Dolcy 5 – الفصل التاسع والأخير: رخصة إصلاح رقم 406/014 ~

07/06/2015 عند 22:34 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 2 تعليقان

.

dolcy-9-isla7

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

– الفصل السابع: النادلان (سي احمد)

– الفصل الثامن: الندماء (1) _ (سي مصطفى)

– الفصل الثامن: الندماء (2) _ جلال

– الفصل الثامن: الندماء (3) _ أبو محمد السلفي

* * *

(9) – رخصة إصلاح رقم 406/014 ~

منتصف أبريل، عام 2014.

ضوءٌ خافت… سقفٌ منخفضٌ تتدلى منه مصابيح مشنوقةٌ جُعلت لتكون فوق الأسطح الخضراء تماماً، إنها مصدر الضوء الوحيد في صالة الألعاب Goldpool.

تتناثر طاولات البلياردو هنا وهناك، وحولها تدور قاماتٌ شبابيةٌ تحمل عصيَّ اللعب، تنحني أحياناً لتضرب الكرة البيضاء ثم تقف من جديد، في حين يجلس آخرون على المقاعد المريحة يشربون القهوة ويدخِّنون.

القاعة تعبق بدرجةٍ خافتةٍ معينةٍ من رائحة السجائر، هي بالضبط الدرجة التي أحبها كثيراً، لأنها تعطي الأجواء طابعاً عريقاً ما يشبه القصور الأثرية، كما أنها تذكرني إلى حدٍّ بعيدٍ بتلك الرائحة الزكية للكتب الصفراء القديمة.

أمام إحدى الطاولات كنا نقف، وحولها كنا ندور…

إنها مباراةٌ حامية الوطيس بين جلال وهشام، يبدو لي والله أعلم أن الغلبة ستكون لجلال، إنه الأكثر براعةً على الإطلاق، أذكر أنه كان شديد الإدمان على هذه اللعبة في أيام الوظيفة الأولى عام 2008، وكان يأخذني معه كل يومٍ إلى جحر الألعاب الكريه المسمى (طنجيس)… لا حاجة للقول طبعاً بأنه كان مصراً على لعب السنوكر (snooker) حتى في أحلك لحظات إفلاسه!

(طَقْ)! وتتدحرج كرة جلالٍ الحمراء ببراعةٍ نحو الثقب، تكاد تسقط فيه لكنها تصطدم بحافة الطاولة وتتراجع قليلاً… حتى جلال يحني رأسه أحياناً!

هشام ينثني حاملاً العصا ومصوِّباً على كرةٍ صفراء قدَّر أنها في وضعٍ ملائم… (طَقْ)! وتتجه الكرة نحو الثقب مباشرةً لتسقط فيه… ضربةٌ موفقة.

طلبتُ من هشام أن يمنحني ضربته الثانية لأجرب. لم ألعب مباراة بلياردو في حياتي، عندما كنتُ مراهقاً كنتُ أفقر من أن أتعلمها وألعبها، وكنت أكتفي بالتفرُّج على أصدقائي وهم يقرعون الكرات متسائلاً من أين يأتون بكل هذا المال، ثم سرعان ما أملُّ منهم وأتجه نحو الآلات الإلكترونية لأتفرج على من يلعبون (تيكن tekken) و(ميتال سلوغ metal slug)، كانت هناك لعبة مغامراتٍ شهيرةٌ بطلها شابٌّ يلبس قميصاً أخضر وسروالاً أصفر اسمه (مصطفى mustapha)!

وافق هشام على منحي ضربته مضحياً بدوره، كان يعرف أني سأقوم بحركةٍ غبيةٍ ما لأدخل الكرة البيضاء في الثقب أو أقذف بها خارج الطاولة أصلاً، وأنا كنت أوافقه في هذا التخوُّف.

أمسكتُ عصا البلياردو من طرفها الغليظ وقمتُ بدورةٍ حول الطاولة أتفقد أوضاع الكرات والزوايا المناسبة، ثنيتُ جذعي وضيَّقتُ عينيَّ، وضعتُ كفي على الطاولة الخضراء رافعاً الإبهام إلى أعلى، وعلى الإبهام وضعتُ الطرف الدقيق للعصا ليسهل الانزلاق… ثوانٍ من التوجس والتصويب ثم… (طَقْ)!

يا للكارثة! الكرة البيضاء تنطلق في اتجاهٍ مختلفٍ تماماً عن الكرة التي أردتُ ضربها، ابتسم هشام متحسراً وأطلق جلال ضحكةً ساخرةً أثارت غيظي، حتى جلال كانت له ضربةٌ سخيفةٌ أولى ذات يوم! لا أحد يخرج من بطن أمه متعلماً!

لكن مهلاً! الكرة البيضاء تصطدم بحافة الطاولة وترتدُّ بقوة، إنها تصدم كرةً صفراءً وترتدُّ لتصدم أخرى، وخلال لحظةٍ كانت الكرتان داخل ثقبين!

أحقاً حدث ذلك؟! منذ متى كنتُ بهذه البراعة وأنا لا أدري؟ تعالت صيحات الإعجاب بهذه الضربة الاحترافية والهدف المزدوج، ووجدتُها فرصة لأتحذلق على الأصحاب بعض الشيء.

هي ضربة حظٍّ دون شك، لكني رفعتُ عقيرتي وابتسمتُ تلك الابتسامة المغترة المختالة، تنحَّوا أيها الجهلاء الفاشلون! تنحَّوا! أمضيتم سنواتٍ من أعماركم وأنتم تلعبون دون أن تتعلموا شيئاً، تنحَّوا جانباً لأعلمكم كيف يكون لعب المحترفين!

بثقةٍ تامةٍ انحنيتُ من جديد، وبثقةٍ تامةٍ صوبتُ طرف العصا على الكرة البيضاء، وبثقةٍ تامة… (طَقْ)! لكن… ما هذا؟ إنها أسوأ ضربةٍ في تاريخ البلياردو! إنها أفظع حتى من أن توصف بالكلمات، وسأكتفي بالقول بأن الكرة البيضاء سقطت في الثقب دون أن تلمس أي كرةٍ أخرى.

الضحكة الساخرة من جلال والتي تثير غيظي، سحب العصا من يدي وهو يضحك ويهزأ، في حين سمعت هشام وهو يقول باللهجة المصرية متحسراً:

– “يخرب بيــــتك!”

احمرَّ وجهي خجلاً وتضاءل حجمي إلى النصف تقريباً، بينما أنتظر أن تنشقَّ الأرض وتبتلعني، عندما لم يحدث ذلك تذكرتُ أني تحت الأرض فعلاً! لسببٍ ما يصرُّون على جعل قاعات البلياردو هذه في أقبيةٍ تحت أرضية.

جاء (سي مصطفى) أخيراً، تبادلنا بعض تلك التحايا الشبابية الضاحكة مع الضرب بالقبضة على الصدر والكتف، أعطاه جلال بعض ضرباته وأشهد له أنه بارعٌ حقاً. متى تعلم (سي مصطفى) لعب البلياردو؟ هل يُعقل أن (فرويد الاقتصاد) كان في وقتٍ ما مبذراً إلى درجة إنفاق خمسة دراهم كاملةً على الطاولة الخضراء؟ إن هذا مستحيلٌ عملياً، وهو ما يجعل إجادة الفتى للعبة لغزاً عظيماً يستحق أن يصنف ضمن ألغاز العصر التي لم تجد لها البشرية حلاً حتى الآن…

انتهى اللعب أخيراً، وغادرنا القبو المعتم المفعم برائحة التبغ الخفيفة، خلَّفنا وراءنا لافتة (Goldpool) البارزة، وبعد دقائق كنا في البولفار العزيز… إنها أيام الربيع بأنسامها المنعشة، عندما نتحرر من الكنزات الصوفية والمعاطف الثقيلة ونبدأ في ارتداء الأقمصة الخفيفة ذات الأكمام الطويلة، مع رغبةٍ جامحةٍ في التأنق الذي يغري به الجو المرح المعتدل.

إنه البولفار ولكن… كان علينا أن نتقبل هذه الحقيقة ونتعود عليها؛ إن أيام Dolcy 5 لن تعود أبداً…

كانت تلك هي الأيام الأولى التي تلت إغلاق المقهى، كنا نمشي على رصيف البولفار وسط شعورٍ عارمٍ باليتم والغربة والشجن وفقدان المأوى الدافئ الذي كان يجمعنا، تقرر لدينا أن من الضروري الاتفاق على مقرٍّ جديدٍ يرضي جميع الأطراف، وهي مهمةٌ تبدو سهلةً لكنها ليست كذلك في حقيقة الأمر.

صار جلال يقودنا نحو ثاني مقهىً كنا نجلس فيه بعد Dolcy 5، عندما نشعر بالملل منه أو عندما نشتهي لعب النرد (البارتشي)، أو عندما نتشاجر مع (سي احمد)، إنه مقهى (اليمامة) الكريه.

كنت أبغضه إلى أقصى درجات البغض، وقد عارضتُ بشراسةٍ أن يصير ذلك الوكر القذر الغارق في دخان السجائر الكثيف مقراً لمجموعتنا، ووافقني (سي مصطفى) على رأيي تماماً، إلا أن هذا الصراع لم يدم طويلاً والحمد لله، ولأن (المصائب لا تأتي فرادى) فقد فوجئنا بإغلاق مقهى (اليمامة) أيضاً بعد بضعة أيامٍ من إغلاق Dolcy 5.

أهي صدفة؟ لا يهم! لقد استاء جلال لكني طرت فرحاً بهذا الخبر، أخيراً سأتخلص من ذلك الوكر البغيض إلى الأبد، ورغم أن الإغلاق لم يكن نهائياً بل مؤقتاً فقط، لأنه سرعان ما ابتدأت أعمال هدمٍ وإصلاحٍ وترميم، إلا أن الأمر المؤكد هو أن المقهى لن يعود شعبياً سوقياً كما كان… القصة معروفةٌ تماماً، سيضيف صاحب المقهى ألواناً زاهيةً على الجدران ومرايا ذات أشكال مختلفة، مع لوحاتٍ فنيةٍ معلقةٍ وأضواء ساطعةٍ ومقاعد مريحةٍ جديدة، وبهذا ينتقل المقهى من صنف (الشعبي) إلى صنف (الراقي)، وهو انتقالٌ معناه أن ترتفع أسعار المشروبات كلها إلى الضِّعف على الأقل، مع انخفاضٍ مريعٍ في جودة القهوة والشاي!

كان (سي مصطفى) على وعيٍ بهذا كله، وأذكر يومها أنه قال كلاماً كثيراً عن مشروع (طنجة الكبرى) لا أذكر منه حرفاً، لكنه كان يتمحور بشكل عامٍّ حول الأضرار الاقتصادية الخطيرة التي سيتسبب بها هذا المشروع اللعين على القدرة الشرائية للمواطن، بسبب الارتفاع القادم المهول في كل الأسعار مما سيؤدي إلى… الخ.

هذا هو (سي مصطفى) على كل حالٍ وقد تعودنا عليه!

يجب أن أقول أيضاً بأن المتجر الفاسق المسمى Zindagi قد تم إغلاقه هو الآخر في تلك الأيام! ما الذي دهى مقاهي البولفار ومتاجره؟ أي لعنةٍ تلك التي أصابتها في هذه الفترة الجميلة من فترات العام؟

لتذهب كلها إلى الهاوية! ما يهمنا فقط هو مقهانا الذي فقدناه، وها نحن نقف أمام بابه المغلق نرمقه بحزنٍ وشجن، نحاول أن ننْفُذ بأبصارنا إلى ما وراء الزجاج لعلنا نلاحظ أو نستنتج شيئاً عن سبب إغلاقه، نلمس خشب الباب وزجاجه بأطراف أناملنا كأننا نفحص جثة صديقٍ ميت… لا نبض هناك إطلاقاً، إن المكان صار مهجوراً تماماً، ولا يبدو أنه سيعود للحياة أبداً…

الوداع يا Dolcy 5… الوداع…

* * *

الـ 17 من أبريل، عام 2014.

وحدي في البولفار ليلاً…

لا أثر للبقية… جلال مضى لشغلٍ ما لا أدري ما هو، لقد صارت أشغاله كثيرةً في الآونة الأخيرة. (سي مصطفى) غير موجودٍ أيضاً، وهو لا يردُّ على الهاتف.

البقية مختفون تماماً ولم أرهم منذ آخر جلسةٍ لنا في Dolcy 5، يبدو أنها النهاية حقاً، لن تعود المجموعة كما كانت من قبل… أبداً!

في تلك الليلة كنت أفكر…

لشدَّ ما تغير البولفار دون أن نشعر به! بل لشدَّ ما تغيرت طنجة نفسها دون أن نحس بذلك، والمدينة الآن تعيش مخاضاً عسيراً سيغير الكثير من ملامحها، ولن ننتبه لحجم التغيير إلا بعد أن يتم، وبعد أن نقارن بدهشةٍ بين الصور القديمة والجديدة.

البولفار أيضاً تغير كثيراً عما كنت أعرفه من قبل… مقهى (شمس) الملاصق تماماً لـ Dolcy 5 لم يعد قائماً وحلَّ محله متجر Nike للملابس الرياضية باهظة الثمن. الدرج الكهربائي لم يعد كهربائياً، وإن ظل محتفظاً بنفس اسمه القديم (دروج الضَّوْ). متاجر جديدةٌ قامت وأخرى قديمةٌ انقرضت، وعندما صرت أمام (سور المعاجيز) وقفتُ مندهشاً!

إنه مقهىً جديدٌ لم أره من قبل، رغم أني أمرُّ بالمكان في كل يومٍ عدة مرات… إما أن المقهى نزل من السماء فجأةً أو أنني ضعيف الملاحظة إلى حدٍّ يستدعي تدخلاً طبياً!

مقهىً أنيقٌ راقٍ، تلتمع فيه أضواء ساطعةٌ بهيجة، علمتُ لاحقاً أنه كان قائماً هناك من قبل لكنه كان مقهىً شعبياً رديئاً، وأنه خضع لإصلاحاتٍ وترميماتٍ لم أنتبه لها حتى تمَّت، وحتى أعيد افتتاحُ المقهى في حلَّته الجديدة… اسم المقهى كما تقول لافتته البارزة (ساحة فرنسا Place de France).

* * *

الـ 18 من شهر أبريل، عام 2014.

مقهى (ساحة فرنسا Place de France)، يبدو أن الفكرة راقت لجلال كثيراً.

أخذنا أماكننا فيه بعد أن أدينا صلاة العصر، نحن الاثنان فقط. لحظات تأملٍ للمكان لا تخلو من مقارنةٍ مريرة… المقهى راقٍ فعلاً ومتأنقٌ وحديث الافتتاح، لكن… لا شيء يمكن أن يعوض Dolcy 5… لا شيء إطلاقاً.

طعم القهوة رديءٌ كعادة المقاهي الراقية، على اليمين نشاهد (سور المعاجيز) ومدافعه الخضراء العتيقة الموجهة نحو الأندلس، وقبالتنا مدارٌ يتفرع منه (شارع الحرية)، وعلى رأسه كالعادة تقف سيارة شرطةٍ تسهر على حماية المواطنين.

صمتٌ طويلٌ مع مللٍ لا يخفى…

بعدها تكلمت:

– “جلال…”

– “هممم؟”

– “سأطلب منك طلباً.”

– “هممم؟”

– “سيمحون أثر Dolcy 5 بعد أيامٍ قليلة، يجب أن نأخذ صوراً تذكاريةً نخلِّد بها المكان، هل تذهب معي لالتقاط صورٍ ثم نعود؟”

وبالطبع فعل جلال ما كنت أتوقعه، وغدٌ كعهدي به!

أطلق ضحكته الساخرة اللامبالية تلك، وقال شيئاً يعبر به عن استهجانه لتصرفاتي الخرقاء الطفولية هذه.

وهنا وصلت الدماء في جسدي إلى مرحلة الغليان، وتصاعدت كلها إلى رأسي بسرعةٍ جنونية… هذا البعبع الوزاني الأعرابي الديناصور المتخلف الجلف! منذ متى كان يفهم في الجمال ويقدِّر قيمة الذكريات؟! كيف سيستوعب هذا البدائي الجاهل قيمة أن تكون لك صورةٌ تذكاريةٌ في مكانٍ أحببته ولن يعود له وجود؟! لماذا يسمحون لأمثال هذه المستحاثات الآدمية بدخول طنجة؟! إن مكانه الطبيعي هو في إحدى معاصر الزيتون في ضاحيةٍ من ضواحي وزان! تباً له وسحقاً لتبلُّده وغبائه!

ثم سرعان ما سكت عني الغضب وعادت دمائي إلى مجراها الطبيعي… جلال صديقٌ عزيزٌ رغم كل شيءٍ ويجب أن أكون متعوداً على طباعه، إنه إنسانٌ فطريٌّ طيب القلب لهذا لا أستطيع أن أغضب منه أكثر من دقيقتين، رغم أنه يفعل معي كل ما من شأنه أن يجعلني أفكر في ارتكاب جريمة قتلٍ محترمة! وهكذا لم أجد بداً من أن أهدأ وأتبادل معه أحاديث وديةً وادعة، إلى أن جاء (سي مصطفى) أخيراً.

صافحنا (فرويد الاقتصاد) وهو يقلِّب عينيه الواسعتين في المقهى من الداخل والخارج ومن الأعلى والأسفل، كنت أعرف أنه يقوم بعمليةٍ حسابيةٍ ما لتقدير قيمته الاقتصادية، وبالتالي استنتاج سعر القهوة الذي على أساسه سيتخذ قرار الجلوس من عدمه، وكما توقعتُ تماماً كان أول ما نطق به وهو يقلِّب بصره هنا وهناك:

– “أهلاً… كيف حالكم؟… بخير؟… كم سعر القهوة هنا؟ هل اطلعتم على القائمة؟”

نهضتُ ووضعتُ يدي على كتفه وقلتُ له:

– “دعك من هذا يا (سي مصطفى)، تعال معي، إن عندي طلباً منك.”

وأخبرته بطلبي، فما كان منه إلا أن هشَّ وبشَّ ورحب به أيما ترحيب، وخلال لحظةٍ انطلقنا نحو Dolcy 5 لنلتقط أمامه الصور الأخيرة.

لم يفتني طبعاً أن أستدير نحو جلال لأحدجه بنظرة حادةٍ وأقذف في وجهه بعبارة:

– “بلا جميلك!”

لم يهتم طبعاً واكتفى بابتسامةٍ لا مباليةٍ وعاد لشروده…

مضيتُ رفقة (سي مصطفى) وقلبي يفيض حباً وامتناناً لهذا الرجل العظيم والمحلل الاقتصادي الفذ. إنني أحب هذا الفتى حقاً، وما زلتُ أكتشف يوماً بعد يومٍ أن بيننا عدداً من الأفكار المشتركة في عدة مواضيع، وباستثناء نظرياته الاقتصادية طبعاً، يمكنني القول بأنه نسخةٌ أكثر تطرفاً مني.

كان يحدثني في الطريق – مع خطواته المتشنِّجة قليلاً بسبب عضلاته المتحجِّرة – عن قيمة الجمال والذكريات المشتركة مع الأشخاص والأمكنة، وعن أهمية الصور التذكارية في تخليد لحظاتنا الثمينة، لا أنكر أنه فاجأني في ذلك اليوم، وأعتقد أني سأعيد النظر في مسألة إضافته إلى حسابي الفيسبوكي، أظن أني سأفعل ذلك عما قريبٍ فهذا الفتى يكشف لي كل يومٍ عن اهتمامٍ فكريٍّ أو أدبيٍّ مشترك.

أمام Dolcy 5 كنا نقف، الأبواب مغلقةٌ كما هي دون أي تغيير، وجَّهتُ قمرة هاتفي نحو لافتة المقهى فوق بابه، والتقطت لها عدداً من الصور…

مشهدٌ للمقهى من بعيد، ثم وقف (سي مصطفى) أمام بابه والتقطتُ له بعض الصور أيضاً.

ناولته هاتفي فابتعد قليلاً ليأخذ زاويةً ملائمة، وقفتُ أمام المقهى أنظر إليه مبتسماً، بينما أسمع الصوت المميز لالتقاط الصورة… التفتُّ هنا وهناك ورفعتُ عيني إلى لافتة المقهى منتظراً أن يواصل التقاط الصور، لكني سمعتُ صوته يناديني:

– “هيه أنت! انظر إلي، إلى أين تنظر؟”

تباً! جميعهم يفعل هذا… تتعمد أنت النظر إلى زاويةٍ أخرى آملاً منه أن يلتقط لك صورةً تبدو فيها غير منتبهٍ إلى أنه يصورك، لكنه لا يفهم حركتك الفنية هذه ويناديك مصراً على أن تنظر إليه ببلاهة!

– “لا تهتم يا (سي مصطفى)، فقط صوِّر… إنها طريقة (صوِّرني وانا مش واخذ بالي).”

أعاد لي هاتفي بعد حصة تصويرٍ لا بأس بها.

– “شكراً لك يا (سي مصطفى)… شكراً جزيلاً لك… يوماً ما سأكتب مقالاً كاملاً عن ذكرياتنا في هذا المقهى.”

– “أرجوك أن تفعل! ولا تنس أن ترسله لي كي أقرأه… وبالمناسبة، لقد طلبت ذلك منك مراراً لكنك ما زلت تتهرَّب… لم تضفني بعد إلى الفيسبوك، ما الذي يمنعك؟”

– “سأفعل يا (سي مصطفى)… قريباً جداً سأفعل… أعدك!”

* * *

حوالي منتصف شهر يونيو، عام 2014.

بدأت الملامح الجديدة لأمسياتنا تتشكل، أكثر أصدقائنا في Dolcy 5 اختفوا، ولم نعد نلقاهم إلا في فتراتٍ متباعدة تتجه لأن تصير أكثر تباعداً.

أبو محمدٍ السَّلفي كان مسروراً بإغلاق المقهى، وقد تكوَّنت مجموعةٌ جديدةٌ بينه وبين كلٍّ من عبد الرحيم وشريف. كلاهما فوق الأربعين، ويبدو أنهم صاروا يقصدون مقاهي بعيدةً عن زحام البولفار وصخبه، يريدون جلسةً هادئةً جديةً وقورةً تليق بمرحلتهم العمرية ومواضيعهم المشتركة.

أما نحن فلم نتوصل بعد لأي مقرٍّ نهائيٍّ نتفق عليه جميعاً، لقد كنا نشتكي من الإضاءة الكئيبة الخافتة في مقهى Dolcy 5، لكن عندما ألقينا نظرةً على مقهى Le Claridge لم نجد هناك إضاءةً أصلاً، بل هو ظلامٌ شبه دامسٍ لا تكاد تتبين منه شيئاً… عندها اقتنعنا فعلاً أن أضواء Dolcy 5 كانت رومانسيةً وشاعرية إلى حدٍّ بعيد، وتأكد لدينا أن (سي احمد) كان على حق.

بدا لنا أن مقهى Esquima هو الأقرب لأجواء Dolcy 5 من بين المقاهي المشرفة على البولفار، وقد صرنا نأوي إليه فعلاً حتى كاد يستقرُّ عندنا أنه يصلح ليكون مقراً جديداً، لكن (سي مصطفى) بدأ يميل إلى مقهىً آخر هو مقهى (روكسي Roxy)، وقد بدأنا نتردد عليه رغم بعده عن البولفار. (سي مصطفى) كان مصراً على أن شارع (روكسي) يحمل انطباعاً أوروبياً ما، بحيث تشعر فيه وكأنك تتسكع في إحدى المدن الأوروبية… عندما فكرتُ في الأمر وجدتُ أنه محقٌّ إلى حدٍّ ما.

مقهى Roxy لا بأس به عموماً، إن اسمه قريبٌ من Dolcy، وفيه نادلٌ يشبه (سي احمد) قليلاً، يلبس مثله ويضع شارباً مثله، كما أن اسمه أيضاً (سي احمد)! فقط كان فيه عيبٌ واحدٌ خطيرٌ هو أنه بشوشٌ مبتسمٌ وليس عبوساً، وهو عيبٌ بالنسبة لنا لا يمكن أن يُغتفر!

وهكذا ظلَّت أمسياتنا تتأرجح بين مقهى Esquima ومقهى Roxy، إلى أن حصل انقسامٌ حادٌّ بين جلال و(سي مصطفى).

أعلن جلال أنه يمقت مقهى Roxy ولا يطيق الجلوس فيه، في حين ظلَّ (سي مصطفى) مصراً على أنه أفضل مقهىً ممكن في المنطقة، وقد أصرَّ كل واحدٍ منهما على عناده لتكون النتيجة تشتتاً في ما تبقى المجموعة، وتباعداً واضحاً متزايداً بين كل لقاءٍ وآخر.

* * *

شهر أغسطس، عام 2014.

أعمال الترميم والإصلاح متوقفةٌ تماماً في مقهى (اليمامة)، يبدو أن هناك مشكلةً ما تعيق إتمام الأشغال.

حصلت بعض التغيرات في مقهى Dolcy 5؛ اقتُلعت اللافتات كلها، وكذلك المكيِّف ومجسَّم المثلجات، ولم يبق إلا اسم المقهى المنقوش على الجدار بارزاً للعيان.

أيامٌ قليلةٌ بعد ذلك؛ جاء عمالٌ أضافوا سياجاً حديدياً أحمر اللون ليغطي باب المقهى، فصار يبدو بذلك سجيناً وراء القضبان…

* * *

شهر سبتمبر، عام 2014.

صار Dolcy 5 مجرد ذكرى جميلةٍ بدأت تصير قديمة، لكن ذلك لم يمنعنا من التساؤل بين الفينة والأخرى عن سبب إغلاقه، في ذلك اليوم جمعتنا جلسةٌ حافلةٌ في مقهى (ساحة فرنسا Place de France)، وأدلى كل واحدٍ من الجلساء بدلوه.

لا أنكر أنهم أثاروا غيظي جميعاً! كل واحدٍ منهم يملك قصةً تختلف تماماً عن قصة الآخر، والأدهى من ذلك أنهم جميعاً يروون قصصهم على أنها معلوماتٌ ثابتةٌ مؤكدة، كل واحدٍ منهم يريد أن يوحي للآخرين بأنه أكثر اطلاعاً ويتمتع بشبكة معارف أوسع وأخطر.

– “إنه الإفلاس فقط، صاحب المقهى لاحظ أن مداخيله ليست في المستوى المطلوب، وأن هناك اختلاساتٍ كبيرةً تحصل، فقرر إغلاقه فوراً. لا بد أن (سي احمد) كان يختلس من صندوق المقهى!”

– “لا… ما أنا متأكدٌ منه هو أن المقهى يمرُّ بمشكلةٍ قضائيةٍ ما، وأن المحكمة حكمت عليه بالإغلاق الفوري.”

– “لا… هذه مجرد إشاعات، الحقيقة هي أن صاحب المقهى كان في السجن منذ سنواتٍ طويلةٍ جداً، وقد خرج منه منذ عدة أشهر فقط، وعندما بدأ يزاول حياته من جديدٍ اكتشف أن مصاريف المقهى أكثر من مداخيله، فقرر إغلاقه.”

– “من كذب عليك؟ أنا متأكد من أن صاحب المقهى ميتٌ منذ سنوات، وأن بعض إخوته كانوا يديرونه من بعده، وقد حصل بينهم نزاعٌ حادٌّ انتهى بإغلاق المقهى.”

تباً… لماذا يلومونني عندما أتهرب من مجالسة الناس وإقامة العلاقات معهم؟ إن من معضلاتي مع الآخرين أن لي عقلاً لا يتوقف عن تحليل الكلام اعتماداً على منطقٍ علميٍّ صارم، وأي كلامٍ يخالف المنطق العلمي يسبب لي صداعاً مزمناً، وخاصةً عندما يكون قائلوه واثقين تماماً من ذلك الهراء الذي ينطقون به.

الأسباب والمسببات، المقدمات والنتائج، التثبت من الأخبار، جمع المعلومات الموثَّقة فالتحليل ثم الاستنتاج، وغير هذه من المناهج العلمية التي هي عندي مصفاةٌ أمرر منها الكلام قبل قبوله أو رفضه، ولهذا لا أكف للحظةٍ عن تقييم الكلام وإحصاء ما فيه من أخطاء منهجيةٍ وثغراتٍ علمية، وكانت الخبرة التي خلصت بها بعد سنواتٍ من مجالسة الناس هي أن كلَّ ما يقولونه مجرد هراءٍ لا يقوم على أي أساسٍ منطقي!

هي فقط الاستنتاجات الفاسدة الناتجة عن تحليلٍ خاطئٍ لمعلومات غير صحيحةٍ ولا موثَّقة، أو هو التعميم الجائر المتعصب المبني على حالةٍ شاذةٍ واحدة، كشخصٍ زار طنجة لأول مرةٍ فشرب قهوةً واحدةً لم تعجبه، ليصدر بعد ذلك حكماً قطعياً بأن (صناعة القهوة في شمال القارة الأفريقية رديئةٌ جداً).

لا أدري… ربما أكون أنا المعقَّد الذي يدقق كثيراً في الكلام دون فائدة، وأما الآخرون فهم لا يهدفون لتقرير الحقائق العلمية الثابتة بقدر ما يريدون فقط الثرثرة وتبادل الكلام، أي كلام!

التقيتُ بعد أيامٍ بـ (سي احمد بلا شوارب)، كانت مفاجأةً سارةً بالفعل، وجدتُ أنه انتقل للعمل مؤقتاً بمتجر بيع الملابس القريب جداً من Dolcy 5، إنها فرصةٌ ملائمةٌ لآخذ منه الخبر اليقين، حتى إذا أردت أن أتحذلق أمام الأصدقاء فسأكون الوحيد الذي يحمل معلوماتٍ من مصدرٍ موثوقٍ لا يمكن أن يخطئ، سألته عن سبب إغلاق المقهى فكان جوابه صادماً لي:

– “لا أدري!”

– “لا تدري؟ لكنك كنت تشتغل هناك منذ سنواتٍ طويلة، ألم يخبرك أحد بالسبب؟”

– “لا… لا أحد يعرف القصة الحقيقية لإغلاق المقهى، ولا حتى نحن! فقط جاءنا الأمر المفاجئ بأن على المقهى أن يُغلق، نحن أيضاً لم نتوقع ذلك ولم نكن ننتظره.”

– “لكني سمعت بأن… وبأن… وبأن…”

– “لا… لا شيء مؤكد، كل هذه مجرد قصصٍ وإشاعاتٍ لا صحة لها.”

هكذا إذاً… ربما كان (سي احمد بلا شوارب) يعرف الحقيقة لكنه يتكتَّم عنها، ليس من المنطقي أن يخفى سبب إغلاق المقهى عن نادله الذي أمضى فيه عدة سنواتٍ متتالية، لكن لا بأس… لقد صار عندي سلاحٌ قويٌّ أُخرس به كل أولئك الذين يتظاهرون بالمعرفة والأهمية وبأن لديهم شبكة استخباراتٍ موسَّعة، كلما همَّ أحدهم بأن يروي قصته الملفقة أسكتُّه قائلاً:

– “كل هذا غير مؤكد، لقد التقيت (سي احمد) نادل المقهى شخصياً وسألته، وكان هذا ما قاله لي.”

وبهذا لم يعد أحدٌ يجرؤ على قول شيء… لقد صارت لي الكلمة العليا التي تهدم كل ما عداها، رغم أني أنا أيضاً لم أعرف سبب إغلاق المقهى، ولا يبدو أني سأعرف…

* * *

شهر أكتوبر، عام 2014.

كان جلال قد تزوج منذ شهرين تقريباً، وأقام لنا حفلة زفافٍ صغيرةً أكلنا فيها وشربنا، رغم كل تلك الأيمان المغلَّظة التي ظلَّ يقسمها منذ عرفته بأنه لن يقيم حفل زفافٍ ولو ضربوا عنقه.

وبالمناسبة… يبدو أن النحس مصرٌّ على ملاحقة جلال أينما حلَّ وارتحل، ما إن تزوج واستقرَّ في منزله الجديد حتى صعقته أول فاتورةٍ من فواتير الكهرباء، كان عدداً مرعباً يتكون من أربعة أرقام! ظلَّ يرغي ويزبد ويهدد ويتوعد، لكني كنت واثقاً من أن شركة Amendis لم تظلمه بل هو ظلم نفسه، وسرعان ما تبيَّن أن ذلك صحيحٌ تماماً.

هذا الفتى لن يتغير أبداً… بالطبع قام بحساباتٍ خاطئةٍ بناها على أمنياته الخاصة وليس على الحقائق الثابتة، لتكون النتيجة فاتورةً هائلةً لكنها صادقةٌ تماماً، وتترجم بالفعل استهلاكه المتوحِّش للأجهزة الكهربائية.

سيتعلم على كل حال، سيتعلم رغماً عنه وهذا ما أتمناه.

ما زال أيضاً يخطط لأمسياتنا بشكلٍ فاشل ومخادع، لمرتين بعد زواجه قال لي:

– “سنخرج من العمل في الخامسة وستذهب معي لشراء شيءٍ صغيرٍ من المتجر ثم نعود إلى بيوتنا.”

كنت أصدقه بسذاجةٍ وأُلدغ من نفس الجحر آلاف المرات، لأكتشف بعد فوات الأوان أننا لم نخرج من العمل إلا في السادسة، ولم نذهب إلى المتجر بل إلى سوق الخضروات، ولم يشتر شيئاً صغيراً بل وجدتُ نفسي أساعده في حمل أكياس عديدةٍ مثقلةٍ بكل ما يحتاج إليه الرجل المتزوج من خضرواتٍ وفواكه وأغراض منزلية!

(سي مصطفى) يبدو مشغولاً بشدةٍ هذه الأيام… علمتُ لاحقاً أنه كان ينهي ترتيباتٍ دراسيةً ما، كان يتابع دراسته العليا التي أنفق عليها الكثير، وعندما نبَّهته مازحاً إلى أن وقت التحاقه بجلال قد حان، اكتشفتُ بأنه صار يتناول الموضوع على محمل الجد فعلاً. لقد انتقل من مرحلة الـ (قه قه قه قه قه قه) إلى مرحلة زمِّ الشفتين وهزِّ الرأس متحسراً، مع ترديد عبارته الجديدة التي وراءها ما وراءها:

– “والله نعم… نحن في حاجةٍ إلى زواجٍ مستعجل.”

سيتزوج هذا الفتى عما قريب، خلال أشهرٍ قليلةٍ ربما، هناك إشاراتٌ لا تخطئ، أعرف ذلك وأراه…

* * *

شهر ديسمبر، عام 2014.

عاد الليل يفرض سطوته على الأجواء في ساعةٍ مبكرةٍ جداً، عاد البرد والمطر واستُخرجت الكنزات الصوفية والمعاطف الثقيلة من مخابئها.

البولفار كعادته في فصل الشتاء؛ تسبح فيه أضواء السيارات وتنير ليلَه مصابيحُ الإنارة والمقاهي والمحلاتِ التجارية. وحيداً كنتُ أمشي فيه رافعاً كتفي إلى الأعلى قليلاً بفعل البرد، أشدُّ معطفي بقوةٍ معتصراً كلَّ ما فيه من دفء.

قطرةٌ سقطت على خدِّي، تلتها أخرى على الفور، رفعتُ بصري إلى السماء… لقد بدأت تمطر.

أسرعتُ الخطى وقد تنحَّيتُ جانباً إلى الحائط، وبمحاذاة Dolcy 5 مررتُ.

بطرف عيني لمحتُ مستجداً ما، ورقةً ملصقةً على زجاج الباب، تراجعتُ خطوةً ودققت النظر جيداً، لم تكن هذه الورقة هنا من قبل، قرأتُ المكتوب فيها:

“رخصة إصلاح رقم 406/014

الساكن(ة) بـ 39، شارع باستور، طنجة.”

رخصة إصلاح؟ ما الذي يعنيه هذا؟

إصلاح؟ رخصة؟ سيصلحون مقهى Dolcy 5؟ هل أفهم من هذا أنهم سيعيدون افتتاحه من جديد؟

كدت أفرح لذلك لكني سرعان ما تراجعتُ عن انفعالي… إعادة افتتاح المقهى بعد إصلاحه ليس خبراً ساراً على الإطلاق.

سيأتون ليهدموا كل ما فيه، ثم يبالغون في بهرجته وزخرفته، ثم يعيدون افتتاحه من جديدٍ بحلةٍ مختلفةٍ تماماً، سينتقل من تصنيف (الشعبي) إلى تصنيف (الراقي)، بالطبع لن يعود للمقهى ذلك الطابع الحميم المتواضع، ولن يكون النادل هو (سي احمد)، ولن تظل القهوة بنفس جودتها، ولن يظل الشاي يصعد إلى دماغ (سي مصطفى) مباشرةً قبل أن ينزل إلى معدته. والأهم من ذلك كله أن الأسعار ستتضاعف، مما سيجعل مقاطعة (سي مصطفى) له أمراً مؤكداً لا ريب فيه.

قد يحتفظ المقهى باسمه القديم Dolcy 5، لكنه لن يعود ذلك المقهى الذي عرفناه وأحببناه وتعودنا عليه، لن يعود كذلك أبداً…

ما زالت أبوابه مغلقةً بإحكامٍ خلف القضبان الحديدية الحمراء، وفي الداخل ما زالت الطاولات والمقاعد موضوعةً كما هي بالضبط قبل إغلاقه.

خاوٍ على عروشه كأنْ لم يغْنَ بالأمس… وتراءت لي هناك ذكرياتنا وأشباحنا، ولاح لي بعين الخيال ذلك الزحام القديم والصخب الذي عشناه وساهمنا فيه بضحكاتنا المجلجلة.

(سي احمد) يهرع مسرعاً وهو يحمل صينية الأباريق والكؤوس.

– “إن لحم الخنزير يورث الدياثة، إياكم أن تأكلوه!”

(سي مصطفى) يجلس باسترخاءٍ وهو يتابع أخبار (هسبريس) على هاتفه الحجري.

– “رجلٌ فقير، وقد خبَّأ كل ألعابه لليوم الذي يعود فيه صغيراً.”

تشتعل جمرة السيجارة ثم ينفث جلال دخاناً كثيفاً يلوِّث به مناخ المدينة.

– “إن الإنسان في حدِّ ذاته هو عبارةٌ عن سمكة.”

فتاةٌ متبرجةٌ تمرُّ بجانب المقهى وتلتوي معها الأعناق، ثم يتلو ذلك صوتُ شتيمةٍ ما.

– “غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.”

بائع علب الكلينكس يمرُّ مصدراً أصواته الرفيعة التي لا يُفهم منها شيء.

– “…”

أصدقاء الألفباء يثيرون الصخب في الدور السفلي، اجتماعٌ صاخبٌ تضطرم فيه نيران الغضب.

– “نقطة نظام!”

المصلُّون يخرجون من المسجد ويصعدون الدرج.

– “السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… السلام عليكم ورحمة الله.”

السيدة جالسةٌ كتمثالٍ على بعد أمتار من دورة المياه.

– “شكراً!”

– “لا شكر على واجب، نحن نعلم أن (فيصل القاسم) هو السبب وراء كل هذا، ولكن… لماذا يكره الناس المداخِلة؟!”

تتداخل كل هذه الصور والأصوات في ذهني، ثم تذوب وتتلاشى، يغمرها الضباب، ثم لم يبق منها إلا الباب المغلق والأمطار الغزيرة التي تغسل البولفار مما علق به.

وورقةٌ غامضةٌ لا تكاد تقول شيئاً يُستفاد منه…

“رخصة إصلاح رقم 406/014

الساكن(ة) بـ 39، شارع باستور، طنجة.”

أخرجت هاتفي من غمده بحذرٍ محاولاً أن أجنِّبه قطرات المطر، فتحتُ القمرة ووجهتها نحو الورقة، يجب أن أؤرِّخ لهذا جيداً فإني سأحتاج إليه في وقتٍ لاحق.

التقطتُ الصورة وأعدتُ هاتفي إلى جيبه، واستأنفتُ طريقي وأنا أفكر…

بتُّ أعتقد أن الغابات المتشابكة في كياني النفسي مشتملةٌ حتماً على درجةٍ معينةٍ من (متلازمة ترومان Truman Syndrome). إن ذكرياتي الخاصة مرتبةٌ في ذهني ترتيباً درامياً حقيقياً، يليق بالأعمال الروائية والمسلسلات أو الأفلام التلفزية، وقد صارت عندي حساسيةٌ خاصةٌ تجاه بعض المراحل واللحظات بعينها؛ تلك التي تجعلني أستشعر بأنها تليق بالنهايات الروائية أو بـ (الحلقات الأخيرة).

ثمة ملفاتٌ في رفوف ذاكرتي أنظر إليها على أنها (فيلمٌ) مكتمل، أو مسلسلٌ دراميٌّ متعدد الحلقات، أو روايةٌ أدبية. وثمة لحظاتٌ بعينها تمنحني انطباعاً بأنها (حلقةٌ أخيرةٌ) أختم بها جزءاً ما من المسلسل، أو فصلٌ أخيرٌ أختم به روايةً من روايات الذاكرة.

عندها أعرف أنه صار عليَّ أن أكتب…

لقد فعلتُ ذلك مراتٍ قليلةً في حياتي، وفي ذلك اليوم شعرتُ أن تلك الأمسية تليق بالحلقة الأخيرة من مسلسل Dolcy 5، أو من روايته بتعبيرٍ أصح. وعندما لمحتُ عبارة (رخصة إصلاح رقم 406/014) كان أول ما خطر بذهني أنها تليق عنواناً للفصل الختامي لما سأدوِّنه من ذكريات هذا المقهى.

يومها قررتُ أن أكتب، إنها (الحلقة الأخيرة) ولا بدَّ أن أكتب، لا بدَّ أن أقوم بما يجب علي القيام به.

الكتابة تضاعف الذكريات وتمنحها ازدواجيةً محبَّبة، فيصير عندي اثنان منها؛ الذكرى نفسها، وذكرى كتابتي لها.

الذكرى نفسها بما تعرضه من صورٍ ضبابيةٍ على شاشة الذهن، وذكرى الكتابة التي تحاول رسمها لوحةً حبريةً بواسطة الحروف العربية.

ما زلتُ أمشي تحت المطر وقد وصلتُ إلى (سور المعاجيز).

سيكون نصاً اسمه Dolcy 5، وسيكون عنوان الفصل الأول منه (الأبواب المغلقة)، وأما الفصل الأخير فسيكون عنوانه (رخصة إصلاح رقم 406/014).

سأفكر في عناوين بقية الفصول لاحقاً، أثناء الكتابة ربما…

المطر ينهمر غزيراً بينما أمشي تحته شارد الذهن، مبلَّل الشعر مبلبل الأفكار، يحملني الشوق إلى محراب الحرف، ونحو القلم حثثتُ الخطى…

أفكارٌ كثيرةٌ تصطرع في ذهني، تعبيراتٌ أدبيةٌ وأوصافٌ أتمنى ألا أنساها، كنت أحاول أن ألملم أكبر قدرٍ منها في ذاكرتي كما ألملم الدفء المجتمع في معطفي، عندما ذبتُ في شارع المكسيك…

أنس سعيد محمد
Dolcy 5
30/05/2015

(( ~ الــنــهــايــة ~ ))

Advertisements

2 تعليقان »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. السلام عليكم و رحمه الله
    كنت قد زرت مدونة الأيام البريئة مرات عدة قبل ما يقارب السنتين!
    و احببت كثيرا مما قرأت .. و لطالما شعرت بالانسجام مع كل حرف اقرأه ..حتى النهاية.

    و الآن عندما عدت للزيارة سعدت كثيرا بدولسي٥
    عشت معها الثلاث ساعات و النصف الماضية و تمنيت ان لا تنتهي ..
    الحمدلله انني عدت في الوقت المناسب و اجزاء قصة هذا المقهى العجيب قد تمت فلم اكن لأسعد بانتظار كل جزء لوحده ..

    اعتقد ان موهبتك رائعة، و ان لديك القدرة على إيصال افكارك
    بطريقة سلسة بالاضافة إلى خلق احاسيس حقيقية
    في انفسنا عن المشهد الذي تراه .. بعضها لا ينسى ! بصدق.

    ابتسمت استمتاعاً و انسجاماً مع بعض ما رويت .. و ضحكت
    لبعض العبارات و التعليقات!
    الدور السفلي من المقهى و مراياه المتعددة الاتجاهات اظن ان تجربتها ستكون ممتعة!! .. لكن الأمر الذي ترك في نفسي الانطباع الاقوى بهذا المشهد هي المرأة التي تجلس في هذا المكان، ان مجرد جلوسها في مكان كهذا بشكل يومي و كما وصفت امر فضيع و مؤلم و من عدة نواحي.

    موقفكم الأخير مع النادل ابو شوارب، جيد انه لم يتعدى
    ما حدث خلال تجمعكم و وشوشتكم.. فالخاتمة كانت مقبولة و الحمدلله والا لاعتصركم الندم!
    حقا عندما ينتهي كل شيء لا يبقى سوى اثر الاحسان
    و القول و الفعل الطيب.

    بدت لي طنجة ساحرة! و وددت لو بإستطاعتي رؤيتها بعيني
    و إدراك جمالها بأحاسيسي.
    من الرائع حقا ان يملك الانسان الشغف بأرضه و ان ينقل
    بصدق احاسيسه و من خلال الكلمات هذا الشغف للعالم!

    المطر و اللافتة .. المشهد الاخير، لا ادري هل يليق
    بالمشهد وصف الكلاسيكي! فأنا اتخيله كذلك.

    شكرًا جزيلًا لك لسماحك لنا مشاركتك هذه الذكريات
    الثمينة .. سنتذكرها بمحبة و جمال نحن ايضًا ()

  2. [قال أحد الكتَّاب يوماً بأن “الذكريات بضاعةٌ لا قيمة لها إلا في خزانة صاحبها”، وهي عبارةٌ جعلتني أفكر لوهلةٍ في جدوى نثر أمثال هذه الذكريات على الورق… ذكرياتنا مع Dolcy 5 تخصنا نحن وحدنا، أنا وتلك المجموعة الصغيرة من أصدقائي الأعزاء، فأي جدوى يكون للاسترسال في الكتابة والتوصيف لأيامٍ لا تعدو كونها ذكرياتٍ عاديةً لمقهى من المقاهي؟]

    ما إن أنهيت قراءة الفصل الأخير حتى خطر ببالي هذه الأسطر التي وردت في الفصل الثاني، ربما لأني وجهت لنفسي ذات التساؤل لكن من وجهة نظر القارئ : أي جدوى من إهدار الوقت في قراءة توصيف لذكريات خاصة بأصحابها؟
    ذلك كان بعد انتهائي من قراءة الفصل الأول

    أما الآن فرغم أني لم أتمكن من معرفة الفائدة الحقيقية التي حصلت عليها بعد إتمام قراءة الفصول – بخلاف المتعة اللغوية واللمسات الفكاهية – إلا أني متأكدة أنها موجودة وأن الله لم يقدر لعيني أن تقع على هذه الصفحات هكذا عبثاً ، فالاستفادة كائنة وأثرها سيتبدى لي إن شاء الله ولو بعد حين.

    بارك الله فيك وزاد مدادك فيضاً في الخير وللخير.


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: