Dolcy 5 – الفصل السابع: النادلان (سي احمد) ~

31/05/2015 عند 18:12 | أرسلت فى فـيـض الـمـداد | 4 تعليقات

.

dolcy-7-ahmed

.

* * *

لقراءة الفصول السابقة:

– الفصل الأول: الأبواب المغلقة

– الفصل الثاني: المقر

– الفصل الثالث: لكني وجدت نفسي أحبه

– الفصل الرابع: حب في مخبزة البريد

– الفصل الخامس: أمسيات على قارعة البولفار

– الفصل السادس: أصدقاء الألفباء

* * *

(7) – النادلان (سي احمد) ~

تباشير الربيع في شهر مارس لعام 2014…

الجو يصير أكثر انتعاشاً وإنعاشاً، ويزداد تشبُّع الموجودات بألوانها الزاهية، الأحمر يصير أكثر حمرةً والأزرق أكثر زرقةً والأصفر أكثر صفرة، كل شيءٍ في طريقه إلى أن يصبح برَّاقاً زاهياً، وأما سواد الليل فما زال يولِّي هارباً في ساعات اليوم الخلفية منذ عدة أسابيع.

أذان المغرب صار متأخراً بكثيرٍ عما كان عليه في أيام الشتاء، وهو ما صار يطرح عندنا نفس التساؤل الذي كان يطرحه أذان العشاء في الشهور الأولى من العام، عندما يكون اليوم عبارةً عن ليلٍ طويلٍ تتخلَّله سويعاتُ نهارٍ قليلة: هل نجلس قليلاً بعد صلاة العشاء أم ننصرف؟

والآن في فصل الربيع صار السؤال كالآتي: هل نجلس قليلاً بعد صلاة المغرب أم ننصرف؟

تقرر لدينا في ذلك اليوم أن نعود لمقهانا العزيز Dolcy 5 بعد صلاة المغرب، على اعتبار أنْ ليس عند أكثرنا زوجاتٌ وأولاد ننشغل بهم! ولأن أبا محمدٍ السلفي كان موجوداً فقد أبى إلا أن نذهب للصلاة في مسجد (موسى بن نصير)، ابتغاءً لمزيدٍ من الأجر والثواب بسبب استكثار الخطوات من جهة، وتلمُّساً للقراءة المرتَّلة الجميلة لإمام ذلك المسجد من جهةٍ أخرى.

وتحت أضواء طنجة الوليدة لتوِّها، وفي أعتى لحظات الاشتباك بين النهار المدبر والليل المقبل، كنا نحن الأربعة نشقُّ طريقنا وسط زحام المارة في البولفار الكبير، وقد تخلَّف قليلاً إلى الوراء كلٌّ من جلال و(سي مصطفى)، وأحسب أنهما يتناقشان كالعادة حول المباراة القادمة وأسعار العقار ومشاكل السيارات، في حين كنتُ أصغي لما يقوله أبو محمدٍ السلفي حول غياب التدين وانتشار البدع والمعاصي بين الناس، وشيوع التبرج وقلة الحياء بين نساء المسلمين، ثم نتناقش معاً حول ما قاله الشيخ الفلاني في رده على الداعية الفلاني بخصوص النازلة الأخيرة التي أثارت جدلاً واسعاً في الساحة الدينية والفكرية…

وصلنا أخيراً… وعدنا لقواعدنا سالمين في مقرنا المركزي، لكن لحظة!

ما هذا؟!

اتسعت عيوننا من الدهشة والمفاجأة، وقلَّب (سي مصطفى) وجلال أكفَّهما تعجباً واستغراباً… هذه مقاعدنا التي تركناها في خارج المقهى وقد احتلها أناسٌ آخرون جاؤوا في فترة ذهابنا للصلاة، كانوا يرمقوننا بنظراتٍ مستغربةٍ متحديةٍ تقول بوضوحٍ تام: (من أنتم وما تريدون؟).

اشرأبَّ جلال بعنقه إلى داخل المقهى متلمِّساً النادل (سي احمد)، في حين هتف (سي مصطفى) بصوتٍ حانقٍ وهو يتميَّز غيظاً:

– “(سي احمد)! سحقاً! ما هذا السخف؟!”

وما إن رآنا (سي احمد) وقد عدنا إلى مقهاه حتى هبَّ إلينا بخطواتٍ واسعةٍ متسارعةٍ وهو يحمل صحفة الأكواب والأباريق، ليجدنا جميعاً نحدِّق فيه بعيونٍ ناريةٍ ونحن نقاوم رغبتنا في تمزيق جثته! قال وهو يزمُّ شفتيه مدارياً حرجه دون أن يتخلى عن شيءٍ من وجومه وعبوسه الدائمين:

– “لكن… والله حسبتكم قد انصرفتم بشكلٍ نهائي! لم أعرف أنكم ستعودون!”

أجابه جلال بلهجةٍ حاول جعلها تبدو مهذبةً لكن دون جدوى:

– “هداك الله يا (سي احمد)، هداك الله! ليست هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها شيءٌ كهذا، ثم بالله عليك؛ هل كنا لننصرف دون أن ندفع ثمن ما شربناه؟!”

قال (سي احمد) وهو يجيل بصره في وجوهنا جميعاً:

– “أفما كنتم لتضعوا شيئاً على مقاعدكم حتى أعرف بأنكم عائدون؟ ما كنت لأمنع زبوناً من الجلوس في مقعدٍ شاغرٍ ليس فيه ما يدلُّ على أن صاحبه انصرف لدقائق وسيعود!”

فكرتُ في أنه محق… كان علينا أن نضع – كما كنا نفعل دائماً – شيئاً ما على مقاعدنا للإشارة إلى أنها محجوزة، لكننا كثيراً ما لم نكن نجد ما نضعه على المقاعد، فإذا لم يطلب (سي مصطفى) إبريق الشاي الذي يصعد – كما يزعم – إلى دماغه مباشرةً قبل أن ينزل إلى معدته، فلا سبيل إذاً للحصول على قطعة الثوب التي توضع على مقبض الإبريق لتحمي الكفَّ من حرارته، وحتى لو حصلنا على واحدةٍ فمن أين نأتي بأخرى وأخرى لبقية المقاعد؟ كما أنه ومنذ أقلع جلال عن التدخين لم نعد في حاجةٍ إلى منفضة السجائر، وصرنا ندفعها إلى الطاولة المجاورة.

تدخل أبو محمدٍ السلفي لتهدئة الأوضاع ومنعها من الاشتعال:

– “لا بأس، لا بأس، لعله خير… على العموم سننصرف الآن، فلتعذرنا يا (سي احمد)، هو سوء تفاهمٍ لا أكثر… أعانك الله.”

وفي الطريق إلى مواقف سيارات الأجرة قرب (سينما موريتانيا)، كان جلال يزمجر وقد استبدَّ به الغضب:

– “تباً له! إنه يتعمد ذلك، لهذا أقول لكم دائماً أن علينا الجلوس في الداخل!”

ولم يكن (سي مصطفى) أقل منه هيجاناً وغضباً:

– “تباً! سحقاً! أشعر أن هذا الأمر متعمد! لم يكن يحدث هذا في الماضي لكنه صار يحدث الآن، ما معنى هذا؟! والله لولا أن Dolcy 5 تقع في موضعٍ ملائم، ووالله لولا أن الشاي فيها هو الوحيد الذي يصعد إلى دماغي مباشرة، لما عدت للجلوس فيها أبد الدهر! من يظن نفسه (سي احمد) هذا؟ وكأنه ضاق ذرعاً بنا ويريد طردنا من المقهى! وهل هو مقهى أبيه أو ورَّثه له جده؟! وهل نحن نتسوَّل من عنده القهوة والشاي؟ إننا ندفع ثمنها من جيوبنا ومن أموالنا التي نبذل فيها ساعات يومنا وعرق جبيننا!”

عربيٌّ حارُّ الدماء هذا الفتى… هوِّن عليك يا (سي مصطفى)! لا أعتقد أن الأمر يستحق كل هذا الغضب… لكنه المدخل الشهير للشيطان عندما يريد الإفساد بين المسلمين؛ الإيهام بأن الآخر قد أراد بتصرفه ذاك إهانتك والنيل من كرامتك، وأن سكوتك عن ذلك سيُعتبر ذلةً ومهانةً وخزياً، لذلك يجب الأخذ بالثأر والتكشير عن الأنياب واستعراض عضلات القوة دفاعاً عن الكرامة التي يراد هدرها… أكثر العداوات والخصومات بين الرجال تقوم لأسباب كهذه، وما زال الغلو في تفسير بعض الأقوال والتصرفات البسيطة على أن لها خلفيةً باطنةً تخالف ظاهرها البريء، ويراد بها استهداف الكرامة والنيل من الشرف، من أكثر البيئات خصوبةً لنثر البذور الشيطانية التي تنبت زقُّوم العداوة والبغضاء بين المسلمين.

لو عبَّرت عن خواطري هذه لجلال لاتهمني بالسذاجة وبإحسان الظن أكثر مما يلزم، لكني لست قلقاً على (سي مصطفى) في نهاية الأمر، سينسى الأمر برمَّته بعد دقائق قليلة! إن له قدرةً عجيبةً على إعادة العدَّاد إلى الصفر دون الاحتفاظ بأية أحقاد أو ذكرياتٍ سيئة، وغداً سأراه يتبادل القهقهات والتعليقات الضاحكة مع (سي احمد) وكأن شيئاً لم يكن، والحق أن هذه من أكثر الخصال الطيبة التي أحبها في (سي مصطفى) وأقدِّرها كثيراً…

* * *

وحتى أسلط مزيداً من الضوء على عنصر (النادل) في مقهانا المفضل Dolcy 5، والذي نأمل أن نحسن التأريخ له في هذا النص المتواضع، فإني أخبركم أنه كان للمقهى نادلان طيبان دائمان، يتقاسمان اليوم إلى قسمين؛ قسمٍ للفترة الصباحية وقسمٍ آخر للفترة المسائية، وكان يحدث أن يتبادلا الأدوار أحياناً، بحيث ينتقل النادل الصباحي إلى فترة المساء والعكس.

وأما ما يرتديه النادلان من الملابس فكان شيئاً فظيعاً ينمُّ عن ذوقٍ بشعٍ للغاية، وأرى أن من اختار لهما تلك الملابس مستحقٌّ للمحاكمة الصارمة ولعشر سنواتٍ سجناً نافذاً! وكانت تلك الثياب الموحدة – لإضفاء طابعٍ من النظام والأناقة – عبارةً عن سروالٍ من الثوب الأسود أصابه البلى، حتى كاد يفقد لونه الفاحم ليتحول إلى شيءٍ يشبه الرمادي البرَّاق! وقميصٍ أبيض فقد الكثير من بياضه هو الآخر، وفوق القميص كانت هناك صدريةٌ بلا أكمام، ولم يكن لها لونٌ واضحٌ إلا ما نتج من تداخل تلك الخطوط العمودية الكثيفة المزدحمة بيضاء وسوداء، أو رماديةٍ وسوداء لا أدري بالضبط! وهو ما جعل منظرهما الخارجي أشبه أحياناً بشاشة تلفازٍ معطل! وأحياناً أخرى يبدوان مثل سجينين من سجناء الأفلام القديمة، أو لعلهما كذلك فعلاً! ولو أن الخطوط في الصدرية كانت عموديةً وأكثر اتساعاً وأقل عدداً، لكانا أشبه شيءٍ بشخصيات المسلسل الكرتوني القديم Les daltons.

والأسوأ من هذا كله كان ارتداءهما لربطة عنق، وأظن أنه يراد بها – من وجهة نظرٍ تسويقيةٍ نفسيةٍ – إشعار الزبون بأنه إنسانٌ مهم، لأنه يجلس في مقهى يقوم على خدمته فيه أناسٌ متأنقون يرتدون ربطة عنق!

كان اسم النادل الأول (أحمد)، وأما النادل الثاني فكان اسمه – وهذه مشكلة – (أحمد) أيضاً!

صار عندنا الآن اثنان من (سي احمد)، وقد احتجنا إلى طريقةٍ ما للتمييز بينهما تفادياً للخطأ والخلط، وحتى يعرف الأصدقاء من منهما بالضبط المقصود بالحديث. ثم إنه قد عُقدت مشاورةٌ جديةٌ حول هذا الموضوع، وأسفر الاجتماع المنعقد عن قرارٍ نهائيٍّ هو كالآتي:

– “هذا نسميه (سي احمد رقم واحد)، والآخر (سي احمد رقم اثنين)!”

عُلم ويُنفذ!

إلا أن هناك مشكلةً سرعان ما طفت على السطح لتفسد علينا قرارنا (الحكيم) هذا؛ إذ لم تمض سوى أيامٌ قليلةٌ حتى (تلخبط) الشباب بين الرقمين، وما عدنا نذكر أي الرجلين أطلقنا عليه الرقم واحد، وأيهما صاحب الرقم اثنين!

وهكذا فشل القرار الأول فشلاً ذريعاً، وصار لزاماً علينا البحث عن حلٍّ بديل…

وكان جلال قد زعم بأنه توصل – بعبقريته المعهودة – إلى طريقةٍ فعالةٍ تنهي اللبس بشكلٍ نهائي؛ وهي أن نطلق على أحدهما (سي احمد الصباح)، وعلى الآخر (سي احمد المساء)!

ولا داعي للذكر – طبعاً – بأن خطة جلالٍ (العبقرية) هذه قد وُلدت ميتة! لأن الدوريات بين النادلين تتغير باستمرارٍ في كل مرة، وحصة الصباح عند أحدهما قد تتحول إلى حصةٍ مسائيةٍ في أية لحظة، والعكس صحيح، فلم يكن هنالك أي معنىً لبناء التمييز بينهما على أساس الحصة الصباحية لأحدهما أو الحصة المسائية، لذلك كان علينا أن نتوصل إلى تفريقٍ صارمٍ بين الرجلين لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان، وهو ما وُفِّقنا إليه بعد حين…

ذلك أن أحد النادلين كان حليق الوجه تماماً، في حين كان الآخر يصطنع شارباً، وبهذا توصلنا إلى الحل الجذري لهذه المشكلة العويصة، وصار عندنا أخيراً (سي احمد شوارب)، وزميله (سي احمد بلا شوارب)! وقد نجحت هذه الطريقة نجاحاً تاماً وآتت أُكلها والحمد لله، ولم يعد يشكِّل التفريق بين الأحمدين أي لُبسٍ يُذكر…

ولما لم تكن الحصص المسائية لـ (سي احمد بلا شوارب) كثيرةً بالمقارنة مع حصص زميله، فإن تعاملنا معه كان محدوداً بعض الشيء، ولذلك سأكتفي بكلماتٍ قليلةٍ موجزةٍ ستكون كافيةً في وصفه.

كان (سي احمد بلا شوارب) رجلاً في الأربعينيات من عمره، أو هكذا يبدو! وكان نحيلاً جداً، ولولا انحناءةٌ خفيفةٌ في ظهره لبدا أطول مما هو عليه.

وأما تقاسيم ملامحه السمراء فكانت توحي بالكآبة والتجهُّم والعبوس، فقد كان مكفهرَّ الوجه أبداً، غائر العينين صغيرهما، معقوف الأنف، دقيق الذقن، لا أذكر أني رأيته مبتسماً قط، وأما نظراته الثاقبة المخترقة بشكلٍ يوهمك بأنها حقودةٌ جداً، فقد كانت توحي بأنه يريد بك شراً مستطيراً، وأنه لا يطيق وجودك بالقرب منه، وأنه يرغب في الخلاص منك في أية لحظةٍ وبأية طريقة!

باختصار… لقد اجتمع في مظهر (سي احمد بلا شوارب) جميع المواصفات التي تجعله ملائماً تماماً لدور (شرير السينما)، أو (السفَّاح) الذي يتسلى في وقت فراغه بذبح البشر وأكلهم على العَشاء! والحقيقة أني ما كنت لأستغرب لو فاجأتنا يوماً ما سيارة (الأمن الوطني) وهي تشقُّ شارع البولفار، ثم ليداهم رجال الشرطة المسلحون المقهى ويلقوا عليه القبض، ويقتادوه مقيداً مسحوباً إلى السيارة، لأجل أن ينال جزاءه العادل على جرائمه الشنيعة التي اقترفها في أيامه الماضية!

لقد انتظرت لحظةً كهذه وتوقعتها، لكنها – وخلافاً لتوقعاتي – لم تأتِ! بل لقد أثبت تعاقب الشهور والسنوات أن (سي احمد بلا شوارب) رجلٌ مسالمٌ وطيبٌ جداً، حسن الأخلاق، ومهما فتشتُ في ذاكرتي فلن أجد في صفحته أي شيءٍ مريبٍ على الإطلاق، وكان علي أن أستسلم في النهاية لحقيقة أننا لم نر منه شراً قط، بل لم نر منه في الواقع إلا خيراً! وكانت هذه من الوقائع التي علَّمتنا ألا نحكم على الناس من مظاهرهم الخارجية، ومن انطباعاتهم الأولى، وأن الصور كثيراً ما تكون خادعة.

لقد تعاملتُ كثيراً في حياتي القصيرة الماضية مع أناسٍ ملائكيين في مظهرهم الخارجي، لكنهم ينطوون في دواخلهم على وغدٍ شريرٍ لا خلاق له، وهذه المرة كان علينا أن نعترف بأن العكس قد يكون صحيحاً أيضاً، وبأن المظهر الشرير قد يخفي وراءه نفساً طيبة وأخلاقاً حسنة.

على أن من السذاجة البالغة إطلاق استنتاجٍ متسرعٍ كهذا، لأننا – عملياً – لم نتعرف على (سي احمد بلا شوارب) بما يكفي، بل كانت علاقةً سطحيةً لا تتجاوز علاقة الزبون بنادل المقهى، وهي علاقةٌ لا تكفي لتكوين أي رأيٍ أو إصدار أي حكم.

ربما كان شريراً فعلاً، وربما كان حقاً يذبح الناس ويطبخهم ويتناول لحومهم على العَشاء! لكن ما من سبيلٍ لإثبات ذلك على كل حال، وحسبنا منه أننا لم نر منه شراً طيلة هذه السنوات التي تعاملنا معه فيها في مقهى العجائب Dolcy 5.

على كل حال، ما علينا… دعونا منه الآن ولننتقل إلى بطل الأمسية ومحبوب الجماهير؛ النادل الكهل الذي لا يؤمن بالتكنولوجيا، والذي بسببه كنا نصلي المغرب والعشاء في اتجاه (زمبابوي) طيلة خمس سنواتٍ خلت أو زهاءها… إنه الأستاذ الكبير والنادل المقتدر (سي احمد شوارب)!

كان (سي احمد شوارب) أكثر اجتماعيةً وثرثرةً من زميله الـ (بلا شوارب)، وهو رجلٌ من النوع الذي يشيب شعره ولا يشيب شاربه، خمسينيُّ العمر أو هكذا يبدو! يضع نظاراتٍ على عينيه، ولما كانت معظم حصصه مسائيةً فقد جعله ذلك حاضراً في أكثر جلساتنا في مقهانا العجيب، حتى أنه حفظ وجوهنا جيداً وحفظنا حركاته وكلماته، وكان يخاطب الأصدقاء بأسمائهم، بل كثيراً ما كان يأتي للسلام علينا ومصافحتنا عندما نحتلُّ مقاعدنا في نهاية اليوم، وهي علامةٌ نادرةٌ تدل على أن هناك علاقةً وديةً وطيدةً نشأت بين نادل المقهى وزبنائه الدائمين.

غير أن ما فاجأني حقاً هو أنه عرف اسمي وصار يخاطبني به، رغم أني لم أخبره به من قبل، بل لا أذكر أني دخلت معه في أي حديثٍ أو نقاشٍ قط، فمن أين عرف اسمي؟ ومن أطلعه عليه؟ هل يكون أحد الأصدقاء أخبره به؟ ولماذا يفعل؟ سألتهم جميعاً فلم يعترف أي واحدٍ منهم – الأوغاد! – بأنه أخبر النادل باسمي، أو ذكرني عنده من قبل بخيرٍ أو شر!

لا بأس… سأبحث أكثر في هذا الموضوع لاحقاً، ويبدو أن (سي احمد شوارب) بات يحب أن يتجاذب معنا أطراف الحديث، وصار يروق له أن يتبادل مع جلال و(سي مصطفى) تعليقاتٍ كرويةً حول المباريات الراهنة، وحول ما جدَّ في عالم (ميسي) و(البارسا) و(الريال مدريد) والدوري الإسباني و(الكلاسيكو) وغير ذلك من هذا الهراء الذي أمقته ولا أفقه فيه حرفاً. ثم يحلو له أحياناً نقل دفة الحديث إلى الأحداث العالمية والقضايا الشائكة، وكانت لدى (سي احمد شوارب) آراء ومواقف سياسيةٌ يعبِّر عنها بحماسةٍ شديدة، وتتلخص كلها في فكرةٍ بسيطةٍ جداً مفادها أن (قناة الجزيرة) هي الأفعى المسمومة التي تقف وراء جميع الكوارث والمصائب العظمى التي نعاني منها، وأن مذيع القناة (فيصل القاسم) هو السبب الحقيقي والأكبر وراء كل الاضطرابات والفتن والحروب التي تستعر نيرانها في عالمنا العربي والإسلامي! وكان (سي مصطفى) يتفق معه في هذا الرأي اتفاقاً تاماً، رغم أن (سي احمد شوارب) نفسه كان يضع التلفاز على (قناة الجزيرة الإخبارية) أغلب الوقت! وأحياناً كان يغيِّر القناة إلى (ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي)، وكل هذا طبعاً في حال لم تكن هناك مباراةٌ من مبارايات الكرة التي يتكدَّس الشباب لمتابعتها بملامح ذاهلةٍ وشفاهٍ سفلى متدلية.

وكنا نتلقى من نادلنا العزيز أحياناً نصائح (أبويةً) يسديها لنا خالصةً من قلبه، على اعتبار أنه سبقنا إلى هذه الدنيا وخبر الحياة أكثر منا بكثير. وكان من نصائحه لنا ذات يومٍ أن نتجنب – ما أمكننا ذلك – تناول لحم الخنزير، لأنه يقتل الغيرة ويورث الدياثة! وكان قد تحمس لنصيحته هذه بشدة، وأقسم عليها أغلظ الأيمان!

– “أقسم بالله العظيم أن هذا حق! إياكم أن تأكلوا لحم الخنزير، جميع الرجال الذين أكلوه تحولوا إلى خنازير! ولم يعد الواحد منهم يغار على نسائه وحُرَمه! هذا أمرٌ ينبغي الانتباه له وأخذه على محمل الجد! والله إنه لحقٌّ وليس مجرد خرافاتٍ وكلامٍ فارغ!”

هززنا رؤوسنا في اتعاظٍ وتأثرٍ بموعظته البليغة هذه، ووعدناه بأن نبذل جهودنا للتخلي عن هذه العادة القبيحة، والتوقف – ما أمكننا ذلك – عن أكل لحم الخنزير!

الأمر صعبٌ يا (سي احمد) لكننا سنحاول، نعدك!

ثم إني قد احتجتُ زمناً طويلاً كي أتعود على طريقته الفريدة في خدمة زبائنه، ولا سيما في بداياتي (الدولسية)، إذ أن حدة السمع وسرعة رد الفعل لدى (سي احمد شوارب) هي مهاراتٌ تجعله يسرع لتلبية طلب الزبون بسرعةٍ فائقةٍ دون أن يهزَّ رأسه أو يظهر له بأنه سمع طلبه! وكان عندما يقف أمامي منتظراً ما سأقول، وما أن أنطق بالحرف الأول من كلمة (قهوة):

– “قـ…”

حتى يكون قد انصرف وتوارى في داخل المقهى، تاركاً إياي أكمل الجملة وحدي كمن يكلم نفسه:

– “…ـهوة بالحليب لو سمحت!”

وهو ما كان يبدو لي – قبل أن أتعود عليه – استهتاراً بالزبون وانصرافاً عنه وتجاهلاً لطلبه، وقد هممتُ أكثر من مرةٍ بمناداته والنهوض للحاق به، لولا أن (سي مصطفى) كان دائماً يجذبني من ذراعي ليعيدني إلى وضع الجلوس وهو يقول:

– “لا داعي، لا داعي، لا تقلق! لقد سمعك تماماً، وسيأتيك بما طلبته بعد قليل. هذا هو (سي احمد) وأنا أعرفه، يجب أن تتعود عليه! ويجب أن تتذكر دائماً أنه لا يعترف بما يسمى (إشعاراً باستلام)، ليس عنده في قاموسه شيءٌ اسمه accusé de réception.”

هكذا إذاً… لا بأس، يجب أن أصبر وأمري لله! خاصةً وأن (سي احمد شوارب) كان بالفعل يعود بعد لحظاتٍ حاملاً معه كوب القهوة الذي طلبته منه بلا زيادةٍ ولا نقصان…

يجب أن أعترف أن هذا الـ (سي احمد شوارب) رجلٌ بارعٌ حقاً في مهنته، ومن الواضح أنه راكم خبراتٍ طويلةٍ استمرت لأعوامٍ مديدةٍ في مهنة نادل المقهى، حتى صارت لديه تلك المهارة التي تشبه مهارة لاعبي السيرك في المشي مسرعاً مهرولاً وهو يحمل صحناً متخماً بأباريق الشاي وأكواب القهوة، دون أن يفقد توازنه ودون أن يُسقط شيئاً من ذلك على الأرض.

إلا أن نادلنا العزيز قد اكتسب – مع مرور الزمن – عادةً قبيحةً جداً، وصار يفعل شيئاً هو أسوأ ما يمكن أن يفعله نادلٌ في مقهى…

لقد صار (سي احمد شوارب) يقتطع بنفسه ذلك الدرهم الإضافي الذي نتركه له على سبيل الـ (بقشيش)، ولم يعد يكلِّف نفسه عناء القيام بتلك الحركة المصطنعة التي يجيدها كل نادلٍ في كل مقهى، عندما يتظاهر مجرد تظاهرٍ بأنه يهمُّ بإعادة الدراهم الباقية كاملة، ليشير الزبون بتلويحةٍ خفيفةٍ من يده تقول (لا بأس، خذ الباقي)! فيلقي النادل عبارة شكرٍ ممتنةً ويواصل عمله.

لقد كان هذا هو الحال في الأيام الأولى، لأن ثمن القهوة في مقهى Dolcy 5 هو تسعة دراهم، وكنا إذا أعطينا لـ (سي احمد شوارب) قطعةً نقديةً من فئة (عشرة دراهم)، فإنه يهمُّ بإعادة درهمٍ واحدٍ لنا، لكننا نشير بأيدينا بما معناه (لا داعي، خذ الباقي)، ونولي منصرفين ونحن نسمع دعاء النادل لنا: (شكراً، الله يخلف، الله يرحم الوالدين).

وقد صار (درهم البقشيش) هذا من الأعراف السائدة في المجتمع، وعندنا كذلك في مقهانا، وصار مسلَّماً عند الجميع أن سعر القهوة في Dolcy 5 هو عشرة دراهم وليس تسعة. وأما العجيب في الأمر هو ما ثبت لنا من أن (سي مصطفى) نفسه يترك درهم البقشيش لـ (سي احمد)! وهذه معجزةٌ خارقةٌ لم نكد نصدِّقها حتى تأكدنا منها بأنفسنا، وقد برَّر (سي مصطفى) استثناءه هذا بلهجةٍ خجولةٍ كمن يداري عيباً أو يعترف بخطيئةٍ أو ذنب:

– “أأأ… في الواقع… في الحقيقة… إن (سي احمد) صديقٌ عزيز… وإن Dolcy 5 بمثابة بيتنا الثاني، فلا بأس إذاً ببعض الاستثناء والمرونة أحياناً، رغم أن درهم البقشيش هذا لا أساس له من الناحية الاقتصادية وقد يكون له تأثيرٌ سلبيٌّ على المدى الطويل!”

إلا أن المشكلة بدأت عندما صار (سي احمد شوارب) متعوداً تماماً على درهم البقشيش هذا، وصار إلى اقتطاعه بنفسه مما نعطيه له من الأوراق النقدية، وتخلى تماماً عن تلك الحركة التمثيلية التي يهمُّ فيها بإرجاع الباقي لنا… بمعنى أنه صار يدسُّ قطعة العشرة دراهم في جيبه وينصرف، وإذا ما أعطيناه ورقةً نقديةً من فئة عشرين درهماً اكتفى بأن يردَّ علينا قطعةً من عشرة دراهم فقط دون الدرهم اليتيم المتبقي!

وهنا دقَّ ناقوس الخطر عند الأصدقاء…

– “ليست هذه هي المرة الأولى التي يفعلها… هذا تطاولٌ غير مقبول!”

– “إن الزبون يترك للنادل درهم البقشيش تفضلاً منه وتكرماً، وأما أن يأخذه النادل بنفسه فهذا نقص احترامٍ وقلة أدب… يجب أن نوقف (سي احمد) عند حده… من يظن نفسه؟ هذا كثير!”

وعادت من جديد مسألة (صراع الكرامة) تلك…

إن درهماً واحداً لا قيمة له في واقع الأمر، والذي أغضب الأصدقاء – لو أردنا تحليل الأمر من وجهة نظرٍ نفسيةٍ – ليس قيمة المال المأخوذ، لكن طريقة أخذه التي فسَّروها وفهموها على أنها تطاولٌ وقلة احترامٍ واستغفال، والاستغفال ينطوي دائماً على استهانةٍ واحتقار، وهو ما يُعتبر استهدافاً غير مقبولٍ للشرف والكرامة!

لم يكن ما يطلبه الأصدقاء أن يأخذوا الدرهم المتبقي، لكن الذي كانوا يطلبونه هو فقط أن يستمر (سي احمد شوارب) في أدائه لتلك الحركة التمثيلية! هم يريدونه فقط أن يتظاهر بأنه يهمُّ بإرجاع الباقي، ليقوموا هم بالصفح عنه بحركةٍ من أيديهم… هذا هو مطلبهم الوحيد الذي يمنحهم الشعور بأن التفضل والتكرم جاء منهم، وإلا عُدَّ ذلك استغفالاً لهم واستخفافاً بشأنهم من طرف نادل المقهى… وهي في واقع الأمر مفارقةٌ عجيبة!

وقد انعقد بيننا اجتماعٌ طارئٌ لتدارس هذا الأمر، وكان أبو محمدٍ السلفي قد بدأ الاحتجاج فعلاً، وهو ما رواه لنا بصوتٍ منخفضٍ ونحن نتقارب من بعضنا البعض برؤوسنا، كي لا يسمعنا (سي احمد شوارب)!

– “لقد استوقفتُه بالأمس بعد أن همَّ بالانصراف، وسألته بأدبٍ عما إذا كان سعر القهوة قد تم رفعه، فأجفل وارتبك وبدا عليه الحرج الشديد، ثم…”

(سي احمد شوارب) يمر بجانبنا، تتباعد رؤوسنا ونطلق ضحكاتٍ مصطنعةً على مواضيع لا علاقة لها بما كنا نتحدث عنه… لقد مرَّ وابتعد أخيراً والحمد لله، تتقارب رؤوسنا من جديدٍ ويواصل أبو محمدٍ كلامه:

– “كنت أقول أنه ارتبك بشدة، وقال بأنه لا وجود لأي زيادةٍ في سعر القهوة، الأمر وما فيه أنه نسي إرجاع الدرهم المتبقي، وأدخل يده في جيبه ليعيده لي، لكني لم آخذه منه وقلت له بأنْ لا بأس، وبأني كنت أريد التأكد لا أكثر…”

قال جلال ضاحكاً وكان قد أخذ الموضوع على محمل الجد:

– “أوقد فعلتها؟ لله درُّك! أتمنى أن يفهم إشارتك هذه، وإن لم يفهمها فسيكون مستحقاً لتصعيد.”

تدخل (سي مصطفى) قائلاً وقد أثار الموضوع غيظه:

– “يفهم أو لا يفهم! يجب أن نوقفه عند حده، هذا هو ما كان يقصده الشاعر بقوله (وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا)… نتفضل عليه بدرهمٍ كاملٍ له وزنه الثقيل في ميزانية الدولة، لكننا نتنازل عنه رغم أن تراكم هذه الدراهم الضائعة يحدث خللاً في البنية المالية ويؤثر على مصداقية المؤشرات الماكرواقتصادية للمملكة، ثم يكون جزاؤنا مقابل هذه التضحية اليومية أن يتصرف بهذه الطريقة المتغطرسة! لنقطعنَّ عنه هذا الدرهم إلى الأبد فهو لا يستحقه، ووالله لا يصلح معه إلا…”

(سي احمد شوارب) يقترب من طاولتنا، تتباعد رؤوسنا من جديدٍ وتستوي وضعيات جلوسنا، ونصطنع ضحكاتٍ وأحاديث تافهةً لا علاقة لها بالموضوع… يمرُّ (سي احمد) بجانبنا عابساً كعادته وهو يرمقنا بطرف عينيه بتشككٍ واضح، وما أن ابتعد حتى تقاربت رؤوسنا من جديدٍ واستؤنفت الوشوشة:

– “ماذا كنت أقول؟ آه، نعم… قلت بأنه لا يصلح معه إلا أن نقطع عليه هذا البقشيش الذي لا يستحقه، بدءاً من الغد سنظل واقفين على رأسه ننتظر منه أن يعيد لنا الباقي كله، وحتى لو انصرف نستدعيه ونستخلصه منه رغماً عنه، وعندما يعطينا الدرهم لا نتركه عنده، بل نضعه فعلاً في جيوبنا وننصرف! هكذا فقط سنقتل غروره وعجرفته، ونعلِّمه أننا لسنا أطفالاً ولسنا أغبياء ولسنا غافلين.”

قال جلال وقد راقت له الفكرة وتحمس لها:

– “نعم… أوافقك في هذا تماماً، ويجب أن نتحد على ذلك جميعنا حتى لا يظن أن المسألة موقفٌ شخصيٌّ مع واحدٍ منا فقط، فهل اتفقنا؟ بدءاً من الغد إن شاء الله؛ لا بقشيش لـ (سي احمد)، اتفقنا؟”

وجاءت الأجوبة المتحمسة بالقبول:

– “اتفقنا!”

– “اتفقنا!”

– “اتفقنا!”

وهكذا تمت حياكة مؤامرتنا الصغيرة هذه ضد (سي احمد شوارب)، وأما ما حدث بعد ذلك فهو شيءٌ أخجل من ذكره! لأنه وإن كانت نسبة نجاح المؤامرة من الناحية النظرية 100%، فإن نسبة نجاحها من الناحية العملية لم تتجاوز 0%.

كيف ذلك؟

الجواب ببساطة: نسينا الأمر برمَّته بعد دقائق، ولم ننفذ شيئاً!

غلبت علينا العادة فاستمررنا على نفس الوتيرة، أو ربما كان ما غلب علينا حقاً هو الخجل أو الحياء، إذ لم يكن من اللائق أن تلحَّ على استخلاص درهمٍ واحدٍ من نادل المقهى الذي ظللت تجلس فيه وتتفيَّأ من ظلاله خمس سنواتٍ كاملةٍ أو أكثر.

وفي الحقيقة… كان هذا رأيي منذ البداية، فحتى لو كان (سي احمد شوارب) وغداً شريراً يختلس درهم البقشيش ويقتطعه بنفسه بطريقةٍ متعمدة، فلا بأس عندي في ذلك، ليفعل ما بدا له! أن أتغافل عن الأمر وأتناساه تماماً ولا أعيره أي اهتمامٍ أفضل وأخفُّ مؤونةً من أن أكلف نفسي عناء مواجهته بالخطط والمؤامرات والمواقف المحرجة، لا لشيءٍ سوى لأثبت له أني صعب المراس ولستُ غافلاً ساذجاً، وأنه لا يُضحك علي حتى في درهم بقشيشٍ واحد!
لا يبقى في النهاية إلا المعاملة الطيبة والذكرى الجميلة…

لم يمض وقتٌ طويلٌ على واقعة البقشيش هذه حتى تم إغلاق Dolcy 5 بشكلٍ نهائي، ولم نر (سي احمد شوارب) بعد ذلك إطلاقاً في أي مكان، وتحول النادل الكهل العبوس إلى ذكرى باسمةٍ نسترجعها أحياناً في مقاهٍ أخرى لا (سي احمد) فيها، وسط قهقهاتٍ عالية أحياناً، ووسط ابتساماتٍ مفعمةٍ بالحنين أحياناً أخرى…

(( يـُــتبع >> ))

Advertisements

4 تعليقات »

RSS feed for comments on this post. TrackBack URI

  1. […] – الفصل السابع: النادلان (سي احمد) […]

  2. […] – الفصل السابع: النادلان (سي احمد) […]

  3. […] – الفصل السابع: النادلان (سي احمد) […]

  4. […] – الفصل السابع: النادلان (سي احمد) […]


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم.
Entries و تعليقات feeds.

%d مدونون معجبون بهذه: