلماتها معاديةٌ للأنثى بشراسة، وهي أغنية:

– “البنات هاجو صابو la liberté، حسبو كلشي ساهل مبقاش العقل!”

(البنات هجن لأنهن وجدن الحرية، يحسبن كل شيءٍ سهلاً، ما عاد هنالك عقل)!

وقد ظل (سي مصطفى) يترنم بافتتانٍ في Dolcy 5 بكلمات هذه الأغنية عدة أيام متواصلة، وقد أدلى بالتصريح الخطير التالي:

– “لم يسبق أن احترمتُ الشاب مامي قطُّ حتى سمعتُ له هذه الأغنية.”

يجب أن تتزوج في أسرع وقتٍ ممكنٍ يا (سي مصطفى)، إن حالتك صعبةٌ ولا يبدو أن لك علاجاً آخر مع الأسف!

شجعناه كثيراً على الزواج دون استجابةٍ تُذكر، وكنا نتجنب تلك العبارات المعتادة من قبيل: (متى سنأكل فقُّوصتك؟)، و(متى سنرقص في عرسك؟)، لأن مما كان مفروغاً منه أن (سي مصطفى) لن يقيم حفلة زفافٍ مهما حدث ومهما كان الأمر، لأسبابٍ اقتصاديةٍ طبعاً!

حاولنا – مازحين – أن نتحايل عليه قليلاً، وعرضنا عليه أن نتطوع نحن بإقامة حفلة زفافٍ عظيمةٍ له، على أن تكون الحفلة في قبو Dolcy 5 نفسه! ولن يكلفنا الأمر شيئاً إلا عدة سندويشاتٍ بالبيض، وزجاجات مشروباتٍ غازية، ومكبِّر صوتٍ تنبعث منه أغاني الشاب بلال التي سنرقص جميعاً على أنغامها!

هاه… ما رأيك يا (سي مصطفى)؟ حفل زفافٍ متكاملٌ لن يكلِّفنا شيئاً تقريباً، ولن يُغرق البلد في أزمةٍ اقتصادية، ماذا قلت؟ هل تتزوج؟

لا إجابة سوى القهقهة: “قه قه قه قه قه قه!”

لا بأس… اضحك يا (سي مصطفى)، اضحك!

وعلمتُ أنه – كالعادة – لا فائدة ترجى من هذا الفتى، وأن من الخير لي أن أدعه وشأنه الآن، وأنتقل إلى النديم الثاني من ندماء Dolcy 5، وهو صديقنا العزيز (جلالٌ الوزاني)…

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

3 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. […] – الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى) […]

  2. […] – الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى) […]

  3. […] – الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى) […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: