Dolcy 5 – الفصل السادس: أصدقاء الألفباء ~

31/05/2015 عند 17:40 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 5 تعليقات

.

dolcy-6-abc

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

* * *

(6) – أصدقاء الألفباء ~

– “أستأذنكم… سأنزل للصلاة!”

أقولها لهم وأنا أنهض من مقعدي متوجهاً نحو الداخل، يلتفتون إليَّ وهم في خضمِّ مناقشتهم الحامية حول السيارات وأنواعها ومشاكلها، إنها المواضيع الشبابية التي تغيظ الفتيات دائماً، تماماً كما تغيظنا نحن مواضيعهن البناتية! إلا أني سأظل مصراً على أن مواضيعنا أهم وأنفع للبشرية لارتباطها الوثيق بالحياة والواقع، عكسهن تماماً!

– “طيب… انتظرنا فنحن على أثرك.”

ثم تتقارب رؤوسهم من جديدٍ لاستكمال حديثهم الشائق حول البنزين والفرامل والدوَّاسات والقطع المعقدة التي لا أعرف عنها شيئاً، ولا يفوتهم كذلك أن يناقشوا حيل الميكانيكيين النصَّابين وأسعار السيارات المختلفة الجديدة منها والمستعملة. والحق أن مواضيع السيارات هذه مملةٌ لي أيضاً، لأني ببساطةٍ – وخلافاً لمعظمهم – لا أملك واحدة! لذلك أفضِّل أن أخرس وأسرح بتفكيري في شيءٍ آخر.

ذلك المتحذلق جلال مصرٌّ على إقحام نفسه في النقاش رغم أنه لم يملك سيارة قطُّ، والذي يثير غيظي أكثر أنه يتحدث بثقةٍ تامةٍ وأستاذيةٍ مختالةٍ وكأن (هنري فورد) نفسه تتلمذ على يديه!

– “هيا، أسرعوا، لن أنتظركم… دقيقتان وأقيم الصلاة!”

ولا أنهي كلماتي هذه إلا وقد غبتُ عنهم داخل المقهى، لأصير وسط تلك الأضواء الخافتة التي تضفي أجواءً (رومانسيةً شاعريةً) على المكان، ويكون عليَّ أن أعبر مساحة المقهى وسط الطاولات المستديرة والمقاعد التي ضاقت ذرعاً بأجساد الجالسين عليها، وأغلبهم من الكهول الذين يفردون الجرائد على مصاريعها، والذين تلتمع بالنور البرتقالي صلعاتُهم البرَّاقة ونظَّاراتهم التي تشفُّ عن عيونٍ خاملةٍ متعبة، وقد استقرَّت شواربهم البيضاء في مكانها الدائم فوق شفاههم الملولة وتحت أنوفهم التي لم تتوقف عن النمو منذ وُلدوا.

يمر بجانبي النادل (سي احمد) بخطواته الرشيقة المتفانية في خدمة زبنائه، نتبادل تحية (هز الرأس) مع ومضةٍ خاطفةٍ بالحاجبين وابتسامةٍ سريعة.

أنزل الدرج المؤدي إلى قبو المقهى، لقد تعودتُ تماماً على حركة الانحناء الزائدة أثناء نزول الدرج، تفادياً لذلك الجزء المنخفض من الجدار، والذي لو لم تنتبه له فسيصدم جبهتك وربما يشجُّها شجاً! لذلك تم تدعيم الحافة الخطرة بالإسفنج المغلَّف بالجلد، وهو ما جعلها لينةً غير ذات خطر. كنتُ في بداية إدماني على هذا المقهى أجد صعوبةً في تذكر هذا الحاجز المزعج، وكدتُ أصدم جبهتي به أكثر من مرة، قبل أن أتعود على الانحناءة الرشيقة التي صارت أخيراً حركةً لا إراديةً تصدر من نخاعي الشوكي بدل دماغي.

إنها مهارةٌ لا يجيدها إلا المخضرمون الأشدَّاء من (الدولسيين)!

انتهى الدرج، وصرتُ في (العالم السفلي) لمقهى Dolcy 5 أخيراً، وخلَّفتُ ورائي ضجيج المقهى والضحكات الصاخبة ولغط المارة وعجلات السيارات… لا شيء هنا إلا الصمت، الصمت ولا شيء غيره…

(الله أكبر)!

لا أحد هنا على ما يبدو، باستثناء بعض المصلِّين الذين أسمع تكبيرهم وترتيلهم الخافت للقرآن الكريم، سأنتظر فراغهم من الصلاة لأن المكان لا يتسع للجميع.

(سمع الله لمن حمده)!

لسببٍ ما لم تأت السيدة اليوم، إنها قادرةٌ على الحركة إذاً ما دامت تستطيع الاختفاء والغياب عن مجلسها الأبدي الذي يبدو لي أنه كان أزلياً!

(الله أكبر)!

ألقي نظرةً فاحصةً على المكان الموحش المعتم الذي زرتُه ألف مرةٍ من قبل؛ قاعةٌ واسعةٌ بمساحة المقهى، غير أنه لم تصطفَّ فيها الطاولات والكراسي بشكلٍ اعتياديٍّ مهيَّئٍ لجلوس المرتادين، بل تُركتْ أغلب المساحة فارغةً تماماً، وقد اقتُطعت من زاويتها اليسرى مساحةٌ صغيرةٌ جُعلت مسجداً للصلاة، وفي أقصى القبو نُصبت طاولاتٌ ومقاعد رُتِّبت على نحوٍ يشبه (قاعة اجتماعاتٍ سرية)، وقد علمتُ لاحقاً أن هذا القبو المعزول عن الصوت مكانٌ محبَّبٌ جداً للجمعيات والنقابات والعصابات السرية وجميع أولئك الذين يحبون التعبير عن آرائهم المتعصِّبة بالصراخ والشجار والضرب على الطاولة بشدةٍ وعنف.

(الله أكبر)!

وتقوم وسط القاعة بضع سوارٍ تمنع السقف من الانهيار، وقد ثُبِّتت عليها وعلى أكثر الجدران ملصقاتٌ ضخمة، ويبدو أنها ملصقاتٌ دعائيةٌ تابعةٌ لإحدى الجمعيات، ولو اقتربتَ لتتأكد من ذلك فستجده كما ظننتُ، وستجد أن تلك الإعلانات جميعاً تابعةٌ لجمعيةٍ اسمها (جمعية مربِّي الحمام الأصيل بطنجة)، وعلى ما يبدو فإن هذا القبو كان محجوزاً للجمعية في وقتٍ مضى، أو هو لا يزال محجوزاً لها في أيامٍ وأوقاتٍ محددة.

(سمع الله لمن حمده… ربنا ولك الحمد)!

وأما المساحات التي شغرت من الملصقات فقد ثُبِّتت عليها مرايا استولت على أكثر الجدران والسواري، وقد اكتشفتُ أن تعدد المرايا وانعكاس بعضها على بعضٍ يوفِّر لي متعةً نادرة؛ وهي أنها تتيح لي النظر إلى نفسي من زوايا كثيرةٍ جداً منها ما هو مستحيلٌ في المرآة الواحدة، وهكذا وجدتُ نفسي أخطو هنا وهناك لأتعرف على نفسي وكيف أبدو من الزاوية الخلفية، أو من الزاوية الجانبية، أو من زاوية 38 درجة من الخلف، وكذلك من زاوية 88 درجة من الجانب، ولا أنسى طبعاً زاوية 16 درجة من الأمام مع إرسال النظرة إلى الجانب الأيسر!

(الله أكبر)!

لكن… أحقاً هذا هو أنا؟ أحقاً أبدو هكذا للآخرين؟ لأول مرةٍ أرى نفسي من زوايا لا يمكن أن يراني منها إلا الآخرون، وقد كان لقبو Dolcy 5 فضلٌ عليَّ في اكتشاف أني لم أكن أعرف نفسي حقاً، وأن الانطباع الذي كان عندي عن شكلي الخارجي لم يكن دقيقاً بما يكفي!

(الله أكبر)!

إنها نفس تلك الدهشة التي تعتريك عندما تشاهد مقطع فيديو لك وأنت تتحرك وتتكلم، وينتابك ذلك الخليط العجيب من الدهشة والخجل لأن مظهرك هذا ليس هو ما تعرفه عن نفسك، وأن صوتك الذي تسمعه هو صوت شخصٍ آخر لا يمتُّ بصلةٍ لصوتك الرخيم الذي تعرفه!

(الله أكبر)!

ربما كان هذا من الأسباب التي تجعل الممثلين وأهل الإعلام مستحقين لبعض الغبطة، إذ ينبغي أن يكونوا أعرف الناس بحقائق أنفسهم، لأنهم يرون أشكالهم بعيون الآخرين ويسمعون أصواتهم بآذانهم!

أتقدم خطوةً أخرى وأشرئبُّ بعنقي لأكتشف صورتي التي ستنطبع على تلك المرآة هناك، وأعتقد أنها زاوية 45 درجة من الجانب الأيمن، هكذا إذاً يراني جلال عندما أكون جالساً بجانـ…
(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… السلام عليكم ورحمة الله)!

فرغ القوم من الصلاة أخيراً… بحركةٍ سريعةٍ أتوقف عما كنتُ أفعله، وأدسُّ يدي في جيبي وأقطِّب حاجبيَّ مرسلاً نظرتي إلى الأرض، وأتمشى ذهاباً وجيئةً بخطواتٍ وقورةٍ توهم بالانتظار، وأحاول رسم الجدية على ملامحي متظاهراً بأني أفكر في الملف النووي الإيراني وتداعياته المستقبلية على السياسة الدولية.

يدسُّ المصلون أقدامهم في أحذيتهم وينصرفون صاعدين الدرج، لقد فرغ المسجد أخيراً وصار بإمكاني أداء الصلاة فيه. ومسجد Dolcy 5 هو عبارةٌ عن مساحةٍ صغيرةٍ مربَّعةٍ فُرشت بحصيرٍ رديء، وحُدَّت من جوانبها بجدارٍ من المقاعد الكثيرة الموضوع بعضها فوق بعض، ولأن القبلة كانت إلى زاوية المربع وليس إلى ضلعه، فلم يكن المسجد يتسع لأكثر من أربعة مصلين وصفٍّ واحدٍ فقط، ولم يكن ممكناً إضافة صفٍّ ثانٍ إلا بالتزاحم الشديد والعنت.

ومن طرائف الأمور أنه ما كانت هناك في المسجد إشارةٌ لجهة القبلة، عدا قطعةً صغيرةً من الورق المقوَّى كُتبت عليها كلمةٌ بخطٍّ جاف، والواضح من أسلوب الخط أن كاتب الكلمة أميٌّ لا يقرأ ولا يكتب! وكانت الكلمة المكتوبة شيئاً عجيباً يراد به (القبلة)، غير أن المتأمل لها يجد أنها – وبسبب أخطاء الرسم الشنيعة – قد تكون أي شيءٍ إلا أن تكون (القبلة)! وقد كنتُ أقرؤها أحياناً (القبة)، وأحياناً أخرى (القالة)… المهم أنها لم تكن (القبلة) بحالٍ من الأحوال.

وكانت قطعة الورق المقوَّى هذه ملقاةً بإهمالٍ في زاوية المربع، وقد ظللنا نصلي إلى جهتها مدة سنواتٍ طويلة، حتى اكتشفنا أخيراً وفي آخر أيام Dolcy 5، وعن طريق الصدفة فقط؛ بأن اتجاه القبلة الذي كنا نصلي إليه خاطئٌ تماماً، وأن الاتجاه الصحيح لها منحرفٌ بزاويةٍ قدرها 45 درجة تقريباً!

ثارت ثائرة الشباب بعد هذا الاكتشاف الصادم، وصار الجميع يشكُّ في صحة صلاته للمغرب والعشاء منذ أكثر من أربع سنواتٍ خلت! وقد أزمع (سي مصطفى) أمره على أن يحمِّل النادل (سي احمد) مسؤولية هذه الغلطة الجسيمة، فذهب إليه وواجهه بالأمر، إلا أن النادل (سي احمد) – وهذا ما أثار غضب (سي مصطفى) – لم يعر الأمر اهتماماً يُذكر، بل اعتبره مجرد تخليطٍ وثرثرة شبابٍ وفلسفةً فارغة! مما جعل (سي مصطفى) يدعو النادل (سي احمد) إلى النزول معه والتأكد بنفسه وسط شهادة الشهود!

وافق (سي احمد) – بتواضعٍ يُحسب له! – على هذا العرض، ونزل إلى المسجد مع (سي مصطفى)، وكان هناك عددٌ من الشهود منهم جلال، وأبو محمدٍ السَّلفي، وآخرون!

ثم إن (سي مصطفى) قد وُفِّق إلى أن يثبت علمياً بأن اتجاه القبلة خاطئ، مستعملاً تطبيق البوصلة في جهاز iPhone، فلم يقتنع (سي احمد) بذلك ورفضه بشكلٍ قاطع، فاستعمل الشباب تطبيق البوصلة في جهاز Samsung، ولم يقتنع (سي احمد) أيضاً! بل أصرَّ بتعصبٍ واستماتةٍ على أن اتجاه القبلة الصحيح هو الذي كان من قبل، وأن البوصلات وأجهزة الهواتف الذكية إن كانت تشير لاتجاهٍ آخر فالعيب فيها هي، وليس في قطعة الورق المقوَّى!

قال (سي احمد) كلماته النهائية هذه وعاد صاعداً الدرج ليواصل عمله، بخطواته الواثقة إياها، وقد بدا أنه غير مستعدٍّ على الإطلاق لتغيير رأيه والاقتناع بدقة التكنولوجيا، غير أن (سي مصطفى) أبى إلا أن يتصرف بنفسه ليريح ضميره، فتناول قطعة الورق المقوَّى ووضعها في اتجاه القبلة الصحيح، وانصرف إلى حال سبيله.

بعد يومٍ أو يومين؛ فوجئ الشباب بأن قطعة الورق المقوَّى قد عادت إلى مكانها الأول، وليس غيره (سي احمد) من فعل ذلك! تباً… إننا نحتاج لمعجزةٍ عظمى كي نجعل هؤلاء الكهول يؤمنون بدقة التكنولوجيا، وعرفنا أن الأفضل لنا أن نيأس من محاولة إقناعه، وأن نفعل ما نحن مقتنعون به وكفى.

وذلك ما كان؛ فقد صرنا نصلِّي إلى الجهة الصحيحة، ونخبر بذلك الناس الذين يتفق أن نتقاطع معهم في المسجد، بغضِّ النظر عن الاتجاه الذي تشير إليه قطعة الورق الغبية تلك…

* * *

ومما كان موجوداً في القبو دورة مياهٍ غير معتنىً بها ولها بابٌ مهترئ، وكانت ضيقةً جداً تغلب عليها القذارة، وكنتَ تجد على بابها من الداخل عدة زخارف ونقوشٍ رُسمت بالأقلام والأدوات الحادة، وتتناثر ههنا وههناك عباراتٌ بذيئةٌ جداً وألفاظٌ فاحشةٌ للغاية، وأرقام هواتف لا تدري – أو تدري – سبب وجودها هناك، وأحياناً كنتَ تجد شعاراتٍ سياسيةً جريئة، وهي جرأةٌ تليق بدورات المياه على كل حال! أذكر منها مثلاً عبارة (يسقط بنكيران)، وقد حُفرت على الباب بخطٍّ أسود ثخين، ثم جاء في وقتٍ لاحقٍ من شطب عليها بعنف، واضعاً فوقها علامة x بقلم أحمر منفعل!

مناقشةٌ سياسيةٌ بليغةٌ جداً، وأبطالها أناسٌ لا يعرفون بعضهم بعضاً، ولا يجمع بينهم شيءٌ إلا دورة مياه Dolcy 5 القذرة!

وقرب الباب من الخارج كانت تقوم مغسلةٌ صغيرةٌ مخصصةٌ للوضوء، وكانت هي الأخرى على درجةٍ لا بأس بها من القذارة، وقد وُضعت على حافتها قطعة صابونٍ هزيلةٌ تحتضر، وقد شارفت على النفاد لكثرة ما غُسل بها من الأيدي التي تتوضأ للصلاة.

غير أن الجزء المؤسف من هذا المشهد كان منظر تلك السيدة البائسة التي غلَّف سحنتَها طابعٌ مزمنٌ من الكآبة والحزن، وكانت تمضي كل الأمسيات أو جلَّها جالسةً على كرسيٍّ صغير يبعد ثلاثة أمتارٍ أو أربعةً عن باب دورة المياه، وأمامها طاولةٌ صغيرةٌ وُضع عليها صحنٌ مخصصٌ لتلقي الصدقات، والتي لم تكن سوى تلك الدريهمات التي يجود عليها بها الخارجون من دورة المياه كمقابلٍ لحراستها لهم…

حراسةٌ مماذا؟ من لا شيء!

الخدمة الوحيدة التي تقدمها السيدة هي أن تخبر من ينزل الدرج قاصداً دورة المياه بأنها مشغولة، وليست هذه بخدمةٍ ذات بالٍ كما ترون، لأن الباب يكون مغلقاً من الداخل أصلاً، كما أن حراستها لسترات المتوضئين ومعاطفهم ليست ذات غَناءٍ على كل حال. بل إن الأمر – بكلماتٍ صريحةٍ – هو استجداء إحسان، تسوُّلٌ قُنِّع بشكل فاشل!

أشعر بالأسف كلما رأيتها جالسةً على كرسيها دون حراك، مهنةٌ كهذه تمتهن الكرامة الإنسانية بشكلٍ فاجع، وقد كان صدري ينقبض في كل مرةٍ أشاهد فيها هذا المنظر الذي لا يليق ببني البشر، وأتجنب النظر في عينيها وأنا أضع درهماً على صحنها وأسرع بالانصراف…

سيدةٌ أربعينيةٌ تمضي كل الوقت جالسةً ووجهها إلى دورة المياه على بعد أمتار منها في مقهىً شعبي، لا تفعل شيئاً سوى انتظار ذلك (الدرهم) الذي يجود به عليها ويلقيه في صحنها كل من يمرُّ بجوارها ممن استعمل دورة المياه لتوِّه.

لكم هذا محزن… لماذا لم نسمع حتى الآن أي تغطيةٍ إعلاميةٍ تلقي الضوء على هذه (المهنة) التي لا يكاد يخلو مقهىً منها؟ هذا الصنف من النساء مهمَلٌ ومنسيٌّ تماماً، وأعتقد أنه يستحق التفاتةً حقوقيةً ما، لأن هذا الوضع منافٍ تماماً للكرامة الإنسانية بشكلٍ عام، ولكرامة المرأة بشكلٍ أخص…

وكان من خصائص تلك السيدة أنها هادئةٌ جداً، وصموتةٌ جداً لا تُرى لها حركةٌ ولا يكاد يُسمع لها صوت، إلا كلمةً واحدةً فقط كانت تقولها بشكلٍ آليٍّ تماماً لكل من يضع لها درهماً، وتلك الكلمة هي (شكراً!)، ورغم تعاقب الأشهر والسنوات في مقهى Dolcy 5 إلا أني لم أسمع من المرأة أي كلمةٍ أخرى غيرها! ولو أني ادَّعيتُ لأحدٍ بأن تلك المرأة هي تمثالٌ دائمٌ منصوبٌ هناك، أو إنسانٌ آليٌّ متقن الصنع، أو آلةٌ مبرمجةٌ على نطق كلمة (شكراً!) فور سماعها لصوت اصطدام الدرهم بالصحن، لما بدا ذلك غريباً أو خيالياً، ولما وجد ذلك الأحد أي صعوبةٍ في تصديقي!

وأما ملامحها الكئيبة فكانت جامدةً تماماً على تعبيرٍ واحدٍ لا يتغير، وكأنها بالفعل تمثالٌ قُدَّ من الصخر! لا تبتسم ولا تغضب، لا تضحك ولا تتكلم، ولولا خشية المبالغة لقلت بأن طرفها لا يرتدُّ إليها!

إلا أن جلالاً قد أكد لي، في أحد الأيام؛ أن هناك حالةً واحدةً معينةً فقط شوهدت فيها ملامح المرأة وهي تتغير تغيراً طفيفاً نحو الغضب والعبوس! وبدا لي الأمر عصياً على التخيل، ولم أصدقه في بداية الأمر، ولم أستطع حتى أن أتصور المشهد في ذهني، لكنه أقسم لي يميناً على أنه رآها أكثر من مرةٍ وقد امتقع وجهها قليلاً مع عبوسٍ خفيف، ثم استنتج أن هذا التغير في ملامح المرأة لا يحدث إلا في حالةٍ واحدةٍ فقط؛ وهي مرور (سي مصطفى) بجوارها!

نعم، الآن لا غرابة… إذا عُرف السبب بطل العجب! أستطيع الآن أن أتخيل الوضع بسهولة، والسبب – بطبيعة الحال – هو أن هذا الرجل (سي مصطفى) هو الوحيد في العالم الذي لم يسبق له أن أعطى المرأة أي درهمٍ على الإطلاق، وذلك لأن (ضميره الاقتصادي) لا يسمح له بالخضوع لمثل هذا الابتزاز الصارخ، ولأن الأمر في بعده الفكري متعلقٌ بـ (الأحوال الاقتصادية المتأزمة في إطار الظرفية السوسيولوجية التي يعيش فيها شباب المغـ…)!

على كل حال… بدا الأمر لي مثيراً، وقررتُ أن أتأكد من الموضوع بنفسي، فتحايلتُ مرةً على (سي مصطفى) متحرياً لحظة مروره بجوار السيدة المسكينة، وكانت دهشتي عظيمة حقاً!
ربَّاه! كان جلالٌ العبقري على حق!

ها هو ذا (سي مصطفى) يرتدي معطفه بعد أن فرغ من الوضوء، وها هو ذا يمر بجوارها دون أن يضع لها درهماً، وها هي ذي ملامح السيدة وقد امتقعت قليلاً، مع عبوسٍ خفيفٍ وتقطيبٍ طفيفٍ للحواجب!

يا للهول… ما زال (سي مصطفى) قادراً على إغضاب من لا يغضب!
إن هذا بحقٍّ إنجازٌ عظيمٌ جديدٌ يُضاف إلى إنجازات (سي مصطفى) التي لا حصر لها، وإلى مواقفه الطريفة التي نرويها عنه دائماً، وهي مواقف جديرةٌ حقاً بكتاب (البخلاء) لأديبنا الجاحظ عليه رحمة الله!

* * *

(السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… السلام عليكم ورحمة الله)!

فرغتُ من صلاتي، والتفتُّ لأجد أن الشبحين الواقفين أمامي هما جلال و(سي مصطفى)، وكانا يتمتمان بالقرآن بعيونٍ مسبلةٍ تنظر بوقارٍ إلى موضع سجودهما.

خرجتُ من المسجد لأكتشف أن (قاعة الاجتماعات السرية) قد امتلأت بما يزيد عن عشرة شبابٍ متحمسين! أحياناً أنزل للصلاة فأجد القبو يضجُّ بصراخهم، وأحياناً أخرى أجد في القبو صمت القبور…

سيبدأ الشباب في الصراخ بعد قليل، وسترتفع أصواتهم وتُضرب الطاولاتُ بقبضاتهم، لكن من أجل ماذا ينفعلون بهذه الطريقة المنكَرة؟

بدا لي منظرهم مضحكاً! وخاصةً عندما لا أفهم شيئاً عما يتحدثون عنه ويتشاجرون من أجله… والحق أني أجد صخب الاجتماعات ذاك مضحكاً دائماً؛ أن ترى أولئك الشبَّان الذين يصرخون بأعلى ما في حناجرهم من صوت، ويضربون الطاولة بأشدِّ ما في قبضاتهم من قوة، وتتساءل ساخراً هل هناك فعلاً في هذا العالم موضوعٌ يستحق كل هذا الانفعال؟!

ذكَّرني مشهدهم ببعض فصول الرواية العظيمة (البؤساء) لأديب فرنسا المقتدر (فيكتور هيغو)، وخطر لي انطباعٌ بأن المكان الموحش بإضاءته الخافتة وملصقاته الجدارية الكثيرة؛ شبيهٌ تماماً بمقهى (الموزين musain)، والذي كان يشهد اللقاءات الغامضة التي تعقدها فيه جمعية شباب (أصدقاء الألفباء – Les amis de l’ABC)، من أجل التشاور السري حول إعدادات الثورة على النظام الملكي القائم.

نعم… ما أشبه تلك الاجتماعات الصاخبة الهادرة للشباب الجمعوي في قبو مقهى Dolcy 5 باجتماعات (أصدقاء الألفباء) في مقهى (الموزين)… إنه النور الخافت والطابع العتيق للمكان والملصقات الجدارية الكثيرة، إنه ذلك الصخب، ذلك الصراخ الجماعي، ذلك الانفعال المفرط المبالغ فيه، تلك النظرات الجاحظة الشرسة، تلك الأذرع التي يلوَّح بها بجنون…

الجميع يحاول فرض رأيه بالقوة، وجميع الآراء متصلِّبةٌ لا تقبل التنازل ولا المناقشة، وأما محاولات التهدئة فهي فاشلةٌ كلها بلا استثناء…

ينهض ذلك الشاب المهذَّب باسطاً كفَّه اليسرى وواضعاً طرف سبَّابته اليمنى على باطنها، في إشارةٍ منه إلى (نقطة نظام)، لكن أحداً من المجتمعين لا يعيره اهتماماً، بل ينهض شابٌّ غاضبٌ آخر واقفاً ويقذف بأقسى الكلمات الانفجارية بأعلى صوتٍ ممكن، ويكون بذلك عند نفسه بمثابة من يدلي بشهادةٍ خطيرةٍ إلى محكمة التاريخ، ثم يجلس بعد انتهاء خطبته العصماء والشرر يتطاير من عينيه، لكنه يبدو مع ذلك مرتاح الضمير لأنه (قال كلمته وأدى ما عليه للتاريخ وللبشرية)!

وطبعاً؛ لا يكون الشاب الغاضب قد نجح في شيءٍ إلا في إثارة غضب البقية، والذين ينهالون عليه بالصراخ والعويل وهم يلوِّحون بأيديهم التي تكاد تقتلع رأسه، وعيونهم المشتعلة تكاد تخرج من محاجرها وتسقط على وجوههم، ولولا قوانين الجريمة القاسية لانقضُّوا عليه بلا رحمةٍ وافترسوه وأكلوا لحمه وكبده، وقطَّعوه إرباً إرباً!

أجواء ديمقراطيةٌ فاتنة! لكنها مشاهد متعوَّدٌ عليها في قبو الأشباح لمقهانا العزيز Dolcy 5.

إلا أن فكرة التشبيه بـ (أصدقاء الألفباء) راقت لي حقاً، وألقيتُ نظرة على المجتمعين الذين ما زالوا في طور التسخينات النقاشية ولم تحتقن الأجواء بينهم بعد، كنت أعرف أن اشتعالها قادمٌ لا محالة وأنها مسألة وقتٍ فقط…

ذلك الشاب الوسيم هناك، ذو الملامح القيادية والحضور الآسر، لا شك أنه الزعيم (آنجولراس Enjolras). والمثقف الهادئ صاحب النظارات ذاك، الجالس بجواره، لا بد أنه المفكر العميق (كومبوفير Combeferre). ومن ذاك الذي زحف الصلع إلى رأسه مبكراً؟ نعم… إنه (ليغل Leagle). أرى هناك ضخم الجثة الذي لا يكفُّ عن الثرثرة وإلقاء التعليقات المتهكِّمة… نعم، طبعاً! ومن غيره؟ إنه محبوب الجماهير (غرانتير Grantaire)!

والبقية؟ هم بالتأكيد (جولي Joly) و(كورفيراك Courfeyrac) و(فوي Feuilly) و(باهوريل Bahorel)، ولست أدري هل (ماريوس Marius) معهم في ذلك الاجتماع، أم أنه ذهب إلى حديقة (اللوكسمبورغ) أو متنزه (إيبريا) قرب مسجد محمدٍ الخامس، متحرياً لقاء محبوبته الفاتنة (كوزيت Cosette)!

ابتسمتُ لهذه الخواطر الطريفة، والحق أني لو كنت مخرجاً سينمائياً وأردتُ إخراج مسلسلٍ أو فيلمٍ مغربيٍّ عن قصة البؤساء، فإني ما كنتُ لأجد مكاناً أفضل من هذا القبو لتصوير مشاهد الاجتماعات الثورية؛ اجتماعات (أصدقاء الألفباء) في مقهى (الموزين)!

خلَّفتُ القبو ورائي وصعدتُ الدرج عائداً إلى النور من جديد، تفاديتُ حافة الجدار الهابطة وأنا أدسُّ يدي في جيبي باحثاً عن قطعةٍ نقديةٍ من فئة (عشرة دراهم) لأناولها للنادل العزيز (سي احمد)، والذي ستكون لهذا النص كلماتٌ حوله في الفصل القادم منه بإذن الله تعالى، إذ لا تكتمل اللوحة الأدبية لمقهى Dolcy 5 إلا بالحديث عن نادله العبوس، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من ذكريات المقهى التي تستحق بكتابتها أن تُحفظ من الفناء، ومن أن يسحبها قطار النسيان الذي ينأى بنا عن كثيرٍ من لحظاتنا العذبة وذكرياتنا الجميلة…

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

5 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. […] – الفصل السادس: أصدقاء الألفباء […]

  2. […] – الفصل السادس: أصدقاء الألفباء […]

  3. […] – الفصل السادس: أصدقاء الألفباء […]

  4. […] – الفصل السادس: أصدقاء الألفباء […]

  5. […] – الفصل السادس: أصدقاء الألفباء […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: